[
    {
        "id": "1",
        "sura_number": "1",
        "ayah_number": "1",
        "aya": "",
        "sura": "الفاتحة",
        "mediator": "{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }<br>الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.<br>وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا \"وسم\".<br>ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير \"اسم\" سُمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه: أوسام، وفى تصغيره وسيم.<br>ولفظ الجلالة وهو \"الله\" علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.<br>قال القرطبى: قوله \"الله\" هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -<br>و{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب تقتضى الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه. <br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.<br>ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.<br>أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإِحسان. و{ ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.<br>ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ فى أسماء الذات. قال - تعالى-:  { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ }  و  {  ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }  } {  { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ  }  }،  وهكذا...<br>أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }  } - {  { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }  } ،{  { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }  إلخ.<br>قال بعض العلماء \"وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها\".<br>والجار والمجرور \"بسم\" متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.<br>والمعنى: ابتدئ قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.<br>هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -  { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }  } .ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.<br>فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا \"آمين\". فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.<br>وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه.<br>ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.<br>وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.<br>وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام.<br>{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }<br>{ الحمد } هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>{ رب العالمين } أى: مالكهم، إذ الرب مصدر \"ربه يربه\" إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.<br>والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -<br>قال القرطبى: \"وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده\" وقيل: المراد بالعالمين أولو العلم من الإِنس والجن والملائكة. <br>وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لأنه سبحانه أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.<br>والمعنى - كما قال ابن جرير - \"الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً.<br>فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - سبحانه - هو رب العالمين.<br>وجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: \"الكرم فى العرب\". كما أن أل فى \"الحمد\" للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.<br>وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.<br>ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه - وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإِصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف. <br>وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله. فقال:<br>اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام. سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر. <br>إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله \"الحمد لله\" تصريحاً بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة... وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال \"الحمد لله\"، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.<br>وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.<br>وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }، بوصف آخر هو { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - بـ { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: مالكهم، قد يثير فى النفوس شيئاً من الخوف أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتاً، وذلك مما يخدش من جميل التربية، وينقص من فضل التعهد.<br>لذا قرن - سبحانه - كونه مربياً، بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون. <br>ولا شك أن فى هذا الإِفهام تحريضاً لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإِحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون يرحمهم الرحمن.<br>{ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }<br>بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى الرحيم، والمنعم الكريم، أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشئ مع القدرة على التصرف فيه. واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مراداً هنا، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة.<br>والدين: الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع، أى: جازيته على صنيعه، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى: كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\" أى: حاسب نفسه: والمعنى: أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى -  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وهناك قراءة أخرى للآية وهى { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } من الملك - بضم الميم - وعليها يكون المعنى: أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شئ فى ذلك اليوم يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى -  { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }  } .قال الإِمام ابن كثير: \"وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإِخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال -  تعالى -  { يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }  } .والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى -  { هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ }  وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون\"  ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً }  }. وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا للأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له\".<br>والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإِنسان وغرس الإِيمان العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسئ، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على الطريق المستقيم.<br>{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }<br>كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون.<br>ولفظ \"إيا\" ضمير منفصل، و \"الكاف\" الملحقة به للخطاب. <br>والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال ابن جرير: \"لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة معبداً\".<br>والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من فعله.<br>والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإِعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير  على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.<br>وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، لإِفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. <br>وقال: { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين، وللإِشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم\" .<br>وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها.<br>ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإِنسان من الأعمال الصالحة.<br>وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: \"فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان. وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم... وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإِصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه...\".<br>هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالأول تبرؤ من الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أفضل شئ يطلبه العبد من ربه، إنما هو هدايته إلى الطريق الذى يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى -:<br>{ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>والهداية: هى الإِرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله وإلى النبى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإِيصال إلى ما فيه خير، وهى بهذا المعنى لا تضاف إلى الله - تعالى -.<br>قال أبو حيان فى البحر ما ملخصه: وقد تأتى بمعنى التبيين كما فى قوله - تعالى -  { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ }  أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإِلهام كما فى قوله تعالى.  { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  }  }.  قال المفسرون معناه: ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء كما فى قوله. تعالى:  {  وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }  أى: داع. والأصل فى هدى أن يصل إلى ثانى معموليه باللام كما فى قوله. تعالى.  {  إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  }  أو بإلى كما فى قوله تعالى:  { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>والصراط: الجادة والطريق، من سَرط الشئ إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك لأنه يبتلع المارين فيه، وتبدل سينه صاد على لغة قريش.<br>والمستقيم: المعتدل الذى لا اعوجاج فيه.<br>وأنعمت عليهم: النعمة لين العيش وخفضه، ونعم الله كثيرة لا تحصى.<br>{ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل إلى الانتقام، وهو ضد الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه.<br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له - تعالى - لائقة بجلاله لا نعلم حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم.<br>والمعنى: اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يا مولانا طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات، فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم العذاب.<br>وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين، والمتصرف فى أحوالهم يوم الدين.<br>قال الإِمام ابن كثير: وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإِجابة، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل.<br>وقد تكلم المفسرون كلاماً كثيراً عن المراد بالصراط المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية إليه فى هذا السورة أول دعوة علمها لعباده. والذى نراه: أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد بالصراط المستقيم، هو ما جاء به الإِسلام من عقائد وآداب وأحكام، توصل الناس متى اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن طريق السلام هو الطريق الذى ختم الله به الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صلى الله عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه.<br>وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا القول، ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد فى مسنده، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مسلم\" .<br>والمراد بقوله - تعالى - { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أى: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير فى سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله فى كل وقت لكى يثبته على الهداية، ويزيده منها، ويعينه عليها. وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا:  { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ }  } .وجملة { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط المستقيم.<br>ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنياً عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.<br>وقال: { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لأن المراد بالإِنعام هنا - على الراجح - الإِنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به.<br>قال بعض العلماء: (وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم لمعنيين: <br>أولهما: هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا فى ثقة تملأ نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.<br>وثانيهما: أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه فى رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين).<br>وقوله - تعالى - { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } بدل من { ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وأتى فى وصف الإِنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال: { أنعمت عليهم } فى وصف الغضب باسم المفعول فقال: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } وفى ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإِنسان يجمل به أن يسند أفعال الإِحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإِحسان والعقاب صادراً منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى - حكاية عن مؤمنى الجن  { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }  }.وحرف (لا) فى قوله { وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } جئ به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه الإِمام أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه.<br>ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه عناداً وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون فى الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم.<br>وقدم المغضوب عليهم على الضالين، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديراً بأن يوضع فى مقابلته قبل الضالين.<br>قال العلماء: ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) ومعناه اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى المصاحف والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذى عن وائل بن حجر قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم قرأ { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } فقال: (آمين) مد بها صوته.<br>وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إذا أمن الإِمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه\" .<br>  هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب وعقائد وعبادات وأحكام، ومن ذلك قول ابن كثير.<br>(اشتملت هذه السورة الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرى من حولهم وقوتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط  المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، واشتملت على الترغيب فى الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون).<br>وقال بعض العلماء: سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هى مناط الدين.<br>أحدها: علم الأصول وإليه الإِشارة بقوله { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }، ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ومعرفة المعاد وإليه الاشارة بقوله { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإِشارة بقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }.<br>وثالثها: علم الأخلاق، وإليه الإِشارة بقوله { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد بقوله { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. <br>"
    },
    {
        "id": "2",
        "sura_number": "1",
        "ayah_number": "2",
        "aya": "",
        "sura": "الفاتحة",
        "mediator": "{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }<br>الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.<br>وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا \"وسم\".<br>ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير \"اسم\" سُمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه: أوسام، وفى تصغيره وسيم.<br>ولفظ الجلالة وهو \"الله\" علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.<br>قال القرطبى: قوله \"الله\" هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -<br>و{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب تقتضى الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه. <br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.<br>ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.<br>أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإِحسان. و{ ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.<br>ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ فى أسماء الذات. قال - تعالى-:  { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ }  و  {  ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }  } {  { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ  }  }،  وهكذا...<br>أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }  } - {  { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }  } ،{  { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }  إلخ.<br>قال بعض العلماء \"وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها\".<br>والجار والمجرور \"بسم\" متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.<br>والمعنى: ابتدئ قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.<br>هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -  { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }  } .ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.<br>فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا \"آمين\". فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.<br>وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه.<br>ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.<br>وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.<br>وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام.<br>{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }<br>{ الحمد } هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>{ رب العالمين } أى: مالكهم، إذ الرب مصدر \"ربه يربه\" إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.<br>والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -<br>قال القرطبى: \"وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده\" وقيل: المراد بالعالمين أولو العلم من الإِنس والجن والملائكة. <br>وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لأنه سبحانه أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.<br>والمعنى - كما قال ابن جرير - \"الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً.<br>فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - سبحانه - هو رب العالمين.<br>وجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: \"الكرم فى العرب\". كما أن أل فى \"الحمد\" للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.<br>وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.<br>ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه - وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإِصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف. <br>وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله. فقال:<br>اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام. سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر. <br>إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله \"الحمد لله\" تصريحاً بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة... وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال \"الحمد لله\"، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.<br>وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.<br>وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }، بوصف آخر هو { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - بـ { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: مالكهم، قد يثير فى النفوس شيئاً من الخوف أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتاً، وذلك مما يخدش من جميل التربية، وينقص من فضل التعهد.<br>لذا قرن - سبحانه - كونه مربياً، بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون. <br>ولا شك أن فى هذا الإِفهام تحريضاً لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإِحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون يرحمهم الرحمن.<br>{ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }<br>بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى الرحيم، والمنعم الكريم، أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشئ مع القدرة على التصرف فيه. واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مراداً هنا، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة.<br>والدين: الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع، أى: جازيته على صنيعه، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى: كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\" أى: حاسب نفسه: والمعنى: أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى -  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وهناك قراءة أخرى للآية وهى { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } من الملك - بضم الميم - وعليها يكون المعنى: أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شئ فى ذلك اليوم يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى -  { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }  } .قال الإِمام ابن كثير: \"وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإِخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال -  تعالى -  { يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }  } .والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى -  { هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ }  وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون\"  ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً }  }. وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا للأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له\".<br>والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإِنسان وغرس الإِيمان العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسئ، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على الطريق المستقيم.<br>{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }<br>كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون.<br>ولفظ \"إيا\" ضمير منفصل، و \"الكاف\" الملحقة به للخطاب. <br>والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال ابن جرير: \"لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة معبداً\".<br>والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من فعله.<br>والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإِعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير  على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.<br>وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، لإِفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. <br>وقال: { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين، وللإِشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم\" .<br>وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها.<br>ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإِنسان من الأعمال الصالحة.<br>وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: \"فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان. وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم... وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإِصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه...\".<br>هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالأول تبرؤ من الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أفضل شئ يطلبه العبد من ربه، إنما هو هدايته إلى الطريق الذى يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى -:<br>{ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>والهداية: هى الإِرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله وإلى النبى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإِيصال إلى ما فيه خير، وهى بهذا المعنى لا تضاف إلى الله - تعالى -.<br>قال أبو حيان فى البحر ما ملخصه: وقد تأتى بمعنى التبيين كما فى قوله - تعالى -  { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ }  أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإِلهام كما فى قوله تعالى.  { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  }  }.  قال المفسرون معناه: ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء كما فى قوله. تعالى:  {  وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }  أى: داع. والأصل فى هدى أن يصل إلى ثانى معموليه باللام كما فى قوله. تعالى.  {  إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  }  أو بإلى كما فى قوله تعالى:  { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>والصراط: الجادة والطريق، من سَرط الشئ إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك لأنه يبتلع المارين فيه، وتبدل سينه صاد على لغة قريش.<br>والمستقيم: المعتدل الذى لا اعوجاج فيه.<br>وأنعمت عليهم: النعمة لين العيش وخفضه، ونعم الله كثيرة لا تحصى.<br>{ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل إلى الانتقام، وهو ضد الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه.<br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له - تعالى - لائقة بجلاله لا نعلم حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم.<br>والمعنى: اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يا مولانا طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات، فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم العذاب.<br>وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين، والمتصرف فى أحوالهم يوم الدين.<br>قال الإِمام ابن كثير: وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإِجابة، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل.<br>وقد تكلم المفسرون كلاماً كثيراً عن المراد بالصراط المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية إليه فى هذا السورة أول دعوة علمها لعباده. والذى نراه: أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد بالصراط المستقيم، هو ما جاء به الإِسلام من عقائد وآداب وأحكام، توصل الناس متى اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن طريق السلام هو الطريق الذى ختم الله به الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صلى الله عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه.<br>وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا القول، ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد فى مسنده، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مسلم\" .<br>والمراد بقوله - تعالى - { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أى: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير فى سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله فى كل وقت لكى يثبته على الهداية، ويزيده منها، ويعينه عليها. وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا:  { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ }  } .وجملة { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط المستقيم.<br>ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنياً عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.<br>وقال: { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لأن المراد بالإِنعام هنا - على الراجح - الإِنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به.<br>قال بعض العلماء: (وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم لمعنيين: <br>أولهما: هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا فى ثقة تملأ نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.<br>وثانيهما: أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه فى رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين).<br>وقوله - تعالى - { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } بدل من { ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وأتى فى وصف الإِنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال: { أنعمت عليهم } فى وصف الغضب باسم المفعول فقال: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } وفى ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإِنسان يجمل به أن يسند أفعال الإِحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإِحسان والعقاب صادراً منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى - حكاية عن مؤمنى الجن  { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }  }.وحرف (لا) فى قوله { وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } جئ به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه الإِمام أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه.<br>ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه عناداً وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون فى الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم.<br>وقدم المغضوب عليهم على الضالين، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديراً بأن يوضع فى مقابلته قبل الضالين.<br>قال العلماء: ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) ومعناه اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى المصاحف والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذى عن وائل بن حجر قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم قرأ { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } فقال: (آمين) مد بها صوته.<br>وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إذا أمن الإِمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه\" .<br>  هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب وعقائد وعبادات وأحكام، ومن ذلك قول ابن كثير.<br>(اشتملت هذه السورة الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرى من حولهم وقوتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط  المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، واشتملت على الترغيب فى الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون).<br>وقال بعض العلماء: سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هى مناط الدين.<br>أحدها: علم الأصول وإليه الإِشارة بقوله { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }، ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ومعرفة المعاد وإليه الاشارة بقوله { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإِشارة بقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }.<br>وثالثها: علم الأخلاق، وإليه الإِشارة بقوله { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد بقوله { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. <br>"
    },
    {
        "id": "3",
        "sura_number": "1",
        "ayah_number": "3",
        "aya": "",
        "sura": "الفاتحة",
        "mediator": "{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }<br>الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.<br>وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا \"وسم\".<br>ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير \"اسم\" سُمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه: أوسام، وفى تصغيره وسيم.<br>ولفظ الجلالة وهو \"الله\" علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.<br>قال القرطبى: قوله \"الله\" هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -<br>و{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب تقتضى الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه. <br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.<br>ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.<br>أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإِحسان. و{ ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.<br>ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ فى أسماء الذات. قال - تعالى-:  { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ }  و  {  ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }  } {  { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ  }  }،  وهكذا...<br>أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }  } - {  { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }  } ،{  { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }  إلخ.<br>قال بعض العلماء \"وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها\".<br>والجار والمجرور \"بسم\" متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.<br>والمعنى: ابتدئ قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.<br>هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -  { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }  } .ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.<br>فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا \"آمين\". فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.<br>وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه.<br>ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.<br>وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.<br>وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام.<br>{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }<br>{ الحمد } هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>{ رب العالمين } أى: مالكهم، إذ الرب مصدر \"ربه يربه\" إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.<br>والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -<br>قال القرطبى: \"وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده\" وقيل: المراد بالعالمين أولو العلم من الإِنس والجن والملائكة. <br>وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لأنه سبحانه أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.<br>والمعنى - كما قال ابن جرير - \"الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً.<br>فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - سبحانه - هو رب العالمين.<br>وجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: \"الكرم فى العرب\". كما أن أل فى \"الحمد\" للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.<br>وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.<br>ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه - وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإِصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف. <br>وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله. فقال:<br>اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام. سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر. <br>إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله \"الحمد لله\" تصريحاً بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة... وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال \"الحمد لله\"، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.<br>وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.<br>وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }، بوصف آخر هو { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - بـ { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: مالكهم، قد يثير فى النفوس شيئاً من الخوف أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتاً، وذلك مما يخدش من جميل التربية، وينقص من فضل التعهد.<br>لذا قرن - سبحانه - كونه مربياً، بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون. <br>ولا شك أن فى هذا الإِفهام تحريضاً لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإِحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون يرحمهم الرحمن.<br>{ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }<br>بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى الرحيم، والمنعم الكريم، أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشئ مع القدرة على التصرف فيه. واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مراداً هنا، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة.<br>والدين: الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع، أى: جازيته على صنيعه، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى: كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\" أى: حاسب نفسه: والمعنى: أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى -  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وهناك قراءة أخرى للآية وهى { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } من الملك - بضم الميم - وعليها يكون المعنى: أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شئ فى ذلك اليوم يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى -  { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }  } .قال الإِمام ابن كثير: \"وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإِخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال -  تعالى -  { يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }  } .والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى -  { هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ }  وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون\"  ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً }  }. وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا للأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له\".<br>والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإِنسان وغرس الإِيمان العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسئ، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على الطريق المستقيم.<br>{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }<br>كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون.<br>ولفظ \"إيا\" ضمير منفصل، و \"الكاف\" الملحقة به للخطاب. <br>والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال ابن جرير: \"لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة معبداً\".<br>والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من فعله.<br>والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإِعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير  على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.<br>وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، لإِفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. <br>وقال: { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين، وللإِشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم\" .<br>وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها.<br>ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإِنسان من الأعمال الصالحة.<br>وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: \"فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان. وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم... وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإِصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه...\".<br>هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالأول تبرؤ من الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أفضل شئ يطلبه العبد من ربه، إنما هو هدايته إلى الطريق الذى يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى -:<br>{ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>والهداية: هى الإِرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله وإلى النبى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإِيصال إلى ما فيه خير، وهى بهذا المعنى لا تضاف إلى الله - تعالى -.<br>قال أبو حيان فى البحر ما ملخصه: وقد تأتى بمعنى التبيين كما فى قوله - تعالى -  { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ }  أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإِلهام كما فى قوله تعالى.  { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  }  }.  قال المفسرون معناه: ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء كما فى قوله. تعالى:  {  وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }  أى: داع. والأصل فى هدى أن يصل إلى ثانى معموليه باللام كما فى قوله. تعالى.  {  إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  }  أو بإلى كما فى قوله تعالى:  { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>والصراط: الجادة والطريق، من سَرط الشئ إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك لأنه يبتلع المارين فيه، وتبدل سينه صاد على لغة قريش.<br>والمستقيم: المعتدل الذى لا اعوجاج فيه.<br>وأنعمت عليهم: النعمة لين العيش وخفضه، ونعم الله كثيرة لا تحصى.<br>{ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل إلى الانتقام، وهو ضد الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه.<br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له - تعالى - لائقة بجلاله لا نعلم حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم.<br>والمعنى: اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يا مولانا طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات، فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم العذاب.<br>وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين، والمتصرف فى أحوالهم يوم الدين.<br>قال الإِمام ابن كثير: وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإِجابة، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل.<br>وقد تكلم المفسرون كلاماً كثيراً عن المراد بالصراط المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية إليه فى هذا السورة أول دعوة علمها لعباده. والذى نراه: أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد بالصراط المستقيم، هو ما جاء به الإِسلام من عقائد وآداب وأحكام، توصل الناس متى اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن طريق السلام هو الطريق الذى ختم الله به الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صلى الله عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه.<br>وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا القول، ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد فى مسنده، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مسلم\" .<br>والمراد بقوله - تعالى - { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أى: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير فى سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله فى كل وقت لكى يثبته على الهداية، ويزيده منها، ويعينه عليها. وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا:  { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ }  } .وجملة { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط المستقيم.<br>ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنياً عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.<br>وقال: { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لأن المراد بالإِنعام هنا - على الراجح - الإِنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به.<br>قال بعض العلماء: (وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم لمعنيين: <br>أولهما: هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا فى ثقة تملأ نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.<br>وثانيهما: أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه فى رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين).<br>وقوله - تعالى - { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } بدل من { ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وأتى فى وصف الإِنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال: { أنعمت عليهم } فى وصف الغضب باسم المفعول فقال: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } وفى ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإِنسان يجمل به أن يسند أفعال الإِحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإِحسان والعقاب صادراً منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى - حكاية عن مؤمنى الجن  { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }  }.وحرف (لا) فى قوله { وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } جئ به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه الإِمام أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه.<br>ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه عناداً وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون فى الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم.<br>وقدم المغضوب عليهم على الضالين، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديراً بأن يوضع فى مقابلته قبل الضالين.<br>قال العلماء: ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) ومعناه اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى المصاحف والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذى عن وائل بن حجر قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم قرأ { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } فقال: (آمين) مد بها صوته.<br>وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إذا أمن الإِمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه\" .<br>  هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب وعقائد وعبادات وأحكام، ومن ذلك قول ابن كثير.<br>(اشتملت هذه السورة الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرى من حولهم وقوتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط  المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، واشتملت على الترغيب فى الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون).<br>وقال بعض العلماء: سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هى مناط الدين.<br>أحدها: علم الأصول وإليه الإِشارة بقوله { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }، ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ومعرفة المعاد وإليه الاشارة بقوله { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإِشارة بقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }.<br>وثالثها: علم الأخلاق، وإليه الإِشارة بقوله { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد بقوله { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. <br>"
    },
    {
        "id": "4",
        "sura_number": "1",
        "ayah_number": "4",
        "aya": "",
        "sura": "الفاتحة",
        "mediator": "{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }<br>الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.<br>وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا \"وسم\".<br>ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير \"اسم\" سُمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه: أوسام، وفى تصغيره وسيم.<br>ولفظ الجلالة وهو \"الله\" علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.<br>قال القرطبى: قوله \"الله\" هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -<br>و{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب تقتضى الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه. <br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.<br>ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.<br>أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإِحسان. و{ ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.<br>ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ فى أسماء الذات. قال - تعالى-:  { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ }  و  {  ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }  } {  { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ  }  }،  وهكذا...<br>أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }  } - {  { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }  } ،{  { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }  إلخ.<br>قال بعض العلماء \"وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها\".<br>والجار والمجرور \"بسم\" متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.<br>والمعنى: ابتدئ قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.<br>هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -  { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }  } .ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.<br>فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا \"آمين\". فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.<br>وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه.<br>ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.<br>وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.<br>وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام.<br>{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }<br>{ الحمد } هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>{ رب العالمين } أى: مالكهم، إذ الرب مصدر \"ربه يربه\" إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.<br>والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -<br>قال القرطبى: \"وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده\" وقيل: المراد بالعالمين أولو العلم من الإِنس والجن والملائكة. <br>وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لأنه سبحانه أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.<br>والمعنى - كما قال ابن جرير - \"الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً.<br>فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - سبحانه - هو رب العالمين.<br>وجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: \"الكرم فى العرب\". كما أن أل فى \"الحمد\" للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.<br>وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.<br>ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه - وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإِصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف. <br>وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله. فقال:<br>اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام. سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر. <br>إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله \"الحمد لله\" تصريحاً بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة... وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال \"الحمد لله\"، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.<br>وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.<br>وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }، بوصف آخر هو { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - بـ { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: مالكهم، قد يثير فى النفوس شيئاً من الخوف أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتاً، وذلك مما يخدش من جميل التربية، وينقص من فضل التعهد.<br>لذا قرن - سبحانه - كونه مربياً، بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون. <br>ولا شك أن فى هذا الإِفهام تحريضاً لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإِحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون يرحمهم الرحمن.<br>{ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }<br>بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى الرحيم، والمنعم الكريم، أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشئ مع القدرة على التصرف فيه. واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مراداً هنا، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة.<br>والدين: الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع، أى: جازيته على صنيعه، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى: كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\" أى: حاسب نفسه: والمعنى: أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى -  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وهناك قراءة أخرى للآية وهى { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } من الملك - بضم الميم - وعليها يكون المعنى: أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شئ فى ذلك اليوم يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى -  { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }  } .قال الإِمام ابن كثير: \"وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإِخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال -  تعالى -  { يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }  } .والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى -  { هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ }  وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون\"  ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً }  }. وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا للأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له\".<br>والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإِنسان وغرس الإِيمان العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسئ، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على الطريق المستقيم.<br>{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }<br>كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون.<br>ولفظ \"إيا\" ضمير منفصل، و \"الكاف\" الملحقة به للخطاب. <br>والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال ابن جرير: \"لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة معبداً\".<br>والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من فعله.<br>والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإِعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير  على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.<br>وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، لإِفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. <br>وقال: { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين، وللإِشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم\" .<br>وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها.<br>ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإِنسان من الأعمال الصالحة.<br>وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: \"فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان. وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم... وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإِصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه...\".<br>هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالأول تبرؤ من الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أفضل شئ يطلبه العبد من ربه، إنما هو هدايته إلى الطريق الذى يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى -:<br>{ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>والهداية: هى الإِرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله وإلى النبى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإِيصال إلى ما فيه خير، وهى بهذا المعنى لا تضاف إلى الله - تعالى -.<br>قال أبو حيان فى البحر ما ملخصه: وقد تأتى بمعنى التبيين كما فى قوله - تعالى -  { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ }  أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإِلهام كما فى قوله تعالى.  { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  }  }.  قال المفسرون معناه: ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء كما فى قوله. تعالى:  {  وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }  أى: داع. والأصل فى هدى أن يصل إلى ثانى معموليه باللام كما فى قوله. تعالى.  {  إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  }  أو بإلى كما فى قوله تعالى:  { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>والصراط: الجادة والطريق، من سَرط الشئ إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك لأنه يبتلع المارين فيه، وتبدل سينه صاد على لغة قريش.<br>والمستقيم: المعتدل الذى لا اعوجاج فيه.<br>وأنعمت عليهم: النعمة لين العيش وخفضه، ونعم الله كثيرة لا تحصى.<br>{ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل إلى الانتقام، وهو ضد الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه.<br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له - تعالى - لائقة بجلاله لا نعلم حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم.<br>والمعنى: اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يا مولانا طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات، فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم العذاب.<br>وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين، والمتصرف فى أحوالهم يوم الدين.<br>قال الإِمام ابن كثير: وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإِجابة، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل.<br>وقد تكلم المفسرون كلاماً كثيراً عن المراد بالصراط المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية إليه فى هذا السورة أول دعوة علمها لعباده. والذى نراه: أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد بالصراط المستقيم، هو ما جاء به الإِسلام من عقائد وآداب وأحكام، توصل الناس متى اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن طريق السلام هو الطريق الذى ختم الله به الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صلى الله عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه.<br>وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا القول، ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد فى مسنده، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مسلم\" .<br>والمراد بقوله - تعالى - { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أى: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير فى سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله فى كل وقت لكى يثبته على الهداية، ويزيده منها، ويعينه عليها. وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا:  { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ }  } .وجملة { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط المستقيم.<br>ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنياً عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.<br>وقال: { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لأن المراد بالإِنعام هنا - على الراجح - الإِنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به.<br>قال بعض العلماء: (وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم لمعنيين: <br>أولهما: هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا فى ثقة تملأ نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.<br>وثانيهما: أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه فى رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين).<br>وقوله - تعالى - { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } بدل من { ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وأتى فى وصف الإِنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال: { أنعمت عليهم } فى وصف الغضب باسم المفعول فقال: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } وفى ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإِنسان يجمل به أن يسند أفعال الإِحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإِحسان والعقاب صادراً منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى - حكاية عن مؤمنى الجن  { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }  }.وحرف (لا) فى قوله { وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } جئ به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه الإِمام أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه.<br>ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه عناداً وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون فى الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم.<br>وقدم المغضوب عليهم على الضالين، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديراً بأن يوضع فى مقابلته قبل الضالين.<br>قال العلماء: ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) ومعناه اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى المصاحف والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذى عن وائل بن حجر قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم قرأ { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } فقال: (آمين) مد بها صوته.<br>وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إذا أمن الإِمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه\" .<br>  هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب وعقائد وعبادات وأحكام، ومن ذلك قول ابن كثير.<br>(اشتملت هذه السورة الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرى من حولهم وقوتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط  المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، واشتملت على الترغيب فى الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون).<br>وقال بعض العلماء: سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هى مناط الدين.<br>أحدها: علم الأصول وإليه الإِشارة بقوله { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }، ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ومعرفة المعاد وإليه الاشارة بقوله { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإِشارة بقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }.<br>وثالثها: علم الأخلاق، وإليه الإِشارة بقوله { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد بقوله { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. <br>"
    },
    {
        "id": "5",
        "sura_number": "1",
        "ayah_number": "5",
        "aya": "",
        "sura": "الفاتحة",
        "mediator": "{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }<br>الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.<br>وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا \"وسم\".<br>ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير \"اسم\" سُمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه: أوسام، وفى تصغيره وسيم.<br>ولفظ الجلالة وهو \"الله\" علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.<br>قال القرطبى: قوله \"الله\" هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -<br>و{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب تقتضى الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه. <br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.<br>ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.<br>أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإِحسان. و{ ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.<br>ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ فى أسماء الذات. قال - تعالى-:  { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ }  و  {  ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }  } {  { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ  }  }،  وهكذا...<br>أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }  } - {  { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }  } ،{  { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }  إلخ.<br>قال بعض العلماء \"وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها\".<br>والجار والمجرور \"بسم\" متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.<br>والمعنى: ابتدئ قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.<br>هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -  { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }  } .ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.<br>فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا \"آمين\". فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.<br>وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه.<br>ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.<br>وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.<br>وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام.<br>{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }<br>{ الحمد } هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>{ رب العالمين } أى: مالكهم، إذ الرب مصدر \"ربه يربه\" إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.<br>والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -<br>قال القرطبى: \"وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده\" وقيل: المراد بالعالمين أولو العلم من الإِنس والجن والملائكة. <br>وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لأنه سبحانه أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.<br>والمعنى - كما قال ابن جرير - \"الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً.<br>فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - سبحانه - هو رب العالمين.<br>وجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: \"الكرم فى العرب\". كما أن أل فى \"الحمد\" للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.<br>وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.<br>ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه - وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإِصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف. <br>وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله. فقال:<br>اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام. سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر. <br>إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله \"الحمد لله\" تصريحاً بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة... وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال \"الحمد لله\"، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.<br>وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.<br>وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }، بوصف آخر هو { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - بـ { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: مالكهم، قد يثير فى النفوس شيئاً من الخوف أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتاً، وذلك مما يخدش من جميل التربية، وينقص من فضل التعهد.<br>لذا قرن - سبحانه - كونه مربياً، بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون. <br>ولا شك أن فى هذا الإِفهام تحريضاً لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإِحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون يرحمهم الرحمن.<br>{ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }<br>بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى الرحيم، والمنعم الكريم، أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشئ مع القدرة على التصرف فيه. واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مراداً هنا، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة.<br>والدين: الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع، أى: جازيته على صنيعه، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى: كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\" أى: حاسب نفسه: والمعنى: أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى -  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وهناك قراءة أخرى للآية وهى { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } من الملك - بضم الميم - وعليها يكون المعنى: أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شئ فى ذلك اليوم يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى -  { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }  } .قال الإِمام ابن كثير: \"وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإِخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال -  تعالى -  { يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }  } .والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى -  { هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ }  وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون\"  ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً }  }. وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا للأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له\".<br>والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإِنسان وغرس الإِيمان العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسئ، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على الطريق المستقيم.<br>{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }<br>كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون.<br>ولفظ \"إيا\" ضمير منفصل، و \"الكاف\" الملحقة به للخطاب. <br>والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال ابن جرير: \"لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة معبداً\".<br>والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من فعله.<br>والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإِعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير  على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.<br>وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، لإِفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. <br>وقال: { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين، وللإِشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم\" .<br>وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها.<br>ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإِنسان من الأعمال الصالحة.<br>وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: \"فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان. وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم... وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإِصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه...\".<br>هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالأول تبرؤ من الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أفضل شئ يطلبه العبد من ربه، إنما هو هدايته إلى الطريق الذى يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى -:<br>{ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>والهداية: هى الإِرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله وإلى النبى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإِيصال إلى ما فيه خير، وهى بهذا المعنى لا تضاف إلى الله - تعالى -.<br>قال أبو حيان فى البحر ما ملخصه: وقد تأتى بمعنى التبيين كما فى قوله - تعالى -  { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ }  أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإِلهام كما فى قوله تعالى.  { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  }  }.  قال المفسرون معناه: ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء كما فى قوله. تعالى:  {  وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }  أى: داع. والأصل فى هدى أن يصل إلى ثانى معموليه باللام كما فى قوله. تعالى.  {  إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  }  أو بإلى كما فى قوله تعالى:  { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>والصراط: الجادة والطريق، من سَرط الشئ إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك لأنه يبتلع المارين فيه، وتبدل سينه صاد على لغة قريش.<br>والمستقيم: المعتدل الذى لا اعوجاج فيه.<br>وأنعمت عليهم: النعمة لين العيش وخفضه، ونعم الله كثيرة لا تحصى.<br>{ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل إلى الانتقام، وهو ضد الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه.<br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له - تعالى - لائقة بجلاله لا نعلم حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم.<br>والمعنى: اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يا مولانا طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات، فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم العذاب.<br>وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين، والمتصرف فى أحوالهم يوم الدين.<br>قال الإِمام ابن كثير: وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإِجابة، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل.<br>وقد تكلم المفسرون كلاماً كثيراً عن المراد بالصراط المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية إليه فى هذا السورة أول دعوة علمها لعباده. والذى نراه: أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد بالصراط المستقيم، هو ما جاء به الإِسلام من عقائد وآداب وأحكام، توصل الناس متى اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن طريق السلام هو الطريق الذى ختم الله به الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صلى الله عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه.<br>وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا القول، ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد فى مسنده، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مسلم\" .<br>والمراد بقوله - تعالى - { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أى: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير فى سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله فى كل وقت لكى يثبته على الهداية، ويزيده منها، ويعينه عليها. وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا:  { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ }  } .وجملة { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط المستقيم.<br>ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنياً عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.<br>وقال: { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لأن المراد بالإِنعام هنا - على الراجح - الإِنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به.<br>قال بعض العلماء: (وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم لمعنيين: <br>أولهما: هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا فى ثقة تملأ نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.<br>وثانيهما: أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه فى رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين).<br>وقوله - تعالى - { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } بدل من { ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وأتى فى وصف الإِنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال: { أنعمت عليهم } فى وصف الغضب باسم المفعول فقال: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } وفى ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإِنسان يجمل به أن يسند أفعال الإِحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإِحسان والعقاب صادراً منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى - حكاية عن مؤمنى الجن  { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }  }.وحرف (لا) فى قوله { وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } جئ به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه الإِمام أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه.<br>ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه عناداً وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون فى الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم.<br>وقدم المغضوب عليهم على الضالين، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديراً بأن يوضع فى مقابلته قبل الضالين.<br>قال العلماء: ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) ومعناه اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى المصاحف والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذى عن وائل بن حجر قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم قرأ { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } فقال: (آمين) مد بها صوته.<br>وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إذا أمن الإِمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه\" .<br>  هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب وعقائد وعبادات وأحكام، ومن ذلك قول ابن كثير.<br>(اشتملت هذه السورة الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرى من حولهم وقوتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط  المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، واشتملت على الترغيب فى الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون).<br>وقال بعض العلماء: سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هى مناط الدين.<br>أحدها: علم الأصول وإليه الإِشارة بقوله { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }، ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ومعرفة المعاد وإليه الاشارة بقوله { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإِشارة بقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }.<br>وثالثها: علم الأخلاق، وإليه الإِشارة بقوله { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد بقوله { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. <br>"
    },
    {
        "id": "6",
        "sura_number": "1",
        "ayah_number": "6",
        "aya": "",
        "sura": "الفاتحة",
        "mediator": "{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }<br>الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.<br>وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا \"وسم\".<br>ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير \"اسم\" سُمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه: أوسام، وفى تصغيره وسيم.<br>ولفظ الجلالة وهو \"الله\" علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.<br>قال القرطبى: قوله \"الله\" هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -<br>و{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب تقتضى الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه. <br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.<br>ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.<br>أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإِحسان. و{ ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.<br>ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ فى أسماء الذات. قال - تعالى-:  { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ }  و  {  ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }  } {  { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ  }  }،  وهكذا...<br>أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }  } - {  { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }  } ،{  { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }  إلخ.<br>قال بعض العلماء \"وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها\".<br>والجار والمجرور \"بسم\" متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.<br>والمعنى: ابتدئ قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.<br>هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -  { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }  } .ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.<br>فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا \"آمين\". فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.<br>وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه.<br>ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.<br>وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.<br>وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام.<br>{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }<br>{ الحمد } هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>{ رب العالمين } أى: مالكهم، إذ الرب مصدر \"ربه يربه\" إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.<br>والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -<br>قال القرطبى: \"وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده\" وقيل: المراد بالعالمين أولو العلم من الإِنس والجن والملائكة. <br>وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لأنه سبحانه أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.<br>والمعنى - كما قال ابن جرير - \"الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً.<br>فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - سبحانه - هو رب العالمين.<br>وجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: \"الكرم فى العرب\". كما أن أل فى \"الحمد\" للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.<br>وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.<br>ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه - وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإِصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف. <br>وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله. فقال:<br>اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام. سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر. <br>إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله \"الحمد لله\" تصريحاً بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة... وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال \"الحمد لله\"، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.<br>وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.<br>وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }، بوصف آخر هو { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - بـ { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: مالكهم، قد يثير فى النفوس شيئاً من الخوف أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتاً، وذلك مما يخدش من جميل التربية، وينقص من فضل التعهد.<br>لذا قرن - سبحانه - كونه مربياً، بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون. <br>ولا شك أن فى هذا الإِفهام تحريضاً لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإِحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون يرحمهم الرحمن.<br>{ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }<br>بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى الرحيم، والمنعم الكريم، أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشئ مع القدرة على التصرف فيه. واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مراداً هنا، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة.<br>والدين: الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع، أى: جازيته على صنيعه، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى: كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\" أى: حاسب نفسه: والمعنى: أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى -  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وهناك قراءة أخرى للآية وهى { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } من الملك - بضم الميم - وعليها يكون المعنى: أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شئ فى ذلك اليوم يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى -  { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }  } .قال الإِمام ابن كثير: \"وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإِخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال -  تعالى -  { يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }  } .والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى -  { هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ }  وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون\"  ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً }  }. وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا للأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له\".<br>والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإِنسان وغرس الإِيمان العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسئ، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على الطريق المستقيم.<br>{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }<br>كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون.<br>ولفظ \"إيا\" ضمير منفصل، و \"الكاف\" الملحقة به للخطاب. <br>والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال ابن جرير: \"لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة معبداً\".<br>والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من فعله.<br>والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإِعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير  على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.<br>وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، لإِفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. <br>وقال: { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين، وللإِشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم\" .<br>وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها.<br>ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإِنسان من الأعمال الصالحة.<br>وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: \"فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان. وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم... وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإِصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه...\".<br>هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالأول تبرؤ من الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أفضل شئ يطلبه العبد من ربه، إنما هو هدايته إلى الطريق الذى يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى -:<br>{ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>والهداية: هى الإِرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله وإلى النبى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإِيصال إلى ما فيه خير، وهى بهذا المعنى لا تضاف إلى الله - تعالى -.<br>قال أبو حيان فى البحر ما ملخصه: وقد تأتى بمعنى التبيين كما فى قوله - تعالى -  { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ }  أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإِلهام كما فى قوله تعالى.  { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  }  }.  قال المفسرون معناه: ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء كما فى قوله. تعالى:  {  وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }  أى: داع. والأصل فى هدى أن يصل إلى ثانى معموليه باللام كما فى قوله. تعالى.  {  إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  }  أو بإلى كما فى قوله تعالى:  { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>والصراط: الجادة والطريق، من سَرط الشئ إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك لأنه يبتلع المارين فيه، وتبدل سينه صاد على لغة قريش.<br>والمستقيم: المعتدل الذى لا اعوجاج فيه.<br>وأنعمت عليهم: النعمة لين العيش وخفضه، ونعم الله كثيرة لا تحصى.<br>{ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل إلى الانتقام، وهو ضد الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه.<br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له - تعالى - لائقة بجلاله لا نعلم حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم.<br>والمعنى: اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يا مولانا طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات، فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم العذاب.<br>وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين، والمتصرف فى أحوالهم يوم الدين.<br>قال الإِمام ابن كثير: وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإِجابة، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل.<br>وقد تكلم المفسرون كلاماً كثيراً عن المراد بالصراط المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية إليه فى هذا السورة أول دعوة علمها لعباده. والذى نراه: أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد بالصراط المستقيم، هو ما جاء به الإِسلام من عقائد وآداب وأحكام، توصل الناس متى اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن طريق السلام هو الطريق الذى ختم الله به الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صلى الله عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه.<br>وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا القول، ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد فى مسنده، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مسلم\" .<br>والمراد بقوله - تعالى - { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أى: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير فى سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله فى كل وقت لكى يثبته على الهداية، ويزيده منها، ويعينه عليها. وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا:  { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ }  } .وجملة { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط المستقيم.<br>ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنياً عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.<br>وقال: { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لأن المراد بالإِنعام هنا - على الراجح - الإِنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به.<br>قال بعض العلماء: (وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم لمعنيين: <br>أولهما: هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا فى ثقة تملأ نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.<br>وثانيهما: أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه فى رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين).<br>وقوله - تعالى - { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } بدل من { ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وأتى فى وصف الإِنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال: { أنعمت عليهم } فى وصف الغضب باسم المفعول فقال: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } وفى ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإِنسان يجمل به أن يسند أفعال الإِحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإِحسان والعقاب صادراً منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى - حكاية عن مؤمنى الجن  { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }  }.وحرف (لا) فى قوله { وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } جئ به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه الإِمام أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه.<br>ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه عناداً وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون فى الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم.<br>وقدم المغضوب عليهم على الضالين، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديراً بأن يوضع فى مقابلته قبل الضالين.<br>قال العلماء: ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) ومعناه اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى المصاحف والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذى عن وائل بن حجر قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم قرأ { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } فقال: (آمين) مد بها صوته.<br>وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إذا أمن الإِمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه\" .<br>  هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب وعقائد وعبادات وأحكام، ومن ذلك قول ابن كثير.<br>(اشتملت هذه السورة الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرى من حولهم وقوتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط  المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، واشتملت على الترغيب فى الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون).<br>وقال بعض العلماء: سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هى مناط الدين.<br>أحدها: علم الأصول وإليه الإِشارة بقوله { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }، ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ومعرفة المعاد وإليه الاشارة بقوله { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإِشارة بقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }.<br>وثالثها: علم الأخلاق، وإليه الإِشارة بقوله { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد بقوله { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. <br>"
    },
    {
        "id": "7",
        "sura_number": "1",
        "ayah_number": "7",
        "aya": "",
        "sura": "الفاتحة",
        "mediator": "{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }<br>الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.<br>وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا \"وسم\".<br>ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير \"اسم\" سُمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه: أوسام، وفى تصغيره وسيم.<br>ولفظ الجلالة وهو \"الله\" علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.<br>قال القرطبى: قوله \"الله\" هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -<br>و{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب تقتضى الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه. <br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.<br>ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.<br>أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإِحسان. و{ ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.<br>ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ فى أسماء الذات. قال - تعالى-:  { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ }  و  {  ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }  } {  { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ  }  }،  وهكذا...<br>أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }  } - {  { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }  } ،{  { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }  إلخ.<br>قال بعض العلماء \"وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها\".<br>والجار والمجرور \"بسم\" متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.<br>والمعنى: ابتدئ قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.<br>هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -  { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }  } .ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.<br>فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا \"آمين\". فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.<br>وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه.<br>ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.<br>وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.<br>وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام.<br>{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }<br>{ الحمد } هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>{ رب العالمين } أى: مالكهم، إذ الرب مصدر \"ربه يربه\" إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال. وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها.<br>والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى -<br>قال القرطبى: \"وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده\" وقيل: المراد بالعالمين أولو العلم من الإِنس والجن والملائكة. <br>وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لأنه سبحانه أول كل شئ وآخر كل شئ، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه، حتى نبدأ ونحن فى صلة بالله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها.<br>والمعنى - كما قال ابن جرير - \"الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه - دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، عن غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود فى دار المقام فى النعيم المقيم. لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً.<br>فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه - سبحانه - هو رب العالمين.<br>وجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: \"الكرم فى العرب\". كما أن أل فى \"الحمد\" للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين.<br>وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه.<br>ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: احمدوا الله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه - وهو يبادئهم بشرعة جديدة وتكاليف لم يعهدوها، أن يؤنس نفوسهم، ويؤلف قلوبهم، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديموا الإِصغاء لما سيلقيه عليهم من تكاليف. <br>وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }، دون قوله - تعالى -: المدح لله، أو: الشكر لله. فقال:<br>اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام. سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك، فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر. <br>إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله \"الحمد لله\" تصريحاً بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة... وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة. فأما إذا قال \"الحمد لله\"، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.<br>وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم، أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى تعهدتكم برعايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين.<br>وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }، بوصف آخر هو { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - بـ { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: مالكهم، قد يثير فى النفوس شيئاً من الخوف أو الرهبة، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتاً، وذلك مما يخدش من جميل التربية، وينقص من فضل التعهد.<br>لذا قرن - سبحانه - كونه مربياً، بكونه الرحمن الرحيم، لينفى بذلك هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهم مصدرها عموم رحمته وشمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته يبعثون ويسألون. <br>ولا شك أن فى هذا الإِفهام تحريضاً لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإِحسان، لا على الجبروت والطغيان، فالراحمون يرحمهم الرحمن.<br>{ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }<br>بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده بالحمد، لأنه المربى الرحيم، والمنعم الكريم، أتبع ذلك ببيان أنه - سبحانه - { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشئ مع القدرة على التصرف فيه. واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مراداً هنا، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة.<br>والدين: الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع، أى: جازيته على صنيعه، ومنه قولهم. كما تدين تدان. أى: كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\" أى: حاسب نفسه: والمعنى: أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب، تصرف المالك فيما يملك، كما قال - تعالى -  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وهناك قراءة أخرى للآية وهى { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } من الملك - بضم الميم - وعليها يكون المعنى: أنه - تعالى - هو المدبر لأمور يوم الدين، وأن له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شئ فى ذلك اليوم يجرى بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى -  { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }  } .قال الإِمام ابن كثير: \"وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإِخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال -  تعالى -  { يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }  } .والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى -  { هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ }  وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون\"  ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى -  { إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً }  }. وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا للأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له\".<br>والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإِنسان وغرس الإِيمان العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسئ، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على الطريق المستقيم.<br>{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }<br>كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون.<br>ولفظ \"إيا\" ضمير منفصل، و \"الكاف\" الملحقة به للخطاب. <br>والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال ابن جرير: \"لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة معبداً\".<br>والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من فعله.<br>والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإِعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير  على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.<br>وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }، لإِفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. <br>وقال: { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين، وللإِشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم\" .<br>وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها.<br>ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإِنسان من الأعمال الصالحة.<br>وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: \"فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان. وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم... وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإِصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه...\".<br>هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالأول تبرؤ من الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أفضل شئ يطلبه العبد من ربه، إنما هو هدايته إلى الطريق الذى يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى -:<br>{ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>والهداية: هى الإِرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله وإلى النبى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإِيصال إلى ما فيه خير، وهى بهذا المعنى لا تضاف إلى الله - تعالى -.<br>قال أبو حيان فى البحر ما ملخصه: وقد تأتى بمعنى التبيين كما فى قوله - تعالى -  { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ }  أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإِلهام كما فى قوله تعالى.  { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  }  }.  قال المفسرون معناه: ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء كما فى قوله. تعالى:  {  وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }  أى: داع. والأصل فى هدى أن يصل إلى ثانى معموليه باللام كما فى قوله. تعالى.  {  إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  }  أو بإلى كما فى قوله تعالى:  { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>والصراط: الجادة والطريق، من سَرط الشئ إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك لأنه يبتلع المارين فيه، وتبدل سينه صاد على لغة قريش.<br>والمستقيم: المعتدل الذى لا اعوجاج فيه.<br>وأنعمت عليهم: النعمة لين العيش وخفضه، ونعم الله كثيرة لا تحصى.<br>{ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل إلى الانتقام، وهو ضد الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه.<br>والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له - تعالى - لائقة بجلاله لا نعلم حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم.<br>والمعنى: اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يا مولانا طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات، فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم العذاب.<br>وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين، والمتصرف فى أحوالهم يوم الدين.<br>قال الإِمام ابن كثير: وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإِجابة، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل.<br>وقد تكلم المفسرون كلاماً كثيراً عن المراد بالصراط المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية إليه فى هذا السورة أول دعوة علمها لعباده. والذى نراه: أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد بالصراط المستقيم، هو ما جاء به الإِسلام من عقائد وآداب وأحكام، توصل الناس متى اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن طريق السلام هو الطريق الذى ختم الله به الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صلى الله عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه.<br>وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا القول، ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد فى مسنده، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مسلم\" .<br>والمراد بقوله - تعالى - { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أى: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير فى سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله فى كل وقت لكى يثبته على الهداية، ويزيده منها، ويعينه عليها. وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا:  { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ }  } .وجملة { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط المستقيم.<br>ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنياً عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.<br>وقال: { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لأن المراد بالإِنعام هنا - على الراجح - الإِنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به.<br>قال بعض العلماء: (وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم لمعنيين: <br>أولهما: هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا فى ثقة تملأ نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.<br>وثانيهما: أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه فى رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين).<br>وقوله - تعالى - { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } بدل من { ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وأتى فى وصف الإِنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال: { أنعمت عليهم } فى وصف الغضب باسم المفعول فقال: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } وفى ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإِنسان يجمل به أن يسند أفعال الإِحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإِحسان والعقاب صادراً منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى - حكاية عن مؤمنى الجن  { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }  }.وحرف (لا) فى قوله { وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } جئ به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه الإِمام أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه.<br>ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه عناداً وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون فى الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم.<br>وقدم المغضوب عليهم على الضالين، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديراً بأن يوضع فى مقابلته قبل الضالين.<br>قال العلماء: ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) ومعناه اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى المصاحف والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذى عن وائل بن حجر قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم قرأ { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } فقال: (آمين) مد بها صوته.<br>وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إذا أمن الإِمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه\" .<br>  هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب وعقائد وعبادات وأحكام، ومن ذلك قول ابن كثير.<br>(اشتملت هذه السورة الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرى من حولهم وقوتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط  المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، واشتملت على الترغيب فى الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون).<br>وقال بعض العلماء: سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هى مناط الدين.<br>أحدها: علم الأصول وإليه الإِشارة بقوله { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }، ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ومعرفة المعاد وإليه الاشارة بقوله { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإِشارة بقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }.<br>وثالثها: علم الأخلاق، وإليه الإِشارة بقوله { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.<br>ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد بقوله { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. <br>"
    },
    {
        "id": "162",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "153",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الصبر: حبس النفس على احتمال المكاره، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع.<br>والمعنى: يامن آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصى، وعلى احتمال المكاره التى تجرى بها الأقدار، استعينوا على كل ذلك بالصبر الجميل وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإِخلاص والتذلل للخالق - عز وجل - فإن الإِيمان الذى خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب، واحتمال المكاره، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، ولن تستطيعوا أن تتغلبوا على كل ذلك إلا بالصبر والصلاة.<br>ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه الربانى، وتأسى به أصحابه فى ذلك، فقد أخرج الإِمام أحمد - بسنده - عن حذيفة بن اليمان  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى\" . أى: إذا شق عليه أمر لجأ إلى الصلاة لله رب العالمين.<br>وافتتحت الآية الكريمة بالنداء، لأن فيه إشعاراً بخبر مهم عظيم، فإن من شأن الأخبار العظيمة التى تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهئ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها.<br>ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم، أن الله - تعالى - قد أمر بنى إسرائيل فى السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال: { ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ } إلا أنه - سبحانه - قال لهم: { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ } ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال، ولم يقل - سبحانه - للمؤمنين ذلك فى الآية التى معنا، للإِيماء إلى أنهم قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } بيان لحكمة الاستعانة بالصبر وهو الفوز والنصر. أى: إن الله مع الصابرين بمعونته ونصره، وتوفيقه وتسديده فهى معية خاصة، وإلا فهو - سبحانه - مع جميع خلقه بعلمه وقدرته.<br>وقال - سبحانه -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } ولم يقل \"مع المصلين\" لأن الصلاة المستوفية لأركانها وسننها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر، فالمصلون بحق داخلون فى قوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }.<br>ولم يقل \"معكم\" ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم.<br>قال الأستاذ الإِمام: إن من سنة الله: - تعالى - أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، لأنه - سبحانه - جعل هذا الصبر سبباً للظفر، إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذى هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته.<br>ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتاً فقال: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }.<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: نزلت هذه الآية فى قتلى غزوة بدر، قتل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا: ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم: إنهم ماتوا.<br>وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية.<br>والسبيل: الطريق وسبيل الله: طريق مرضاته، وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و{ أَمْوَاتٌ } مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: لا تقربوا هم أموات وكذلك قوله { أَحْيَاءٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى: هم أحياء.<br>قال الآلوسى: \"والجملة معطوفة على { وَلاَ تَقُولُواْ } اضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون فى حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء، لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا فى شأنهم إنهم أحياء وإن كان ذلك أيضاً صحيحاً\".<br>أى: لا تقولوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه إنهم أموات، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت، بل هم أحياء - فى عالم غير عالمكم كما قال - تعالى - { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تحسون ولا تدركون حالهم بالمشاعر، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعلم بها إلا الوحى.<br>قال الآلوسي ما ملخصه: ثم إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا فى شأن الشهداء أموات، إما أن يكون دفعاً لإِيهام مساواتهم لغيرهم فى ذلك البرزخ... وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون فى شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولن يروه أبداً... ثم قال: وقد اختلف فى هذه الحياة التى يحياها أولئك الشهداء عند ربهم: فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنها لا ندركها فى هذه النشأة واستدلوا بسياق قوله - تعالى -: { عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون } وبأن الحياة الروحانية التى ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم. وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون ولا ينافى ذلك.. وذهب البلخى إلى نفى الحياة عنهم وقال؛ معنى { بَلْ أَحْيَاءٌ } إنهم يحيون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء. فالآية على حد قوله - تعالى - { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } ).. وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بسبب ما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل، كما روى عن على أنه قال: \"هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم فى القلوب موجودة\".<br>ثم قال: \"ولا يخفى أن هذه الأقوال - ما عدا الأولين - فى غاية الضعف، بل نهاية البطلان، والمشهور ترجيح القول الأول\".<br>والذى نراه أن الآية الكريمة قد نبهتنا إلى أن للشهداء مزية تجعلهم مفضلين عمن سواهم من كثير من الناس، وهى أنهم فى حياة سارة، ونعيم مقيم عند ربهم، وهذه الحياة الممتازة تسمو بهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرهم إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوى للموت حاصلا لهم، ونحن نؤمن بهذه الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد صحتها كما ذكرها الله - تعالى - إلا أننا نفوض كيفيتها وكنهها إليه - سبحانه - إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، كما قال - تعالى -: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تشعرون بحياتهم بعد مفارقتهم لهذه الدنيا، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب.<br>وبعد أن طلب - سبحانه - من عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على احتمال المكاره، أردف ذلك بذكر بعض المواطن التى لا يمر فيها الإِنسان بسلامة إلا إذا اعتصم بعرى الصبر فقال - تعالى - { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ }.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير: والله لنبلونكم.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف على قوله: { ٱسْتَعِينُواْ } الخ، عطف المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر، ومضمون الثانية بيان مواطنه، والمراد: ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلى لأحوالكم:<br>والتنوين فى قوله: { بِشَيْءٍ } للتقليل. أى بقليل من كل واحد من هذه البلايا والمحن وهى الخوف وما عطف عليه.<br>وإنما قلل - كما قال الزمخشرى - ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم فى كل حال لا تزايلهم، وأنه - سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون من غير الصابرين.<br>و { ٱلْخَوْفِ } غم يلحق النفس لتوقع مكروه، ومن أشد ما تضطرب له النفوس من الخوف، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لاهم له إلا إيذاؤها بما تكره.<br>و{ وَٱلْجُوعِ } ضد الشبع، والمراد منه القحط، وتعذر تحصيل القوت، والحاجة الملحة إلى طعام.<br>و{ ٱلأَمَوَالِ } جمع مال، وهو ما يملك مما له قيمة، وجرى للعرب عرف باستعماله فى النعم خاصة - وهى الإِبل والبقر والغنم -.<br>و{ وَٱلثَّمَرَاتِ }: جمع ثمرة وهى حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر والنبات نفسه.<br>والمعنى: ولنصيبنكم بشىء من الخوف وبشىء من الجوع، وبشىء من النقص فى الأنفس والأموال والثمرات، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون، فنرتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله - تعالى -.<br>ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم كما حصل فى غزوة الأحزاب. وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من أوطانهم، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يشد الحجر على بطنه. وحدث لهم نقص فى أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة الله. وحدث لهم نقص فى أنفسهم بسبب قتالهم لأعدائهم. ولكن كل هذه الآلام لم تزدهم إلا إيماناً وتسليماً لقضاء الله وقدره، واستمساكاً بتعاليم دينهم.<br>وهذا البلاء وتلك الآلام لا بد منها ليؤدى المؤمنون تكاليف العقيدة، كى تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا فى سبيلها من تكاليف، إذ العقائد الرخيصة التى لا يؤدى أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم، وحط من مراتبهم، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: وأما الحكمة فى تقديم تعريف هذا الابتلاء. أى الإِخبار به قبل وقوعه: ففيها وجوه.<br>أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود.<br>وثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب.<br>وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع - يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل فى دلائله. ومن الملعوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع فى أعظم المحن بسبب المذهب الذى ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب: كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه فى ذلك المذهب.<br>ورابعها: أنه - تعالى - أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه. فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.<br>وخامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً فى المال وسعة الرزق، فإذا اختبره - سبحانه - بنزول هذه المحن، فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق.<br>وسادسها: أن إخلاص الإِنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله - تعالى - أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. فكانت الحكمة فى هذا الابتلاء ذلك.<br>ثم بعد أن بين - سبحانه - مواطن تضطرب فيها النفوس أردف ذلك يذكر عاقبة الصبر، وجزائه الأسنى، فقال: { وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ. ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.<br>الخطاب فى قوله: { وَبَشِّرِ } للنبى صلى الله عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة. والجملة عطف على { لَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف المضمون على المضمون أى: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر.<br>و { مُّصِيبَةٌ } اسم فاعل من الإِصابة، والمرأ بها الآلام الداخلة على النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن.<br>و{ رَاجِعونَ } من الرجوع بمعنى مصير الشىء إلى ما كان عليه، يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية، وهو نظير العود والمصير.<br>والمعنى: وبشر يا محمد بالرحمة العظيمة والإِحسان الجزيل، أولئك الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة، فى أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم، أو غير ذلك، قالوا: بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق لقضاء الله والرضا بقدره { إِنَّا للَّهِ } أى: إنا لله ملكا وعبودية، والمالك يتصرف فى ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء، { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } أى: وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول الشدائد التى ليس فى استطاعتنا دفعها.<br>فقولهم: { إِنَّا للَّهِ } إقرار بالعبودية والملكية لله رب العالمين. وقولهم: { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة.<br>وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول مع الجزع وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وإنما هذه البشارة موجهة إلى الذين يتلقون المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ } فإنه يدل على أنهم يقولون ذلك وقت الإِصابة \"ويصرح بهذا قوله صلى الله عليه وسلم  \"الصبر عند الصدمة الأولى\" .<br>وهذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم }.. إلخ وصف كريم لأولئك الصابرين، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر، إذ هو صبر مقترن ببصيرة مستنيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة صادقة أنهم ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك لله وأن المرجع إليه، يكون بذلك قد هيأها للصبر الجميل عند كل مصيبة تفاجئه.<br>قال القرطبى: جعل الله هذه الكلمات وهى قوله - تعالى - { إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } ملجأ لذوى المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعانى المياركة، فإن قوله { إِنَّا للَّهِ } توحيد واقرار بالعبودية والملك وقوله { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير: لم تعط هذه الكلمات نبياً قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف\".<br>هذا، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن عند حصول المصيبة، فقد ورد فى الصحيحين  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون\" .<br>وإنما الذى ينافيه ويؤاخذ الإِنسان عليه، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء، أو إلى فعل ما حرمه الإِسلام من نحو النياحة وشق الجيوب، ولطم الخدود.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للصابرين من أجر جزيل فقال: { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ }.<br>{ أُولَـٰئِكَ } اسم إشارة أتى به - سبحانه - للتنبيه على أن المشار إليه هم الموصوفون بجميع الصفات السابقة على اسم الإِشارة، وأن الحكم الذى ورد بعد مترتب على هذه الأوصاف.<br>و { صَلَوَاتٌ } جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. بالثناء والعطف والمغفرة. وجمعت مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخيرات فى الدنيا والآخرة.<br>{ وَرَحْمَةٌ } - كما هو مذهب السلف - صفة قائمة بذانه - تعالى - لا نعرف حقيقتها وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وعطف - سبحانه - الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك الإِقبال منه على عباده إنعاماً واسعاً، وعطاء جزيلا فى الدنيا والآخرة.<br>وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر وهو الإِفراد، والمقام فى الآية يذهب بذهن السامع إلى كثرة الإِنعام المترتب على الصبر الجميل.<br>والجملة { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } استئنافية جواب عن سؤال تقديره: بماذا بشر الله الصابرين؟ فكان الجواب: أولئك عليهم صلوات... إلخ.<br>والمعنى: أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم، وإحسان منه - سبحانه - يشملهم فى دنياهم وآخرتهم { وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها، حتى صدر عنهم ما لم يأذن به الله.<br>هذا، وفى فضل الصبر والصابرين وردت آيات كثيرة، وأحاديث متعددة أما الآيات فيزيد عددها فى القرآن على سبعين آية منها قوله - تعالى - { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ } وقوله { وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقوله: { أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } وقوله: { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } إلى غير ذلك من الآيات.<br>وأما الأحاديث فمنها ما جاء فى صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  \"ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها إلا أجره الله فى مصيبته وأخلف له خيراً منها\" . قالت: فلما توفى أبو سلمة قلت: من خير من أبى سلمة: صاحب رسول الله؟ ثم عزم الله لي فقلتها: قالت: فتزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومنها ما رواه الإِمام أحمد بسنده   \"عن أبى سنان قال: دفنت ابنا لى. وإنى لفى القبر أخذ بيدى أبو طلحة يعنى الخولانى فأخرجنى وقال: ألا أبشرك؟ قال قلت: بلى. قال: حدثنى الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله - تعالى -: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدى، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال فماذا قال؟ قال حمدك واسترجع. قال الله - تعالى -: ابنوا له بيتاً فى الجنة وسموه بيت الحمد\" .<br>ومنها ما رواه الشيخان عن أبى سعيد وأبى هريرةعن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه\" .<br>إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التى وردت فى ثواب الاسترجاع وفى أجر الصابرين وفضلهم.<br>ثم تحدث - سبحانه - عن شعيرة من شعائر الحج فقال:<br>{ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "163",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "154",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الصبر: حبس النفس على احتمال المكاره، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع.<br>والمعنى: يامن آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصى، وعلى احتمال المكاره التى تجرى بها الأقدار، استعينوا على كل ذلك بالصبر الجميل وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإِخلاص والتذلل للخالق - عز وجل - فإن الإِيمان الذى خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب، واحتمال المكاره، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، ولن تستطيعوا أن تتغلبوا على كل ذلك إلا بالصبر والصلاة.<br>ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه الربانى، وتأسى به أصحابه فى ذلك، فقد أخرج الإِمام أحمد - بسنده - عن حذيفة بن اليمان  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى\" . أى: إذا شق عليه أمر لجأ إلى الصلاة لله رب العالمين.<br>وافتتحت الآية الكريمة بالنداء، لأن فيه إشعاراً بخبر مهم عظيم، فإن من شأن الأخبار العظيمة التى تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهئ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها.<br>ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم، أن الله - تعالى - قد أمر بنى إسرائيل فى السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال: { ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ } إلا أنه - سبحانه - قال لهم: { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ } ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال، ولم يقل - سبحانه - للمؤمنين ذلك فى الآية التى معنا، للإِيماء إلى أنهم قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } بيان لحكمة الاستعانة بالصبر وهو الفوز والنصر. أى: إن الله مع الصابرين بمعونته ونصره، وتوفيقه وتسديده فهى معية خاصة، وإلا فهو - سبحانه - مع جميع خلقه بعلمه وقدرته.<br>وقال - سبحانه -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } ولم يقل \"مع المصلين\" لأن الصلاة المستوفية لأركانها وسننها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر، فالمصلون بحق داخلون فى قوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }.<br>ولم يقل \"معكم\" ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم.<br>قال الأستاذ الإِمام: إن من سنة الله: - تعالى - أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، لأنه - سبحانه - جعل هذا الصبر سبباً للظفر، إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذى هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته.<br>ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتاً فقال: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }.<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: نزلت هذه الآية فى قتلى غزوة بدر، قتل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا: ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم: إنهم ماتوا.<br>وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية.<br>والسبيل: الطريق وسبيل الله: طريق مرضاته، وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و{ أَمْوَاتٌ } مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: لا تقربوا هم أموات وكذلك قوله { أَحْيَاءٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى: هم أحياء.<br>قال الآلوسى: \"والجملة معطوفة على { وَلاَ تَقُولُواْ } اضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون فى حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء، لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا فى شأنهم إنهم أحياء وإن كان ذلك أيضاً صحيحاً\".<br>أى: لا تقولوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه إنهم أموات، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت، بل هم أحياء - فى عالم غير عالمكم كما قال - تعالى - { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تحسون ولا تدركون حالهم بالمشاعر، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعلم بها إلا الوحى.<br>قال الآلوسي ما ملخصه: ثم إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا فى شأن الشهداء أموات، إما أن يكون دفعاً لإِيهام مساواتهم لغيرهم فى ذلك البرزخ... وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون فى شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولن يروه أبداً... ثم قال: وقد اختلف فى هذه الحياة التى يحياها أولئك الشهداء عند ربهم: فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنها لا ندركها فى هذه النشأة واستدلوا بسياق قوله - تعالى -: { عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون } وبأن الحياة الروحانية التى ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم. وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون ولا ينافى ذلك.. وذهب البلخى إلى نفى الحياة عنهم وقال؛ معنى { بَلْ أَحْيَاءٌ } إنهم يحيون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء. فالآية على حد قوله - تعالى - { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } ).. وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بسبب ما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل، كما روى عن على أنه قال: \"هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم فى القلوب موجودة\".<br>ثم قال: \"ولا يخفى أن هذه الأقوال - ما عدا الأولين - فى غاية الضعف، بل نهاية البطلان، والمشهور ترجيح القول الأول\".<br>والذى نراه أن الآية الكريمة قد نبهتنا إلى أن للشهداء مزية تجعلهم مفضلين عمن سواهم من كثير من الناس، وهى أنهم فى حياة سارة، ونعيم مقيم عند ربهم، وهذه الحياة الممتازة تسمو بهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرهم إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوى للموت حاصلا لهم، ونحن نؤمن بهذه الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد صحتها كما ذكرها الله - تعالى - إلا أننا نفوض كيفيتها وكنهها إليه - سبحانه - إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، كما قال - تعالى -: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تشعرون بحياتهم بعد مفارقتهم لهذه الدنيا، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب.<br>وبعد أن طلب - سبحانه - من عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على احتمال المكاره، أردف ذلك بذكر بعض المواطن التى لا يمر فيها الإِنسان بسلامة إلا إذا اعتصم بعرى الصبر فقال - تعالى - { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ }.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير: والله لنبلونكم.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف على قوله: { ٱسْتَعِينُواْ } الخ، عطف المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر، ومضمون الثانية بيان مواطنه، والمراد: ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلى لأحوالكم:<br>والتنوين فى قوله: { بِشَيْءٍ } للتقليل. أى بقليل من كل واحد من هذه البلايا والمحن وهى الخوف وما عطف عليه.<br>وإنما قلل - كما قال الزمخشرى - ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم فى كل حال لا تزايلهم، وأنه - سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون من غير الصابرين.<br>و { ٱلْخَوْفِ } غم يلحق النفس لتوقع مكروه، ومن أشد ما تضطرب له النفوس من الخوف، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لاهم له إلا إيذاؤها بما تكره.<br>و{ وَٱلْجُوعِ } ضد الشبع، والمراد منه القحط، وتعذر تحصيل القوت، والحاجة الملحة إلى طعام.<br>و{ ٱلأَمَوَالِ } جمع مال، وهو ما يملك مما له قيمة، وجرى للعرب عرف باستعماله فى النعم خاصة - وهى الإِبل والبقر والغنم -.<br>و{ وَٱلثَّمَرَاتِ }: جمع ثمرة وهى حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر والنبات نفسه.<br>والمعنى: ولنصيبنكم بشىء من الخوف وبشىء من الجوع، وبشىء من النقص فى الأنفس والأموال والثمرات، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون، فنرتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله - تعالى -.<br>ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم كما حصل فى غزوة الأحزاب. وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من أوطانهم، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يشد الحجر على بطنه. وحدث لهم نقص فى أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة الله. وحدث لهم نقص فى أنفسهم بسبب قتالهم لأعدائهم. ولكن كل هذه الآلام لم تزدهم إلا إيماناً وتسليماً لقضاء الله وقدره، واستمساكاً بتعاليم دينهم.<br>وهذا البلاء وتلك الآلام لا بد منها ليؤدى المؤمنون تكاليف العقيدة، كى تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا فى سبيلها من تكاليف، إذ العقائد الرخيصة التى لا يؤدى أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم، وحط من مراتبهم، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: وأما الحكمة فى تقديم تعريف هذا الابتلاء. أى الإِخبار به قبل وقوعه: ففيها وجوه.<br>أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود.<br>وثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب.<br>وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع - يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل فى دلائله. ومن الملعوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع فى أعظم المحن بسبب المذهب الذى ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب: كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه فى ذلك المذهب.<br>ورابعها: أنه - تعالى - أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه. فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.<br>وخامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً فى المال وسعة الرزق، فإذا اختبره - سبحانه - بنزول هذه المحن، فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق.<br>وسادسها: أن إخلاص الإِنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله - تعالى - أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. فكانت الحكمة فى هذا الابتلاء ذلك.<br>ثم بعد أن بين - سبحانه - مواطن تضطرب فيها النفوس أردف ذلك يذكر عاقبة الصبر، وجزائه الأسنى، فقال: { وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ. ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.<br>الخطاب فى قوله: { وَبَشِّرِ } للنبى صلى الله عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة. والجملة عطف على { لَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف المضمون على المضمون أى: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر.<br>و { مُّصِيبَةٌ } اسم فاعل من الإِصابة، والمرأ بها الآلام الداخلة على النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن.<br>و{ رَاجِعونَ } من الرجوع بمعنى مصير الشىء إلى ما كان عليه، يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية، وهو نظير العود والمصير.<br>والمعنى: وبشر يا محمد بالرحمة العظيمة والإِحسان الجزيل، أولئك الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة، فى أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم، أو غير ذلك، قالوا: بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق لقضاء الله والرضا بقدره { إِنَّا للَّهِ } أى: إنا لله ملكا وعبودية، والمالك يتصرف فى ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء، { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } أى: وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول الشدائد التى ليس فى استطاعتنا دفعها.<br>فقولهم: { إِنَّا للَّهِ } إقرار بالعبودية والملكية لله رب العالمين. وقولهم: { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة.<br>وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول مع الجزع وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وإنما هذه البشارة موجهة إلى الذين يتلقون المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ } فإنه يدل على أنهم يقولون ذلك وقت الإِصابة \"ويصرح بهذا قوله صلى الله عليه وسلم  \"الصبر عند الصدمة الأولى\" .<br>وهذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم }.. إلخ وصف كريم لأولئك الصابرين، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر، إذ هو صبر مقترن ببصيرة مستنيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة صادقة أنهم ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك لله وأن المرجع إليه، يكون بذلك قد هيأها للصبر الجميل عند كل مصيبة تفاجئه.<br>قال القرطبى: جعل الله هذه الكلمات وهى قوله - تعالى - { إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } ملجأ لذوى المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعانى المياركة، فإن قوله { إِنَّا للَّهِ } توحيد واقرار بالعبودية والملك وقوله { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير: لم تعط هذه الكلمات نبياً قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف\".<br>هذا، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن عند حصول المصيبة، فقد ورد فى الصحيحين  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون\" .<br>وإنما الذى ينافيه ويؤاخذ الإِنسان عليه، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء، أو إلى فعل ما حرمه الإِسلام من نحو النياحة وشق الجيوب، ولطم الخدود.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للصابرين من أجر جزيل فقال: { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ }.<br>{ أُولَـٰئِكَ } اسم إشارة أتى به - سبحانه - للتنبيه على أن المشار إليه هم الموصوفون بجميع الصفات السابقة على اسم الإِشارة، وأن الحكم الذى ورد بعد مترتب على هذه الأوصاف.<br>و { صَلَوَاتٌ } جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. بالثناء والعطف والمغفرة. وجمعت مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخيرات فى الدنيا والآخرة.<br>{ وَرَحْمَةٌ } - كما هو مذهب السلف - صفة قائمة بذانه - تعالى - لا نعرف حقيقتها وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وعطف - سبحانه - الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك الإِقبال منه على عباده إنعاماً واسعاً، وعطاء جزيلا فى الدنيا والآخرة.<br>وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر وهو الإِفراد، والمقام فى الآية يذهب بذهن السامع إلى كثرة الإِنعام المترتب على الصبر الجميل.<br>والجملة { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } استئنافية جواب عن سؤال تقديره: بماذا بشر الله الصابرين؟ فكان الجواب: أولئك عليهم صلوات... إلخ.<br>والمعنى: أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم، وإحسان منه - سبحانه - يشملهم فى دنياهم وآخرتهم { وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها، حتى صدر عنهم ما لم يأذن به الله.<br>هذا، وفى فضل الصبر والصابرين وردت آيات كثيرة، وأحاديث متعددة أما الآيات فيزيد عددها فى القرآن على سبعين آية منها قوله - تعالى - { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ } وقوله { وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقوله: { أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } وقوله: { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } إلى غير ذلك من الآيات.<br>وأما الأحاديث فمنها ما جاء فى صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  \"ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها إلا أجره الله فى مصيبته وأخلف له خيراً منها\" . قالت: فلما توفى أبو سلمة قلت: من خير من أبى سلمة: صاحب رسول الله؟ ثم عزم الله لي فقلتها: قالت: فتزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومنها ما رواه الإِمام أحمد بسنده   \"عن أبى سنان قال: دفنت ابنا لى. وإنى لفى القبر أخذ بيدى أبو طلحة يعنى الخولانى فأخرجنى وقال: ألا أبشرك؟ قال قلت: بلى. قال: حدثنى الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله - تعالى -: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدى، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال فماذا قال؟ قال حمدك واسترجع. قال الله - تعالى -: ابنوا له بيتاً فى الجنة وسموه بيت الحمد\" .<br>ومنها ما رواه الشيخان عن أبى سعيد وأبى هريرةعن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه\" .<br>إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التى وردت فى ثواب الاسترجاع وفى أجر الصابرين وفضلهم.<br>ثم تحدث - سبحانه - عن شعيرة من شعائر الحج فقال:<br>{ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "164",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "155",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الصبر: حبس النفس على احتمال المكاره، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع.<br>والمعنى: يامن آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصى، وعلى احتمال المكاره التى تجرى بها الأقدار، استعينوا على كل ذلك بالصبر الجميل وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإِخلاص والتذلل للخالق - عز وجل - فإن الإِيمان الذى خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب، واحتمال المكاره، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، ولن تستطيعوا أن تتغلبوا على كل ذلك إلا بالصبر والصلاة.<br>ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه الربانى، وتأسى به أصحابه فى ذلك، فقد أخرج الإِمام أحمد - بسنده - عن حذيفة بن اليمان  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى\" . أى: إذا شق عليه أمر لجأ إلى الصلاة لله رب العالمين.<br>وافتتحت الآية الكريمة بالنداء، لأن فيه إشعاراً بخبر مهم عظيم، فإن من شأن الأخبار العظيمة التى تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهئ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها.<br>ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم، أن الله - تعالى - قد أمر بنى إسرائيل فى السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال: { ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ } إلا أنه - سبحانه - قال لهم: { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ } ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال، ولم يقل - سبحانه - للمؤمنين ذلك فى الآية التى معنا، للإِيماء إلى أنهم قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } بيان لحكمة الاستعانة بالصبر وهو الفوز والنصر. أى: إن الله مع الصابرين بمعونته ونصره، وتوفيقه وتسديده فهى معية خاصة، وإلا فهو - سبحانه - مع جميع خلقه بعلمه وقدرته.<br>وقال - سبحانه -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } ولم يقل \"مع المصلين\" لأن الصلاة المستوفية لأركانها وسننها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر، فالمصلون بحق داخلون فى قوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }.<br>ولم يقل \"معكم\" ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم.<br>قال الأستاذ الإِمام: إن من سنة الله: - تعالى - أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، لأنه - سبحانه - جعل هذا الصبر سبباً للظفر، إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذى هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته.<br>ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتاً فقال: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }.<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: نزلت هذه الآية فى قتلى غزوة بدر، قتل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا: ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم: إنهم ماتوا.<br>وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية.<br>والسبيل: الطريق وسبيل الله: طريق مرضاته، وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و{ أَمْوَاتٌ } مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: لا تقربوا هم أموات وكذلك قوله { أَحْيَاءٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى: هم أحياء.<br>قال الآلوسى: \"والجملة معطوفة على { وَلاَ تَقُولُواْ } اضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون فى حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء، لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا فى شأنهم إنهم أحياء وإن كان ذلك أيضاً صحيحاً\".<br>أى: لا تقولوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه إنهم أموات، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت، بل هم أحياء - فى عالم غير عالمكم كما قال - تعالى - { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تحسون ولا تدركون حالهم بالمشاعر، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعلم بها إلا الوحى.<br>قال الآلوسي ما ملخصه: ثم إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا فى شأن الشهداء أموات، إما أن يكون دفعاً لإِيهام مساواتهم لغيرهم فى ذلك البرزخ... وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون فى شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولن يروه أبداً... ثم قال: وقد اختلف فى هذه الحياة التى يحياها أولئك الشهداء عند ربهم: فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنها لا ندركها فى هذه النشأة واستدلوا بسياق قوله - تعالى -: { عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون } وبأن الحياة الروحانية التى ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم. وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون ولا ينافى ذلك.. وذهب البلخى إلى نفى الحياة عنهم وقال؛ معنى { بَلْ أَحْيَاءٌ } إنهم يحيون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء. فالآية على حد قوله - تعالى - { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } ).. وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بسبب ما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل، كما روى عن على أنه قال: \"هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم فى القلوب موجودة\".<br>ثم قال: \"ولا يخفى أن هذه الأقوال - ما عدا الأولين - فى غاية الضعف، بل نهاية البطلان، والمشهور ترجيح القول الأول\".<br>والذى نراه أن الآية الكريمة قد نبهتنا إلى أن للشهداء مزية تجعلهم مفضلين عمن سواهم من كثير من الناس، وهى أنهم فى حياة سارة، ونعيم مقيم عند ربهم، وهذه الحياة الممتازة تسمو بهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرهم إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوى للموت حاصلا لهم، ونحن نؤمن بهذه الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد صحتها كما ذكرها الله - تعالى - إلا أننا نفوض كيفيتها وكنهها إليه - سبحانه - إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، كما قال - تعالى -: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تشعرون بحياتهم بعد مفارقتهم لهذه الدنيا، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب.<br>وبعد أن طلب - سبحانه - من عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على احتمال المكاره، أردف ذلك بذكر بعض المواطن التى لا يمر فيها الإِنسان بسلامة إلا إذا اعتصم بعرى الصبر فقال - تعالى - { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ }.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير: والله لنبلونكم.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف على قوله: { ٱسْتَعِينُواْ } الخ، عطف المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر، ومضمون الثانية بيان مواطنه، والمراد: ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلى لأحوالكم:<br>والتنوين فى قوله: { بِشَيْءٍ } للتقليل. أى بقليل من كل واحد من هذه البلايا والمحن وهى الخوف وما عطف عليه.<br>وإنما قلل - كما قال الزمخشرى - ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم فى كل حال لا تزايلهم، وأنه - سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون من غير الصابرين.<br>و { ٱلْخَوْفِ } غم يلحق النفس لتوقع مكروه، ومن أشد ما تضطرب له النفوس من الخوف، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لاهم له إلا إيذاؤها بما تكره.<br>و{ وَٱلْجُوعِ } ضد الشبع، والمراد منه القحط، وتعذر تحصيل القوت، والحاجة الملحة إلى طعام.<br>و{ ٱلأَمَوَالِ } جمع مال، وهو ما يملك مما له قيمة، وجرى للعرب عرف باستعماله فى النعم خاصة - وهى الإِبل والبقر والغنم -.<br>و{ وَٱلثَّمَرَاتِ }: جمع ثمرة وهى حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر والنبات نفسه.<br>والمعنى: ولنصيبنكم بشىء من الخوف وبشىء من الجوع، وبشىء من النقص فى الأنفس والأموال والثمرات، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون، فنرتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله - تعالى -.<br>ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم كما حصل فى غزوة الأحزاب. وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من أوطانهم، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يشد الحجر على بطنه. وحدث لهم نقص فى أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة الله. وحدث لهم نقص فى أنفسهم بسبب قتالهم لأعدائهم. ولكن كل هذه الآلام لم تزدهم إلا إيماناً وتسليماً لقضاء الله وقدره، واستمساكاً بتعاليم دينهم.<br>وهذا البلاء وتلك الآلام لا بد منها ليؤدى المؤمنون تكاليف العقيدة، كى تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا فى سبيلها من تكاليف، إذ العقائد الرخيصة التى لا يؤدى أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم، وحط من مراتبهم، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: وأما الحكمة فى تقديم تعريف هذا الابتلاء. أى الإِخبار به قبل وقوعه: ففيها وجوه.<br>أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود.<br>وثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب.<br>وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع - يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل فى دلائله. ومن الملعوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع فى أعظم المحن بسبب المذهب الذى ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب: كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه فى ذلك المذهب.<br>ورابعها: أنه - تعالى - أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه. فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.<br>وخامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً فى المال وسعة الرزق، فإذا اختبره - سبحانه - بنزول هذه المحن، فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق.<br>وسادسها: أن إخلاص الإِنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله - تعالى - أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. فكانت الحكمة فى هذا الابتلاء ذلك.<br>ثم بعد أن بين - سبحانه - مواطن تضطرب فيها النفوس أردف ذلك يذكر عاقبة الصبر، وجزائه الأسنى، فقال: { وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ. ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.<br>الخطاب فى قوله: { وَبَشِّرِ } للنبى صلى الله عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة. والجملة عطف على { لَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف المضمون على المضمون أى: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر.<br>و { مُّصِيبَةٌ } اسم فاعل من الإِصابة، والمرأ بها الآلام الداخلة على النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن.<br>و{ رَاجِعونَ } من الرجوع بمعنى مصير الشىء إلى ما كان عليه، يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية، وهو نظير العود والمصير.<br>والمعنى: وبشر يا محمد بالرحمة العظيمة والإِحسان الجزيل، أولئك الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة، فى أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم، أو غير ذلك، قالوا: بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق لقضاء الله والرضا بقدره { إِنَّا للَّهِ } أى: إنا لله ملكا وعبودية، والمالك يتصرف فى ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء، { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } أى: وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول الشدائد التى ليس فى استطاعتنا دفعها.<br>فقولهم: { إِنَّا للَّهِ } إقرار بالعبودية والملكية لله رب العالمين. وقولهم: { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة.<br>وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول مع الجزع وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وإنما هذه البشارة موجهة إلى الذين يتلقون المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ } فإنه يدل على أنهم يقولون ذلك وقت الإِصابة \"ويصرح بهذا قوله صلى الله عليه وسلم  \"الصبر عند الصدمة الأولى\" .<br>وهذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم }.. إلخ وصف كريم لأولئك الصابرين، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر، إذ هو صبر مقترن ببصيرة مستنيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة صادقة أنهم ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك لله وأن المرجع إليه، يكون بذلك قد هيأها للصبر الجميل عند كل مصيبة تفاجئه.<br>قال القرطبى: جعل الله هذه الكلمات وهى قوله - تعالى - { إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } ملجأ لذوى المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعانى المياركة، فإن قوله { إِنَّا للَّهِ } توحيد واقرار بالعبودية والملك وقوله { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير: لم تعط هذه الكلمات نبياً قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف\".<br>هذا، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن عند حصول المصيبة، فقد ورد فى الصحيحين  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون\" .<br>وإنما الذى ينافيه ويؤاخذ الإِنسان عليه، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء، أو إلى فعل ما حرمه الإِسلام من نحو النياحة وشق الجيوب، ولطم الخدود.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للصابرين من أجر جزيل فقال: { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ }.<br>{ أُولَـٰئِكَ } اسم إشارة أتى به - سبحانه - للتنبيه على أن المشار إليه هم الموصوفون بجميع الصفات السابقة على اسم الإِشارة، وأن الحكم الذى ورد بعد مترتب على هذه الأوصاف.<br>و { صَلَوَاتٌ } جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. بالثناء والعطف والمغفرة. وجمعت مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخيرات فى الدنيا والآخرة.<br>{ وَرَحْمَةٌ } - كما هو مذهب السلف - صفة قائمة بذانه - تعالى - لا نعرف حقيقتها وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وعطف - سبحانه - الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك الإِقبال منه على عباده إنعاماً واسعاً، وعطاء جزيلا فى الدنيا والآخرة.<br>وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر وهو الإِفراد، والمقام فى الآية يذهب بذهن السامع إلى كثرة الإِنعام المترتب على الصبر الجميل.<br>والجملة { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } استئنافية جواب عن سؤال تقديره: بماذا بشر الله الصابرين؟ فكان الجواب: أولئك عليهم صلوات... إلخ.<br>والمعنى: أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم، وإحسان منه - سبحانه - يشملهم فى دنياهم وآخرتهم { وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها، حتى صدر عنهم ما لم يأذن به الله.<br>هذا، وفى فضل الصبر والصابرين وردت آيات كثيرة، وأحاديث متعددة أما الآيات فيزيد عددها فى القرآن على سبعين آية منها قوله - تعالى - { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ } وقوله { وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقوله: { أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } وقوله: { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } إلى غير ذلك من الآيات.<br>وأما الأحاديث فمنها ما جاء فى صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  \"ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها إلا أجره الله فى مصيبته وأخلف له خيراً منها\" . قالت: فلما توفى أبو سلمة قلت: من خير من أبى سلمة: صاحب رسول الله؟ ثم عزم الله لي فقلتها: قالت: فتزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومنها ما رواه الإِمام أحمد بسنده   \"عن أبى سنان قال: دفنت ابنا لى. وإنى لفى القبر أخذ بيدى أبو طلحة يعنى الخولانى فأخرجنى وقال: ألا أبشرك؟ قال قلت: بلى. قال: حدثنى الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله - تعالى -: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدى، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال فماذا قال؟ قال حمدك واسترجع. قال الله - تعالى -: ابنوا له بيتاً فى الجنة وسموه بيت الحمد\" .<br>ومنها ما رواه الشيخان عن أبى سعيد وأبى هريرةعن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه\" .<br>إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التى وردت فى ثواب الاسترجاع وفى أجر الصابرين وفضلهم.<br>ثم تحدث - سبحانه - عن شعيرة من شعائر الحج فقال:<br>{ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "165",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "156",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الصبر: حبس النفس على احتمال المكاره، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع.<br>والمعنى: يامن آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصى، وعلى احتمال المكاره التى تجرى بها الأقدار، استعينوا على كل ذلك بالصبر الجميل وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإِخلاص والتذلل للخالق - عز وجل - فإن الإِيمان الذى خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب، واحتمال المكاره، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، ولن تستطيعوا أن تتغلبوا على كل ذلك إلا بالصبر والصلاة.<br>ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه الربانى، وتأسى به أصحابه فى ذلك، فقد أخرج الإِمام أحمد - بسنده - عن حذيفة بن اليمان  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى\" . أى: إذا شق عليه أمر لجأ إلى الصلاة لله رب العالمين.<br>وافتتحت الآية الكريمة بالنداء، لأن فيه إشعاراً بخبر مهم عظيم، فإن من شأن الأخبار العظيمة التى تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهئ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها.<br>ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم، أن الله - تعالى - قد أمر بنى إسرائيل فى السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال: { ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ } إلا أنه - سبحانه - قال لهم: { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ } ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال، ولم يقل - سبحانه - للمؤمنين ذلك فى الآية التى معنا، للإِيماء إلى أنهم قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } بيان لحكمة الاستعانة بالصبر وهو الفوز والنصر. أى: إن الله مع الصابرين بمعونته ونصره، وتوفيقه وتسديده فهى معية خاصة، وإلا فهو - سبحانه - مع جميع خلقه بعلمه وقدرته.<br>وقال - سبحانه -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } ولم يقل \"مع المصلين\" لأن الصلاة المستوفية لأركانها وسننها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر، فالمصلون بحق داخلون فى قوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }.<br>ولم يقل \"معكم\" ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم.<br>قال الأستاذ الإِمام: إن من سنة الله: - تعالى - أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، لأنه - سبحانه - جعل هذا الصبر سبباً للظفر، إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذى هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته.<br>ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتاً فقال: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }.<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: نزلت هذه الآية فى قتلى غزوة بدر، قتل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا: ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم: إنهم ماتوا.<br>وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية.<br>والسبيل: الطريق وسبيل الله: طريق مرضاته، وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و{ أَمْوَاتٌ } مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: لا تقربوا هم أموات وكذلك قوله { أَحْيَاءٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى: هم أحياء.<br>قال الآلوسى: \"والجملة معطوفة على { وَلاَ تَقُولُواْ } اضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون فى حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء، لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا فى شأنهم إنهم أحياء وإن كان ذلك أيضاً صحيحاً\".<br>أى: لا تقولوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه إنهم أموات، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت، بل هم أحياء - فى عالم غير عالمكم كما قال - تعالى - { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تحسون ولا تدركون حالهم بالمشاعر، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعلم بها إلا الوحى.<br>قال الآلوسي ما ملخصه: ثم إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا فى شأن الشهداء أموات، إما أن يكون دفعاً لإِيهام مساواتهم لغيرهم فى ذلك البرزخ... وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون فى شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولن يروه أبداً... ثم قال: وقد اختلف فى هذه الحياة التى يحياها أولئك الشهداء عند ربهم: فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنها لا ندركها فى هذه النشأة واستدلوا بسياق قوله - تعالى -: { عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون } وبأن الحياة الروحانية التى ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم. وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون ولا ينافى ذلك.. وذهب البلخى إلى نفى الحياة عنهم وقال؛ معنى { بَلْ أَحْيَاءٌ } إنهم يحيون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء. فالآية على حد قوله - تعالى - { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } ).. وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بسبب ما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل، كما روى عن على أنه قال: \"هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم فى القلوب موجودة\".<br>ثم قال: \"ولا يخفى أن هذه الأقوال - ما عدا الأولين - فى غاية الضعف، بل نهاية البطلان، والمشهور ترجيح القول الأول\".<br>والذى نراه أن الآية الكريمة قد نبهتنا إلى أن للشهداء مزية تجعلهم مفضلين عمن سواهم من كثير من الناس، وهى أنهم فى حياة سارة، ونعيم مقيم عند ربهم، وهذه الحياة الممتازة تسمو بهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرهم إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوى للموت حاصلا لهم، ونحن نؤمن بهذه الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد صحتها كما ذكرها الله - تعالى - إلا أننا نفوض كيفيتها وكنهها إليه - سبحانه - إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، كما قال - تعالى -: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تشعرون بحياتهم بعد مفارقتهم لهذه الدنيا، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب.<br>وبعد أن طلب - سبحانه - من عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على احتمال المكاره، أردف ذلك بذكر بعض المواطن التى لا يمر فيها الإِنسان بسلامة إلا إذا اعتصم بعرى الصبر فقال - تعالى - { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ }.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير: والله لنبلونكم.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف على قوله: { ٱسْتَعِينُواْ } الخ، عطف المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر، ومضمون الثانية بيان مواطنه، والمراد: ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلى لأحوالكم:<br>والتنوين فى قوله: { بِشَيْءٍ } للتقليل. أى بقليل من كل واحد من هذه البلايا والمحن وهى الخوف وما عطف عليه.<br>وإنما قلل - كما قال الزمخشرى - ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم فى كل حال لا تزايلهم، وأنه - سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون من غير الصابرين.<br>و { ٱلْخَوْفِ } غم يلحق النفس لتوقع مكروه، ومن أشد ما تضطرب له النفوس من الخوف، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لاهم له إلا إيذاؤها بما تكره.<br>و{ وَٱلْجُوعِ } ضد الشبع، والمراد منه القحط، وتعذر تحصيل القوت، والحاجة الملحة إلى طعام.<br>و{ ٱلأَمَوَالِ } جمع مال، وهو ما يملك مما له قيمة، وجرى للعرب عرف باستعماله فى النعم خاصة - وهى الإِبل والبقر والغنم -.<br>و{ وَٱلثَّمَرَاتِ }: جمع ثمرة وهى حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر والنبات نفسه.<br>والمعنى: ولنصيبنكم بشىء من الخوف وبشىء من الجوع، وبشىء من النقص فى الأنفس والأموال والثمرات، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون، فنرتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله - تعالى -.<br>ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم كما حصل فى غزوة الأحزاب. وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من أوطانهم، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يشد الحجر على بطنه. وحدث لهم نقص فى أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة الله. وحدث لهم نقص فى أنفسهم بسبب قتالهم لأعدائهم. ولكن كل هذه الآلام لم تزدهم إلا إيماناً وتسليماً لقضاء الله وقدره، واستمساكاً بتعاليم دينهم.<br>وهذا البلاء وتلك الآلام لا بد منها ليؤدى المؤمنون تكاليف العقيدة، كى تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا فى سبيلها من تكاليف، إذ العقائد الرخيصة التى لا يؤدى أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم، وحط من مراتبهم، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: وأما الحكمة فى تقديم تعريف هذا الابتلاء. أى الإِخبار به قبل وقوعه: ففيها وجوه.<br>أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود.<br>وثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب.<br>وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع - يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل فى دلائله. ومن الملعوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع فى أعظم المحن بسبب المذهب الذى ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب: كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه فى ذلك المذهب.<br>ورابعها: أنه - تعالى - أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه. فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.<br>وخامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً فى المال وسعة الرزق، فإذا اختبره - سبحانه - بنزول هذه المحن، فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق.<br>وسادسها: أن إخلاص الإِنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله - تعالى - أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. فكانت الحكمة فى هذا الابتلاء ذلك.<br>ثم بعد أن بين - سبحانه - مواطن تضطرب فيها النفوس أردف ذلك يذكر عاقبة الصبر، وجزائه الأسنى، فقال: { وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ. ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.<br>الخطاب فى قوله: { وَبَشِّرِ } للنبى صلى الله عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة. والجملة عطف على { لَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف المضمون على المضمون أى: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر.<br>و { مُّصِيبَةٌ } اسم فاعل من الإِصابة، والمرأ بها الآلام الداخلة على النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن.<br>و{ رَاجِعونَ } من الرجوع بمعنى مصير الشىء إلى ما كان عليه، يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية، وهو نظير العود والمصير.<br>والمعنى: وبشر يا محمد بالرحمة العظيمة والإِحسان الجزيل، أولئك الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة، فى أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم، أو غير ذلك، قالوا: بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق لقضاء الله والرضا بقدره { إِنَّا للَّهِ } أى: إنا لله ملكا وعبودية، والمالك يتصرف فى ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء، { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } أى: وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول الشدائد التى ليس فى استطاعتنا دفعها.<br>فقولهم: { إِنَّا للَّهِ } إقرار بالعبودية والملكية لله رب العالمين. وقولهم: { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة.<br>وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول مع الجزع وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وإنما هذه البشارة موجهة إلى الذين يتلقون المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ } فإنه يدل على أنهم يقولون ذلك وقت الإِصابة \"ويصرح بهذا قوله صلى الله عليه وسلم  \"الصبر عند الصدمة الأولى\" .<br>وهذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم }.. إلخ وصف كريم لأولئك الصابرين، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر، إذ هو صبر مقترن ببصيرة مستنيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة صادقة أنهم ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك لله وأن المرجع إليه، يكون بذلك قد هيأها للصبر الجميل عند كل مصيبة تفاجئه.<br>قال القرطبى: جعل الله هذه الكلمات وهى قوله - تعالى - { إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } ملجأ لذوى المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعانى المياركة، فإن قوله { إِنَّا للَّهِ } توحيد واقرار بالعبودية والملك وقوله { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير: لم تعط هذه الكلمات نبياً قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف\".<br>هذا، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن عند حصول المصيبة، فقد ورد فى الصحيحين  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون\" .<br>وإنما الذى ينافيه ويؤاخذ الإِنسان عليه، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء، أو إلى فعل ما حرمه الإِسلام من نحو النياحة وشق الجيوب، ولطم الخدود.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للصابرين من أجر جزيل فقال: { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ }.<br>{ أُولَـٰئِكَ } اسم إشارة أتى به - سبحانه - للتنبيه على أن المشار إليه هم الموصوفون بجميع الصفات السابقة على اسم الإِشارة، وأن الحكم الذى ورد بعد مترتب على هذه الأوصاف.<br>و { صَلَوَاتٌ } جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. بالثناء والعطف والمغفرة. وجمعت مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخيرات فى الدنيا والآخرة.<br>{ وَرَحْمَةٌ } - كما هو مذهب السلف - صفة قائمة بذانه - تعالى - لا نعرف حقيقتها وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وعطف - سبحانه - الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك الإِقبال منه على عباده إنعاماً واسعاً، وعطاء جزيلا فى الدنيا والآخرة.<br>وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر وهو الإِفراد، والمقام فى الآية يذهب بذهن السامع إلى كثرة الإِنعام المترتب على الصبر الجميل.<br>والجملة { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } استئنافية جواب عن سؤال تقديره: بماذا بشر الله الصابرين؟ فكان الجواب: أولئك عليهم صلوات... إلخ.<br>والمعنى: أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم، وإحسان منه - سبحانه - يشملهم فى دنياهم وآخرتهم { وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها، حتى صدر عنهم ما لم يأذن به الله.<br>هذا، وفى فضل الصبر والصابرين وردت آيات كثيرة، وأحاديث متعددة أما الآيات فيزيد عددها فى القرآن على سبعين آية منها قوله - تعالى - { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ } وقوله { وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقوله: { أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } وقوله: { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } إلى غير ذلك من الآيات.<br>وأما الأحاديث فمنها ما جاء فى صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  \"ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها إلا أجره الله فى مصيبته وأخلف له خيراً منها\" . قالت: فلما توفى أبو سلمة قلت: من خير من أبى سلمة: صاحب رسول الله؟ ثم عزم الله لي فقلتها: قالت: فتزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومنها ما رواه الإِمام أحمد بسنده   \"عن أبى سنان قال: دفنت ابنا لى. وإنى لفى القبر أخذ بيدى أبو طلحة يعنى الخولانى فأخرجنى وقال: ألا أبشرك؟ قال قلت: بلى. قال: حدثنى الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله - تعالى -: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدى، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال فماذا قال؟ قال حمدك واسترجع. قال الله - تعالى -: ابنوا له بيتاً فى الجنة وسموه بيت الحمد\" .<br>ومنها ما رواه الشيخان عن أبى سعيد وأبى هريرةعن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه\" .<br>إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التى وردت فى ثواب الاسترجاع وفى أجر الصابرين وفضلهم.<br>ثم تحدث - سبحانه - عن شعيرة من شعائر الحج فقال:<br>{ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "166",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "157",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الصبر: حبس النفس على احتمال المكاره، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع.<br>والمعنى: يامن آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصى، وعلى احتمال المكاره التى تجرى بها الأقدار، استعينوا على كل ذلك بالصبر الجميل وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإِخلاص والتذلل للخالق - عز وجل - فإن الإِيمان الذى خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب، واحتمال المكاره، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، ولن تستطيعوا أن تتغلبوا على كل ذلك إلا بالصبر والصلاة.<br>ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه الربانى، وتأسى به أصحابه فى ذلك، فقد أخرج الإِمام أحمد - بسنده - عن حذيفة بن اليمان  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى\" . أى: إذا شق عليه أمر لجأ إلى الصلاة لله رب العالمين.<br>وافتتحت الآية الكريمة بالنداء، لأن فيه إشعاراً بخبر مهم عظيم، فإن من شأن الأخبار العظيمة التى تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهئ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها.<br>ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم، أن الله - تعالى - قد أمر بنى إسرائيل فى السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال: { ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ } إلا أنه - سبحانه - قال لهم: { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ } ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال، ولم يقل - سبحانه - للمؤمنين ذلك فى الآية التى معنا، للإِيماء إلى أنهم قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } بيان لحكمة الاستعانة بالصبر وهو الفوز والنصر. أى: إن الله مع الصابرين بمعونته ونصره، وتوفيقه وتسديده فهى معية خاصة، وإلا فهو - سبحانه - مع جميع خلقه بعلمه وقدرته.<br>وقال - سبحانه -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } ولم يقل \"مع المصلين\" لأن الصلاة المستوفية لأركانها وسننها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر، فالمصلون بحق داخلون فى قوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }.<br>ولم يقل \"معكم\" ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم.<br>قال الأستاذ الإِمام: إن من سنة الله: - تعالى - أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، لأنه - سبحانه - جعل هذا الصبر سبباً للظفر، إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذى هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته.<br>ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتاً فقال: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }.<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: نزلت هذه الآية فى قتلى غزوة بدر، قتل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا: ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم: إنهم ماتوا.<br>وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية.<br>والسبيل: الطريق وسبيل الله: طريق مرضاته، وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و{ أَمْوَاتٌ } مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: لا تقربوا هم أموات وكذلك قوله { أَحْيَاءٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى: هم أحياء.<br>قال الآلوسى: \"والجملة معطوفة على { وَلاَ تَقُولُواْ } اضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون فى حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء، لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا فى شأنهم إنهم أحياء وإن كان ذلك أيضاً صحيحاً\".<br>أى: لا تقولوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه إنهم أموات، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت، بل هم أحياء - فى عالم غير عالمكم كما قال - تعالى - { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تحسون ولا تدركون حالهم بالمشاعر، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعلم بها إلا الوحى.<br>قال الآلوسي ما ملخصه: ثم إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا فى شأن الشهداء أموات، إما أن يكون دفعاً لإِيهام مساواتهم لغيرهم فى ذلك البرزخ... وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون فى شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولن يروه أبداً... ثم قال: وقد اختلف فى هذه الحياة التى يحياها أولئك الشهداء عند ربهم: فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنها لا ندركها فى هذه النشأة واستدلوا بسياق قوله - تعالى -: { عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون } وبأن الحياة الروحانية التى ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم. وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون ولا ينافى ذلك.. وذهب البلخى إلى نفى الحياة عنهم وقال؛ معنى { بَلْ أَحْيَاءٌ } إنهم يحيون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء. فالآية على حد قوله - تعالى - { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } ).. وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بسبب ما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل، كما روى عن على أنه قال: \"هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم فى القلوب موجودة\".<br>ثم قال: \"ولا يخفى أن هذه الأقوال - ما عدا الأولين - فى غاية الضعف، بل نهاية البطلان، والمشهور ترجيح القول الأول\".<br>والذى نراه أن الآية الكريمة قد نبهتنا إلى أن للشهداء مزية تجعلهم مفضلين عمن سواهم من كثير من الناس، وهى أنهم فى حياة سارة، ونعيم مقيم عند ربهم، وهذه الحياة الممتازة تسمو بهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرهم إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوى للموت حاصلا لهم، ونحن نؤمن بهذه الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد صحتها كما ذكرها الله - تعالى - إلا أننا نفوض كيفيتها وكنهها إليه - سبحانه - إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، كما قال - تعالى -: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى: لا تشعرون بحياتهم بعد مفارقتهم لهذه الدنيا، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب.<br>وبعد أن طلب - سبحانه - من عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على احتمال المكاره، أردف ذلك بذكر بعض المواطن التى لا يمر فيها الإِنسان بسلامة إلا إذا اعتصم بعرى الصبر فقال - تعالى - { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ }.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير: والله لنبلونكم.<br>وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف على قوله: { ٱسْتَعِينُواْ } الخ، عطف المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر، ومضمون الثانية بيان مواطنه، والمراد: ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلى لأحوالكم:<br>والتنوين فى قوله: { بِشَيْءٍ } للتقليل. أى بقليل من كل واحد من هذه البلايا والمحن وهى الخوف وما عطف عليه.<br>وإنما قلل - كما قال الزمخشرى - ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم فى كل حال لا تزايلهم، وأنه - سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون من غير الصابرين.<br>و { ٱلْخَوْفِ } غم يلحق النفس لتوقع مكروه، ومن أشد ما تضطرب له النفوس من الخوف، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لاهم له إلا إيذاؤها بما تكره.<br>و{ وَٱلْجُوعِ } ضد الشبع، والمراد منه القحط، وتعذر تحصيل القوت، والحاجة الملحة إلى طعام.<br>و{ ٱلأَمَوَالِ } جمع مال، وهو ما يملك مما له قيمة، وجرى للعرب عرف باستعماله فى النعم خاصة - وهى الإِبل والبقر والغنم -.<br>و{ وَٱلثَّمَرَاتِ }: جمع ثمرة وهى حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر والنبات نفسه.<br>والمعنى: ولنصيبنكم بشىء من الخوف وبشىء من الجوع، وبشىء من النقص فى الأنفس والأموال والثمرات، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون، فنرتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله - تعالى -.<br>ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم كما حصل فى غزوة الأحزاب. وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من أوطانهم، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يشد الحجر على بطنه. وحدث لهم نقص فى أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة الله. وحدث لهم نقص فى أنفسهم بسبب قتالهم لأعدائهم. ولكن كل هذه الآلام لم تزدهم إلا إيماناً وتسليماً لقضاء الله وقدره، واستمساكاً بتعاليم دينهم.<br>وهذا البلاء وتلك الآلام لا بد منها ليؤدى المؤمنون تكاليف العقيدة، كى تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا فى سبيلها من تكاليف، إذ العقائد الرخيصة التى لا يؤدى أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم، وحط من مراتبهم، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: وأما الحكمة فى تقديم تعريف هذا الابتلاء. أى الإِخبار به قبل وقوعه: ففيها وجوه.<br>أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود.<br>وثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب.<br>وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع - يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل فى دلائله. ومن الملعوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع فى أعظم المحن بسبب المذهب الذى ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب: كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه فى ذلك المذهب.<br>ورابعها: أنه - تعالى - أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه. فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.<br>وخامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً فى المال وسعة الرزق، فإذا اختبره - سبحانه - بنزول هذه المحن، فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق.<br>وسادسها: أن إخلاص الإِنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله - تعالى - أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. فكانت الحكمة فى هذا الابتلاء ذلك.<br>ثم بعد أن بين - سبحانه - مواطن تضطرب فيها النفوس أردف ذلك يذكر عاقبة الصبر، وجزائه الأسنى، فقال: { وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ. ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.<br>الخطاب فى قوله: { وَبَشِّرِ } للنبى صلى الله عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة. والجملة عطف على { لَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف المضمون على المضمون أى: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر.<br>و { مُّصِيبَةٌ } اسم فاعل من الإِصابة، والمرأ بها الآلام الداخلة على النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن.<br>و{ رَاجِعونَ } من الرجوع بمعنى مصير الشىء إلى ما كان عليه، يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية، وهو نظير العود والمصير.<br>والمعنى: وبشر يا محمد بالرحمة العظيمة والإِحسان الجزيل، أولئك الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة، فى أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم، أو غير ذلك، قالوا: بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق لقضاء الله والرضا بقدره { إِنَّا للَّهِ } أى: إنا لله ملكا وعبودية، والمالك يتصرف فى ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء، { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } أى: وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول الشدائد التى ليس فى استطاعتنا دفعها.<br>فقولهم: { إِنَّا للَّهِ } إقرار بالعبودية والملكية لله رب العالمين. وقولهم: { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة.<br>وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول مع الجزع وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وإنما هذه البشارة موجهة إلى الذين يتلقون المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ } فإنه يدل على أنهم يقولون ذلك وقت الإِصابة \"ويصرح بهذا قوله صلى الله عليه وسلم  \"الصبر عند الصدمة الأولى\" .<br>وهذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم }.. إلخ وصف كريم لأولئك الصابرين، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر، إذ هو صبر مقترن ببصيرة مستنيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة صادقة أنهم ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك لله وأن المرجع إليه، يكون بذلك قد هيأها للصبر الجميل عند كل مصيبة تفاجئه.<br>قال القرطبى: جعل الله هذه الكلمات وهى قوله - تعالى - { إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } ملجأ لذوى المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعانى المياركة، فإن قوله { إِنَّا للَّهِ } توحيد واقرار بالعبودية والملك وقوله { وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير: لم تعط هذه الكلمات نبياً قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف\".<br>هذا، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن عند حصول المصيبة، فقد ورد فى الصحيحين  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون\" .<br>وإنما الذى ينافيه ويؤاخذ الإِنسان عليه، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء، أو إلى فعل ما حرمه الإِسلام من نحو النياحة وشق الجيوب، ولطم الخدود.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للصابرين من أجر جزيل فقال: { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ }.<br>{ أُولَـٰئِكَ } اسم إشارة أتى به - سبحانه - للتنبيه على أن المشار إليه هم الموصوفون بجميع الصفات السابقة على اسم الإِشارة، وأن الحكم الذى ورد بعد مترتب على هذه الأوصاف.<br>و { صَلَوَاتٌ } جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. بالثناء والعطف والمغفرة. وجمعت مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخيرات فى الدنيا والآخرة.<br>{ وَرَحْمَةٌ } - كما هو مذهب السلف - صفة قائمة بذانه - تعالى - لا نعرف حقيقتها وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.<br>وعطف - سبحانه - الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك الإِقبال منه على عباده إنعاماً واسعاً، وعطاء جزيلا فى الدنيا والآخرة.<br>وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر وهو الإِفراد، والمقام فى الآية يذهب بذهن السامع إلى كثرة الإِنعام المترتب على الصبر الجميل.<br>والجملة { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } استئنافية جواب عن سؤال تقديره: بماذا بشر الله الصابرين؟ فكان الجواب: أولئك عليهم صلوات... إلخ.<br>والمعنى: أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم، وإحسان منه - سبحانه - يشملهم فى دنياهم وآخرتهم { وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها، حتى صدر عنهم ما لم يأذن به الله.<br>هذا، وفى فضل الصبر والصابرين وردت آيات كثيرة، وأحاديث متعددة أما الآيات فيزيد عددها فى القرآن على سبعين آية منها قوله - تعالى - { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ } وقوله { وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقوله: { أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } وقوله: { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } إلى غير ذلك من الآيات.<br>وأما الأحاديث فمنها ما جاء فى صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  \"ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها إلا أجره الله فى مصيبته وأخلف له خيراً منها\" . قالت: فلما توفى أبو سلمة قلت: من خير من أبى سلمة: صاحب رسول الله؟ ثم عزم الله لي فقلتها: قالت: فتزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومنها ما رواه الإِمام أحمد بسنده   \"عن أبى سنان قال: دفنت ابنا لى. وإنى لفى القبر أخذ بيدى أبو طلحة يعنى الخولانى فأخرجنى وقال: ألا أبشرك؟ قال قلت: بلى. قال: حدثنى الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله - تعالى -: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدى، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال فماذا قال؟ قال حمدك واسترجع. قال الله - تعالى -: ابنوا له بيتاً فى الجنة وسموه بيت الحمد\" .<br>ومنها ما رواه الشيخان عن أبى سعيد وأبى هريرةعن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه\" .<br>إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التى وردت فى ثواب الاسترجاع وفى أجر الصابرين وفضلهم.<br>ثم تحدث - سبحانه - عن شعيرة من شعائر الحج فقال:<br>{ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "181",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "172",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الطيبات من الأطعمة: المستلذات، ويجوز حملها على ما طاب من الرزق بتحليل الله له. وما رزقناكم: ما أوصلناه إليكم من الرزق، - وهو ما ينتفع به.<br>أى: يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلوا من ألوان الطيبات التى أحللناها لكم، ولا تتعرضوا لما حرمناه عليكم.<br>وكان الخطاب هنا للمؤمنين خاصة، لأنهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم وأحرى بالاهتداء، وأولى بالتكريم والتشريف.<br>ومفعول { كُلُواْ } محذوف، أى: كلوا رزقكم حال كونه بعض طيبات ما رزقناكم.<br>ثم أمرهم - سبحانه - بشكره على هذه الطيبات التى أباحها لهم فقال: { وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }.<br>وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة { كُلُواْ }.<br>والشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم لموجدها، ووضعها فى الموضع الذى أمر به.<br>أى: تمتعوا بنعم الله، واعترفوا له بها على وجه التعظيم، بأن تمتثلوا ما أمر به، وتجتنبوا ما نهى عنه، إن كنتم تخصونه بالعبادة حقاً، وتفردونه بالطاعة صدقاً.<br>قال الآلوسى: وجملة { إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } بمنزلة التعليل لطلب الشكر، كأنه قيل: \"واشكروا له لأنكم تخصونه بالعبادة، وتخصيصكم إياه بالعبادة، يدل على أنكم تريدون عبادة كاملة تليق بكبريائه، وهى لا تتم إلا بالشكر، لأنه من أجل العبادات\".<br>وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فكلوا واشكروا لله.<br>ولقد أمر الله - تعالى - عباده أن يشكروه فى آيات كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى -: {  { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }  }.وقال - تعالى -: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر\"  وروى الإِمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها\" .<br>قال صاحب المنار: قال الأستاذ الإِمام: لا يفهم هذه الآية حق فهمهما إلا من كان عارفاً بتاريخ الملل عند ظهور الإِسلام وقبله، فإن المشركين وأهل الكتاب كانوا فرقاً وأصنافاً، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافها كالبحيرة والسائبة عند العرب، وكبعض الحيوانات عند غيرهم وكان المذهب الشائع فى النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله - تعالى - تعذيب النفس، وحرمانها من الطيبات المستلذة، واحتقار الجسد ولوازمه، واعتقاد أنه لا حياة للروح إلا بذلك... ثم قال: وقد تفضل الله على هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطاً تعطى الجسد حقه والروح حقها، فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد روحانية عقلية، فلم نكن جسمانيين محضاً كالأنعام، ولا روحانيين خلصا كالملائكة، وإنما جعلنا أناسى كملة بهذه الشريعة  المعتدلة، فله الحمد والشكر والثناء الحسن\".<br>وقوله - تعالى - { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } بيان لما حرمه الله - تعالى - علينا من المطاعم رعاية لمنفعتنا.<br>و{ ٱلْمَيْتَةَ } فى عرف الشرع: ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعه، فيدخل فيها: المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما عدا عليها السبع، ويدخل فى حكم الميتة ما قطع من جسم الحيوان الحى للحديث الذى أخرجه أبو داود والترمذى عن أبى واقد الليثى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة\" .<br>وكان الأكل من الميتة محرماً، لفساد جسمها بذبول أجزائه وتعفنها، ولأنها أصبحت بحالة تعافها الطباع السليمة لقذارتها وضررها.<br>قال الآلوسى: وأضاف - سبحانه - الحرمة إلى العين - مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التى هى صفات فعل المكلف وليست مما تتعلق بالأعيان - إشارة إلى حرمة التصرف فى الميتة من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده، حيث جعل العين غير قابلة لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل كالتصرف بالمدبوغ، وخرج عن حكم الميتة السمك والجراد، للحديث الذى أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال\"  وللعرف أيضاً، فإنه إذا ما قال القائل: أكل فلان الميتة لم يسبق الوهم إليهما نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافى وما مات من الجراد بغير سبب، واستدل بعموم الآية على تحريم الأجنة وتحريم ما لا نفس له سائلة خلافاً لمن أباحه\".<br>والدم المحرم: ما يسيل من الحيوان الحى كثيراً كان أم قليلا وكذلك يحرم من دم الحيوان ما جرى منه بعد تذكيته، وهو الذى عبر عنه القرآن بالمسفوح فى قوله - تعالى -: { قُل لاَّ أَجِدُ فى مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً... } والدم المسفوح: هو الدم الجارى المهراق من البهيمة بعد ذبحها.<br>أما الدم المتبقى فى أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شىء فيه.<br>قال القرطبى: وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى، ومعفو عما تعم به البلوى. والذى تعم به البلوى هو الدم فى اللحم وعروقه... وقد روت عائشة - رضى الله عنها - قالت: كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره\" لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة، والإِصر والمشقة فى الدين موضوع. وهذا أصل فى الشرع\".<br>وقد عرف عن بعض العرب فى الجاهلية أنهم كانوا يأخذون الدم من البهائم عند ذبحها، فيضعونه فى أمعائها ثم يشوونها بالنار ويأكلونها ويسمون ذلك بالفصيد.<br>قال بعضهم: والحكمة فى تحريم الدم أنه تستقذره النفوس الكريمة، ويفضى شربه أو أكله إلى الإِضرار بالنفس، وفضلا عن ذلك فإن تعاطيه يورث ضراوة فى الإِنسان، وغلظة فى الطباع فيصير كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة التى جاءت لإِتمام مكارم الأخلاق.<br>وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده. وإنما خص لحمه بالذكر، لأنه الذى يقصد بالأكل، ولأن سائر أجزاء الخنزير كالتابعة للحمه. وبعض الفقهاء يرى أنه لا بأس من الانتفاع بشعر الخنزير فى الخرازة - أى: خياطة الجلود وغيرها -، وبعضهم كره ذلك.<br>ومن الحكم فى تحريم لحم الخنزير قذارته، واشتماله على دودة تضر ببدن آكله وقد أثبت ذلك العلم الحديث.<br>وما يقوله قوم من أن وسائل العلم الحديث قد تقدمت، وصار فى الإِمكان التغلب على ما فى لحم الخنزير من أضرار هذا القول مردود بأن العلم الحديث قد احتاج إلى ثلاثة عشر قرناً ليكتشف آفة واحدة فى لحم الخنزير، فمن ذا الذى يجزم بأنه ليس هناك آفات أخرى فى هذا اللحم لم يعرفها العلم حتى الآن؟<br>إن الشريعة التى سبقت العلم الحديث بأكثر من ثلاثة عشر قرناً أولى بالاتباع، وأجدر بالطاعة فيما أحلته وحرمته مما يقوله الناس، لأنها من عند الله العليم بشئون عباده، الخبير بما ينفعهم وبما يضرهم.<br>وقوله: { وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } معطوف على ما قبله من المحرمات. و{ أُهِلَّ } من الإِهلال، وهو رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقاً، ومنه إهلال الصبى، والإِهلال بالحج. وكانوا فى الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم، وسمى ذلك إهلالا.<br>فالمراد بما أهل به لغير الله: ما ذبح للأصنام وغيرها، ومنه ما يذبحه المجوسى للنار. ومنه عند جمهور العلماء: ذبائح أهل الكتاب إذا ذكر عليها اسم عزير أو عيسى، لأنها مما أهل به لغير الله.<br>وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً، لعموم قوله - تعالى - فى سورة المائدة وهى من آخر سورة نزولا: { وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } أى ذبائحهم، وهو - سبحانه - يعلم ما يقولون.<br>وروى الحسن عن على - رضى الله عنه - أنه قال: إذا ذكر الكتابى اسم غير الله على ذبيحته وأنت تسمع فلا تأكل، فإن غاب عنك فكل، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.<br>وقد روى البخارى   \"عن عائشه - رضى الله عنها - قالت: إن قوماً قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندرى أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه. قالت: وكانوا حديثى عهد بكفر\" .<br>فكأن المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه، بل المحرم ما علم أن غير اسم الله من الأوثان والأنداد ونحو ذلك قد ذكر عليه.<br>فأنت ترى أن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لاستقذار الأكل من هذه الثلاثة، أى: لعلة ذاتية فيها، أما تحريم ما أهل به لغير الله فليس لعلة فيه، ولكن للتوجه به إلى غير الله. وهى علة روحية تنافى سلامة القلب، وطهارة الروح، ووحدة المتجه فما ذكر عليه سوى اسم الله من الذبائح ملحق بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية، وفى ذلك حض للناس على إخلاص العبادة لله - تعالى -، وزجر لهم عن التقرب إلى أحد سواه.<br>وقوله - تعالى -: { فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ } بيان لحالات الضرورة التى يباح للإِنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات.<br>و{ ٱضْطُرَّ } من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشىء. يقال: اضطره إلى هذا الشىء. أى: أحوجه وألجأه إليه مأخوذ من الإِضرار، وهو حمل الإِنسان على أمر بكرهه، وقهره عليه بقوة يناله بدفعها الهلاك.<br>و{ بَاغٍ } من البغاء وهو الطلب. تقول: بغيته بغاء وبغيا وبغية أى: طلبته.<br>و{ عَادٍ } اسم فاعل بمعنى متعد، تقول. عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غير فهو عاد، ومنه قوله - تعالى - فى شأن قوم لوط { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } و{ غَيْرَ } منصوب على الحال من الضمير المستتر فى { ٱضْطُرَّ } وهى هنا بمعنى النفى ولذا عطف عليها لا.<br>والمعنى: فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شىء من هذه المحرمات: حالة كونه غير باغ: أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره، أو غير طالب له لإِشباع لذته، أو غير طالب له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر، أو غير ساع فى فساد { وَلاَ عَادٍ } أى: وغير متجاوز ما يسد الجوع، ويحفظ الحياة { فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ } أى: فلا إثم عليه فى أكله من هذه المحرمات.<br>وبهذا نرى لونا من ألوان سماحة الإِسلام ويسره فى تشريعاته، التى أقامها الله - تعالى - على رفع الحرج، ودفع الضرر، قال - تعالى - { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وقال - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييل قصد به الامتنان. أى: إن الله - تعالى - موصوف بهذين الوصفين الجليلين، ومن كان كذلك كان من شأنه أن يعفو عن الخطايا، ويغفر الذنوب، ويشرع لعباده ما فيه يسر لا ما فيه عسر.<br>هذا، وظاهر هذه الآية الكريمة يقتضى أنه ليس هناك محرم من المطعومات سوى هذه الأربعة، لكنا نعلم فى الشرع أن هناك مطعومات أخرى قد حرم على المسلم تناولها كلحوم الحمر الأهلية، فعلى هذا تكون لفظة \"إنما\" متروكة الظاهر فى العمل - كما قال الإِمام الرازى - أى: أن الحصر فيها غير مقصود وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأنعام: { قُل لاَّ أَجِدُ فى مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة الذين يكتمون ما أمر الله بإظهاره وتوعدهم بأقسى ألوان العذاب فقال - تعالى -:<br>{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ...لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ }.<br>"
    },
    {
        "id": "182",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "173",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الطيبات من الأطعمة: المستلذات، ويجوز حملها على ما طاب من الرزق بتحليل الله له. وما رزقناكم: ما أوصلناه إليكم من الرزق، - وهو ما ينتفع به.<br>أى: يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلوا من ألوان الطيبات التى أحللناها لكم، ولا تتعرضوا لما حرمناه عليكم.<br>وكان الخطاب هنا للمؤمنين خاصة، لأنهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم وأحرى بالاهتداء، وأولى بالتكريم والتشريف.<br>ومفعول { كُلُواْ } محذوف، أى: كلوا رزقكم حال كونه بعض طيبات ما رزقناكم.<br>ثم أمرهم - سبحانه - بشكره على هذه الطيبات التى أباحها لهم فقال: { وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }.<br>وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة { كُلُواْ }.<br>والشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم لموجدها، ووضعها فى الموضع الذى أمر به.<br>أى: تمتعوا بنعم الله، واعترفوا له بها على وجه التعظيم، بأن تمتثلوا ما أمر به، وتجتنبوا ما نهى عنه، إن كنتم تخصونه بالعبادة حقاً، وتفردونه بالطاعة صدقاً.<br>قال الآلوسى: وجملة { إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } بمنزلة التعليل لطلب الشكر، كأنه قيل: \"واشكروا له لأنكم تخصونه بالعبادة، وتخصيصكم إياه بالعبادة، يدل على أنكم تريدون عبادة كاملة تليق بكبريائه، وهى لا تتم إلا بالشكر، لأنه من أجل العبادات\".<br>وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فكلوا واشكروا لله.<br>ولقد أمر الله - تعالى - عباده أن يشكروه فى آيات كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى -: {  { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }  }.وقال - تعالى -: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر\"  وروى الإِمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها\" .<br>قال صاحب المنار: قال الأستاذ الإِمام: لا يفهم هذه الآية حق فهمهما إلا من كان عارفاً بتاريخ الملل عند ظهور الإِسلام وقبله، فإن المشركين وأهل الكتاب كانوا فرقاً وأصنافاً، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافها كالبحيرة والسائبة عند العرب، وكبعض الحيوانات عند غيرهم وكان المذهب الشائع فى النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله - تعالى - تعذيب النفس، وحرمانها من الطيبات المستلذة، واحتقار الجسد ولوازمه، واعتقاد أنه لا حياة للروح إلا بذلك... ثم قال: وقد تفضل الله على هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطاً تعطى الجسد حقه والروح حقها، فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد روحانية عقلية، فلم نكن جسمانيين محضاً كالأنعام، ولا روحانيين خلصا كالملائكة، وإنما جعلنا أناسى كملة بهذه الشريعة  المعتدلة، فله الحمد والشكر والثناء الحسن\".<br>وقوله - تعالى - { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } بيان لما حرمه الله - تعالى - علينا من المطاعم رعاية لمنفعتنا.<br>و{ ٱلْمَيْتَةَ } فى عرف الشرع: ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعه، فيدخل فيها: المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما عدا عليها السبع، ويدخل فى حكم الميتة ما قطع من جسم الحيوان الحى للحديث الذى أخرجه أبو داود والترمذى عن أبى واقد الليثى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة\" .<br>وكان الأكل من الميتة محرماً، لفساد جسمها بذبول أجزائه وتعفنها، ولأنها أصبحت بحالة تعافها الطباع السليمة لقذارتها وضررها.<br>قال الآلوسى: وأضاف - سبحانه - الحرمة إلى العين - مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التى هى صفات فعل المكلف وليست مما تتعلق بالأعيان - إشارة إلى حرمة التصرف فى الميتة من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده، حيث جعل العين غير قابلة لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل كالتصرف بالمدبوغ، وخرج عن حكم الميتة السمك والجراد، للحديث الذى أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال\"  وللعرف أيضاً، فإنه إذا ما قال القائل: أكل فلان الميتة لم يسبق الوهم إليهما نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافى وما مات من الجراد بغير سبب، واستدل بعموم الآية على تحريم الأجنة وتحريم ما لا نفس له سائلة خلافاً لمن أباحه\".<br>والدم المحرم: ما يسيل من الحيوان الحى كثيراً كان أم قليلا وكذلك يحرم من دم الحيوان ما جرى منه بعد تذكيته، وهو الذى عبر عنه القرآن بالمسفوح فى قوله - تعالى -: { قُل لاَّ أَجِدُ فى مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً... } والدم المسفوح: هو الدم الجارى المهراق من البهيمة بعد ذبحها.<br>أما الدم المتبقى فى أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شىء فيه.<br>قال القرطبى: وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى، ومعفو عما تعم به البلوى. والذى تعم به البلوى هو الدم فى اللحم وعروقه... وقد روت عائشة - رضى الله عنها - قالت: كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره\" لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة، والإِصر والمشقة فى الدين موضوع. وهذا أصل فى الشرع\".<br>وقد عرف عن بعض العرب فى الجاهلية أنهم كانوا يأخذون الدم من البهائم عند ذبحها، فيضعونه فى أمعائها ثم يشوونها بالنار ويأكلونها ويسمون ذلك بالفصيد.<br>قال بعضهم: والحكمة فى تحريم الدم أنه تستقذره النفوس الكريمة، ويفضى شربه أو أكله إلى الإِضرار بالنفس، وفضلا عن ذلك فإن تعاطيه يورث ضراوة فى الإِنسان، وغلظة فى الطباع فيصير كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة التى جاءت لإِتمام مكارم الأخلاق.<br>وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده. وإنما خص لحمه بالذكر، لأنه الذى يقصد بالأكل، ولأن سائر أجزاء الخنزير كالتابعة للحمه. وبعض الفقهاء يرى أنه لا بأس من الانتفاع بشعر الخنزير فى الخرازة - أى: خياطة الجلود وغيرها -، وبعضهم كره ذلك.<br>ومن الحكم فى تحريم لحم الخنزير قذارته، واشتماله على دودة تضر ببدن آكله وقد أثبت ذلك العلم الحديث.<br>وما يقوله قوم من أن وسائل العلم الحديث قد تقدمت، وصار فى الإِمكان التغلب على ما فى لحم الخنزير من أضرار هذا القول مردود بأن العلم الحديث قد احتاج إلى ثلاثة عشر قرناً ليكتشف آفة واحدة فى لحم الخنزير، فمن ذا الذى يجزم بأنه ليس هناك آفات أخرى فى هذا اللحم لم يعرفها العلم حتى الآن؟<br>إن الشريعة التى سبقت العلم الحديث بأكثر من ثلاثة عشر قرناً أولى بالاتباع، وأجدر بالطاعة فيما أحلته وحرمته مما يقوله الناس، لأنها من عند الله العليم بشئون عباده، الخبير بما ينفعهم وبما يضرهم.<br>وقوله: { وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } معطوف على ما قبله من المحرمات. و{ أُهِلَّ } من الإِهلال، وهو رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقاً، ومنه إهلال الصبى، والإِهلال بالحج. وكانوا فى الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم، وسمى ذلك إهلالا.<br>فالمراد بما أهل به لغير الله: ما ذبح للأصنام وغيرها، ومنه ما يذبحه المجوسى للنار. ومنه عند جمهور العلماء: ذبائح أهل الكتاب إذا ذكر عليها اسم عزير أو عيسى، لأنها مما أهل به لغير الله.<br>وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً، لعموم قوله - تعالى - فى سورة المائدة وهى من آخر سورة نزولا: { وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } أى ذبائحهم، وهو - سبحانه - يعلم ما يقولون.<br>وروى الحسن عن على - رضى الله عنه - أنه قال: إذا ذكر الكتابى اسم غير الله على ذبيحته وأنت تسمع فلا تأكل، فإن غاب عنك فكل، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.<br>وقد روى البخارى   \"عن عائشه - رضى الله عنها - قالت: إن قوماً قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندرى أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه. قالت: وكانوا حديثى عهد بكفر\" .<br>فكأن المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه، بل المحرم ما علم أن غير اسم الله من الأوثان والأنداد ونحو ذلك قد ذكر عليه.<br>فأنت ترى أن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لاستقذار الأكل من هذه الثلاثة، أى: لعلة ذاتية فيها، أما تحريم ما أهل به لغير الله فليس لعلة فيه، ولكن للتوجه به إلى غير الله. وهى علة روحية تنافى سلامة القلب، وطهارة الروح، ووحدة المتجه فما ذكر عليه سوى اسم الله من الذبائح ملحق بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية، وفى ذلك حض للناس على إخلاص العبادة لله - تعالى -، وزجر لهم عن التقرب إلى أحد سواه.<br>وقوله - تعالى -: { فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ } بيان لحالات الضرورة التى يباح للإِنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات.<br>و{ ٱضْطُرَّ } من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشىء. يقال: اضطره إلى هذا الشىء. أى: أحوجه وألجأه إليه مأخوذ من الإِضرار، وهو حمل الإِنسان على أمر بكرهه، وقهره عليه بقوة يناله بدفعها الهلاك.<br>و{ بَاغٍ } من البغاء وهو الطلب. تقول: بغيته بغاء وبغيا وبغية أى: طلبته.<br>و{ عَادٍ } اسم فاعل بمعنى متعد، تقول. عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غير فهو عاد، ومنه قوله - تعالى - فى شأن قوم لوط { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } و{ غَيْرَ } منصوب على الحال من الضمير المستتر فى { ٱضْطُرَّ } وهى هنا بمعنى النفى ولذا عطف عليها لا.<br>والمعنى: فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شىء من هذه المحرمات: حالة كونه غير باغ: أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره، أو غير طالب له لإِشباع لذته، أو غير طالب له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر، أو غير ساع فى فساد { وَلاَ عَادٍ } أى: وغير متجاوز ما يسد الجوع، ويحفظ الحياة { فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ } أى: فلا إثم عليه فى أكله من هذه المحرمات.<br>وبهذا نرى لونا من ألوان سماحة الإِسلام ويسره فى تشريعاته، التى أقامها الله - تعالى - على رفع الحرج، ودفع الضرر، قال - تعالى - { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وقال - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييل قصد به الامتنان. أى: إن الله - تعالى - موصوف بهذين الوصفين الجليلين، ومن كان كذلك كان من شأنه أن يعفو عن الخطايا، ويغفر الذنوب، ويشرع لعباده ما فيه يسر لا ما فيه عسر.<br>هذا، وظاهر هذه الآية الكريمة يقتضى أنه ليس هناك محرم من المطعومات سوى هذه الأربعة، لكنا نعلم فى الشرع أن هناك مطعومات أخرى قد حرم على المسلم تناولها كلحوم الحمر الأهلية، فعلى هذا تكون لفظة \"إنما\" متروكة الظاهر فى العمل - كما قال الإِمام الرازى - أى: أن الحصر فيها غير مقصود وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأنعام: { قُل لاَّ أَجِدُ فى مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة الذين يكتمون ما أمر الله بإظهاره وتوعدهم بأقسى ألوان العذاب فقال - تعالى -:<br>{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ...لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ }.<br>"
    },
    {
        "id": "193",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "183",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام، وهو فى اللغة: الإِمساك وترك التنقل من حال إلى حال، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله - تعالى - مخبراً عن مريم: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } أى: سكوتاً عن الكلام. وصوم الريح ركودها وإمساكها عن الهبوب وتقول العرب: صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة.<br>أما الصيام فى عرف الشرع فهو - كما يقول الآلوسى - إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص فى زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة.<br>وقد فرض الله - تعالى - على المسلمين صيام شهر رمضان فى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وعده النبى صلى الله عليه وسلم أحد أركان الإِسلام الخمسة، فقد روى البخارى - بسنده - عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  \"بنى الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان\" .<br>وأل فى الصيام للعهد الذهنى، فقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء فى الصحيحين   \"عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش والجاهلية\" .<br>والتشبيه فى قوله - تعالى -: { كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } راجع إلى أصل إيجاب الصوم وفريضته. أى: أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية.<br>وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت الصوم وقدره، فقد روى عن مجاهد أنه قال: كتب الله - عز وجل - صوم شهر رمضان على كل أمة.<br>وهذا القول ليس له دليل، ولذا قال القاضى أبو بكر بن العربى: المقطوع به أن التشبيه فى الفرضية خاصة، وسائر الوجوه مجرد احتمال.<br>ولفظ \"كما\" فى قوله - تعالى -: { كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } فى موضع نصب على المصدر، أى: فرض عليكم الصيام فرضاً كالذى فرض على الذين من قبلكم.<br>ومن فوائد هذا التشبيه، الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها - سبحانه - لأتباع النبى صلى الله عليه وسلم ولأتباع الرسل الذين سبقوه فى الدعوة إلى توحيد الله، وهذا مما يقتضى وفرة ثوابها، ودوام صلاحها.<br>كذلك من فوائده تسهيل هذه العبادة على المسلمين؛ لأن الشىء الشاق تخف مشقته على الإِنسان عند ما يعلم أن غيره قد أداه من قبله.<br>والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه العبادة، حتى لا يكونوا مقصرين فى أدائها، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإِسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضى منهم النشاط فيما كلفهم الله بأدائه من عبادات.<br>وقوله: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } جملة تعليلة جىء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام فكأنه - سبحانه - يقول لعباده المؤمنين: فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها، ويكفى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال فى شأن الصوم:  \"الصوم جنة\"  أى: وقاية. إذ فى الصوم وقاية من الوقوع فى المعاصى، ووقاية من عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإِفراط فى تناول بعض الأطعمة والأشربة.<br>وقوله: { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } أى: معينات بالعد أو قليلات، لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافاً.<br>والمراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء.<br>قالوا: وتقريره أنه - تعالى - قال أولا { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ } وهذا محتمل ليوم ويومين ثم بينه بقوله :{ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره.<br>وإنما عبر عن رمضان بأيام وهى جمع قلة ووصف بمعدودات وهى جمع قلة - أيضاً - تهوينا لأمره على المكلفين، وإشعاراً لهم بأن الله - تعالى - ما فرض عليهم إلا ما هو فى وسعهم وقدرتهم.<br>وقيل: إن المراد بالأيام المعدودات غير رمضان، وذكروا أن المراد بها ثلاثة أيام من كل شهر وهى الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مضافاً إليها يوم عاشوراء. ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان.<br>والمعتمد بين المحققين من العلماء هو القول الأول، لأنه - كما قال الإِمام الرازى - لا وجه لحمله على غيره، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها.<br>وقوله: { أَيَّاماً } منصوب على الظرفية، أو بفعل مضمر مقدر أى: صوموا أياماً. وقوله: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } زيادة بيان ليسر شريعة الإِسلام بعد أن أخبرهم - سبحانه - بأن الصوم المفروض عليهم إنما هو أيام معدودات، وتعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم فى كل حال.<br>والمرض: الخروج عن الاعتدال الخاص بالإِنسان، بأن يصاب بانحراف فى جسده يجعله فى حالة وجع أو اضطراب بدنى.<br>قال القرطبى: وللمريض حالتان:<br>إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجباً.<br>الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر.. فالفطر مباح فى كل مرض إلا المرض اليسير الذى لا كلفة معه فى الصيام.<br>وقوله: { أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } قال الآلوسى معناه: أو راكب سفر مستعل عليه متمكن منه، بأن اشتغل به قبل الفجر، ففيه إيماء إلى أن من سافر فى أثناء اليوم لم يفطر. واستدل بإطلاق السفر على أن السفر القصير وسفر المعصية مرخص للإِفطار. وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وبما يلزمه العسر غالباً وهو السفر إلى المسافة المقدرة فى الشرع\".<br>والعدة فعلة من العد، وهى بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون ومنه عدة المرأة.<br>والمعنى: لقد فرضنا عليكم الصوم أيها المؤمنون، وجعلناه كما هو الشأن من كل ما شرعناه متسماً باليسر لا بالعسر، ومن مظاهر ذلك أننا فرضنا عليكم صوم أيام معدودات وهى أيام شهر رمضان، ولم نفرض عليكم صوم الدهر. وأننا شرعنا لمن كان مريضاً مرضا يضره الصوم أو يعسر معه، أو كان على سفر يشق عليه معه الصوم، شرعنا له أن يفطر وأن يصوم بدل الأيام التى أفطرها أياما آخر مساوية لها فى العدد.<br>قال الإِمام الرازى: قال القفال: أنظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته فى هذا التكليف، إذ أنه بين فى أول الآية أن لهذه الأمة فى هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه ما ذكرناه من أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت. ثم ثانيا بين وجه الحكمة فى إيجاب الصوم وهو أنه سبب الحصول التقوى فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف، ثم بين ثالثا أنه مختص بأيام معدودة فإنه لو جعله أبداً أو أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة. ثم بين رابعا: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذى أنزل فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامساً: إزالة المشقة فى إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون. فهو - سبحانه - راعى فى ايجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيراً\".<br>هذا، وقد نص الفقهاء على أن الافطار مشروع على سبيل الرخصة للمريض والمسافر، وهما بالخيار فى ذلك إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما، إلا أن أكثر الفقهاء قالوا: الصوم أفضل لمن قوى عليه.<br>والذى نراه الله - تعالى - قد أباح الفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج. والحكم الشرعى يوجد حيث توجد مظنته وينتفى حيث تنتفى. وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس فى الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله - تعالى - { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }. وإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقاً عليه أفطر عملا بقوله - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه واستفتاء قلبه.<br>والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صام فى السفر وأفطر، وخير بعض أصحابه بين الصوم والفطر. فقد روى البخارى ومسلم عن أبى الدرداء - رضى الله عنه - قال: خرجنا مع النبى صلى الله عليه وسلم \"وفى إحدى روايتى مسلم - فى شهر رمضان -، فى يوم حار، حتى ليضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبى صلى الله عليه وسلم وابن رواحه\".<br>وروى الإِمام مسلم فى صحيحه   \"عن قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدرى فسألته عن الصوم فى السفر فقال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة. فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من السفر\" .<br>وروى الشيخان عن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع النبى صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.<br>والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة.<br>وهناك مسألة أخرى تعرض لها الفقهاء بالحديث وهى مسألة قضاء الأيام التى أفطرها المريض أو المسافر هل يقضيها متتابعة أو متفرقة وهل يقضيها على الفور أو على التراخى؟<br>وجمهور الفقهاء على أن للمفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يقضى ما أفطره متتابعاً أو متفرقاً؛ لأن قوله - تعالى -: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }. دل على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ - كما قال القرطبى - مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض.<br>وله كذلك أن يقضى ما عليه على الفور أو على التراخى على حسب ما يتيسر له. ففى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: يكون علىَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا فى شعبان، وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا نص وزيادة بيان للآية\".<br>ويرى داود الظاهرى أن على المفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يشرع فى قضاء ما أفطره فى اليوم الثانى من شوال المعاقب له، وأن يتابع أيام القضاء.<br>والمعتمد بين العلماء هو قول الجمهور لقوة أدلته التى سبق بيانها.<br>وقوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } بيان لحكم آخر من أحكام الشريعة فيما يتعلق بصوم رمضان يتجلى فيه تيسير الله على عباده فيما شرع لهم من عبادات.<br>ومعنى { يُطِيقُونَهُ } يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب، لأن الطاقة اسم للقدرة على الشىء مع الشدة والمشقة، والوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة.<br>قال الراغب: والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإِنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشىء، ومنه { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } أى ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه: \"لا تحملنا ما لا قدرة لنا به\".<br>والعرب لا تقول فلان أطاق الشىء إلا إذا كانت قدرته عليه فى نهاية الضعف بحيث يتحمله بمشقة وعسر. فلا يقال - مثلا - فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة دراهم من حديد، وإنما يقال: هو يطيق حمل قنطارين من الحديد أو حمل الأمتعة الثقيلة.<br>وللعلماء أقوال فى المراد بقوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } أشهرها:<br>1 - إن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله - تعالى - بين الصوم وبين الفداء، وكان ذلك فى بدء الإِسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم، فرخص لهم فى الإِقطار والفدية، ثم نسخ ذلك وأوجب الله عليهم الصوم.<br>ويشهد لهذا القول ما جاء فى الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها.<br>وفى رواية للإِمام مسلم من طريق آخر عن سلمة - أيضاً - قال: كنا فى رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }.<br>2 - ويرى بعض العلماء أن قوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } إلخ، ليس بمنسوخ بل هو محكم، وأنه نزل فى شأن الشيخ الكبير الهرم، والمرأة العجوز، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطرا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا.<br>وأصحاب هذا الرأى يستدلون بما رواه البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فعليها أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً\".<br>3 - وهناك رأى ثالث لبعض العلماء يرى أصحابه أن قوله - تعالى - { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } ليس بمنسوخ - أيضاً - بل هو محكم، وأن معنى الآية عندهم: وعلى الذين يطيقونه، أى: يقدرون على الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكيناً. (بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، أو قيمة ذلك).<br>ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز - كما فعل أصحاب الرأى الثانى - وإنما أدخلوا فى حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ومن فى حكمها ممن يشق عليهم الصوم مشقة كبيرة.<br>وأصحاب هذا الرأى يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق الآية، إذا أن الوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة، والطاقة اسم للقدرة عليه مع الشدة والمشقة - كما سبق أن بينا -، كما يستدلون - أيضاً - على ما ذهبوا إليه بقراءة { يُطِيقُونَهُ } - بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية - أى يتجشمونه، ويتكلفونه بمشقة وتعب، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأى بناء على أن منطوق الآية يؤيده.<br>كما انتصر بعضهم للرأى الأول بناء على أن الاحاديث الصحيحة تسانده وعلى أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإِسلامية فى التدرج فى تشريع التكاليف التى فيها مشقة على الناس، كما انتصر بعضهم للرأى الثانى الذى روى عن ابن عباس.<br>وهناك أقوال أخرى فى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحاً لضعفها.<br>وقوله: { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } حض من الله - تعالى - لعباده على الإِكثار من عمل الخير.<br>والتطوع: السعى فى أن يكون الإِنسان فاعلا للطاعة باختياره بدون إكراه والخير: مصدر خار إذا حسن وشرف، وهو منصوب لتضمين تطوع معنى أتى، أو على أنه صفة لمصدر محذوف أى تطوعاً خيراً.<br>والمعنى: فمن تطوع خيراً بأن زاد على القدر المفروض فى الفدية، أو أطعم أكثر من مسكين، أو جمع بين الإِطعام والصوم، فتطوعه سيكون خيراً عند الله - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا.<br>وقوله: { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ترغيب فى الصوم وتحبيب فيه. أى: وأن تصوموا أيها المطيقون للصوم، أو أيها المكلفون جميعاً خير لكم من كل شىء سواه، إن كنتم تعلمون فوائد الصوم فى حياتكم، وحسن جزائه فى آخرتكم.<br>روى النسائى وابن خزيمة عن أبى أمامه رضى الله عنه قال:\"  \"قلت يا رسول الله مرنى بعمل قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له - أى لا يعادل ثوابه بشىء - فقلت يا رسول الله مرنى بعمل، فقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له. فقلت: يا رسول الله مرنى بعمل أدخل به الجنة. فقال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له\" .<br>وقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } كلام مستأنف لبيان تلك الأيام المعدودات التى كتب علينا الصوم فيها وأنها أيام شهر رمضان الذى يستحق كل مدح وثناء لتشرفه بنزول الكتب السماوية فيه.<br>قال الإِمام ابن كثير: يمدح - تعالى - شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإِنزال القرآن العظيم، فقد ورد فى الحديث بأنه الشهر الذى كانت الكتب الإِلهية تنزل فيه على الأنبياء فعن وائلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان\" .<br>و{ الشَّهْرَ } مأخوذ من الشهرة، يقال: شهر الشىء يشهر شهرة وشهراً إذا ظهر بحيث لا يتعذر علمه على أحد، ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته قال بعضهم: وسمى الهلال شهراً لشهرته وبيانه، وبه سمى الشهر شهراً.<br>و{ رَمَضَانَ } اسم لهذا الشهر الذى فرض علينا صيامه، وهو مأخوذ - كما قال القرطبى - من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء: شدة الحر، ومنه الحديث:\"  \"صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال\"  - أى صلاة الضحى -  قيل: إن العرب لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمى بذلك. وقيل إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب، أى: يحرقها بالأعمال الصالحة\".<br>وقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ } خبر لمبتدأ محذوف تقديره هى شهر رمضان أى: الأيام المعدودات، وقوله: { ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } صفة للشهر.<br>ويجوز أن يكون قوله { شَهْرُ } مبتدأ وخبره الموصول بعده، أو خبره قوله { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وصح وجود الفاء فى الخبر لكون المبتدأ موصوفاً بالموصول الذى هو شبه بالشرط. وقرئ بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف. أى: صوموا شهر رمضان.<br>و \"القرآن\" هو كلام الله المعجز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب فى المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته.<br>والمراد بإنزال القرآن فى شهر رمضان إبتداء إنزاله فيه، وكان ذلك فى ليلة القدر. بدليل قوله - تعالى - { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } أى بدأنا إنزال القرآن فى هذه الليلة المباركة، إذ من المعروف أن القرآن استمر نزوله على النبى صلى الله عليه وسلم ما يقرب من ثلاثة وعشرين سنة.<br>وقيل المراد بذلك، انزل فى فضله القرآن، قالوا: ومثله أن يقال: أنزل الله فى أبى بكر الصديق كذا آية، يريدون أنزل فى فضله.<br>وقيل المراد أنزل فى إيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقال: أنزل الله فى الزكاة كذا وكذا، يريد فى إيجابها وأنزل فى الخمر كذا يريد فى تحريمها.<br>قال الآلوسى: وقوله - تعالى -: { هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل. أى: أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير، وآيات واضحات من جملة الكتب الإِلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق والباطل باشتماله على المعارف الإِلهية والأحكام العملية، كما يشعر بذلك جعله بينات منها، فهو هاد بواسطة أمرين، مختص وغير مختص، فالهدى ليس مكرراً، وقيل: مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية كما تقول: عالم نحرير\".<br>وقوله: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } يصح أن يكون شهد بمعنى حضر. كما يقال: فلان شهد بدراً، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أى: حضرها، فيكون المعنى: فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصوم كمرض ونحوه، فليصمه؛ لأن صيامه ركن من أركان الدين، وعليه يكون لفظ \"الشهر\" منصوب على الظرفية.<br>ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله - تعالى - { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } فيكون المعنى: فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه.<br>وعليه يكون لفظ \"الشهر\" منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف المحذوف و { مَن } موصولة أو شرطية وهو الأظهر و { مِنكُمُ } فى محل نصب على الحال من الضمير فى شهد فيتعلق بمحذوف أى: كائناً منكم. والضمير فى \"منكم\" يعود على الذين آمنوا، أى كل من حضر منكم الشهر فليصمه و (أل) فى الشهر للعهد.<br>وأعيد ذكر الرخصة فى قوله - تعالى - ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر، لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم فى نفسه وأنه خير، أنه قد صار متحتماً بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه أو تتناوله ولكنها مفضولة، وفى ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له - تعالى -.<br>وقوله - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } بيان لحكمة الرخصة.<br>أى: شرع لكم - سبحانه - الفطر فى حالتى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر والسهولة. ولا يريد بكم العسر والمشقة. قال - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً } وقال - تعالى -: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وفى الصحيحين \"  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى حين بعثهما إلى اليمن: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا\" .<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } معطوف على قوله: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } إلى قوله: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }.<br>والمعنى: شرع لكم - سبحانه - ما شرع من أحكام الصيام، ورخص لكم الفطر فى حالتى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولأنه يريد منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامه كاملة فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شىء من بركاته، ومن لم يستطع منكم أداء الصوم فى هذا الشهر لعذر فعليه قضاء ما فاته منه فى أيام أخر ويريد منكم أن تكبروه - سبحانه - أى تحدوه وتعظموه، فهو وحده الذى هداكم إلى تلك الأحكام النافعة التى فى صلاحكم وسعادتكم ويريد منكم أن تشكروه بأن تواظبوا على الثناء عليه، وعلى استعمال نعمه فما خلقت له فهو - سبحانه - الرءوف الرحيم بعباده، إذ شرع لهم فيه اليسر لا ما فيه العسر.<br>وقد دلت الآية الكريمة على الأمر بالتكبير إذ جعلته مما يريده الله - تعالى - ولهذا جاءت السنة باستحباب التحميد والتسبيح والتكبير بعد الصلوات المكتوبات، وفى عيدى الفطر والأضحى يكون تكبير الله - تعالى - هو مظهرهما الأعظم.<br>وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أكمل بيان وأحكمه فضل الصوم، وحكمة مشروعيته ومظاهر رحمة الله بعباده فى هذه الفريضة، وقد ذكرت أن المسلم له بشأن هذه الفريضة حالة من حالات ثلاث:<br>الحالة الأولى: إذا كان المسلم فى شهر رمضان كله أو بعضه مريضاً بمرض عارض غير مزمن يرجى الشفاء منه، أو مسافراً تتوفر فيه شروط الفطر، فله أن يفطر وأن يقضى بعد رمضان الأيام التى أفطرها بدليل قوله - تعالى -: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }.<br>الحالة الثانية: إذا كان المسلم فى شهر رمضان مريضاً بمرض مزمن لا يرجى شفاؤه والصوم فيه مشقة عليه، أو كان شيخاً كبيراً أو امرأة عجوزاً ولا يستطيعان الصوم، فقد أباح الشارع لهؤلاء أن يفطروا وأن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، لأن هذه الأعذار لا يرجى زوالها، ولا ينتظر أن يكون المبتلى بعذر منها بعد رمضان خيراً منه فى رمضان، لذا أوجب الشارع على هؤلاء الفدية دون القضاء، بدليل قوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ }.<br>الحالة الثالثة: إذا كان المسلم فى شهر رمضان سليما مقيما وليس عنده عذر يمنعه من الصوم، فقد أوجب الله عليه أداء هذه الفريضة بقوله - تعالى -: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ويحرم عليه أن يفطر، وإن أفطر لغير عذر شرعى كان من الخاسرين فى الدنيا والآخرة، ففى الحديث الشريف الذى رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه - أى لم يجزه - صوم الدهر كله وإن صامه\" .<br>أى: لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب فطره بغير عذر شرعى.<br>والأحاديث فى الترغيب فى صوم شهر رمضان، وفى الترهيب من الفطر فيه كثيرة متنوعة.<br>ثم بين - سبحانه - أن العباد إذا حافظوا على فرائضه، واستجابوا لأوامره، وابتعدوا عن نواهيه، فإنه - عز وجل - لا يرد لهم طلباً ولا يخيب لهم رجاء فقال:<br>{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "194",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "184",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام، وهو فى اللغة: الإِمساك وترك التنقل من حال إلى حال، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله - تعالى - مخبراً عن مريم: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } أى: سكوتاً عن الكلام. وصوم الريح ركودها وإمساكها عن الهبوب وتقول العرب: صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة.<br>أما الصيام فى عرف الشرع فهو - كما يقول الآلوسى - إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص فى زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة.<br>وقد فرض الله - تعالى - على المسلمين صيام شهر رمضان فى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وعده النبى صلى الله عليه وسلم أحد أركان الإِسلام الخمسة، فقد روى البخارى - بسنده - عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  \"بنى الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان\" .<br>وأل فى الصيام للعهد الذهنى، فقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء فى الصحيحين   \"عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش والجاهلية\" .<br>والتشبيه فى قوله - تعالى -: { كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } راجع إلى أصل إيجاب الصوم وفريضته. أى: أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية.<br>وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت الصوم وقدره، فقد روى عن مجاهد أنه قال: كتب الله - عز وجل - صوم شهر رمضان على كل أمة.<br>وهذا القول ليس له دليل، ولذا قال القاضى أبو بكر بن العربى: المقطوع به أن التشبيه فى الفرضية خاصة، وسائر الوجوه مجرد احتمال.<br>ولفظ \"كما\" فى قوله - تعالى -: { كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } فى موضع نصب على المصدر، أى: فرض عليكم الصيام فرضاً كالذى فرض على الذين من قبلكم.<br>ومن فوائد هذا التشبيه، الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها - سبحانه - لأتباع النبى صلى الله عليه وسلم ولأتباع الرسل الذين سبقوه فى الدعوة إلى توحيد الله، وهذا مما يقتضى وفرة ثوابها، ودوام صلاحها.<br>كذلك من فوائده تسهيل هذه العبادة على المسلمين؛ لأن الشىء الشاق تخف مشقته على الإِنسان عند ما يعلم أن غيره قد أداه من قبله.<br>والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه العبادة، حتى لا يكونوا مقصرين فى أدائها، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإِسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضى منهم النشاط فيما كلفهم الله بأدائه من عبادات.<br>وقوله: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } جملة تعليلة جىء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام فكأنه - سبحانه - يقول لعباده المؤمنين: فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها، ويكفى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال فى شأن الصوم:  \"الصوم جنة\"  أى: وقاية. إذ فى الصوم وقاية من الوقوع فى المعاصى، ووقاية من عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإِفراط فى تناول بعض الأطعمة والأشربة.<br>وقوله: { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } أى: معينات بالعد أو قليلات، لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافاً.<br>والمراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء.<br>قالوا: وتقريره أنه - تعالى - قال أولا { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ } وهذا محتمل ليوم ويومين ثم بينه بقوله :{ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره.<br>وإنما عبر عن رمضان بأيام وهى جمع قلة ووصف بمعدودات وهى جمع قلة - أيضاً - تهوينا لأمره على المكلفين، وإشعاراً لهم بأن الله - تعالى - ما فرض عليهم إلا ما هو فى وسعهم وقدرتهم.<br>وقيل: إن المراد بالأيام المعدودات غير رمضان، وذكروا أن المراد بها ثلاثة أيام من كل شهر وهى الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مضافاً إليها يوم عاشوراء. ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان.<br>والمعتمد بين المحققين من العلماء هو القول الأول، لأنه - كما قال الإِمام الرازى - لا وجه لحمله على غيره، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها.<br>وقوله: { أَيَّاماً } منصوب على الظرفية، أو بفعل مضمر مقدر أى: صوموا أياماً. وقوله: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } زيادة بيان ليسر شريعة الإِسلام بعد أن أخبرهم - سبحانه - بأن الصوم المفروض عليهم إنما هو أيام معدودات، وتعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم فى كل حال.<br>والمرض: الخروج عن الاعتدال الخاص بالإِنسان، بأن يصاب بانحراف فى جسده يجعله فى حالة وجع أو اضطراب بدنى.<br>قال القرطبى: وللمريض حالتان:<br>إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجباً.<br>الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر.. فالفطر مباح فى كل مرض إلا المرض اليسير الذى لا كلفة معه فى الصيام.<br>وقوله: { أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } قال الآلوسى معناه: أو راكب سفر مستعل عليه متمكن منه، بأن اشتغل به قبل الفجر، ففيه إيماء إلى أن من سافر فى أثناء اليوم لم يفطر. واستدل بإطلاق السفر على أن السفر القصير وسفر المعصية مرخص للإِفطار. وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وبما يلزمه العسر غالباً وهو السفر إلى المسافة المقدرة فى الشرع\".<br>والعدة فعلة من العد، وهى بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون ومنه عدة المرأة.<br>والمعنى: لقد فرضنا عليكم الصوم أيها المؤمنون، وجعلناه كما هو الشأن من كل ما شرعناه متسماً باليسر لا بالعسر، ومن مظاهر ذلك أننا فرضنا عليكم صوم أيام معدودات وهى أيام شهر رمضان، ولم نفرض عليكم صوم الدهر. وأننا شرعنا لمن كان مريضاً مرضا يضره الصوم أو يعسر معه، أو كان على سفر يشق عليه معه الصوم، شرعنا له أن يفطر وأن يصوم بدل الأيام التى أفطرها أياما آخر مساوية لها فى العدد.<br>قال الإِمام الرازى: قال القفال: أنظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته فى هذا التكليف، إذ أنه بين فى أول الآية أن لهذه الأمة فى هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه ما ذكرناه من أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت. ثم ثانيا بين وجه الحكمة فى إيجاب الصوم وهو أنه سبب الحصول التقوى فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف، ثم بين ثالثا أنه مختص بأيام معدودة فإنه لو جعله أبداً أو أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة. ثم بين رابعا: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذى أنزل فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامساً: إزالة المشقة فى إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون. فهو - سبحانه - راعى فى ايجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيراً\".<br>هذا، وقد نص الفقهاء على أن الافطار مشروع على سبيل الرخصة للمريض والمسافر، وهما بالخيار فى ذلك إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما، إلا أن أكثر الفقهاء قالوا: الصوم أفضل لمن قوى عليه.<br>والذى نراه الله - تعالى - قد أباح الفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج. والحكم الشرعى يوجد حيث توجد مظنته وينتفى حيث تنتفى. وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس فى الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله - تعالى - { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }. وإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقاً عليه أفطر عملا بقوله - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه واستفتاء قلبه.<br>والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صام فى السفر وأفطر، وخير بعض أصحابه بين الصوم والفطر. فقد روى البخارى ومسلم عن أبى الدرداء - رضى الله عنه - قال: خرجنا مع النبى صلى الله عليه وسلم \"وفى إحدى روايتى مسلم - فى شهر رمضان -، فى يوم حار، حتى ليضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبى صلى الله عليه وسلم وابن رواحه\".<br>وروى الإِمام مسلم فى صحيحه   \"عن قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدرى فسألته عن الصوم فى السفر فقال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة. فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من السفر\" .<br>وروى الشيخان عن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع النبى صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.<br>والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة.<br>وهناك مسألة أخرى تعرض لها الفقهاء بالحديث وهى مسألة قضاء الأيام التى أفطرها المريض أو المسافر هل يقضيها متتابعة أو متفرقة وهل يقضيها على الفور أو على التراخى؟<br>وجمهور الفقهاء على أن للمفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يقضى ما أفطره متتابعاً أو متفرقاً؛ لأن قوله - تعالى -: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }. دل على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ - كما قال القرطبى - مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض.<br>وله كذلك أن يقضى ما عليه على الفور أو على التراخى على حسب ما يتيسر له. ففى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: يكون علىَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا فى شعبان، وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا نص وزيادة بيان للآية\".<br>ويرى داود الظاهرى أن على المفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يشرع فى قضاء ما أفطره فى اليوم الثانى من شوال المعاقب له، وأن يتابع أيام القضاء.<br>والمعتمد بين العلماء هو قول الجمهور لقوة أدلته التى سبق بيانها.<br>وقوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } بيان لحكم آخر من أحكام الشريعة فيما يتعلق بصوم رمضان يتجلى فيه تيسير الله على عباده فيما شرع لهم من عبادات.<br>ومعنى { يُطِيقُونَهُ } يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب، لأن الطاقة اسم للقدرة على الشىء مع الشدة والمشقة، والوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة.<br>قال الراغب: والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإِنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشىء، ومنه { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } أى ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه: \"لا تحملنا ما لا قدرة لنا به\".<br>والعرب لا تقول فلان أطاق الشىء إلا إذا كانت قدرته عليه فى نهاية الضعف بحيث يتحمله بمشقة وعسر. فلا يقال - مثلا - فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة دراهم من حديد، وإنما يقال: هو يطيق حمل قنطارين من الحديد أو حمل الأمتعة الثقيلة.<br>وللعلماء أقوال فى المراد بقوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } أشهرها:<br>1 - إن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله - تعالى - بين الصوم وبين الفداء، وكان ذلك فى بدء الإِسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم، فرخص لهم فى الإِقطار والفدية، ثم نسخ ذلك وأوجب الله عليهم الصوم.<br>ويشهد لهذا القول ما جاء فى الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها.<br>وفى رواية للإِمام مسلم من طريق آخر عن سلمة - أيضاً - قال: كنا فى رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }.<br>2 - ويرى بعض العلماء أن قوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } إلخ، ليس بمنسوخ بل هو محكم، وأنه نزل فى شأن الشيخ الكبير الهرم، والمرأة العجوز، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطرا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا.<br>وأصحاب هذا الرأى يستدلون بما رواه البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فعليها أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً\".<br>3 - وهناك رأى ثالث لبعض العلماء يرى أصحابه أن قوله - تعالى - { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } ليس بمنسوخ - أيضاً - بل هو محكم، وأن معنى الآية عندهم: وعلى الذين يطيقونه، أى: يقدرون على الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكيناً. (بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، أو قيمة ذلك).<br>ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز - كما فعل أصحاب الرأى الثانى - وإنما أدخلوا فى حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ومن فى حكمها ممن يشق عليهم الصوم مشقة كبيرة.<br>وأصحاب هذا الرأى يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق الآية، إذا أن الوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة، والطاقة اسم للقدرة عليه مع الشدة والمشقة - كما سبق أن بينا -، كما يستدلون - أيضاً - على ما ذهبوا إليه بقراءة { يُطِيقُونَهُ } - بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية - أى يتجشمونه، ويتكلفونه بمشقة وتعب، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأى بناء على أن منطوق الآية يؤيده.<br>كما انتصر بعضهم للرأى الأول بناء على أن الاحاديث الصحيحة تسانده وعلى أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإِسلامية فى التدرج فى تشريع التكاليف التى فيها مشقة على الناس، كما انتصر بعضهم للرأى الثانى الذى روى عن ابن عباس.<br>وهناك أقوال أخرى فى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحاً لضعفها.<br>وقوله: { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } حض من الله - تعالى - لعباده على الإِكثار من عمل الخير.<br>والتطوع: السعى فى أن يكون الإِنسان فاعلا للطاعة باختياره بدون إكراه والخير: مصدر خار إذا حسن وشرف، وهو منصوب لتضمين تطوع معنى أتى، أو على أنه صفة لمصدر محذوف أى تطوعاً خيراً.<br>والمعنى: فمن تطوع خيراً بأن زاد على القدر المفروض فى الفدية، أو أطعم أكثر من مسكين، أو جمع بين الإِطعام والصوم، فتطوعه سيكون خيراً عند الله - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا.<br>وقوله: { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ترغيب فى الصوم وتحبيب فيه. أى: وأن تصوموا أيها المطيقون للصوم، أو أيها المكلفون جميعاً خير لكم من كل شىء سواه، إن كنتم تعلمون فوائد الصوم فى حياتكم، وحسن جزائه فى آخرتكم.<br>روى النسائى وابن خزيمة عن أبى أمامه رضى الله عنه قال:\"  \"قلت يا رسول الله مرنى بعمل قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له - أى لا يعادل ثوابه بشىء - فقلت يا رسول الله مرنى بعمل، فقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له. فقلت: يا رسول الله مرنى بعمل أدخل به الجنة. فقال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له\" .<br>وقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } كلام مستأنف لبيان تلك الأيام المعدودات التى كتب علينا الصوم فيها وأنها أيام شهر رمضان الذى يستحق كل مدح وثناء لتشرفه بنزول الكتب السماوية فيه.<br>قال الإِمام ابن كثير: يمدح - تعالى - شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإِنزال القرآن العظيم، فقد ورد فى الحديث بأنه الشهر الذى كانت الكتب الإِلهية تنزل فيه على الأنبياء فعن وائلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان\" .<br>و{ الشَّهْرَ } مأخوذ من الشهرة، يقال: شهر الشىء يشهر شهرة وشهراً إذا ظهر بحيث لا يتعذر علمه على أحد، ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته قال بعضهم: وسمى الهلال شهراً لشهرته وبيانه، وبه سمى الشهر شهراً.<br>و{ رَمَضَانَ } اسم لهذا الشهر الذى فرض علينا صيامه، وهو مأخوذ - كما قال القرطبى - من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء: شدة الحر، ومنه الحديث:\"  \"صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال\"  - أى صلاة الضحى -  قيل: إن العرب لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمى بذلك. وقيل إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب، أى: يحرقها بالأعمال الصالحة\".<br>وقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ } خبر لمبتدأ محذوف تقديره هى شهر رمضان أى: الأيام المعدودات، وقوله: { ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } صفة للشهر.<br>ويجوز أن يكون قوله { شَهْرُ } مبتدأ وخبره الموصول بعده، أو خبره قوله { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وصح وجود الفاء فى الخبر لكون المبتدأ موصوفاً بالموصول الذى هو شبه بالشرط. وقرئ بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف. أى: صوموا شهر رمضان.<br>و \"القرآن\" هو كلام الله المعجز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب فى المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته.<br>والمراد بإنزال القرآن فى شهر رمضان إبتداء إنزاله فيه، وكان ذلك فى ليلة القدر. بدليل قوله - تعالى - { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } أى بدأنا إنزال القرآن فى هذه الليلة المباركة، إذ من المعروف أن القرآن استمر نزوله على النبى صلى الله عليه وسلم ما يقرب من ثلاثة وعشرين سنة.<br>وقيل المراد بذلك، انزل فى فضله القرآن، قالوا: ومثله أن يقال: أنزل الله فى أبى بكر الصديق كذا آية، يريدون أنزل فى فضله.<br>وقيل المراد أنزل فى إيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقال: أنزل الله فى الزكاة كذا وكذا، يريد فى إيجابها وأنزل فى الخمر كذا يريد فى تحريمها.<br>قال الآلوسى: وقوله - تعالى -: { هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل. أى: أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير، وآيات واضحات من جملة الكتب الإِلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق والباطل باشتماله على المعارف الإِلهية والأحكام العملية، كما يشعر بذلك جعله بينات منها، فهو هاد بواسطة أمرين، مختص وغير مختص، فالهدى ليس مكرراً، وقيل: مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية كما تقول: عالم نحرير\".<br>وقوله: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } يصح أن يكون شهد بمعنى حضر. كما يقال: فلان شهد بدراً، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أى: حضرها، فيكون المعنى: فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصوم كمرض ونحوه، فليصمه؛ لأن صيامه ركن من أركان الدين، وعليه يكون لفظ \"الشهر\" منصوب على الظرفية.<br>ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله - تعالى - { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } فيكون المعنى: فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه.<br>وعليه يكون لفظ \"الشهر\" منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف المحذوف و { مَن } موصولة أو شرطية وهو الأظهر و { مِنكُمُ } فى محل نصب على الحال من الضمير فى شهد فيتعلق بمحذوف أى: كائناً منكم. والضمير فى \"منكم\" يعود على الذين آمنوا، أى كل من حضر منكم الشهر فليصمه و (أل) فى الشهر للعهد.<br>وأعيد ذكر الرخصة فى قوله - تعالى - ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر، لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم فى نفسه وأنه خير، أنه قد صار متحتماً بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه أو تتناوله ولكنها مفضولة، وفى ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له - تعالى -.<br>وقوله - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } بيان لحكمة الرخصة.<br>أى: شرع لكم - سبحانه - الفطر فى حالتى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر والسهولة. ولا يريد بكم العسر والمشقة. قال - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً } وقال - تعالى -: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وفى الصحيحين \"  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى حين بعثهما إلى اليمن: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا\" .<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } معطوف على قوله: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } إلى قوله: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }.<br>والمعنى: شرع لكم - سبحانه - ما شرع من أحكام الصيام، ورخص لكم الفطر فى حالتى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولأنه يريد منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامه كاملة فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شىء من بركاته، ومن لم يستطع منكم أداء الصوم فى هذا الشهر لعذر فعليه قضاء ما فاته منه فى أيام أخر ويريد منكم أن تكبروه - سبحانه - أى تحدوه وتعظموه، فهو وحده الذى هداكم إلى تلك الأحكام النافعة التى فى صلاحكم وسعادتكم ويريد منكم أن تشكروه بأن تواظبوا على الثناء عليه، وعلى استعمال نعمه فما خلقت له فهو - سبحانه - الرءوف الرحيم بعباده، إذ شرع لهم فيه اليسر لا ما فيه العسر.<br>وقد دلت الآية الكريمة على الأمر بالتكبير إذ جعلته مما يريده الله - تعالى - ولهذا جاءت السنة باستحباب التحميد والتسبيح والتكبير بعد الصلوات المكتوبات، وفى عيدى الفطر والأضحى يكون تكبير الله - تعالى - هو مظهرهما الأعظم.<br>وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أكمل بيان وأحكمه فضل الصوم، وحكمة مشروعيته ومظاهر رحمة الله بعباده فى هذه الفريضة، وقد ذكرت أن المسلم له بشأن هذه الفريضة حالة من حالات ثلاث:<br>الحالة الأولى: إذا كان المسلم فى شهر رمضان كله أو بعضه مريضاً بمرض عارض غير مزمن يرجى الشفاء منه، أو مسافراً تتوفر فيه شروط الفطر، فله أن يفطر وأن يقضى بعد رمضان الأيام التى أفطرها بدليل قوله - تعالى -: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }.<br>الحالة الثانية: إذا كان المسلم فى شهر رمضان مريضاً بمرض مزمن لا يرجى شفاؤه والصوم فيه مشقة عليه، أو كان شيخاً كبيراً أو امرأة عجوزاً ولا يستطيعان الصوم، فقد أباح الشارع لهؤلاء أن يفطروا وأن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، لأن هذه الأعذار لا يرجى زوالها، ولا ينتظر أن يكون المبتلى بعذر منها بعد رمضان خيراً منه فى رمضان، لذا أوجب الشارع على هؤلاء الفدية دون القضاء، بدليل قوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ }.<br>الحالة الثالثة: إذا كان المسلم فى شهر رمضان سليما مقيما وليس عنده عذر يمنعه من الصوم، فقد أوجب الله عليه أداء هذه الفريضة بقوله - تعالى -: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ويحرم عليه أن يفطر، وإن أفطر لغير عذر شرعى كان من الخاسرين فى الدنيا والآخرة، ففى الحديث الشريف الذى رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه - أى لم يجزه - صوم الدهر كله وإن صامه\" .<br>أى: لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب فطره بغير عذر شرعى.<br>والأحاديث فى الترغيب فى صوم شهر رمضان، وفى الترهيب من الفطر فيه كثيرة متنوعة.<br>ثم بين - سبحانه - أن العباد إذا حافظوا على فرائضه، واستجابوا لأوامره، وابتعدوا عن نواهيه، فإنه - عز وجل - لا يرد لهم طلباً ولا يخيب لهم رجاء فقال:<br>{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "195",
        "sura_number": "2",
        "ayah_number": "185",
        "aya": "",
        "sura": "البقرة",
        "mediator": "الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام، وهو فى اللغة: الإِمساك وترك التنقل من حال إلى حال، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله - تعالى - مخبراً عن مريم: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } أى: سكوتاً عن الكلام. وصوم الريح ركودها وإمساكها عن الهبوب وتقول العرب: صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة.<br>أما الصيام فى عرف الشرع فهو - كما يقول الآلوسى - إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص فى زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة.<br>وقد فرض الله - تعالى - على المسلمين صيام شهر رمضان فى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وعده النبى صلى الله عليه وسلم أحد أركان الإِسلام الخمسة، فقد روى البخارى - بسنده - عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  \"بنى الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان\" .<br>وأل فى الصيام للعهد الذهنى، فقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء فى الصحيحين   \"عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش والجاهلية\" .<br>والتشبيه فى قوله - تعالى -: { كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } راجع إلى أصل إيجاب الصوم وفريضته. أى: أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية.<br>وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت الصوم وقدره، فقد روى عن مجاهد أنه قال: كتب الله - عز وجل - صوم شهر رمضان على كل أمة.<br>وهذا القول ليس له دليل، ولذا قال القاضى أبو بكر بن العربى: المقطوع به أن التشبيه فى الفرضية خاصة، وسائر الوجوه مجرد احتمال.<br>ولفظ \"كما\" فى قوله - تعالى -: { كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } فى موضع نصب على المصدر، أى: فرض عليكم الصيام فرضاً كالذى فرض على الذين من قبلكم.<br>ومن فوائد هذا التشبيه، الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها - سبحانه - لأتباع النبى صلى الله عليه وسلم ولأتباع الرسل الذين سبقوه فى الدعوة إلى توحيد الله، وهذا مما يقتضى وفرة ثوابها، ودوام صلاحها.<br>كذلك من فوائده تسهيل هذه العبادة على المسلمين؛ لأن الشىء الشاق تخف مشقته على الإِنسان عند ما يعلم أن غيره قد أداه من قبله.<br>والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه العبادة، حتى لا يكونوا مقصرين فى أدائها، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإِسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضى منهم النشاط فيما كلفهم الله بأدائه من عبادات.<br>وقوله: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } جملة تعليلة جىء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام فكأنه - سبحانه - يقول لعباده المؤمنين: فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها، ويكفى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال فى شأن الصوم:  \"الصوم جنة\"  أى: وقاية. إذ فى الصوم وقاية من الوقوع فى المعاصى، ووقاية من عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإِفراط فى تناول بعض الأطعمة والأشربة.<br>وقوله: { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } أى: معينات بالعد أو قليلات، لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافاً.<br>والمراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء.<br>قالوا: وتقريره أنه - تعالى - قال أولا { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ } وهذا محتمل ليوم ويومين ثم بينه بقوله :{ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره.<br>وإنما عبر عن رمضان بأيام وهى جمع قلة ووصف بمعدودات وهى جمع قلة - أيضاً - تهوينا لأمره على المكلفين، وإشعاراً لهم بأن الله - تعالى - ما فرض عليهم إلا ما هو فى وسعهم وقدرتهم.<br>وقيل: إن المراد بالأيام المعدودات غير رمضان، وذكروا أن المراد بها ثلاثة أيام من كل شهر وهى الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مضافاً إليها يوم عاشوراء. ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان.<br>والمعتمد بين المحققين من العلماء هو القول الأول، لأنه - كما قال الإِمام الرازى - لا وجه لحمله على غيره، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها.<br>وقوله: { أَيَّاماً } منصوب على الظرفية، أو بفعل مضمر مقدر أى: صوموا أياماً. وقوله: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } زيادة بيان ليسر شريعة الإِسلام بعد أن أخبرهم - سبحانه - بأن الصوم المفروض عليهم إنما هو أيام معدودات، وتعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم فى كل حال.<br>والمرض: الخروج عن الاعتدال الخاص بالإِنسان، بأن يصاب بانحراف فى جسده يجعله فى حالة وجع أو اضطراب بدنى.<br>قال القرطبى: وللمريض حالتان:<br>إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجباً.<br>الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر.. فالفطر مباح فى كل مرض إلا المرض اليسير الذى لا كلفة معه فى الصيام.<br>وقوله: { أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } قال الآلوسى معناه: أو راكب سفر مستعل عليه متمكن منه، بأن اشتغل به قبل الفجر، ففيه إيماء إلى أن من سافر فى أثناء اليوم لم يفطر. واستدل بإطلاق السفر على أن السفر القصير وسفر المعصية مرخص للإِفطار. وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وبما يلزمه العسر غالباً وهو السفر إلى المسافة المقدرة فى الشرع\".<br>والعدة فعلة من العد، وهى بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون ومنه عدة المرأة.<br>والمعنى: لقد فرضنا عليكم الصوم أيها المؤمنون، وجعلناه كما هو الشأن من كل ما شرعناه متسماً باليسر لا بالعسر، ومن مظاهر ذلك أننا فرضنا عليكم صوم أيام معدودات وهى أيام شهر رمضان، ولم نفرض عليكم صوم الدهر. وأننا شرعنا لمن كان مريضاً مرضا يضره الصوم أو يعسر معه، أو كان على سفر يشق عليه معه الصوم، شرعنا له أن يفطر وأن يصوم بدل الأيام التى أفطرها أياما آخر مساوية لها فى العدد.<br>قال الإِمام الرازى: قال القفال: أنظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته فى هذا التكليف، إذ أنه بين فى أول الآية أن لهذه الأمة فى هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه ما ذكرناه من أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت. ثم ثانيا بين وجه الحكمة فى إيجاب الصوم وهو أنه سبب الحصول التقوى فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف، ثم بين ثالثا أنه مختص بأيام معدودة فإنه لو جعله أبداً أو أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة. ثم بين رابعا: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذى أنزل فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامساً: إزالة المشقة فى إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون. فهو - سبحانه - راعى فى ايجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيراً\".<br>هذا، وقد نص الفقهاء على أن الافطار مشروع على سبيل الرخصة للمريض والمسافر، وهما بالخيار فى ذلك إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما، إلا أن أكثر الفقهاء قالوا: الصوم أفضل لمن قوى عليه.<br>والذى نراه الله - تعالى - قد أباح الفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج. والحكم الشرعى يوجد حيث توجد مظنته وينتفى حيث تنتفى. وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس فى الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله - تعالى - { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }. وإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقاً عليه أفطر عملا بقوله - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه واستفتاء قلبه.<br>والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صام فى السفر وأفطر، وخير بعض أصحابه بين الصوم والفطر. فقد روى البخارى ومسلم عن أبى الدرداء - رضى الله عنه - قال: خرجنا مع النبى صلى الله عليه وسلم \"وفى إحدى روايتى مسلم - فى شهر رمضان -، فى يوم حار، حتى ليضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبى صلى الله عليه وسلم وابن رواحه\".<br>وروى الإِمام مسلم فى صحيحه   \"عن قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدرى فسألته عن الصوم فى السفر فقال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة. فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من السفر\" .<br>وروى الشيخان عن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع النبى صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.<br>والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة.<br>وهناك مسألة أخرى تعرض لها الفقهاء بالحديث وهى مسألة قضاء الأيام التى أفطرها المريض أو المسافر هل يقضيها متتابعة أو متفرقة وهل يقضيها على الفور أو على التراخى؟<br>وجمهور الفقهاء على أن للمفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يقضى ما أفطره متتابعاً أو متفرقاً؛ لأن قوله - تعالى -: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }. دل على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ - كما قال القرطبى - مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض.<br>وله كذلك أن يقضى ما عليه على الفور أو على التراخى على حسب ما يتيسر له. ففى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: يكون علىَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا فى شعبان، وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا نص وزيادة بيان للآية\".<br>ويرى داود الظاهرى أن على المفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يشرع فى قضاء ما أفطره فى اليوم الثانى من شوال المعاقب له، وأن يتابع أيام القضاء.<br>والمعتمد بين العلماء هو قول الجمهور لقوة أدلته التى سبق بيانها.<br>وقوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } بيان لحكم آخر من أحكام الشريعة فيما يتعلق بصوم رمضان يتجلى فيه تيسير الله على عباده فيما شرع لهم من عبادات.<br>ومعنى { يُطِيقُونَهُ } يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب، لأن الطاقة اسم للقدرة على الشىء مع الشدة والمشقة، والوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة.<br>قال الراغب: والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإِنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشىء، ومنه { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } أى ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه: \"لا تحملنا ما لا قدرة لنا به\".<br>والعرب لا تقول فلان أطاق الشىء إلا إذا كانت قدرته عليه فى نهاية الضعف بحيث يتحمله بمشقة وعسر. فلا يقال - مثلا - فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة دراهم من حديد، وإنما يقال: هو يطيق حمل قنطارين من الحديد أو حمل الأمتعة الثقيلة.<br>وللعلماء أقوال فى المراد بقوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } أشهرها:<br>1 - إن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله - تعالى - بين الصوم وبين الفداء، وكان ذلك فى بدء الإِسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم، فرخص لهم فى الإِقطار والفدية، ثم نسخ ذلك وأوجب الله عليهم الصوم.<br>ويشهد لهذا القول ما جاء فى الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها.<br>وفى رواية للإِمام مسلم من طريق آخر عن سلمة - أيضاً - قال: كنا فى رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }.<br>2 - ويرى بعض العلماء أن قوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } إلخ، ليس بمنسوخ بل هو محكم، وأنه نزل فى شأن الشيخ الكبير الهرم، والمرأة العجوز، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطرا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا.<br>وأصحاب هذا الرأى يستدلون بما رواه البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فعليها أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً\".<br>3 - وهناك رأى ثالث لبعض العلماء يرى أصحابه أن قوله - تعالى - { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } ليس بمنسوخ - أيضاً - بل هو محكم، وأن معنى الآية عندهم: وعلى الذين يطيقونه، أى: يقدرون على الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكيناً. (بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، أو قيمة ذلك).<br>ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز - كما فعل أصحاب الرأى الثانى - وإنما أدخلوا فى حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ومن فى حكمها ممن يشق عليهم الصوم مشقة كبيرة.<br>وأصحاب هذا الرأى يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق الآية، إذا أن الوسع اسم للقدرة على الشىء على جهة السهولة، والطاقة اسم للقدرة عليه مع الشدة والمشقة - كما سبق أن بينا -، كما يستدلون - أيضاً - على ما ذهبوا إليه بقراءة { يُطِيقُونَهُ } - بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية - أى يتجشمونه، ويتكلفونه بمشقة وتعب، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأى بناء على أن منطوق الآية يؤيده.<br>كما انتصر بعضهم للرأى الأول بناء على أن الاحاديث الصحيحة تسانده وعلى أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإِسلامية فى التدرج فى تشريع التكاليف التى فيها مشقة على الناس، كما انتصر بعضهم للرأى الثانى الذى روى عن ابن عباس.<br>وهناك أقوال أخرى فى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحاً لضعفها.<br>وقوله: { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } حض من الله - تعالى - لعباده على الإِكثار من عمل الخير.<br>والتطوع: السعى فى أن يكون الإِنسان فاعلا للطاعة باختياره بدون إكراه والخير: مصدر خار إذا حسن وشرف، وهو منصوب لتضمين تطوع معنى أتى، أو على أنه صفة لمصدر محذوف أى تطوعاً خيراً.<br>والمعنى: فمن تطوع خيراً بأن زاد على القدر المفروض فى الفدية، أو أطعم أكثر من مسكين، أو جمع بين الإِطعام والصوم، فتطوعه سيكون خيراً عند الله - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا.<br>وقوله: { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ترغيب فى الصوم وتحبيب فيه. أى: وأن تصوموا أيها المطيقون للصوم، أو أيها المكلفون جميعاً خير لكم من كل شىء سواه، إن كنتم تعلمون فوائد الصوم فى حياتكم، وحسن جزائه فى آخرتكم.<br>روى النسائى وابن خزيمة عن أبى أمامه رضى الله عنه قال:\"  \"قلت يا رسول الله مرنى بعمل قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له - أى لا يعادل ثوابه بشىء - فقلت يا رسول الله مرنى بعمل، فقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له. فقلت: يا رسول الله مرنى بعمل أدخل به الجنة. فقال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له\" .<br>وقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } كلام مستأنف لبيان تلك الأيام المعدودات التى كتب علينا الصوم فيها وأنها أيام شهر رمضان الذى يستحق كل مدح وثناء لتشرفه بنزول الكتب السماوية فيه.<br>قال الإِمام ابن كثير: يمدح - تعالى - شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإِنزال القرآن العظيم، فقد ورد فى الحديث بأنه الشهر الذى كانت الكتب الإِلهية تنزل فيه على الأنبياء فعن وائلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان\" .<br>و{ الشَّهْرَ } مأخوذ من الشهرة، يقال: شهر الشىء يشهر شهرة وشهراً إذا ظهر بحيث لا يتعذر علمه على أحد، ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته قال بعضهم: وسمى الهلال شهراً لشهرته وبيانه، وبه سمى الشهر شهراً.<br>و{ رَمَضَانَ } اسم لهذا الشهر الذى فرض علينا صيامه، وهو مأخوذ - كما قال القرطبى - من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء: شدة الحر، ومنه الحديث:\"  \"صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال\"  - أى صلاة الضحى -  قيل: إن العرب لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمى بذلك. وقيل إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب، أى: يحرقها بالأعمال الصالحة\".<br>وقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ } خبر لمبتدأ محذوف تقديره هى شهر رمضان أى: الأيام المعدودات، وقوله: { ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } صفة للشهر.<br>ويجوز أن يكون قوله { شَهْرُ } مبتدأ وخبره الموصول بعده، أو خبره قوله { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وصح وجود الفاء فى الخبر لكون المبتدأ موصوفاً بالموصول الذى هو شبه بالشرط. وقرئ بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف. أى: صوموا شهر رمضان.<br>و \"القرآن\" هو كلام الله المعجز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب فى المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته.<br>والمراد بإنزال القرآن فى شهر رمضان إبتداء إنزاله فيه، وكان ذلك فى ليلة القدر. بدليل قوله - تعالى - { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } أى بدأنا إنزال القرآن فى هذه الليلة المباركة، إذ من المعروف أن القرآن استمر نزوله على النبى صلى الله عليه وسلم ما يقرب من ثلاثة وعشرين سنة.<br>وقيل المراد بذلك، انزل فى فضله القرآن، قالوا: ومثله أن يقال: أنزل الله فى أبى بكر الصديق كذا آية، يريدون أنزل فى فضله.<br>وقيل المراد أنزل فى إيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقال: أنزل الله فى الزكاة كذا وكذا، يريد فى إيجابها وأنزل فى الخمر كذا يريد فى تحريمها.<br>قال الآلوسى: وقوله - تعالى -: { هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل. أى: أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير، وآيات واضحات من جملة الكتب الإِلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق والباطل باشتماله على المعارف الإِلهية والأحكام العملية، كما يشعر بذلك جعله بينات منها، فهو هاد بواسطة أمرين، مختص وغير مختص، فالهدى ليس مكرراً، وقيل: مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية كما تقول: عالم نحرير\".<br>وقوله: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } يصح أن يكون شهد بمعنى حضر. كما يقال: فلان شهد بدراً، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أى: حضرها، فيكون المعنى: فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصوم كمرض ونحوه، فليصمه؛ لأن صيامه ركن من أركان الدين، وعليه يكون لفظ \"الشهر\" منصوب على الظرفية.<br>ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله - تعالى - { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } فيكون المعنى: فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه.<br>وعليه يكون لفظ \"الشهر\" منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف المحذوف و { مَن } موصولة أو شرطية وهو الأظهر و { مِنكُمُ } فى محل نصب على الحال من الضمير فى شهد فيتعلق بمحذوف أى: كائناً منكم. والضمير فى \"منكم\" يعود على الذين آمنوا، أى كل من حضر منكم الشهر فليصمه و (أل) فى الشهر للعهد.<br>وأعيد ذكر الرخصة فى قوله - تعالى - ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر، لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم فى نفسه وأنه خير، أنه قد صار متحتماً بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه أو تتناوله ولكنها مفضولة، وفى ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له - تعالى -.<br>وقوله - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } بيان لحكمة الرخصة.<br>أى: شرع لكم - سبحانه - الفطر فى حالتى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر والسهولة. ولا يريد بكم العسر والمشقة. قال - تعالى -: { يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً } وقال - تعالى -: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وفى الصحيحين \"  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى حين بعثهما إلى اليمن: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا\" .<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } معطوف على قوله: { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } إلى قوله: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }.<br>والمعنى: شرع لكم - سبحانه - ما شرع من أحكام الصيام، ورخص لكم الفطر فى حالتى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولأنه يريد منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامه كاملة فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شىء من بركاته، ومن لم يستطع منكم أداء الصوم فى هذا الشهر لعذر فعليه قضاء ما فاته منه فى أيام أخر ويريد منكم أن تكبروه - سبحانه - أى تحدوه وتعظموه، فهو وحده الذى هداكم إلى تلك الأحكام النافعة التى فى صلاحكم وسعادتكم ويريد منكم أن تشكروه بأن تواظبوا على الثناء عليه، وعلى استعمال نعمه فما خلقت له فهو - سبحانه - الرءوف الرحيم بعباده، إذ شرع لهم فيه اليسر لا ما فيه العسر.<br>وقد دلت الآية الكريمة على الأمر بالتكبير إذ جعلته مما يريده الله - تعالى - ولهذا جاءت السنة باستحباب التحميد والتسبيح والتكبير بعد الصلوات المكتوبات، وفى عيدى الفطر والأضحى يكون تكبير الله - تعالى - هو مظهرهما الأعظم.<br>وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أكمل بيان وأحكمه فضل الصوم، وحكمة مشروعيته ومظاهر رحمة الله بعباده فى هذه الفريضة، وقد ذكرت أن المسلم له بشأن هذه الفريضة حالة من حالات ثلاث:<br>الحالة الأولى: إذا كان المسلم فى شهر رمضان كله أو بعضه مريضاً بمرض عارض غير مزمن يرجى الشفاء منه، أو مسافراً تتوفر فيه شروط الفطر، فله أن يفطر وأن يقضى بعد رمضان الأيام التى أفطرها بدليل قوله - تعالى -: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }.<br>الحالة الثانية: إذا كان المسلم فى شهر رمضان مريضاً بمرض مزمن لا يرجى شفاؤه والصوم فيه مشقة عليه، أو كان شيخاً كبيراً أو امرأة عجوزاً ولا يستطيعان الصوم، فقد أباح الشارع لهؤلاء أن يفطروا وأن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، لأن هذه الأعذار لا يرجى زوالها، ولا ينتظر أن يكون المبتلى بعذر منها بعد رمضان خيراً منه فى رمضان، لذا أوجب الشارع على هؤلاء الفدية دون القضاء، بدليل قوله - تعالى -: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ }.<br>الحالة الثالثة: إذا كان المسلم فى شهر رمضان سليما مقيما وليس عنده عذر يمنعه من الصوم، فقد أوجب الله عليه أداء هذه الفريضة بقوله - تعالى -: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ويحرم عليه أن يفطر، وإن أفطر لغير عذر شرعى كان من الخاسرين فى الدنيا والآخرة، ففى الحديث الشريف الذى رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه - أى لم يجزه - صوم الدهر كله وإن صامه\" .<br>أى: لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب فطره بغير عذر شرعى.<br>والأحاديث فى الترغيب فى صوم شهر رمضان، وفى الترهيب من الفطر فيه كثيرة متنوعة.<br>ثم بين - سبحانه - أن العباد إذا حافظوا على فرائضه، واستجابوا لأوامره، وابتعدوا عن نواهيه، فإنه - عز وجل - لا يرد لهم طلباً ولا يخيب لهم رجاء فقال:<br>{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "316",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "18",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "قال القرطبى: \"لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما للآخر: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبى الذى يخرج فى آخر الزمان! فلما دخلا على النبى صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا له: أنت محمد؟ قال نعم قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا: نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلانى. فقالا: أخبرنا عن الأعظم شهادة فى كتاب الله. فأنزل الله تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله تعالى: { شَهِدَ ٱللَّهُ } أى بين وأعلم كما يقول: شهد فلان عند القاضى إذا بين وأعلم لمن الحق أو على من هو قال الزجاج: \"الشاهد هو الذى يعلم الشىء ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين\".<br>والمعنى: أخبر الله - تعالى - عباده وأعلمهم بالآيات القرآنية التى أنزلها على نبيه، وبالآيات الكونية التى لا يقدر على خلقها أحد سواه، وبغير ذلك من الأدلة القاطعة التى تشهد بوحدانيته، وأنه لا معبود بحق سواه، وأنه هو المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق. وأن الجميع عبيده وفقراء إليه وهو الغنى عن كل ما عداه. وشهد بذلك \"الملائكة\" بأن اقروا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد فعبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وشهد بذلك أيضاً \"أولو العلم\" بأن اعترفوا له - سبحانه - بالوحدانية، وصدقوا بما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبلغوا ذلك لغيرهم.<br>قال الزمخشرى: شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التى لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإِخلاص وآية الكرسى وغيرهما، بشهادة الشاهد فى البيان والكشف وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه\".<br>وقالوا: وفى هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء، فإنه لو كان أحد أشرف العلماء، لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء. وقال فى شرف العلم لنبيه - صلى الله عليه وسلم - { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } فلو كان شىء أشرف من العلم لأمر الله نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم  \"إن العلماء ورثة الأنبياء\"  وقال:  \"العلماء أمناء الله على خلقه\" . وهذا شرف للعلماء عظيم ومحل لهم فى الدين خطير.<br>والمراد بأولى العلم هنا جميع العلماء الذين سخروا ما أعطاهم الله من معارف فى خدمة عقيدتهم، وفيما ينفعهم وينفع غيرهم، وأخلصوا لله فى عبادتهم، وصدقوا فى أقوالهم وأفعالهم. <br>وقدم سبحانه - الملائكة على أولى العلم، لأن فيهم من هو واسطة لتوصيل العلم إلى ذويه، لأن علمهم كله ضرورى بخلاف البشر فإن علمهم منه ما ضرورى، ومنه ما هو اكتسابى.<br>وقوله - تعالى - { قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } بيان لكماله - سبحانه - فى أفعاله إثر بيان كماله فى ذاته. والقسط: العدل. يقال قسط ويقسط قسطاً، وأقسط إقساطاً فهو مقسط إذا عدل ومنه { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } ويطلق القسط على الجور، والفاعل قاسط، ومنه {  { وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً }  }.أى: مقيما للعدل فى تدبير أمر خلقه، وفى أحكامه. وفيما يقسم بينهم من الأرزاق والآجال، وفيما يأمر به وينهى عنه، وفى كل شأن من شئونه.<br>قال الجمل و { قَآئِمَاً } منصوب على أنه حال من الضمير المنفصل الواقع بعد إلا، فتكون الحال أيضا فى حيز الشهادة، فيكون المشهود به أمرين: الوحدانية والقيام بالقسط وهذا أحسن من جعله حالا من الاسم الجليل فاعل شهد، لأن عليه يكون المشهود به الوحدانية فقط والحال ليست فى حيز الشهادة.<br>وقوله { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تكرير للمشهود به للتأكيد والتقرير، وفيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل، والاعتناء به يقتضى الاعتناء بأدلته.<br>{ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } صفتان مقررتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل. أى لا إله فى هذا الوجود يستحق العبادة بحق إلا الله { ٱلْعَزِيزُ } الذى لا يمتنع عليه شىء أراده، وينتصر من كل أحد عاقبه أو انتقم منه { ٱلْحَكِيمُ } فى تدبيره فلا يدخله خلل.<br>قال ابن جرير: \"وإنما عنى جل ثناؤه - بهذه الآية نفى ما أضافت النصارى الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عيسى من النبوة، وما نسب إليه سائر أهل الشرك: من أن له شريكا، واتخاذهم دونه أربابا، فأخبرهم الله عن نفسه، أنه الخالق كل ما سواه، وأنه رب كل ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربا دونه، وأن ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقه. فبدا - جل ثناؤه - بنفسه تعظيما لنفسه، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إليها، كما سن لعباده أن يبدأوا فى أمورهم بذكره قبل ذكر غيره مؤدباً خلقه بذلك\".<br>هذا، ومن الآثار التى وردت فى فضل هذه الآية ما رواه الإِمام أحمد عن الزبير بن العوام قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ }... إلى آخر الآية. فقال صلى الله عليه وسلم:  \"وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب\"  وقال غالب القطان: أتيت الكوفة فى تجارة لى فنزلت قريبا من الأعمش فكنت اختلف إليه، فقام فى ليلة متهجدا فمر بهذه الآية { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } فقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهى لى وديعة { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ }، - قالها مراراً - فقلت. لقد سمع فيها شيئاً فسألته فى ذلك فقال: حدثنى أبو وائل بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله - تعالى - \"عبدى عهد إلى وأنا أحق من وفى العهد ادخلوا عبدى الجنة\".<br>وقوله { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. وأصل الدين فى اللغة الجزاء والحساب. يقال دنته بما صنع أى جازيته على صنيعه، ومنه قولهم: كما تدين تدان أى، كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\"  والمراد به هنا ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه من عقائد وتكاليف وتشريعات، فيكون بمعنى الملة والشرع.<br>أى: إن الشريعة المرضية عند الله - تعالى - هى الإِسلام، والإِسلام فى اللغة هو الاستسلام والانقياد يقال: أسلم أى انقاد واستسلم. وأسلم أمره لله سلمه إليه والمراد به هنا - كما قال ابن جرير: \"شهادة أن لا إله إلا الله، والإِقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذى شرعه لنفسه وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى بالإِحسان إلا به\" وهو الدين الحنيف الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.<br>وقال ابن كثير: وقوله - تعالى - { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } إخبار منه تعالى - بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإِسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به فى كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذى سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقى الله تعالى - بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال - تعالى - { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ } الآية. وقال فى هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل عنده فى الإِسلام {  { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُِ }  }.وقوله: { عِندَ ٱللَّهِ } ظرف العامل فيه لفظ الدين لما تضمنه من معنى الفعل، أى الذى شرع عند الله الإِسلام. ويصح أن يكون صفة للدين فيكون متعلقا بمحذوف أى الكائن أو الثابت عند الله الإِسلام. وفى إضافة الدين إلى الله - تعالى - بقوله { عِندَ ٱللَّهِ } وباعتبار الإِسلام وحده، هو دين الله، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين، إشعار بفضل الإِسلام، لأن له ذلك الشرف الإِضافى إلى خالق هذا الكون ومربيه، فهو دين الله الذى شرعه لخلقه.<br>ثم بين - سبحانه - أن اختلاف أهل الكتاب فى شأن الدين الحق لم يكن عن جهل منهم بالحقائق وإنما كان سببه البغى والحسد وطلب الدنيا فقال - تعالى - { وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }.<br>أى: وما كان خلاف الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى فيما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من بعد أن علموا بأن ما جاءهم به هو الحق الذى لا باطل معه، فخلافهم لم يكن عن جهل منهم بأن ما جاءهم به هو الحق وإنما كان سبه البغى والحسد والظلم فيما بينهم.<br>وفى التعبير عنهم بأنهم { أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } زيادة تقبيح لهم؛ فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح وأفحش، إذ الكتاب ما نزل إلا لهدايتهم، وسعادتهم فإذا تركوا بشاراته وتوجيهاته واتبعوا أهواءهم كان فعلهم هذا أشد قبحا وفحشا.<br>وقوله { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ } زيادة أخرى فى تقبيح أفعالهم، فإن الاختلاف بعد مجىء العلم أزيد فى القبح والعناد.<br>والاستثناء من أعم الأحوال أو الأوقات، أى وما اختلفوا فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا الحق، والعلم بالحق وحده لا يكفى فى الإِيمان به، ولكنه يحتاج إلى جانب ذلك إلى قلب مخلص متفتح لطلبه، وكم من أناس يعرفون الحق معرفة تامة ولكنهم يحاربونه ويحاربون أهله، لأنهم يرون أن هذا الحق يتعارض مع أهوائهم وشهواتهم وصدق الله إذ يقول. { ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فهم قد اختلفوا فى الحق مع عملهم بأنه حق، لأن العلم كالمطر، لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس الصافية، والقلوب الواعية، والأفئدة المستقيمة.<br>وقوله { بَغْياً بَيْنَهُمْ } مفعول لأجله، والعامل فيه اختلف أى وما اختلفوا إلا للبغى لا لغيره قال القرطبي: \"وفى الكلام تقديم وتأخير، والمعنى، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم\".<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد فقال: { وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }. أى: ومن يكفر بآيات الله الدالة على وحدانيته - سبحانه - فإن الله محص عليه أعماله فى الدنيا وسيعاقبه بما يستحقه فى الآخرة.<br>فقوله { فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } قائم مقام جواب الشرط وعلة له، أى: ومن يكفر بآيات الله فإنه - سبحانه - محاسبه ومعاقبه والله سريع الحساب.<br>وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب، وعلى العلم الكامل والقدرة التامة فهو - سبحانه - لا يحتاج إلى فحص وبحث، لأنه لا تخفى عليه خافية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما جادلوه أو خاصموه ليحسم الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى فى طريقه الواضح المستقيم فقال - تعالى - { فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ }.<br>وقوله { حَآجُّوكَ } من المحاجة وهى أن يتبادل المتجادلان الحجة، بأن يقدم كل واحد حجته ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعم أنه الحق الذى لا شك فيه.<br>والمعنى: فإن جادلك - يا محمد - أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل المزورة والمغالطات الباطلة بعد أن قامت الحجج على صدقك. فلا تسر معهم فى لجاجتهم، ولا تلتفت إلى أكاذيبهم، بل قل لهم { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } أى أخلصت عبادتى لله وحده، وأطعته وانقدت له، وكذلك من اتبعنى وآمن بى قد أسلم وجهه له وأخلص له العبادة.<br> والمراد بالوجه هنا الذات، وعبر بالوجه عن سائر الذات لأنه أشرف أعضاء الشخص، ولأنه هو الذى تكون به المواجهة، وهو مجمع محاسن الجسم فالتعبير به عن الجسم كله تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل.<br> وَ{ مَنِ } فى قوله { وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } فى محل رفع عطفا على الضمير المتصل فى  { أَسْلَمْتُ } أى أسلمت أنا ومن اتبعنى، وجاء العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما.<br>وقوله { وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ } عطف على الجملة الشرطية، والمراد بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب.<br>والاستفهام فى قوله { أَأَسْلَمْتُمْ } للحض على أن يسلموا وجوههم لله، ويتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم كما اتبعه المسلمون.<br>والمعنى: فإن جادلوك فى الدين - يا محمد - بعد أن تبين لكل عاقل صدقك، فقل لهؤلاء المعاندين إني أسلمت وجهى لله وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم لله، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا تسلموا فقد تبين لكن أنى على حق، ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له الحق أن يدخل فيه وأن يترك العناد والمكابرة.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { أَأَسْلَمْتُمْ } يعنى أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإِسلام ويقتضى حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا سلكته: هل فهمتها لا أم لك. ومنه قوله - تعالى - { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفى هذا الاستفهام استقصار - أى عد المخاطب قاصرا - وتعيير بالمعاندة وقلة الإِنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف فى إذعانه للحق.<br>ثم بين - سبحانه - ما يترتب على إسلامهم من نتائج، وما يترتب على إعراضهم من شرور تعود عليهم فقال: { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ }.<br>أى: فإن أسلموا وجوههم لله وصدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقد اهتدوا إلى طريق الحق، لأن هذا الإِسلام هو الدين الذى ارتضاه الله للناس وإن أعرضوا عن هذا الطريق المستقيم، فإن إعراضهم لن يضرك - أيها الرسول الكريم - لأن الذى عليك إنما هو تبليغ الناس ما أمرك الله بتبليغه إياهم. وهو - سبحانه - بصير بخلقه لا تخفى عليه خافية من أقوالهم أو أفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه.<br>وعبر بالماضى فى قوله { فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } مبالغة فى الإِخبار بوقوع الهدى لهم وقوله { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ } قائم مقام جواب الشرط أى وإن تولوا لا يضرك توليهم شيئاً إذا ما عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل وجه وأبلغه.<br>وقوله { وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } تذييل فيه عزاء للنبى صلى الله عليه وسلم عن كفرهم، وإشارة إلى أحوالهم، وإنذار بسوء مصيرهم، لأنه - سبحانه - عليم بنفوس الناس جميعا وسيجازى كل إنسان بما يستحقه، وفيه كذلك وعد للمؤمنين بحسن العاقبة، وجزيل الثواب.<br>قال ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة فى غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله - تعالى - { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً } وقال - تعالى - { تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } وفى الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بنى آدم من عربهم وعجمهم. كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك، فعن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"والذى نفسى بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ومات ولم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أهل النار\" .<br>وقال صلى الله عليه وسلم  \"بعثت إلى الأحمر والأسود\" . وقال:  \"كان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة\"  وعن أنس - رضى الله عنه - أن غلاما يهوديا كان يضع للنبى صلى الله عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه فمرض. فأتاه النبى صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم:  \"يا فلان قل لا إله إلا الله، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه فأعاد عليه النبى صلى الله عليه وسلم القول. فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه أطع أبا القاسم. فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فخرج النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذى أخرجه بى من النار\"  رواه البخاري فى الصحيح. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.<br>وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد بينت للناس فى كل زمان ومكان أن دين الإِسلام هو الدين الحق الذى ارتضاه الله لعباده وشهد بذلك خالق هذا الكون - عز وجل - وكفى بشهادته شهادة كما شهد بذلك الملائكة المقربون والعلماء المخلصون. كما بينت أن كثيراً من الذين أوتوا الكتاب يعلمون هذه الحقيقة ولكنهم يكتمونها ظلما وبغيا، كما بينت - أيضاً - أن الذين يدخلون فى هذا الدين يكونون بدخولهم قد اهتدوا إلى الطريق القويم، وأن الذين يعرضون عنه سيعاقبون بما يستحقونه بسبب هذا الإِعراض عن الحق المبين.<br>ثم انتقل القرآن إلى سرد بعض الرذائل التى عرف بها اليهود وعرف بها أسلافهم، وبين سوء مصيرهم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ.. }.<br>"
    },
    {
        "id": "317",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "19",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "قال القرطبى: \"لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما للآخر: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبى الذى يخرج فى آخر الزمان! فلما دخلا على النبى صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا له: أنت محمد؟ قال نعم قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا: نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلانى. فقالا: أخبرنا عن الأعظم شهادة فى كتاب الله. فأنزل الله تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله تعالى: { شَهِدَ ٱللَّهُ } أى بين وأعلم كما يقول: شهد فلان عند القاضى إذا بين وأعلم لمن الحق أو على من هو قال الزجاج: \"الشاهد هو الذى يعلم الشىء ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين\".<br>والمعنى: أخبر الله - تعالى - عباده وأعلمهم بالآيات القرآنية التى أنزلها على نبيه، وبالآيات الكونية التى لا يقدر على خلقها أحد سواه، وبغير ذلك من الأدلة القاطعة التى تشهد بوحدانيته، وأنه لا معبود بحق سواه، وأنه هو المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق. وأن الجميع عبيده وفقراء إليه وهو الغنى عن كل ما عداه. وشهد بذلك \"الملائكة\" بأن اقروا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد فعبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وشهد بذلك أيضاً \"أولو العلم\" بأن اعترفوا له - سبحانه - بالوحدانية، وصدقوا بما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبلغوا ذلك لغيرهم.<br>قال الزمخشرى: شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التى لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإِخلاص وآية الكرسى وغيرهما، بشهادة الشاهد فى البيان والكشف وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه\".<br>وقالوا: وفى هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء، فإنه لو كان أحد أشرف العلماء، لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء. وقال فى شرف العلم لنبيه - صلى الله عليه وسلم - { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } فلو كان شىء أشرف من العلم لأمر الله نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم  \"إن العلماء ورثة الأنبياء\"  وقال:  \"العلماء أمناء الله على خلقه\" . وهذا شرف للعلماء عظيم ومحل لهم فى الدين خطير.<br>والمراد بأولى العلم هنا جميع العلماء الذين سخروا ما أعطاهم الله من معارف فى خدمة عقيدتهم، وفيما ينفعهم وينفع غيرهم، وأخلصوا لله فى عبادتهم، وصدقوا فى أقوالهم وأفعالهم. <br>وقدم سبحانه - الملائكة على أولى العلم، لأن فيهم من هو واسطة لتوصيل العلم إلى ذويه، لأن علمهم كله ضرورى بخلاف البشر فإن علمهم منه ما ضرورى، ومنه ما هو اكتسابى.<br>وقوله - تعالى - { قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } بيان لكماله - سبحانه - فى أفعاله إثر بيان كماله فى ذاته. والقسط: العدل. يقال قسط ويقسط قسطاً، وأقسط إقساطاً فهو مقسط إذا عدل ومنه { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } ويطلق القسط على الجور، والفاعل قاسط، ومنه {  { وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً }  }.أى: مقيما للعدل فى تدبير أمر خلقه، وفى أحكامه. وفيما يقسم بينهم من الأرزاق والآجال، وفيما يأمر به وينهى عنه، وفى كل شأن من شئونه.<br>قال الجمل و { قَآئِمَاً } منصوب على أنه حال من الضمير المنفصل الواقع بعد إلا، فتكون الحال أيضا فى حيز الشهادة، فيكون المشهود به أمرين: الوحدانية والقيام بالقسط وهذا أحسن من جعله حالا من الاسم الجليل فاعل شهد، لأن عليه يكون المشهود به الوحدانية فقط والحال ليست فى حيز الشهادة.<br>وقوله { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تكرير للمشهود به للتأكيد والتقرير، وفيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل، والاعتناء به يقتضى الاعتناء بأدلته.<br>{ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } صفتان مقررتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل. أى لا إله فى هذا الوجود يستحق العبادة بحق إلا الله { ٱلْعَزِيزُ } الذى لا يمتنع عليه شىء أراده، وينتصر من كل أحد عاقبه أو انتقم منه { ٱلْحَكِيمُ } فى تدبيره فلا يدخله خلل.<br>قال ابن جرير: \"وإنما عنى جل ثناؤه - بهذه الآية نفى ما أضافت النصارى الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عيسى من النبوة، وما نسب إليه سائر أهل الشرك: من أن له شريكا، واتخاذهم دونه أربابا، فأخبرهم الله عن نفسه، أنه الخالق كل ما سواه، وأنه رب كل ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربا دونه، وأن ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقه. فبدا - جل ثناؤه - بنفسه تعظيما لنفسه، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إليها، كما سن لعباده أن يبدأوا فى أمورهم بذكره قبل ذكر غيره مؤدباً خلقه بذلك\".<br>هذا، ومن الآثار التى وردت فى فضل هذه الآية ما رواه الإِمام أحمد عن الزبير بن العوام قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ }... إلى آخر الآية. فقال صلى الله عليه وسلم:  \"وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب\"  وقال غالب القطان: أتيت الكوفة فى تجارة لى فنزلت قريبا من الأعمش فكنت اختلف إليه، فقام فى ليلة متهجدا فمر بهذه الآية { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } فقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهى لى وديعة { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ }، - قالها مراراً - فقلت. لقد سمع فيها شيئاً فسألته فى ذلك فقال: حدثنى أبو وائل بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله - تعالى - \"عبدى عهد إلى وأنا أحق من وفى العهد ادخلوا عبدى الجنة\".<br>وقوله { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. وأصل الدين فى اللغة الجزاء والحساب. يقال دنته بما صنع أى جازيته على صنيعه، ومنه قولهم: كما تدين تدان أى، كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\"  والمراد به هنا ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه من عقائد وتكاليف وتشريعات، فيكون بمعنى الملة والشرع.<br>أى: إن الشريعة المرضية عند الله - تعالى - هى الإِسلام، والإِسلام فى اللغة هو الاستسلام والانقياد يقال: أسلم أى انقاد واستسلم. وأسلم أمره لله سلمه إليه والمراد به هنا - كما قال ابن جرير: \"شهادة أن لا إله إلا الله، والإِقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذى شرعه لنفسه وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى بالإِحسان إلا به\" وهو الدين الحنيف الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.<br>وقال ابن كثير: وقوله - تعالى - { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } إخبار منه تعالى - بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإِسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به فى كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذى سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقى الله تعالى - بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال - تعالى - { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ } الآية. وقال فى هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل عنده فى الإِسلام {  { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُِ }  }.وقوله: { عِندَ ٱللَّهِ } ظرف العامل فيه لفظ الدين لما تضمنه من معنى الفعل، أى الذى شرع عند الله الإِسلام. ويصح أن يكون صفة للدين فيكون متعلقا بمحذوف أى الكائن أو الثابت عند الله الإِسلام. وفى إضافة الدين إلى الله - تعالى - بقوله { عِندَ ٱللَّهِ } وباعتبار الإِسلام وحده، هو دين الله، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين، إشعار بفضل الإِسلام، لأن له ذلك الشرف الإِضافى إلى خالق هذا الكون ومربيه، فهو دين الله الذى شرعه لخلقه.<br>ثم بين - سبحانه - أن اختلاف أهل الكتاب فى شأن الدين الحق لم يكن عن جهل منهم بالحقائق وإنما كان سببه البغى والحسد وطلب الدنيا فقال - تعالى - { وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }.<br>أى: وما كان خلاف الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى فيما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من بعد أن علموا بأن ما جاءهم به هو الحق الذى لا باطل معه، فخلافهم لم يكن عن جهل منهم بأن ما جاءهم به هو الحق وإنما كان سبه البغى والحسد والظلم فيما بينهم.<br>وفى التعبير عنهم بأنهم { أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } زيادة تقبيح لهم؛ فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح وأفحش، إذ الكتاب ما نزل إلا لهدايتهم، وسعادتهم فإذا تركوا بشاراته وتوجيهاته واتبعوا أهواءهم كان فعلهم هذا أشد قبحا وفحشا.<br>وقوله { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ } زيادة أخرى فى تقبيح أفعالهم، فإن الاختلاف بعد مجىء العلم أزيد فى القبح والعناد.<br>والاستثناء من أعم الأحوال أو الأوقات، أى وما اختلفوا فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا الحق، والعلم بالحق وحده لا يكفى فى الإِيمان به، ولكنه يحتاج إلى جانب ذلك إلى قلب مخلص متفتح لطلبه، وكم من أناس يعرفون الحق معرفة تامة ولكنهم يحاربونه ويحاربون أهله، لأنهم يرون أن هذا الحق يتعارض مع أهوائهم وشهواتهم وصدق الله إذ يقول. { ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فهم قد اختلفوا فى الحق مع عملهم بأنه حق، لأن العلم كالمطر، لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس الصافية، والقلوب الواعية، والأفئدة المستقيمة.<br>وقوله { بَغْياً بَيْنَهُمْ } مفعول لأجله، والعامل فيه اختلف أى وما اختلفوا إلا للبغى لا لغيره قال القرطبي: \"وفى الكلام تقديم وتأخير، والمعنى، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم\".<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد فقال: { وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }. أى: ومن يكفر بآيات الله الدالة على وحدانيته - سبحانه - فإن الله محص عليه أعماله فى الدنيا وسيعاقبه بما يستحقه فى الآخرة.<br>فقوله { فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } قائم مقام جواب الشرط وعلة له، أى: ومن يكفر بآيات الله فإنه - سبحانه - محاسبه ومعاقبه والله سريع الحساب.<br>وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب، وعلى العلم الكامل والقدرة التامة فهو - سبحانه - لا يحتاج إلى فحص وبحث، لأنه لا تخفى عليه خافية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما جادلوه أو خاصموه ليحسم الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى فى طريقه الواضح المستقيم فقال - تعالى - { فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ }.<br>وقوله { حَآجُّوكَ } من المحاجة وهى أن يتبادل المتجادلان الحجة، بأن يقدم كل واحد حجته ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعم أنه الحق الذى لا شك فيه.<br>والمعنى: فإن جادلك - يا محمد - أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل المزورة والمغالطات الباطلة بعد أن قامت الحجج على صدقك. فلا تسر معهم فى لجاجتهم، ولا تلتفت إلى أكاذيبهم، بل قل لهم { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } أى أخلصت عبادتى لله وحده، وأطعته وانقدت له، وكذلك من اتبعنى وآمن بى قد أسلم وجهه له وأخلص له العبادة.<br> والمراد بالوجه هنا الذات، وعبر بالوجه عن سائر الذات لأنه أشرف أعضاء الشخص، ولأنه هو الذى تكون به المواجهة، وهو مجمع محاسن الجسم فالتعبير به عن الجسم كله تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل.<br> وَ{ مَنِ } فى قوله { وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } فى محل رفع عطفا على الضمير المتصل فى  { أَسْلَمْتُ } أى أسلمت أنا ومن اتبعنى، وجاء العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما.<br>وقوله { وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ } عطف على الجملة الشرطية، والمراد بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب.<br>والاستفهام فى قوله { أَأَسْلَمْتُمْ } للحض على أن يسلموا وجوههم لله، ويتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم كما اتبعه المسلمون.<br>والمعنى: فإن جادلوك فى الدين - يا محمد - بعد أن تبين لكل عاقل صدقك، فقل لهؤلاء المعاندين إني أسلمت وجهى لله وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم لله، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا تسلموا فقد تبين لكن أنى على حق، ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له الحق أن يدخل فيه وأن يترك العناد والمكابرة.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { أَأَسْلَمْتُمْ } يعنى أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإِسلام ويقتضى حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا سلكته: هل فهمتها لا أم لك. ومنه قوله - تعالى - { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفى هذا الاستفهام استقصار - أى عد المخاطب قاصرا - وتعيير بالمعاندة وقلة الإِنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف فى إذعانه للحق.<br>ثم بين - سبحانه - ما يترتب على إسلامهم من نتائج، وما يترتب على إعراضهم من شرور تعود عليهم فقال: { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ }.<br>أى: فإن أسلموا وجوههم لله وصدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقد اهتدوا إلى طريق الحق، لأن هذا الإِسلام هو الدين الذى ارتضاه الله للناس وإن أعرضوا عن هذا الطريق المستقيم، فإن إعراضهم لن يضرك - أيها الرسول الكريم - لأن الذى عليك إنما هو تبليغ الناس ما أمرك الله بتبليغه إياهم. وهو - سبحانه - بصير بخلقه لا تخفى عليه خافية من أقوالهم أو أفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه.<br>وعبر بالماضى فى قوله { فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } مبالغة فى الإِخبار بوقوع الهدى لهم وقوله { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ } قائم مقام جواب الشرط أى وإن تولوا لا يضرك توليهم شيئاً إذا ما عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل وجه وأبلغه.<br>وقوله { وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } تذييل فيه عزاء للنبى صلى الله عليه وسلم عن كفرهم، وإشارة إلى أحوالهم، وإنذار بسوء مصيرهم، لأنه - سبحانه - عليم بنفوس الناس جميعا وسيجازى كل إنسان بما يستحقه، وفيه كذلك وعد للمؤمنين بحسن العاقبة، وجزيل الثواب.<br>قال ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة فى غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله - تعالى - { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً } وقال - تعالى - { تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } وفى الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بنى آدم من عربهم وعجمهم. كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك، فعن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"والذى نفسى بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ومات ولم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أهل النار\" .<br>وقال صلى الله عليه وسلم  \"بعثت إلى الأحمر والأسود\" . وقال:  \"كان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة\"  وعن أنس - رضى الله عنه - أن غلاما يهوديا كان يضع للنبى صلى الله عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه فمرض. فأتاه النبى صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم:  \"يا فلان قل لا إله إلا الله، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه فأعاد عليه النبى صلى الله عليه وسلم القول. فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه أطع أبا القاسم. فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فخرج النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذى أخرجه بى من النار\"  رواه البخاري فى الصحيح. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.<br>وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد بينت للناس فى كل زمان ومكان أن دين الإِسلام هو الدين الحق الذى ارتضاه الله لعباده وشهد بذلك خالق هذا الكون - عز وجل - وكفى بشهادته شهادة كما شهد بذلك الملائكة المقربون والعلماء المخلصون. كما بينت أن كثيراً من الذين أوتوا الكتاب يعلمون هذه الحقيقة ولكنهم يكتمونها ظلما وبغيا، كما بينت - أيضاً - أن الذين يدخلون فى هذا الدين يكونون بدخولهم قد اهتدوا إلى الطريق القويم، وأن الذين يعرضون عنه سيعاقبون بما يستحقونه بسبب هذا الإِعراض عن الحق المبين.<br>ثم انتقل القرآن إلى سرد بعض الرذائل التى عرف بها اليهود وعرف بها أسلافهم، وبين سوء مصيرهم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ.. }.<br>"
    },
    {
        "id": "318",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "20",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "قال القرطبى: \"لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما للآخر: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبى الذى يخرج فى آخر الزمان! فلما دخلا على النبى صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا له: أنت محمد؟ قال نعم قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا: نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلانى. فقالا: أخبرنا عن الأعظم شهادة فى كتاب الله. فأنزل الله تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله تعالى: { شَهِدَ ٱللَّهُ } أى بين وأعلم كما يقول: شهد فلان عند القاضى إذا بين وأعلم لمن الحق أو على من هو قال الزجاج: \"الشاهد هو الذى يعلم الشىء ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين\".<br>والمعنى: أخبر الله - تعالى - عباده وأعلمهم بالآيات القرآنية التى أنزلها على نبيه، وبالآيات الكونية التى لا يقدر على خلقها أحد سواه، وبغير ذلك من الأدلة القاطعة التى تشهد بوحدانيته، وأنه لا معبود بحق سواه، وأنه هو المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق. وأن الجميع عبيده وفقراء إليه وهو الغنى عن كل ما عداه. وشهد بذلك \"الملائكة\" بأن اقروا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد فعبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وشهد بذلك أيضاً \"أولو العلم\" بأن اعترفوا له - سبحانه - بالوحدانية، وصدقوا بما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبلغوا ذلك لغيرهم.<br>قال الزمخشرى: شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التى لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإِخلاص وآية الكرسى وغيرهما، بشهادة الشاهد فى البيان والكشف وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه\".<br>وقالوا: وفى هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء، فإنه لو كان أحد أشرف العلماء، لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء. وقال فى شرف العلم لنبيه - صلى الله عليه وسلم - { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } فلو كان شىء أشرف من العلم لأمر الله نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم  \"إن العلماء ورثة الأنبياء\"  وقال:  \"العلماء أمناء الله على خلقه\" . وهذا شرف للعلماء عظيم ومحل لهم فى الدين خطير.<br>والمراد بأولى العلم هنا جميع العلماء الذين سخروا ما أعطاهم الله من معارف فى خدمة عقيدتهم، وفيما ينفعهم وينفع غيرهم، وأخلصوا لله فى عبادتهم، وصدقوا فى أقوالهم وأفعالهم. <br>وقدم سبحانه - الملائكة على أولى العلم، لأن فيهم من هو واسطة لتوصيل العلم إلى ذويه، لأن علمهم كله ضرورى بخلاف البشر فإن علمهم منه ما ضرورى، ومنه ما هو اكتسابى.<br>وقوله - تعالى - { قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } بيان لكماله - سبحانه - فى أفعاله إثر بيان كماله فى ذاته. والقسط: العدل. يقال قسط ويقسط قسطاً، وأقسط إقساطاً فهو مقسط إذا عدل ومنه { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } ويطلق القسط على الجور، والفاعل قاسط، ومنه {  { وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً }  }.أى: مقيما للعدل فى تدبير أمر خلقه، وفى أحكامه. وفيما يقسم بينهم من الأرزاق والآجال، وفيما يأمر به وينهى عنه، وفى كل شأن من شئونه.<br>قال الجمل و { قَآئِمَاً } منصوب على أنه حال من الضمير المنفصل الواقع بعد إلا، فتكون الحال أيضا فى حيز الشهادة، فيكون المشهود به أمرين: الوحدانية والقيام بالقسط وهذا أحسن من جعله حالا من الاسم الجليل فاعل شهد، لأن عليه يكون المشهود به الوحدانية فقط والحال ليست فى حيز الشهادة.<br>وقوله { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تكرير للمشهود به للتأكيد والتقرير، وفيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل، والاعتناء به يقتضى الاعتناء بأدلته.<br>{ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } صفتان مقررتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل. أى لا إله فى هذا الوجود يستحق العبادة بحق إلا الله { ٱلْعَزِيزُ } الذى لا يمتنع عليه شىء أراده، وينتصر من كل أحد عاقبه أو انتقم منه { ٱلْحَكِيمُ } فى تدبيره فلا يدخله خلل.<br>قال ابن جرير: \"وإنما عنى جل ثناؤه - بهذه الآية نفى ما أضافت النصارى الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عيسى من النبوة، وما نسب إليه سائر أهل الشرك: من أن له شريكا، واتخاذهم دونه أربابا، فأخبرهم الله عن نفسه، أنه الخالق كل ما سواه، وأنه رب كل ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربا دونه، وأن ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقه. فبدا - جل ثناؤه - بنفسه تعظيما لنفسه، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إليها، كما سن لعباده أن يبدأوا فى أمورهم بذكره قبل ذكر غيره مؤدباً خلقه بذلك\".<br>هذا، ومن الآثار التى وردت فى فضل هذه الآية ما رواه الإِمام أحمد عن الزبير بن العوام قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ }... إلى آخر الآية. فقال صلى الله عليه وسلم:  \"وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب\"  وقال غالب القطان: أتيت الكوفة فى تجارة لى فنزلت قريبا من الأعمش فكنت اختلف إليه، فقام فى ليلة متهجدا فمر بهذه الآية { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } فقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهى لى وديعة { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ }، - قالها مراراً - فقلت. لقد سمع فيها شيئاً فسألته فى ذلك فقال: حدثنى أبو وائل بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله - تعالى - \"عبدى عهد إلى وأنا أحق من وفى العهد ادخلوا عبدى الجنة\".<br>وقوله { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. وأصل الدين فى اللغة الجزاء والحساب. يقال دنته بما صنع أى جازيته على صنيعه، ومنه قولهم: كما تدين تدان أى، كما تفعل تجازى، وفى الحديث  \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\"  والمراد به هنا ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه من عقائد وتكاليف وتشريعات، فيكون بمعنى الملة والشرع.<br>أى: إن الشريعة المرضية عند الله - تعالى - هى الإِسلام، والإِسلام فى اللغة هو الاستسلام والانقياد يقال: أسلم أى انقاد واستسلم. وأسلم أمره لله سلمه إليه والمراد به هنا - كما قال ابن جرير: \"شهادة أن لا إله إلا الله، والإِقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذى شرعه لنفسه وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى بالإِحسان إلا به\" وهو الدين الحنيف الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.<br>وقال ابن كثير: وقوله - تعالى - { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } إخبار منه تعالى - بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإِسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به فى كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذى سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقى الله تعالى - بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال - تعالى - { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ } الآية. وقال فى هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل عنده فى الإِسلام {  { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُِ }  }.وقوله: { عِندَ ٱللَّهِ } ظرف العامل فيه لفظ الدين لما تضمنه من معنى الفعل، أى الذى شرع عند الله الإِسلام. ويصح أن يكون صفة للدين فيكون متعلقا بمحذوف أى الكائن أو الثابت عند الله الإِسلام. وفى إضافة الدين إلى الله - تعالى - بقوله { عِندَ ٱللَّهِ } وباعتبار الإِسلام وحده، هو دين الله، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين، إشعار بفضل الإِسلام، لأن له ذلك الشرف الإِضافى إلى خالق هذا الكون ومربيه، فهو دين الله الذى شرعه لخلقه.<br>ثم بين - سبحانه - أن اختلاف أهل الكتاب فى شأن الدين الحق لم يكن عن جهل منهم بالحقائق وإنما كان سببه البغى والحسد وطلب الدنيا فقال - تعالى - { وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }.<br>أى: وما كان خلاف الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى فيما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من بعد أن علموا بأن ما جاءهم به هو الحق الذى لا باطل معه، فخلافهم لم يكن عن جهل منهم بأن ما جاءهم به هو الحق وإنما كان سبه البغى والحسد والظلم فيما بينهم.<br>وفى التعبير عنهم بأنهم { أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } زيادة تقبيح لهم؛ فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح وأفحش، إذ الكتاب ما نزل إلا لهدايتهم، وسعادتهم فإذا تركوا بشاراته وتوجيهاته واتبعوا أهواءهم كان فعلهم هذا أشد قبحا وفحشا.<br>وقوله { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ } زيادة أخرى فى تقبيح أفعالهم، فإن الاختلاف بعد مجىء العلم أزيد فى القبح والعناد.<br>والاستثناء من أعم الأحوال أو الأوقات، أى وما اختلفوا فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا الحق، والعلم بالحق وحده لا يكفى فى الإِيمان به، ولكنه يحتاج إلى جانب ذلك إلى قلب مخلص متفتح لطلبه، وكم من أناس يعرفون الحق معرفة تامة ولكنهم يحاربونه ويحاربون أهله، لأنهم يرون أن هذا الحق يتعارض مع أهوائهم وشهواتهم وصدق الله إذ يقول. { ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فهم قد اختلفوا فى الحق مع عملهم بأنه حق، لأن العلم كالمطر، لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس الصافية، والقلوب الواعية، والأفئدة المستقيمة.<br>وقوله { بَغْياً بَيْنَهُمْ } مفعول لأجله، والعامل فيه اختلف أى وما اختلفوا إلا للبغى لا لغيره قال القرطبي: \"وفى الكلام تقديم وتأخير، والمعنى، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم\".<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد فقال: { وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }. أى: ومن يكفر بآيات الله الدالة على وحدانيته - سبحانه - فإن الله محص عليه أعماله فى الدنيا وسيعاقبه بما يستحقه فى الآخرة.<br>فقوله { فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } قائم مقام جواب الشرط وعلة له، أى: ومن يكفر بآيات الله فإنه - سبحانه - محاسبه ومعاقبه والله سريع الحساب.<br>وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب، وعلى العلم الكامل والقدرة التامة فهو - سبحانه - لا يحتاج إلى فحص وبحث، لأنه لا تخفى عليه خافية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما جادلوه أو خاصموه ليحسم الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى فى طريقه الواضح المستقيم فقال - تعالى - { فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ }.<br>وقوله { حَآجُّوكَ } من المحاجة وهى أن يتبادل المتجادلان الحجة، بأن يقدم كل واحد حجته ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعم أنه الحق الذى لا شك فيه.<br>والمعنى: فإن جادلك - يا محمد - أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل المزورة والمغالطات الباطلة بعد أن قامت الحجج على صدقك. فلا تسر معهم فى لجاجتهم، ولا تلتفت إلى أكاذيبهم، بل قل لهم { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } أى أخلصت عبادتى لله وحده، وأطعته وانقدت له، وكذلك من اتبعنى وآمن بى قد أسلم وجهه له وأخلص له العبادة.<br> والمراد بالوجه هنا الذات، وعبر بالوجه عن سائر الذات لأنه أشرف أعضاء الشخص، ولأنه هو الذى تكون به المواجهة، وهو مجمع محاسن الجسم فالتعبير به عن الجسم كله تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل.<br> وَ{ مَنِ } فى قوله { وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } فى محل رفع عطفا على الضمير المتصل فى  { أَسْلَمْتُ } أى أسلمت أنا ومن اتبعنى، وجاء العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما.<br>وقوله { وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ } عطف على الجملة الشرطية، والمراد بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب.<br>والاستفهام فى قوله { أَأَسْلَمْتُمْ } للحض على أن يسلموا وجوههم لله، ويتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم كما اتبعه المسلمون.<br>والمعنى: فإن جادلوك فى الدين - يا محمد - بعد أن تبين لكل عاقل صدقك، فقل لهؤلاء المعاندين إني أسلمت وجهى لله وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم لله، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا تسلموا فقد تبين لكن أنى على حق، ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له الحق أن يدخل فيه وأن يترك العناد والمكابرة.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { أَأَسْلَمْتُمْ } يعنى أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإِسلام ويقتضى حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا سلكته: هل فهمتها لا أم لك. ومنه قوله - تعالى - { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفى هذا الاستفهام استقصار - أى عد المخاطب قاصرا - وتعيير بالمعاندة وقلة الإِنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف فى إذعانه للحق.<br>ثم بين - سبحانه - ما يترتب على إسلامهم من نتائج، وما يترتب على إعراضهم من شرور تعود عليهم فقال: { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ }.<br>أى: فإن أسلموا وجوههم لله وصدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقد اهتدوا إلى طريق الحق، لأن هذا الإِسلام هو الدين الذى ارتضاه الله للناس وإن أعرضوا عن هذا الطريق المستقيم، فإن إعراضهم لن يضرك - أيها الرسول الكريم - لأن الذى عليك إنما هو تبليغ الناس ما أمرك الله بتبليغه إياهم. وهو - سبحانه - بصير بخلقه لا تخفى عليه خافية من أقوالهم أو أفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه.<br>وعبر بالماضى فى قوله { فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } مبالغة فى الإِخبار بوقوع الهدى لهم وقوله { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ } قائم مقام جواب الشرط أى وإن تولوا لا يضرك توليهم شيئاً إذا ما عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل وجه وأبلغه.<br>وقوله { وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } تذييل فيه عزاء للنبى صلى الله عليه وسلم عن كفرهم، وإشارة إلى أحوالهم، وإنذار بسوء مصيرهم، لأنه - سبحانه - عليم بنفوس الناس جميعا وسيجازى كل إنسان بما يستحقه، وفيه كذلك وعد للمؤمنين بحسن العاقبة، وجزيل الثواب.<br>قال ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة فى غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله - تعالى - { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً } وقال - تعالى - { تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } وفى الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بنى آدم من عربهم وعجمهم. كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك، فعن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"والذى نفسى بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ومات ولم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أهل النار\" .<br>وقال صلى الله عليه وسلم  \"بعثت إلى الأحمر والأسود\" . وقال:  \"كان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة\"  وعن أنس - رضى الله عنه - أن غلاما يهوديا كان يضع للنبى صلى الله عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه فمرض. فأتاه النبى صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم:  \"يا فلان قل لا إله إلا الله، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه فأعاد عليه النبى صلى الله عليه وسلم القول. فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه أطع أبا القاسم. فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فخرج النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذى أخرجه بى من النار\"  رواه البخاري فى الصحيح. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.<br>وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد بينت للناس فى كل زمان ومكان أن دين الإِسلام هو الدين الحق الذى ارتضاه الله لعباده وشهد بذلك خالق هذا الكون - عز وجل - وكفى بشهادته شهادة كما شهد بذلك الملائكة المقربون والعلماء المخلصون. كما بينت أن كثيراً من الذين أوتوا الكتاب يعلمون هذه الحقيقة ولكنهم يكتمونها ظلما وبغيا، كما بينت - أيضاً - أن الذين يدخلون فى هذا الدين يكونون بدخولهم قد اهتدوا إلى الطريق القويم، وأن الذين يعرضون عنه سيعاقبون بما يستحقونه بسبب هذا الإِعراض عن الحق المبين.<br>ثم انتقل القرآن إلى سرد بعض الرذائل التى عرف بها اليهود وعرف بها أسلافهم، وبين سوء مصيرهم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ.. }.<br>"
    },
    {
        "id": "420",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "121",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.<br>وقوله - تعالى -: { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما يسمو.<br>و { مِنْ } فى قوله: { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير: من بيت أهلك.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص.<br>والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره، واذكر.<br>والمعنى: واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم.<br>قال الجمل: \"ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب\".<br>فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم \"أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب\"؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.<br>وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل \"غدوت\".<br>والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين:<br>أولهما: قوله: { ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وثانيهما: قوله: { مَقَاعِدَ } وقوله: { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله: { تُبَوِّىءُ }.<br>والمراد بقوله: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإِشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم.<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات.<br>فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.<br>فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>الهم: هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزماً وتصميما.<br>وتفشلا: من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.<br>أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما.<br>وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد.<br>روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا }.<br>أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.<br>ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\".<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.<br>أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ }.<br>وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -.<br>وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال.<br>وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.<br>أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }.<br>قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ }، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ }... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } إلى قوله: { مُسَوِّمِينَ } قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين.<br>وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.<br>فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ.. } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى -: { مُرْدِفِينَ } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.<br>وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.<br>والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..<br>وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.<br>أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.<br>قال الآلوسى: \"والهمزة فى قوله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإِنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإِنكار. وقوله: { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ }. و { مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة\" وقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.<br>وقوله: { بَلَىۤ } إيجاب لما بعد \"لن\" أى، بل يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.<br>{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.<br>وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة -رحمه الله  -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه\".<br>هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.<br>أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟.<br>والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.<br>وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال -رحمه الله  -:<br>\"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم.<br>وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى -: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم\".<br>والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.<br>وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.<br>قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.<br>ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى\".<br>وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: \"أقدم حيزوم\" فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.<br>ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم\".<br>وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال: \"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين\".<br>ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.<br>ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -.<br>ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر.<br>ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.<br>ولقد سئل الإِمام السبكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.<br>فأجاب: بأن ذلك لإِرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده.<br>ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ }.<br>أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جَعَلَهُ } يعود إلى الإِمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله \"أن يمدكم\" فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.<br>وقوله { بُشْرَىٰ } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.<br>وقوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } معطوف على { بُشْرَىٰ } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.<br>وإنما جر المصدر المؤول من قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بُشْرَىٰ } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو { وَلِتَطْمَئِنَّ } لاختلال شرط من شروطه.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }.<br>أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.<br>فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.<br>ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطاً.<br>والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله.<br>ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى -: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.<br>وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.<br>والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل.<br>والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.<br>والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.<br>وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.<br>والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان:<br>وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.<br>قال الآلوسى: \"ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقيل للإِشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين\".<br>و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.<br>وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإِشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإِسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.<br>أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين.<br>وقوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.<br>وقوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وظلالهم.<br>وقوله { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.<br>وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:<br>ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم.<br>وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم..<br>وقيل إن { أَوْ } بمعنى \"إلا أن\" كقولك: لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.<br>فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقاً منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقاً عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار.<br>و \"أو\" التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم.<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }\" .<br>ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله - تعالى -: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ }\" .<br>ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.<br>أى لله جميع ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا.<br>وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "421",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "122",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.<br>وقوله - تعالى -: { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما يسمو.<br>و { مِنْ } فى قوله: { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير: من بيت أهلك.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص.<br>والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره، واذكر.<br>والمعنى: واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم.<br>قال الجمل: \"ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب\".<br>فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم \"أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب\"؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.<br>وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل \"غدوت\".<br>والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين:<br>أولهما: قوله: { ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وثانيهما: قوله: { مَقَاعِدَ } وقوله: { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله: { تُبَوِّىءُ }.<br>والمراد بقوله: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإِشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم.<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات.<br>فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.<br>فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>الهم: هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزماً وتصميما.<br>وتفشلا: من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.<br>أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما.<br>وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد.<br>روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا }.<br>أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.<br>ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\".<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.<br>أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ }.<br>وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -.<br>وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال.<br>وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.<br>أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }.<br>قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ }، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ }... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } إلى قوله: { مُسَوِّمِينَ } قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين.<br>وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.<br>فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ.. } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى -: { مُرْدِفِينَ } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.<br>وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.<br>والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..<br>وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.<br>أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.<br>قال الآلوسى: \"والهمزة فى قوله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإِنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإِنكار. وقوله: { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ }. و { مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة\" وقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.<br>وقوله: { بَلَىۤ } إيجاب لما بعد \"لن\" أى، بل يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.<br>{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.<br>وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة -رحمه الله  -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه\".<br>هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.<br>أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟.<br>والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.<br>وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال -رحمه الله  -:<br>\"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم.<br>وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى -: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم\".<br>والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.<br>وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.<br>قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.<br>ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى\".<br>وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: \"أقدم حيزوم\" فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.<br>ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم\".<br>وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال: \"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين\".<br>ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.<br>ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -.<br>ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر.<br>ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.<br>ولقد سئل الإِمام السبكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.<br>فأجاب: بأن ذلك لإِرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده.<br>ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ }.<br>أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جَعَلَهُ } يعود إلى الإِمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله \"أن يمدكم\" فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.<br>وقوله { بُشْرَىٰ } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.<br>وقوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } معطوف على { بُشْرَىٰ } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.<br>وإنما جر المصدر المؤول من قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بُشْرَىٰ } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو { وَلِتَطْمَئِنَّ } لاختلال شرط من شروطه.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }.<br>أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.<br>فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.<br>ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطاً.<br>والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله.<br>ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى -: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.<br>وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.<br>والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل.<br>والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.<br>والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.<br>وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.<br>والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان:<br>وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.<br>قال الآلوسى: \"ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقيل للإِشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين\".<br>و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.<br>وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإِشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإِسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.<br>أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين.<br>وقوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.<br>وقوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وظلالهم.<br>وقوله { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.<br>وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:<br>ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم.<br>وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم..<br>وقيل إن { أَوْ } بمعنى \"إلا أن\" كقولك: لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.<br>فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقاً منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقاً عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار.<br>و \"أو\" التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم.<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }\" .<br>ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله - تعالى -: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ }\" .<br>ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.<br>أى لله جميع ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا.<br>وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "422",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "123",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.<br>وقوله - تعالى -: { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما يسمو.<br>و { مِنْ } فى قوله: { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير: من بيت أهلك.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص.<br>والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره، واذكر.<br>والمعنى: واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم.<br>قال الجمل: \"ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب\".<br>فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم \"أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب\"؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.<br>وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل \"غدوت\".<br>والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين:<br>أولهما: قوله: { ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وثانيهما: قوله: { مَقَاعِدَ } وقوله: { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله: { تُبَوِّىءُ }.<br>والمراد بقوله: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإِشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم.<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات.<br>فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.<br>فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>الهم: هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزماً وتصميما.<br>وتفشلا: من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.<br>أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما.<br>وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد.<br>روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا }.<br>أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.<br>ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\".<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.<br>أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ }.<br>وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -.<br>وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال.<br>وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.<br>أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }.<br>قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ }، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ }... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } إلى قوله: { مُسَوِّمِينَ } قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين.<br>وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.<br>فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ.. } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى -: { مُرْدِفِينَ } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.<br>وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.<br>والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..<br>وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.<br>أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.<br>قال الآلوسى: \"والهمزة فى قوله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإِنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإِنكار. وقوله: { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ }. و { مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة\" وقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.<br>وقوله: { بَلَىۤ } إيجاب لما بعد \"لن\" أى، بل يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.<br>{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.<br>وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة -رحمه الله  -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه\".<br>هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.<br>أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟.<br>والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.<br>وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال -رحمه الله  -:<br>\"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم.<br>وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى -: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم\".<br>والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.<br>وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.<br>قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.<br>ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى\".<br>وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: \"أقدم حيزوم\" فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.<br>ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم\".<br>وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال: \"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين\".<br>ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.<br>ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -.<br>ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر.<br>ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.<br>ولقد سئل الإِمام السبكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.<br>فأجاب: بأن ذلك لإِرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده.<br>ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ }.<br>أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جَعَلَهُ } يعود إلى الإِمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله \"أن يمدكم\" فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.<br>وقوله { بُشْرَىٰ } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.<br>وقوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } معطوف على { بُشْرَىٰ } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.<br>وإنما جر المصدر المؤول من قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بُشْرَىٰ } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو { وَلِتَطْمَئِنَّ } لاختلال شرط من شروطه.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }.<br>أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.<br>فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.<br>ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطاً.<br>والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله.<br>ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى -: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.<br>وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.<br>والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل.<br>والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.<br>والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.<br>وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.<br>والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان:<br>وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.<br>قال الآلوسى: \"ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقيل للإِشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين\".<br>و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.<br>وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإِشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإِسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.<br>أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين.<br>وقوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.<br>وقوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وظلالهم.<br>وقوله { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.<br>وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:<br>ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم.<br>وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم..<br>وقيل إن { أَوْ } بمعنى \"إلا أن\" كقولك: لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.<br>فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقاً منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقاً عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار.<br>و \"أو\" التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم.<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }\" .<br>ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله - تعالى -: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ }\" .<br>ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.<br>أى لله جميع ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا.<br>وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "423",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "124",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.<br>وقوله - تعالى -: { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما يسمو.<br>و { مِنْ } فى قوله: { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير: من بيت أهلك.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص.<br>والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره، واذكر.<br>والمعنى: واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم.<br>قال الجمل: \"ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب\".<br>فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم \"أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب\"؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.<br>وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل \"غدوت\".<br>والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين:<br>أولهما: قوله: { ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وثانيهما: قوله: { مَقَاعِدَ } وقوله: { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله: { تُبَوِّىءُ }.<br>والمراد بقوله: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإِشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم.<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات.<br>فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.<br>فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>الهم: هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزماً وتصميما.<br>وتفشلا: من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.<br>أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما.<br>وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد.<br>روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا }.<br>أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.<br>ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\".<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.<br>أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ }.<br>وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -.<br>وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال.<br>وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.<br>أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }.<br>قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ }، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ }... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } إلى قوله: { مُسَوِّمِينَ } قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين.<br>وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.<br>فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ.. } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى -: { مُرْدِفِينَ } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.<br>وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.<br>والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..<br>وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.<br>أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.<br>قال الآلوسى: \"والهمزة فى قوله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإِنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإِنكار. وقوله: { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ }. و { مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة\" وقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.<br>وقوله: { بَلَىۤ } إيجاب لما بعد \"لن\" أى، بل يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.<br>{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.<br>وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة -رحمه الله  -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه\".<br>هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.<br>أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟.<br>والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.<br>وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال -رحمه الله  -:<br>\"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم.<br>وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى -: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم\".<br>والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.<br>وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.<br>قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.<br>ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى\".<br>وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: \"أقدم حيزوم\" فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.<br>ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم\".<br>وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال: \"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين\".<br>ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.<br>ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -.<br>ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر.<br>ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.<br>ولقد سئل الإِمام السبكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.<br>فأجاب: بأن ذلك لإِرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده.<br>ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ }.<br>أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جَعَلَهُ } يعود إلى الإِمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله \"أن يمدكم\" فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.<br>وقوله { بُشْرَىٰ } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.<br>وقوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } معطوف على { بُشْرَىٰ } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.<br>وإنما جر المصدر المؤول من قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بُشْرَىٰ } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو { وَلِتَطْمَئِنَّ } لاختلال شرط من شروطه.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }.<br>أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.<br>فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.<br>ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطاً.<br>والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله.<br>ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى -: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.<br>وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.<br>والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل.<br>والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.<br>والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.<br>وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.<br>والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان:<br>وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.<br>قال الآلوسى: \"ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقيل للإِشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين\".<br>و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.<br>وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإِشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإِسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.<br>أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين.<br>وقوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.<br>وقوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وظلالهم.<br>وقوله { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.<br>وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:<br>ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم.<br>وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم..<br>وقيل إن { أَوْ } بمعنى \"إلا أن\" كقولك: لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.<br>فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقاً منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقاً عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار.<br>و \"أو\" التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم.<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }\" .<br>ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله - تعالى -: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ }\" .<br>ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.<br>أى لله جميع ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا.<br>وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "424",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "125",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.<br>وقوله - تعالى -: { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما يسمو.<br>و { مِنْ } فى قوله: { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير: من بيت أهلك.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص.<br>والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره، واذكر.<br>والمعنى: واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم.<br>قال الجمل: \"ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب\".<br>فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم \"أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب\"؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.<br>وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل \"غدوت\".<br>والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين:<br>أولهما: قوله: { ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وثانيهما: قوله: { مَقَاعِدَ } وقوله: { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله: { تُبَوِّىءُ }.<br>والمراد بقوله: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإِشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم.<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات.<br>فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.<br>فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>الهم: هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزماً وتصميما.<br>وتفشلا: من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.<br>أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما.<br>وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد.<br>روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا }.<br>أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.<br>ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\".<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.<br>أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ }.<br>وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -.<br>وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال.<br>وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.<br>أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }.<br>قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ }، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ }... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } إلى قوله: { مُسَوِّمِينَ } قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين.<br>وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.<br>فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ.. } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى -: { مُرْدِفِينَ } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.<br>وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.<br>والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..<br>وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.<br>أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.<br>قال الآلوسى: \"والهمزة فى قوله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإِنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإِنكار. وقوله: { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ }. و { مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة\" وقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.<br>وقوله: { بَلَىۤ } إيجاب لما بعد \"لن\" أى، بل يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.<br>{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.<br>وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة -رحمه الله  -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه\".<br>هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.<br>أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟.<br>والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.<br>وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال -رحمه الله  -:<br>\"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم.<br>وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى -: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم\".<br>والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.<br>وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.<br>قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.<br>ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى\".<br>وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: \"أقدم حيزوم\" فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.<br>ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم\".<br>وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال: \"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين\".<br>ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.<br>ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -.<br>ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر.<br>ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.<br>ولقد سئل الإِمام السبكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.<br>فأجاب: بأن ذلك لإِرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده.<br>ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ }.<br>أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جَعَلَهُ } يعود إلى الإِمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله \"أن يمدكم\" فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.<br>وقوله { بُشْرَىٰ } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.<br>وقوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } معطوف على { بُشْرَىٰ } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.<br>وإنما جر المصدر المؤول من قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بُشْرَىٰ } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو { وَلِتَطْمَئِنَّ } لاختلال شرط من شروطه.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }.<br>أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.<br>فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.<br>ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطاً.<br>والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله.<br>ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى -: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.<br>وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.<br>والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل.<br>والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.<br>والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.<br>وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.<br>والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان:<br>وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.<br>قال الآلوسى: \"ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقيل للإِشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين\".<br>و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.<br>وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإِشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإِسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.<br>أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين.<br>وقوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.<br>وقوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وظلالهم.<br>وقوله { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.<br>وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:<br>ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم.<br>وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم..<br>وقيل إن { أَوْ } بمعنى \"إلا أن\" كقولك: لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.<br>فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقاً منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقاً عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار.<br>و \"أو\" التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم.<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }\" .<br>ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله - تعالى -: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ }\" .<br>ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.<br>أى لله جميع ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا.<br>وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "425",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "126",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.<br>وقوله - تعالى -: { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما يسمو.<br>و { مِنْ } فى قوله: { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير: من بيت أهلك.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص.<br>والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره، واذكر.<br>والمعنى: واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم.<br>قال الجمل: \"ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب\".<br>فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم \"أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب\"؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.<br>وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل \"غدوت\".<br>والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين:<br>أولهما: قوله: { ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وثانيهما: قوله: { مَقَاعِدَ } وقوله: { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله: { تُبَوِّىءُ }.<br>والمراد بقوله: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإِشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم.<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات.<br>فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.<br>فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>الهم: هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزماً وتصميما.<br>وتفشلا: من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.<br>أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما.<br>وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد.<br>روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا }.<br>أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.<br>ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\".<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.<br>أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ }.<br>وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -.<br>وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال.<br>وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.<br>أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }.<br>قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ }، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ }... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } إلى قوله: { مُسَوِّمِينَ } قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين.<br>وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.<br>فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ.. } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى -: { مُرْدِفِينَ } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.<br>وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.<br>والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..<br>وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.<br>أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.<br>قال الآلوسى: \"والهمزة فى قوله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإِنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإِنكار. وقوله: { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ }. و { مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة\" وقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.<br>وقوله: { بَلَىۤ } إيجاب لما بعد \"لن\" أى، بل يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.<br>{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.<br>وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة -رحمه الله  -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه\".<br>هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.<br>أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟.<br>والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.<br>وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال -رحمه الله  -:<br>\"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم.<br>وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى -: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم\".<br>والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.<br>وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.<br>قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.<br>ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى\".<br>وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: \"أقدم حيزوم\" فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.<br>ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم\".<br>وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال: \"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين\".<br>ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.<br>ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -.<br>ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر.<br>ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.<br>ولقد سئل الإِمام السبكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.<br>فأجاب: بأن ذلك لإِرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده.<br>ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ }.<br>أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جَعَلَهُ } يعود إلى الإِمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله \"أن يمدكم\" فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.<br>وقوله { بُشْرَىٰ } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.<br>وقوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } معطوف على { بُشْرَىٰ } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.<br>وإنما جر المصدر المؤول من قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بُشْرَىٰ } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو { وَلِتَطْمَئِنَّ } لاختلال شرط من شروطه.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }.<br>أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.<br>فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.<br>ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطاً.<br>والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله.<br>ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى -: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.<br>وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.<br>والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل.<br>والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.<br>والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.<br>وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.<br>والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان:<br>وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.<br>قال الآلوسى: \"ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقيل للإِشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين\".<br>و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.<br>وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإِشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإِسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.<br>أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين.<br>وقوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.<br>وقوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وظلالهم.<br>وقوله { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.<br>وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:<br>ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم.<br>وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم..<br>وقيل إن { أَوْ } بمعنى \"إلا أن\" كقولك: لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.<br>فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقاً منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقاً عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار.<br>و \"أو\" التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم.<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }\" .<br>ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله - تعالى -: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ }\" .<br>ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.<br>أى لله جميع ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا.<br>وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "426",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "127",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.<br>وقوله - تعالى -: { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما يسمو.<br>و { مِنْ } فى قوله: { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير: من بيت أهلك.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص.<br>والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره، واذكر.<br>والمعنى: واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم.<br>قال الجمل: \"ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب\".<br>فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم \"أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب\"؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.<br>وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل \"غدوت\".<br>والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين:<br>أولهما: قوله: { ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وثانيهما: قوله: { مَقَاعِدَ } وقوله: { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله: { تُبَوِّىءُ }.<br>والمراد بقوله: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإِشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم.<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات.<br>فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.<br>فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>الهم: هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزماً وتصميما.<br>وتفشلا: من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.<br>أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما.<br>وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد.<br>روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا }.<br>أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.<br>ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\".<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.<br>أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ }.<br>وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -.<br>وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال.<br>وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.<br>أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }.<br>قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ }، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ }... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } إلى قوله: { مُسَوِّمِينَ } قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين.<br>وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.<br>فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ.. } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى -: { مُرْدِفِينَ } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.<br>وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.<br>والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..<br>وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.<br>أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.<br>قال الآلوسى: \"والهمزة فى قوله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإِنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإِنكار. وقوله: { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ }. و { مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة\" وقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.<br>وقوله: { بَلَىۤ } إيجاب لما بعد \"لن\" أى، بل يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.<br>{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.<br>وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة -رحمه الله  -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه\".<br>هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.<br>أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟.<br>والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.<br>وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال -رحمه الله  -:<br>\"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم.<br>وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى -: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم\".<br>والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.<br>وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.<br>قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.<br>ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى\".<br>وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: \"أقدم حيزوم\" فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.<br>ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم\".<br>وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال: \"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين\".<br>ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.<br>ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -.<br>ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر.<br>ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.<br>ولقد سئل الإِمام السبكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.<br>فأجاب: بأن ذلك لإِرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده.<br>ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ }.<br>أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جَعَلَهُ } يعود إلى الإِمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله \"أن يمدكم\" فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.<br>وقوله { بُشْرَىٰ } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.<br>وقوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } معطوف على { بُشْرَىٰ } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.<br>وإنما جر المصدر المؤول من قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بُشْرَىٰ } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو { وَلِتَطْمَئِنَّ } لاختلال شرط من شروطه.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }.<br>أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.<br>فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.<br>ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطاً.<br>والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله.<br>ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى -: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.<br>وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.<br>والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل.<br>والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.<br>والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.<br>وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.<br>والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان:<br>وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.<br>قال الآلوسى: \"ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقيل للإِشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين\".<br>و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.<br>وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإِشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإِسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.<br>أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين.<br>وقوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.<br>وقوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وظلالهم.<br>وقوله { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.<br>وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:<br>ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم.<br>وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم..<br>وقيل إن { أَوْ } بمعنى \"إلا أن\" كقولك: لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.<br>فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقاً منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقاً عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار.<br>و \"أو\" التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم.<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }\" .<br>ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله - تعالى -: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ }\" .<br>ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.<br>أى لله جميع ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا.<br>وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "427",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "128",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.<br>وقوله - تعالى -: { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما يسمو.<br>و { مِنْ } فى قوله: { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير: من بيت أهلك.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص.<br>والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره، واذكر.<br>والمعنى: واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم.<br>قال الجمل: \"ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب\".<br>فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم \"أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب\"؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.<br>وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل \"غدوت\".<br>والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين:<br>أولهما: قوله: { ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وثانيهما: قوله: { مَقَاعِدَ } وقوله: { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله: { تُبَوِّىءُ }.<br>والمراد بقوله: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإِشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم.<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات.<br>فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.<br>فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>الهم: هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزماً وتصميما.<br>وتفشلا: من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.<br>أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما.<br>وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد.<br>روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا }.<br>أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.<br>ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\".<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.<br>أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ }.<br>وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -.<br>وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال.<br>وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.<br>أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }.<br>قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ }، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ }... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } إلى قوله: { مُسَوِّمِينَ } قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين.<br>وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.<br>فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ.. } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى -: { مُرْدِفِينَ } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.<br>وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.<br>والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..<br>وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.<br>أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.<br>قال الآلوسى: \"والهمزة فى قوله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإِنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإِنكار. وقوله: { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ }. و { مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة\" وقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.<br>وقوله: { بَلَىۤ } إيجاب لما بعد \"لن\" أى، بل يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.<br>{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.<br>وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة -رحمه الله  -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه\".<br>هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.<br>أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟.<br>والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.<br>وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال -رحمه الله  -:<br>\"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم.<br>وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى -: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم\".<br>والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.<br>وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.<br>قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.<br>ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى\".<br>وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: \"أقدم حيزوم\" فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.<br>ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم\".<br>وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال: \"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين\".<br>ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.<br>ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -.<br>ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر.<br>ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.<br>ولقد سئل الإِمام السبكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.<br>فأجاب: بأن ذلك لإِرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده.<br>ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ }.<br>أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جَعَلَهُ } يعود إلى الإِمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله \"أن يمدكم\" فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.<br>وقوله { بُشْرَىٰ } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.<br>وقوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } معطوف على { بُشْرَىٰ } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.<br>وإنما جر المصدر المؤول من قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بُشْرَىٰ } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو { وَلِتَطْمَئِنَّ } لاختلال شرط من شروطه.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }.<br>أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.<br>فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.<br>ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطاً.<br>والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله.<br>ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى -: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.<br>وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.<br>والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل.<br>والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.<br>والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.<br>وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.<br>والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان:<br>وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.<br>قال الآلوسى: \"ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقيل للإِشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين\".<br>و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.<br>وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإِشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإِسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.<br>أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين.<br>وقوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.<br>وقوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وظلالهم.<br>وقوله { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.<br>وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:<br>ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم.<br>وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم..<br>وقيل إن { أَوْ } بمعنى \"إلا أن\" كقولك: لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.<br>فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقاً منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقاً عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار.<br>و \"أو\" التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم.<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }\" .<br>ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله - تعالى -: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ }\" .<br>ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.<br>أى لله جميع ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا.<br>وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "428",
        "sura_number": "3",
        "ayah_number": "129",
        "aya": "",
        "sura": "آل عمران",
        "mediator": "ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.<br>وقوله - تعالى -: { غَدَوْتَ } من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما يسمو.<br>و { مِنْ } فى قوله: { مِنْ أَهْلِكَ } للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل { غَدَوْتَ } والتقدير: من بيت أهلك.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ } أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحداً كأنهم بنيان مرصوص.<br>والعامل فى { وَإِذْ } فعل مضمر تقديره، واذكر.<br>والمعنى: واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكراً من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد.<br>وقوله: { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، بحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم.<br>قال الجمل: \"ويستعمل الفعل { غَدَوْتَ } بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر... وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوىء المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب\".<br>فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى صلى الله عليه وسلم \"أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب\"؟؟ إلا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه.<br>وجملة { تُبَوِّىءُ } حال من فاعل \"غدوت\".<br>والفعل { تُبَوِّىءُ } يحتاج لمفعولين:<br>أولهما: قوله: { ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وثانيهما: قوله: { مَقَاعِدَ } وقوله: { لِلْقِتَالِ } متعلق بقوله: { تُبَوِّىءُ }.<br>والمراد بقوله: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمة إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإِشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم صلى الله عليه وسلم.<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات.<br>فهو - سبحانه - { سَمِيعٌ } لما نطقت به ألسنتهم { عَلِيمٌ } بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب.<br>فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر - سبحانه - ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>الهم: هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزماً وتصميما.<br>وتفشلا: من الفشل والجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب.<br>أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أى ناصرهما ويتولى أمرهما.<br>وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد.<br>روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله - تعالى - { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا }.<br>أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.<br>ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية\".<br>وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.<br>والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.<br>أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ }.<br>وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -.<br>وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال.<br>وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.<br>أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى صلى الله عليه وسلم من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }.<br>قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما: أن قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ }، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ }... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } إلى قوله: { مُسَوِّمِينَ } قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين.<br>وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.<br>فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ.. } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى -: { مُرْدِفِينَ } بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.<br>وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.<br>والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد. ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..<br>وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } متعلقا بقوله: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ } أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ } أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.<br>أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى -: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.<br>قال الآلوسى: \"والهمزة فى قوله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } لإِنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإِنكار. وقوله: { أَن يُمِدَّكُمْ } فى تأويل المصدر فاعل { يَكْفِيكُمْ }. و { مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و { مُنزَلِينَ } صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة\" وقوله - تعالى -: { بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييداً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.<br>وقوله: { بَلَىۤ } إيجاب لما بعد \"لن\" أى، بل يكفيكم الإِمداد بثلاثة آلاف. ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم { إِن تَصْبِرُواْ } على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه { وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.<br>{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.<br>وقرىء { مُسَوِّمِينَ } - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله { مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة -رحمه الله  -: الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه\".<br>هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.<br>أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟.<br>والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.<br>وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى -: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بخمسة الآلاف أيضاً. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال -رحمه الله  -:<br>\"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم.<br>وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذى ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى -: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم\".<br>والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.<br>وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.<br>قال القرطبى: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.<br>ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى\".<br>وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: \"أقدم حيزوم\" فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة.<br>ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - { فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم\".<br>وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال: \"إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين\".<br>ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.<br>ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى صلى الله عليه وسلم وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى -.<br>ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر.<br>ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى صلى الله عليه وسلم صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.<br>ولقد سئل الإِمام السبكى: ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.<br>فأجاب: بأن ذلك لإِرادة أن يكون الفضل للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده.<br>ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ }.<br>أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى { جَعَلَهُ } يعود إلى الإِمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله \"أن يمدكم\" فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.<br>وقوله { بُشْرَىٰ } مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.<br>وقوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } معطوف على { بُشْرَىٰ } باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.<br>وإنما جر المصدر المؤول من قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو { بُشْرَىٰ } لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو { وَلِتَطْمَئِنَّ } لاختلال شرط من شروطه.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }.<br>أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.<br>فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.<br>ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطاً.<br>والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله.<br>ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى -: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.<br>وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.<br>والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل.<br>والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين.<br>والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.<br>وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.<br>والمعنى: ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان:<br>وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.<br>قال الآلوسى: \"ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } وقيل للإِشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين\".<br>و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.<br>وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإِشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإِسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم.<br>أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين.<br>وقوله { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.<br>وقوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وظلالهم.<br>وقوله { أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.<br>وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:<br>ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم.<br>وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم..<br>وقيل إن { أَوْ } بمعنى \"إلا أن\" كقولك: لألزمنك أو تقضينى حقى، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.<br>فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقاً منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقاً عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار.<br>و \"أو\" التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم.<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس  \"أن النبى صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }\" .<br>ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله - تعالى -: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ }\" .<br>ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.<br>أى لله جميع ما فى السماوات وما فى الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، { رَّحِيمٌ } أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا.<br>وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: { يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "562",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "60",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.<br>فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت\".<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.<br>وقوله { يَزْعُمُونَ } من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -:  { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى بكذبهم.<br>وقد يطلق الزعم على القول الحق.<br>قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى \"الكتاب\" من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.<br>والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.<br>والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.<br>فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.<br>وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.<br>وقوله: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.<br>والمراد بالطاغوت هنا: ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به: كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.<br>وقوله { وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } جملة حالية من ضمير يريدون.<br>أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله { وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } معطوف على قوله { يُرِيدُونَ } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.<br>والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.<br>ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.<br>قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.<br>كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول: بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.<br>ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.<br>أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.<br>وقوله { تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.<br>وقال - سبحانك - { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.<br>وقوله { صُدُوداً } مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.<br>فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.<br>ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }.<br>والفاء فى قوله { فَكَيْفَ } للتفريع. و \"كيف\" فى محل رفع  خبر لمبتدأ محذوف.<br>والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان { ثُمَّ جَآءُوكَ } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } كذبا وزورا { إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.<br>والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.<br>والباء فى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.<br>والتعبير بـ \"ثم\" فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.<br>وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.<br>أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.<br>وقوله { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }... الخ بيان لطرق معالجتهم.<br>أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.<br>وقوله { وَعِظْهُمْ }: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.<br>أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.<br>وقوله { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.<br>وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.<br>وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } قلت: بقوله { بَلِيغاً } أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.<br>أو يتعلق بقوله { وَقُل لَّهُمْ }. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.<br>فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون عليه.<br>وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى: <br>{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّسُولٍ } زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله { لِيُطَاعَ } للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.<br>أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.<br>لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى -: {  { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }  }.وقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.<br>ويجوز أن يراد بقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.<br>وقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.<br>أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جَآءُوكَ } تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }.<br>أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رَّحِيماً } أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.<br>قال الفخر الرازى: لقائل ان يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟<br>قلنا: الجواب عنه من وجوه:<br>الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.<br>وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.<br>الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.<br>الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.<br>ثم قال: وإنما قال - سبحانه - { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.<br>فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.<br>ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>وقد جاء عن الإِمام العتبى  أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول:يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم<br>نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال  \"يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.<br>والفاء فى قوله { فَلاَ } للإِفصاح عن شرط مقدر.<br>و { لاَ } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: {  { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }  }.ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال:<br>\"يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم\".<br>وقوله { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.<br>يقال: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه.<br>وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.<br>وقوله { حَرَجاً } أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.<br>والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك \"لا يؤمنون\" إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - { حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بعد ذلك { حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.<br>وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - { وَرَبِّكَ } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.<br>وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } هو جواب القسم.<br>وقوله { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.<br>وقوله { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" .<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى  \"عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.<br>فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"  - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.<br>قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.<br>وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.<br>ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.<br>والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:<br>أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.<br>وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ }.<br>وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. أى يخضوا خضوعا تاما.<br>فقوله - تعالى - { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.<br>وقوله - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.<br>وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }.<br>والمراد بقوله { كَتَبْنَا }: فرضنا وأوجبنا.<br>والمراد (بقتل النفس) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.<br>والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.<br>قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان:<br>الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.<br>الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.<br>وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.<br>وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين\".<br>وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.<br>والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.<br>والضمير فى قوله { مَّا فَعَلُوهُ } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله { كَتَبْنَا } عليه.<br>وقوله \"قليل\" مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله { فَعَلُوهُ } والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.<br>قال ابن كثير: لما نزلت { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ }.. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  \"إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى\" .<br>وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم\"  - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.<br> \"وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل\" .<br>وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.<br>أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى...<br>لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خَيْراً لَّهُمْ } فى دنياهم وآخرتهم. ولكان { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.<br>ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: { وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.<br>أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله \"وإذا\" جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لآتَيْنَاهُمْ } لأن إذا جواب وجزاء.<br>وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.<br>ومنها: أن قوله { مِّن لَّدُنَّـآ } يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى -  { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }  }.ومنها: أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. {  { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }  }.هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.<br>وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:<br>الأول: أنه - تعالى - قال { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.<br>الثانى: قوله تعالى -: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.. إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>الثالث: قوله - تعالى - {  { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.<br>وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.<br>وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن\"<br> ؟وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن\".<br>وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.<br>فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.<br>وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:  \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.<br>وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه...<br>فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.<br>وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.<br>ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال: { وَمَن يُطِعِ...عَلِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "563",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "61",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.<br>فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت\".<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.<br>وقوله { يَزْعُمُونَ } من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -:  { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى بكذبهم.<br>وقد يطلق الزعم على القول الحق.<br>قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى \"الكتاب\" من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.<br>والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.<br>والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.<br>فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.<br>وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.<br>وقوله: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.<br>والمراد بالطاغوت هنا: ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به: كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.<br>وقوله { وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } جملة حالية من ضمير يريدون.<br>أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله { وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } معطوف على قوله { يُرِيدُونَ } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.<br>والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.<br>ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.<br>قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.<br>كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول: بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.<br>ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.<br>أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.<br>وقوله { تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.<br>وقال - سبحانك - { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.<br>وقوله { صُدُوداً } مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.<br>فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.<br>ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }.<br>والفاء فى قوله { فَكَيْفَ } للتفريع. و \"كيف\" فى محل رفع  خبر لمبتدأ محذوف.<br>والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان { ثُمَّ جَآءُوكَ } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } كذبا وزورا { إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.<br>والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.<br>والباء فى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.<br>والتعبير بـ \"ثم\" فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.<br>وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.<br>أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.<br>وقوله { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }... الخ بيان لطرق معالجتهم.<br>أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.<br>وقوله { وَعِظْهُمْ }: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.<br>أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.<br>وقوله { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.<br>وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.<br>وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } قلت: بقوله { بَلِيغاً } أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.<br>أو يتعلق بقوله { وَقُل لَّهُمْ }. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.<br>فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون عليه.<br>وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى: <br>{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّسُولٍ } زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله { لِيُطَاعَ } للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.<br>أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.<br>لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى -: {  { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }  }.وقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.<br>ويجوز أن يراد بقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.<br>وقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.<br>أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جَآءُوكَ } تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }.<br>أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رَّحِيماً } أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.<br>قال الفخر الرازى: لقائل ان يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟<br>قلنا: الجواب عنه من وجوه:<br>الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.<br>وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.<br>الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.<br>الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.<br>ثم قال: وإنما قال - سبحانه - { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.<br>فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.<br>ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>وقد جاء عن الإِمام العتبى  أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول:يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم<br>نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال  \"يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.<br>والفاء فى قوله { فَلاَ } للإِفصاح عن شرط مقدر.<br>و { لاَ } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: {  { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }  }.ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال:<br>\"يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم\".<br>وقوله { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.<br>يقال: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه.<br>وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.<br>وقوله { حَرَجاً } أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.<br>والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك \"لا يؤمنون\" إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - { حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بعد ذلك { حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.<br>وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - { وَرَبِّكَ } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.<br>وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } هو جواب القسم.<br>وقوله { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.<br>وقوله { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" .<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى  \"عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.<br>فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"  - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.<br>قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.<br>وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.<br>ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.<br>والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:<br>أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.<br>وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ }.<br>وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. أى يخضوا خضوعا تاما.<br>فقوله - تعالى - { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.<br>وقوله - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.<br>وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }.<br>والمراد بقوله { كَتَبْنَا }: فرضنا وأوجبنا.<br>والمراد (بقتل النفس) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.<br>والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.<br>قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان:<br>الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.<br>الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.<br>وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.<br>وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين\".<br>وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.<br>والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.<br>والضمير فى قوله { مَّا فَعَلُوهُ } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله { كَتَبْنَا } عليه.<br>وقوله \"قليل\" مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله { فَعَلُوهُ } والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.<br>قال ابن كثير: لما نزلت { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ }.. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  \"إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى\" .<br>وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم\"  - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.<br> \"وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل\" .<br>وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.<br>أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى...<br>لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خَيْراً لَّهُمْ } فى دنياهم وآخرتهم. ولكان { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.<br>ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: { وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.<br>أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله \"وإذا\" جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لآتَيْنَاهُمْ } لأن إذا جواب وجزاء.<br>وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.<br>ومنها: أن قوله { مِّن لَّدُنَّـآ } يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى -  { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }  }.ومنها: أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. {  { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }  }.هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.<br>وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:<br>الأول: أنه - تعالى - قال { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.<br>الثانى: قوله تعالى -: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.. إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>الثالث: قوله - تعالى - {  { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.<br>وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.<br>وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن\"<br> ؟وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن\".<br>وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.<br>فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.<br>وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:  \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.<br>وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه...<br>فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.<br>وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.<br>ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال: { وَمَن يُطِعِ...عَلِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "564",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "62",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.<br>فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت\".<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.<br>وقوله { يَزْعُمُونَ } من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -:  { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى بكذبهم.<br>وقد يطلق الزعم على القول الحق.<br>قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى \"الكتاب\" من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.<br>والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.<br>والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.<br>فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.<br>وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.<br>وقوله: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.<br>والمراد بالطاغوت هنا: ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به: كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.<br>وقوله { وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } جملة حالية من ضمير يريدون.<br>أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله { وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } معطوف على قوله { يُرِيدُونَ } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.<br>والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.<br>ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.<br>قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.<br>كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول: بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.<br>ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.<br>أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.<br>وقوله { تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.<br>وقال - سبحانك - { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.<br>وقوله { صُدُوداً } مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.<br>فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.<br>ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }.<br>والفاء فى قوله { فَكَيْفَ } للتفريع. و \"كيف\" فى محل رفع  خبر لمبتدأ محذوف.<br>والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان { ثُمَّ جَآءُوكَ } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } كذبا وزورا { إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.<br>والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.<br>والباء فى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.<br>والتعبير بـ \"ثم\" فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.<br>وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.<br>أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.<br>وقوله { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }... الخ بيان لطرق معالجتهم.<br>أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.<br>وقوله { وَعِظْهُمْ }: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.<br>أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.<br>وقوله { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.<br>وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.<br>وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } قلت: بقوله { بَلِيغاً } أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.<br>أو يتعلق بقوله { وَقُل لَّهُمْ }. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.<br>فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون عليه.<br>وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى: <br>{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّسُولٍ } زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله { لِيُطَاعَ } للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.<br>أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.<br>لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى -: {  { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }  }.وقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.<br>ويجوز أن يراد بقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.<br>وقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.<br>أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جَآءُوكَ } تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }.<br>أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رَّحِيماً } أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.<br>قال الفخر الرازى: لقائل ان يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟<br>قلنا: الجواب عنه من وجوه:<br>الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.<br>وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.<br>الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.<br>الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.<br>ثم قال: وإنما قال - سبحانه - { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.<br>فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.<br>ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>وقد جاء عن الإِمام العتبى  أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول:يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم<br>نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال  \"يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.<br>والفاء فى قوله { فَلاَ } للإِفصاح عن شرط مقدر.<br>و { لاَ } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: {  { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }  }.ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال:<br>\"يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم\".<br>وقوله { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.<br>يقال: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه.<br>وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.<br>وقوله { حَرَجاً } أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.<br>والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك \"لا يؤمنون\" إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - { حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بعد ذلك { حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.<br>وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - { وَرَبِّكَ } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.<br>وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } هو جواب القسم.<br>وقوله { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.<br>وقوله { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" .<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى  \"عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.<br>فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"  - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.<br>قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.<br>وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.<br>ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.<br>والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:<br>أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.<br>وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ }.<br>وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. أى يخضوا خضوعا تاما.<br>فقوله - تعالى - { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.<br>وقوله - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.<br>وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }.<br>والمراد بقوله { كَتَبْنَا }: فرضنا وأوجبنا.<br>والمراد (بقتل النفس) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.<br>والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.<br>قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان:<br>الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.<br>الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.<br>وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.<br>وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين\".<br>وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.<br>والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.<br>والضمير فى قوله { مَّا فَعَلُوهُ } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله { كَتَبْنَا } عليه.<br>وقوله \"قليل\" مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله { فَعَلُوهُ } والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.<br>قال ابن كثير: لما نزلت { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ }.. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  \"إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى\" .<br>وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم\"  - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.<br> \"وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل\" .<br>وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.<br>أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى...<br>لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خَيْراً لَّهُمْ } فى دنياهم وآخرتهم. ولكان { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.<br>ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: { وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.<br>أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله \"وإذا\" جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لآتَيْنَاهُمْ } لأن إذا جواب وجزاء.<br>وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.<br>ومنها: أن قوله { مِّن لَّدُنَّـآ } يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى -  { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }  }.ومنها: أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. {  { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }  }.هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.<br>وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:<br>الأول: أنه - تعالى - قال { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.<br>الثانى: قوله تعالى -: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.. إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>الثالث: قوله - تعالى - {  { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.<br>وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.<br>وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن\"<br> ؟وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن\".<br>وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.<br>فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.<br>وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:  \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.<br>وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه...<br>فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.<br>وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.<br>ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال: { وَمَن يُطِعِ...عَلِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "565",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "63",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.<br>فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت\".<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.<br>وقوله { يَزْعُمُونَ } من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -:  { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى بكذبهم.<br>وقد يطلق الزعم على القول الحق.<br>قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى \"الكتاب\" من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.<br>والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.<br>والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.<br>فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.<br>وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.<br>وقوله: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.<br>والمراد بالطاغوت هنا: ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به: كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.<br>وقوله { وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } جملة حالية من ضمير يريدون.<br>أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله { وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } معطوف على قوله { يُرِيدُونَ } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.<br>والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.<br>ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.<br>قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.<br>كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول: بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.<br>ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.<br>أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.<br>وقوله { تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.<br>وقال - سبحانك - { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.<br>وقوله { صُدُوداً } مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.<br>فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.<br>ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }.<br>والفاء فى قوله { فَكَيْفَ } للتفريع. و \"كيف\" فى محل رفع  خبر لمبتدأ محذوف.<br>والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان { ثُمَّ جَآءُوكَ } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } كذبا وزورا { إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.<br>والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.<br>والباء فى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.<br>والتعبير بـ \"ثم\" فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.<br>وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.<br>أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.<br>وقوله { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }... الخ بيان لطرق معالجتهم.<br>أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.<br>وقوله { وَعِظْهُمْ }: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.<br>أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.<br>وقوله { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.<br>وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.<br>وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } قلت: بقوله { بَلِيغاً } أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.<br>أو يتعلق بقوله { وَقُل لَّهُمْ }. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.<br>فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون عليه.<br>وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى: <br>{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّسُولٍ } زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله { لِيُطَاعَ } للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.<br>أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.<br>لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى -: {  { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }  }.وقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.<br>ويجوز أن يراد بقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.<br>وقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.<br>أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جَآءُوكَ } تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }.<br>أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رَّحِيماً } أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.<br>قال الفخر الرازى: لقائل ان يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟<br>قلنا: الجواب عنه من وجوه:<br>الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.<br>وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.<br>الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.<br>الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.<br>ثم قال: وإنما قال - سبحانه - { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.<br>فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.<br>ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>وقد جاء عن الإِمام العتبى  أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول:يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم<br>نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال  \"يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.<br>والفاء فى قوله { فَلاَ } للإِفصاح عن شرط مقدر.<br>و { لاَ } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: {  { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }  }.ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال:<br>\"يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم\".<br>وقوله { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.<br>يقال: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه.<br>وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.<br>وقوله { حَرَجاً } أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.<br>والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك \"لا يؤمنون\" إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - { حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بعد ذلك { حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.<br>وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - { وَرَبِّكَ } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.<br>وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } هو جواب القسم.<br>وقوله { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.<br>وقوله { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" .<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى  \"عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.<br>فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"  - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.<br>قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.<br>وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.<br>ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.<br>والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:<br>أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.<br>وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ }.<br>وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. أى يخضوا خضوعا تاما.<br>فقوله - تعالى - { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.<br>وقوله - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.<br>وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }.<br>والمراد بقوله { كَتَبْنَا }: فرضنا وأوجبنا.<br>والمراد (بقتل النفس) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.<br>والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.<br>قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان:<br>الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.<br>الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.<br>وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.<br>وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين\".<br>وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.<br>والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.<br>والضمير فى قوله { مَّا فَعَلُوهُ } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله { كَتَبْنَا } عليه.<br>وقوله \"قليل\" مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله { فَعَلُوهُ } والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.<br>قال ابن كثير: لما نزلت { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ }.. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  \"إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى\" .<br>وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم\"  - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.<br> \"وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل\" .<br>وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.<br>أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى...<br>لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خَيْراً لَّهُمْ } فى دنياهم وآخرتهم. ولكان { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.<br>ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: { وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.<br>أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله \"وإذا\" جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لآتَيْنَاهُمْ } لأن إذا جواب وجزاء.<br>وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.<br>ومنها: أن قوله { مِّن لَّدُنَّـآ } يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى -  { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }  }.ومنها: أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. {  { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }  }.هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.<br>وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:<br>الأول: أنه - تعالى - قال { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.<br>الثانى: قوله تعالى -: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.. إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>الثالث: قوله - تعالى - {  { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.<br>وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.<br>وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن\"<br> ؟وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن\".<br>وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.<br>فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.<br>وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:  \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.<br>وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه...<br>فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.<br>وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.<br>ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال: { وَمَن يُطِعِ...عَلِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "566",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "64",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.<br>فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت\".<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.<br>وقوله { يَزْعُمُونَ } من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -:  { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى بكذبهم.<br>وقد يطلق الزعم على القول الحق.<br>قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى \"الكتاب\" من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.<br>والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.<br>والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.<br>فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.<br>وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.<br>وقوله: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.<br>والمراد بالطاغوت هنا: ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به: كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.<br>وقوله { وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } جملة حالية من ضمير يريدون.<br>أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله { وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } معطوف على قوله { يُرِيدُونَ } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.<br>والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.<br>ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.<br>قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.<br>كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول: بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.<br>ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.<br>أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.<br>وقوله { تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.<br>وقال - سبحانك - { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.<br>وقوله { صُدُوداً } مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.<br>فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.<br>ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }.<br>والفاء فى قوله { فَكَيْفَ } للتفريع. و \"كيف\" فى محل رفع  خبر لمبتدأ محذوف.<br>والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان { ثُمَّ جَآءُوكَ } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } كذبا وزورا { إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.<br>والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.<br>والباء فى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.<br>والتعبير بـ \"ثم\" فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.<br>وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.<br>أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.<br>وقوله { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }... الخ بيان لطرق معالجتهم.<br>أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.<br>وقوله { وَعِظْهُمْ }: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.<br>أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.<br>وقوله { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.<br>وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.<br>وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } قلت: بقوله { بَلِيغاً } أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.<br>أو يتعلق بقوله { وَقُل لَّهُمْ }. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.<br>فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون عليه.<br>وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى: <br>{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّسُولٍ } زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله { لِيُطَاعَ } للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.<br>أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.<br>لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى -: {  { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }  }.وقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.<br>ويجوز أن يراد بقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.<br>وقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.<br>أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جَآءُوكَ } تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }.<br>أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رَّحِيماً } أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.<br>قال الفخر الرازى: لقائل ان يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟<br>قلنا: الجواب عنه من وجوه:<br>الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.<br>وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.<br>الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.<br>الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.<br>ثم قال: وإنما قال - سبحانه - { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.<br>فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.<br>ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>وقد جاء عن الإِمام العتبى  أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول:يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم<br>نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال  \"يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.<br>والفاء فى قوله { فَلاَ } للإِفصاح عن شرط مقدر.<br>و { لاَ } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: {  { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }  }.ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال:<br>\"يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم\".<br>وقوله { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.<br>يقال: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه.<br>وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.<br>وقوله { حَرَجاً } أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.<br>والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك \"لا يؤمنون\" إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - { حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بعد ذلك { حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.<br>وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - { وَرَبِّكَ } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.<br>وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } هو جواب القسم.<br>وقوله { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.<br>وقوله { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" .<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى  \"عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.<br>فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"  - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.<br>قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.<br>وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.<br>ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.<br>والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:<br>أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.<br>وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ }.<br>وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. أى يخضوا خضوعا تاما.<br>فقوله - تعالى - { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.<br>وقوله - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.<br>وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }.<br>والمراد بقوله { كَتَبْنَا }: فرضنا وأوجبنا.<br>والمراد (بقتل النفس) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.<br>والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.<br>قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان:<br>الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.<br>الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.<br>وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.<br>وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين\".<br>وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.<br>والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.<br>والضمير فى قوله { مَّا فَعَلُوهُ } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله { كَتَبْنَا } عليه.<br>وقوله \"قليل\" مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله { فَعَلُوهُ } والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.<br>قال ابن كثير: لما نزلت { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ }.. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  \"إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى\" .<br>وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم\"  - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.<br> \"وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل\" .<br>وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.<br>أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى...<br>لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خَيْراً لَّهُمْ } فى دنياهم وآخرتهم. ولكان { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.<br>ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: { وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.<br>أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله \"وإذا\" جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لآتَيْنَاهُمْ } لأن إذا جواب وجزاء.<br>وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.<br>ومنها: أن قوله { مِّن لَّدُنَّـآ } يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى -  { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }  }.ومنها: أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. {  { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }  }.هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.<br>وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:<br>الأول: أنه - تعالى - قال { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.<br>الثانى: قوله تعالى -: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.. إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>الثالث: قوله - تعالى - {  { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.<br>وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.<br>وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن\"<br> ؟وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن\".<br>وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.<br>فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.<br>وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:  \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.<br>وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه...<br>فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.<br>وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.<br>ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال: { وَمَن يُطِعِ...عَلِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "567",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "65",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.<br>فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت\".<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.<br>وقوله { يَزْعُمُونَ } من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -:  { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى بكذبهم.<br>وقد يطلق الزعم على القول الحق.<br>قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى \"الكتاب\" من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.<br>والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.<br>والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.<br>فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.<br>وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.<br>وقوله: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.<br>والمراد بالطاغوت هنا: ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به: كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.<br>وقوله { وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } جملة حالية من ضمير يريدون.<br>أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله { وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } معطوف على قوله { يُرِيدُونَ } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.<br>والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.<br>ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.<br>قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.<br>كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول: بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.<br>ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.<br>أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.<br>وقوله { تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.<br>وقال - سبحانك - { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.<br>وقوله { صُدُوداً } مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.<br>فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.<br>ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }.<br>والفاء فى قوله { فَكَيْفَ } للتفريع. و \"كيف\" فى محل رفع  خبر لمبتدأ محذوف.<br>والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان { ثُمَّ جَآءُوكَ } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } كذبا وزورا { إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.<br>والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.<br>والباء فى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.<br>والتعبير بـ \"ثم\" فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.<br>وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.<br>أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.<br>وقوله { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }... الخ بيان لطرق معالجتهم.<br>أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.<br>وقوله { وَعِظْهُمْ }: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.<br>أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.<br>وقوله { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.<br>وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.<br>وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } قلت: بقوله { بَلِيغاً } أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.<br>أو يتعلق بقوله { وَقُل لَّهُمْ }. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.<br>فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون عليه.<br>وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى: <br>{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّسُولٍ } زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله { لِيُطَاعَ } للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.<br>أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.<br>لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى -: {  { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }  }.وقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.<br>ويجوز أن يراد بقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.<br>وقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.<br>أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جَآءُوكَ } تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }.<br>أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رَّحِيماً } أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.<br>قال الفخر الرازى: لقائل ان يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟<br>قلنا: الجواب عنه من وجوه:<br>الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.<br>وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.<br>الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.<br>الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.<br>ثم قال: وإنما قال - سبحانه - { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.<br>فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.<br>ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>وقد جاء عن الإِمام العتبى  أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول:يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم<br>نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال  \"يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.<br>والفاء فى قوله { فَلاَ } للإِفصاح عن شرط مقدر.<br>و { لاَ } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: {  { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }  }.ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال:<br>\"يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم\".<br>وقوله { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.<br>يقال: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه.<br>وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.<br>وقوله { حَرَجاً } أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.<br>والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك \"لا يؤمنون\" إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - { حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بعد ذلك { حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.<br>وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - { وَرَبِّكَ } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.<br>وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } هو جواب القسم.<br>وقوله { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.<br>وقوله { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" .<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى  \"عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.<br>فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"  - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.<br>قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.<br>وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.<br>ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.<br>والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:<br>أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.<br>وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ }.<br>وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. أى يخضوا خضوعا تاما.<br>فقوله - تعالى - { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.<br>وقوله - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.<br>وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }.<br>والمراد بقوله { كَتَبْنَا }: فرضنا وأوجبنا.<br>والمراد (بقتل النفس) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.<br>والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.<br>قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان:<br>الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.<br>الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.<br>وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.<br>وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين\".<br>وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.<br>والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.<br>والضمير فى قوله { مَّا فَعَلُوهُ } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله { كَتَبْنَا } عليه.<br>وقوله \"قليل\" مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله { فَعَلُوهُ } والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.<br>قال ابن كثير: لما نزلت { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ }.. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  \"إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى\" .<br>وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم\"  - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.<br> \"وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل\" .<br>وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.<br>أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى...<br>لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خَيْراً لَّهُمْ } فى دنياهم وآخرتهم. ولكان { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.<br>ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: { وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.<br>أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله \"وإذا\" جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لآتَيْنَاهُمْ } لأن إذا جواب وجزاء.<br>وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.<br>ومنها: أن قوله { مِّن لَّدُنَّـآ } يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى -  { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }  }.ومنها: أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. {  { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }  }.هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.<br>وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:<br>الأول: أنه - تعالى - قال { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.<br>الثانى: قوله تعالى -: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.. إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>الثالث: قوله - تعالى - {  { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.<br>وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.<br>وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن\"<br> ؟وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن\".<br>وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.<br>فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.<br>وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:  \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.<br>وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه...<br>فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.<br>وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.<br>ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال: { وَمَن يُطِعِ...عَلِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "568",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "66",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.<br>فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت\".<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.<br>وقوله { يَزْعُمُونَ } من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -:  { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى بكذبهم.<br>وقد يطلق الزعم على القول الحق.<br>قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى \"الكتاب\" من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.<br>والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.<br>والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.<br>فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.<br>وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.<br>وقوله: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.<br>والمراد بالطاغوت هنا: ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به: كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.<br>وقوله { وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } جملة حالية من ضمير يريدون.<br>أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله { وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } معطوف على قوله { يُرِيدُونَ } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.<br>والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.<br>ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.<br>قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.<br>كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول: بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.<br>ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.<br>أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.<br>وقوله { تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.<br>وقال - سبحانك - { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.<br>وقوله { صُدُوداً } مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.<br>فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.<br>ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }.<br>والفاء فى قوله { فَكَيْفَ } للتفريع. و \"كيف\" فى محل رفع  خبر لمبتدأ محذوف.<br>والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان { ثُمَّ جَآءُوكَ } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } كذبا وزورا { إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.<br>والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.<br>والباء فى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.<br>والتعبير بـ \"ثم\" فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.<br>وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.<br>أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.<br>وقوله { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }... الخ بيان لطرق معالجتهم.<br>أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.<br>وقوله { وَعِظْهُمْ }: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.<br>أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.<br>وقوله { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.<br>وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.<br>وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } قلت: بقوله { بَلِيغاً } أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.<br>أو يتعلق بقوله { وَقُل لَّهُمْ }. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.<br>فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون عليه.<br>وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى: <br>{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّسُولٍ } زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله { لِيُطَاعَ } للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.<br>أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.<br>لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى -: {  { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }  }.وقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.<br>ويجوز أن يراد بقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.<br>وقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.<br>أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جَآءُوكَ } تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }.<br>أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رَّحِيماً } أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.<br>قال الفخر الرازى: لقائل ان يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟<br>قلنا: الجواب عنه من وجوه:<br>الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.<br>وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.<br>الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.<br>الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.<br>ثم قال: وإنما قال - سبحانه - { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.<br>فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.<br>ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>وقد جاء عن الإِمام العتبى  أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول:يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم<br>نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال  \"يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.<br>والفاء فى قوله { فَلاَ } للإِفصاح عن شرط مقدر.<br>و { لاَ } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: {  { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }  }.ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال:<br>\"يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم\".<br>وقوله { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.<br>يقال: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه.<br>وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.<br>وقوله { حَرَجاً } أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.<br>والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك \"لا يؤمنون\" إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - { حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بعد ذلك { حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.<br>وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - { وَرَبِّكَ } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.<br>وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } هو جواب القسم.<br>وقوله { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.<br>وقوله { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" .<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى  \"عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.<br>فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"  - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.<br>قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.<br>وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.<br>ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.<br>والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:<br>أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.<br>وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ }.<br>وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. أى يخضوا خضوعا تاما.<br>فقوله - تعالى - { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.<br>وقوله - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.<br>وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }.<br>والمراد بقوله { كَتَبْنَا }: فرضنا وأوجبنا.<br>والمراد (بقتل النفس) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.<br>والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.<br>قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان:<br>الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.<br>الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.<br>وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.<br>وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين\".<br>وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.<br>والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.<br>والضمير فى قوله { مَّا فَعَلُوهُ } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله { كَتَبْنَا } عليه.<br>وقوله \"قليل\" مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله { فَعَلُوهُ } والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.<br>قال ابن كثير: لما نزلت { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ }.. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  \"إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى\" .<br>وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم\"  - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.<br> \"وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل\" .<br>وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.<br>أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى...<br>لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خَيْراً لَّهُمْ } فى دنياهم وآخرتهم. ولكان { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.<br>ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: { وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.<br>أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله \"وإذا\" جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لآتَيْنَاهُمْ } لأن إذا جواب وجزاء.<br>وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.<br>ومنها: أن قوله { مِّن لَّدُنَّـآ } يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى -  { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }  }.ومنها: أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. {  { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }  }.هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.<br>وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:<br>الأول: أنه - تعالى - قال { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.<br>الثانى: قوله تعالى -: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.. إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>الثالث: قوله - تعالى - {  { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.<br>وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.<br>وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن\"<br> ؟وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن\".<br>وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.<br>فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.<br>وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:  \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.<br>وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه...<br>فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.<br>وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.<br>ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال: { وَمَن يُطِعِ...عَلِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "569",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "67",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.<br>فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت\".<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.<br>وقوله { يَزْعُمُونَ } من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -:  { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى بكذبهم.<br>وقد يطلق الزعم على القول الحق.<br>قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى \"الكتاب\" من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.<br>والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.<br>والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.<br>فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.<br>وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.<br>وقوله: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.<br>والمراد بالطاغوت هنا: ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به: كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.<br>وقوله { وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } جملة حالية من ضمير يريدون.<br>أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله { وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } معطوف على قوله { يُرِيدُونَ } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.<br>والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.<br>ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.<br>قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.<br>كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول: بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.<br>ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.<br>أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.<br>وقوله { تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.<br>وقال - سبحانك - { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.<br>وقوله { صُدُوداً } مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.<br>فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.<br>ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }.<br>والفاء فى قوله { فَكَيْفَ } للتفريع. و \"كيف\" فى محل رفع  خبر لمبتدأ محذوف.<br>والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان { ثُمَّ جَآءُوكَ } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } كذبا وزورا { إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.<br>والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.<br>والباء فى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.<br>والتعبير بـ \"ثم\" فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.<br>وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.<br>أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.<br>وقوله { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }... الخ بيان لطرق معالجتهم.<br>أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.<br>وقوله { وَعِظْهُمْ }: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.<br>أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.<br>وقوله { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.<br>وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.<br>وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } قلت: بقوله { بَلِيغاً } أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.<br>أو يتعلق بقوله { وَقُل لَّهُمْ }. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.<br>فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون عليه.<br>وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى: <br>{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّسُولٍ } زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله { لِيُطَاعَ } للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.<br>أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.<br>لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى -: {  { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }  }.وقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.<br>ويجوز أن يراد بقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.<br>وقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.<br>أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جَآءُوكَ } تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }.<br>أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رَّحِيماً } أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.<br>قال الفخر الرازى: لقائل ان يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟<br>قلنا: الجواب عنه من وجوه:<br>الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.<br>وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.<br>الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.<br>الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.<br>ثم قال: وإنما قال - سبحانه - { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.<br>فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.<br>ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>وقد جاء عن الإِمام العتبى  أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول:يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم<br>نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال  \"يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.<br>والفاء فى قوله { فَلاَ } للإِفصاح عن شرط مقدر.<br>و { لاَ } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: {  { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }  }.ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال:<br>\"يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم\".<br>وقوله { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.<br>يقال: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه.<br>وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.<br>وقوله { حَرَجاً } أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.<br>والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك \"لا يؤمنون\" إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - { حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بعد ذلك { حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.<br>وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - { وَرَبِّكَ } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.<br>وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } هو جواب القسم.<br>وقوله { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.<br>وقوله { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" .<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى  \"عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.<br>فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"  - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.<br>قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.<br>وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.<br>ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.<br>والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:<br>أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.<br>وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ }.<br>وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. أى يخضوا خضوعا تاما.<br>فقوله - تعالى - { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.<br>وقوله - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.<br>وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }.<br>والمراد بقوله { كَتَبْنَا }: فرضنا وأوجبنا.<br>والمراد (بقتل النفس) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.<br>والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.<br>قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان:<br>الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.<br>الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.<br>وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.<br>وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين\".<br>وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.<br>والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.<br>والضمير فى قوله { مَّا فَعَلُوهُ } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله { كَتَبْنَا } عليه.<br>وقوله \"قليل\" مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله { فَعَلُوهُ } والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.<br>قال ابن كثير: لما نزلت { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ }.. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  \"إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى\" .<br>وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم\"  - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.<br> \"وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل\" .<br>وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.<br>أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى...<br>لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خَيْراً لَّهُمْ } فى دنياهم وآخرتهم. ولكان { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.<br>ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: { وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.<br>أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله \"وإذا\" جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لآتَيْنَاهُمْ } لأن إذا جواب وجزاء.<br>وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.<br>ومنها: أن قوله { مِّن لَّدُنَّـآ } يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى -  { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }  }.ومنها: أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. {  { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }  }.هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.<br>وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:<br>الأول: أنه - تعالى - قال { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.<br>الثانى: قوله تعالى -: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.. إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>الثالث: قوله - تعالى - {  { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.<br>وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.<br>وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن\"<br> ؟وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن\".<br>وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.<br>فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.<br>وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:  \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.<br>وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه...<br>فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.<br>وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.<br>ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال: { وَمَن يُطِعِ...عَلِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "570",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "68",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ }... إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.<br>فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت\".<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ } للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ما هم عليه من خلق. ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.<br>وقوله { يَزْعُمُونَ } من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -:  { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أى بكذبهم.<br>وقد يطلق الزعم على القول الحق.<br>قال الآلوسى: وقد أكثر سيبويه فى \"الكتاب\" من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها.<br>والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.<br>والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.<br>فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.<br>وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.<br>وقوله: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ } بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة، وصفاتهم السيئة.<br>والمراد بالطاغوت هنا: ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به: كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.<br>وقوله { وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } جملة حالية من ضمير يريدون.<br>أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله { وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } معطوف على قوله { يُرِيدُونَ } وداخل فى حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد.<br>والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.<br>ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.<br>قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله.<br>كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل اليهودى يقول: بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا.<br>ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.<br>أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، رأيتم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } أى يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.<br>وقوله { تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.<br>وقال - سبحانك - { رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ } ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم اى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.<br>وقوله { صُدُوداً } مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئاً، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.<br>فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أى صدود.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.<br>ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً }.<br>والفاء فى قوله { فَكَيْفَ } للتفريع. و \"كيف\" فى محل رفع  خبر لمبتدأ محذوف.<br>والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان { ثُمَّ جَآءُوكَ } معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } كذبا وزورا { إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } أى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.<br>والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.<br>والباء فى { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإِنسان.<br>والتعبير بـ \"ثم\" فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق.<br>وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه القرآن الكريم - ليشبه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها لا بقصد الإِحسان إلى المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين. ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله، ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى -: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.<br>أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت... { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.<br>وقوله { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }... الخ بيان لطرق معالجتهم.<br>أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم.<br>وقوله { وَعِظْهُمْ }: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب، ويشتمل على الترغيب والترهيب.<br>أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.<br>وقوله { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.<br>وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.<br>وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: { فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } قلت: بقوله { بَلِيغاً } أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجد منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.<br>أو يتعلق بقوله { وَقُل لَّهُمْ }. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.<br>فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون عليه.<br>وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.<br>ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى: <br>{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّسُولٍ } زائدة للتأكيد والتعيمم، واللام فى قوله { لِيُطَاعَ } للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.<br>أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.<br>لأن طاعة الرسول طاعة الله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى -: {  { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }  }.وقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله.<br>ويجوز أن يراد بقوله { بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.<br>وقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }.. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ.<br>أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره { جَآءُوكَ } تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } مما اجترحوه من ذنوب وسيئات { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }.<br>أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو انهم فعلوا ذلك { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً } أى كثير القبول للتوبة من التائبين { رَّحِيماً } أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة.<br>قال الفخر الرازى: لقائل ان يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟<br>قلنا: الجواب عنه من وجوه:<br>الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.<br>وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.<br>الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.<br>الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.<br>ثم قال: وإنما قال - سبحانه - { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }. ولم يقل واستغفرت لهم: إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم. وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة.<br>فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما.<br>ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية. يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.<br>وقد جاء عن الإِمام العتبى  أنه قال: كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله!! سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. الآية: وقد جئتك مستغفرا لذنبى، مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول:يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم<br>نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال  \"يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإِيمان لا يكون إيمانه صادقا إلا إذا تقبل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذعان واقتناع فقال: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.<br>والفاء فى قوله { فَلاَ } للإِفصاح عن شرط مقدر.<br>و { لاَ } يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم، فهى كقوله - تعالى -: {  { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }  }.ويرى ابن جرير أنها ليست زائدة، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإِسلام فقد قال:<br>\"يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم\".<br>وقوله { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.<br>يقال: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه. واصله التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذ دخل بعضه فى بضع واختلط. ومنه الشجر: لتداخل أغصانه.<br>وقيل للمنازعة تشاجر، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض دعاويهم، ويختلط بعضهم ببعض.<br>وقوله { حَرَجاً } أى ضيقا وشكا، وأصل الحرج مجتمع الشئ، ويقال للشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج. ثم أطلق على ضيق الصدر لكراهته لشئ معين.<br>والمعنى: إذا ثبت ما أخبرناك به يا محمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق ربك \"لا يؤمنون\" إيمانا حقا يقبله الله - تعالى - { حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أى: حتى يجعلوك حاكما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور، والتبس عليهم منها. { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بعد ذلك { حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } أى: ويخضعوا لحكمك خضوعا تام إلا إباء مع ولا ارتياب.<br>وفى إضافة الاسم الجليل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله - سبحانك - { وَرَبِّكَ } تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.<br>وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ } هو جواب القسم.<br>وقوله { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام. اى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بينهم ثم لا يجدوا.<br>وقوله { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" .<br>هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما رواه البخارى عن الزهرى  \"عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة - أى فى مسيل مياه -.<br>فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصارى: يا رسول الله!! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"  - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار -. ثم أرسل الماء إلى جارك.<br>قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت فى ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.<br>وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى الشريعة التى أتى بها بعد وفاته، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.<br>ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون سواها.<br>والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:<br>أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.<br>وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإِسلامية التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ }.<br>وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه. قال - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. أى يخضوا خضوعا تاما.<br>فقوله - تعالى - { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ } يمثل الانقياد الباطنى والنفسى.<br>وقوله - تعالى - { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } يمثل الانقياد الظاهرى والحسى.<br>وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإِذعان لأحكام الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }.<br>والمراد بقوله { كَتَبْنَا }: فرضنا وأوجبنا.<br>والمراد (بقتل النفس) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.<br>والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله.<br>قال الفخر الرازى: الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } فيه قولان:<br>الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص. وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال.<br>الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.<br>وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق. وأما الضمير فى قوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا.<br>وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين\".<br>وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.<br>والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن.<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -.<br>والضمير فى قوله { مَّا فَعَلُوهُ } للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار. لدلالة قوله { كَتَبْنَا } عليه.<br>وقوله \"قليل\" مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله { فَعَلُوهُ } والتقدير: ما فعله أحد إلا قليل منهم. وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول أولى، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع.<br>قال ابن كثير: لما نزلت { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ }.. الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذى عافانا. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال:  \"إن من أمتى رجالا، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى\" .<br>وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم\"  - أى: لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.<br> \"وعن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل\" .<br>وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله.<br>أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا { فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أى: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى...<br>لو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه { خَيْراً لَّهُمْ } فى دنياهم وآخرتهم. ولكان { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال.<br>ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: { وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.<br>أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم.<br>قال صاحب الكشاف: وقوله \"وإذا\" جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا { لآتَيْنَاهُمْ } لأن إذا جواب وجزاء.<br>وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة { لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ } والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل ذلك على عظمة تلك العطية.<br>ومنها: أن قوله { مِّن لَّدُنَّـآ } يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى -  { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }  }.ومنها: أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه. {  { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }  }.هذا، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }. إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان، وحكت معاذيرهم الكاذبة، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم، ووصفتهم بعدم الإِيمان.<br>وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:<br>الأول: أنه - تعالى - قال { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.<br>الثانى: قوله تعالى -: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.. إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }. وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>الثالث: قوله - تعالى - {  { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.<br>وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.<br>وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى. روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال: والله لمنعنهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن\"<br> ؟وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله، وتقول: والله لمنعهن\".<br>وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات.<br>فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله. وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.<br>وقال الإِمام الشافعى: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال: حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:  \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبى ذئب. أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به. وذلك الفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت.<br>وقال الإِمام ابن القيم: والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا رواية ولا غيره. إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر. أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه...<br>فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته.<br>وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.<br>ثم بين - سبحانه بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من عباده فقال: { وَمَن يُطِعِ...عَلِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "640",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "137",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "641",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "138",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "642",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "139",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "643",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "140",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "644",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "141",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "645",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "142",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "646",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "143",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "647",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "144",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "648",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "145",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "649",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "146",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "650",
        "sura_number": "4",
        "ayah_number": "147",
        "aya": "",
        "sura": "النساء",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه:<br>أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال.<br>وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا. فهذا هو المراد بقوله: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }. وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه.<br>وقال الإِمام ابن كثير: يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له \"ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. وقد قال ابن عباس فى قوله: { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا\".<br>وثانيها: أن المراد بهم أهل الكتاب. وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره.<br>وثالثها: أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله:  { وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }  }.ورابعها: أن المراد بهم المنافقون. فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا: إنا مؤمنون. والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم. وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين.<br>والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم.<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وهم الذين كانوا {  { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  }.قال الآلوسى: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت. ومعنى نفيه: استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.<br>ثم قالوا: وخبر كان فى أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى: ما كان الله مريداً للغفران لهم. ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه.<br>ثم تبدأ السورة الكريمة حملتها على المنافقين فتقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتعبير بقوله: بشر بدل أنذر أو أخبر للتهكم بهم، لأن البشارة لا تكون غالبا إلا فى الأخبار السارة، لأن الإخبار السار يظهر سرورا فى البشرة. فاستعملت البشارة فى مطلق الإِخبار أو فى الإِنذار على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.<br>قال الرغب: ويقال: أبشرت الرجل وبشرته أى: أخبرته بأمر سرا بسط بشرة وجهه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء فى الشجر.<br>وقوله: { ٱلْمُنَافِقِينَ } من النفاق وهو أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.<br>قالوا: وسمى المنافق منافقا أخذاً من نافقاء اليربوع - وهو جحره فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر؛ فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن. ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر.<br>والمعنى: أنذر يا محمد أولئك المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر بالعذاب الأليم، وسق لهم هذا الإِنذار بلفظ التبشير على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم، فى مقابل تهكمهم بالإِسلام وأهله وخداعهم للمؤمنين.<br>ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم. فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين.<br>والمراد بالكافرين هنا: اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود.<br>وقوله { مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حال من فاعل يتخذون. أى: يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم.<br>والاستفهام فى قوله: { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } للإِنكار والتعجب من شأنهم، والتهكم من سوء تصورهم.<br>وقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } رد على تصوراتهم الباطلة، ومداركهم الفاسدة، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم.<br>أى: أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟ أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟ إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده. ومن اعتز بغير الله هان وذل.<br>قال ابن كثير: والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار\" .<br> وقال الإِمام الرازى: وأصل العزة فى اللغة الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز. ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به. وشاة عزوز التى يشتد حلبها ويصعب. والعزة: القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل.<br>ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود. ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }.<br>فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: {  { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }  }؟ قلنا القدرة الكاملة لله. وكل من سواه فباقداره صار قادرا. وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله.<br>قالوا: وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين، والنهى عن موالاة الكافرين. قال - تعالى - {  { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ }  }.ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.<br>أى: وقد نزل الله عليكم - أيها المؤمنون - فى كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون، ويستهزئ بهم المستهزئون، فعليكم فى هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا فى حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم فى الكتاب: هو ما نزل عليهم فى مكة من قوله - تعالى -: {  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }  }. وذلك أن المشركين كانوا يخوضون فى ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزئون به، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه.<br>وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة.<br>وأن فى قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم. وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم، وخبرهما جملة الشرط والجزاء.<br>وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان فى موضع الحال من الآيات.<br>وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها.<br>والضمير فى قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.<br>والضمير فى قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا فى حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.<br>وقوله { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم.<br>أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم فى الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم فى آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم فى وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.<br>وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }. فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست فى جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعاً فى جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن فى الدفاع عن الحق الذى آمن به.<br>ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التى لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهى أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفر بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>وقوله: { يَتَرَبَّصُونَ } من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.<br>وقوله: { نَسْتَحْوِذْ } من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله - تعالى - {  { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }  }.والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين - أيها المؤمنون - أنهم يتربصون بكم. أى: ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ } أى: من نصر وظفر على أعدائكم { قَالُوۤاْ } على سبيل التقرب إليكم { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } فى الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذى أصبتموه. { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } أى حظ من النصر عليكم - لأن الحرب سجال - { قَالُوۤاْ } لهم - أيضا - على سبيل التقرب إليهم { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم. وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.<br>فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا فى أى مكان كانت.<br>وعبر عن النصر فى جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكى يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.<br>قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذى يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التى لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع والاستفهام فى قوله { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } وفى قوله { أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: { فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.<br>والفاء هنا للإِفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين فى الدنيا، فأبشركم - أيها المؤمنون - بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم - أيضا - بأنه - سبحانه - لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التى تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.<br>فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين فى الدنيا والآخرة.<br>ومنهم من يرى أن المراد بنفى السبيل هنا فى الآخرة.<br>وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله - تعالى - { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }. أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.<br>ويحتمل أن يكون المعنى: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } أى: فى الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة، كما قال - تعالى - {  { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ }  }.والذى نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين فى الأسباب التى تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون فى بعض الازمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسملون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه. وهنا يحالفهم نصر الله الذى لا يقهر ووعده الذى لا يتخلف.<br>ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، فى رسم صورة أخرى للمنافقين مبالغة فى الكشف عن قابئحهم وفى التحذير من شرورهم فتقول: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.<br>وقوله: { يُخَادِعُونَ } من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.<br>قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه...<br>ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفى الحديث:  \"بين يدى الساعة سنون خداعة\"  أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة.<br>وقوله: { خَادِعُهُمْ } اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.<br>والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإِيمان ويبطنوا الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذى يغلب غيره فى الخداع، حيث تركهم فى الدنيا معصومى الدماء والأموال. وأعد لهم فى الآخرة الدرك الأسفل من النار.<br>ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو - سبحانه - خادعهم فهو كقوله - تعالى - {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }  }.وعبر - سبحانه - عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهى قوله { يُخَادِعُونَ }، للإِشعار بأنهم قد ينجحون فى خداعهم وقد لا ينجحون.<br>وعبر - سبحانه - عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله - تعالى - كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.<br>وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } بيان للون آخر من قبائحهم.   و { كُسَالَىٰ } جمع كسلان وهو الذى يعتريه الفتور فى أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها. وهى حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاوموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم فى القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا فى فعلها، ولا عقابا على تركها.<br>وقوله { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } حال من الضمير المستكن فى كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.<br>قال ابن كثير: وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } هذه صفة المنافقين فى أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهى الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.<br>ثم ذكر - سبحانه - صفة بواطنهم الفاسدة فقال: { يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ } أى: إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التى لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء فى وقت العتمة وصلاة الصبح فى وقت الغلس كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\"  وروى الحافظ ألو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه - عز وجل -.<br>وقوله: { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على { يُرَآءُونَ } أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله فى صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا؛ لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم فى صلاتهم ساهمون لاهون.<br>روى الإِمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"تلك صلاة المنافق - تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" .<br>قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن جعفر المدنى عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذى: حسن صحيح.<br>ومنهم من فسر قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس فى قلوبهم لم تكلفوه. أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا فى الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإِسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..<br>فإن قلت ما معنى المراءاة وهى مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:<br>أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.<br>والثانى: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: رأت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكها لترى وجهه...<br>وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة \"ذلك\" مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.<br>قال القرطبى: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبأى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر. وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:  \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى\" .<br>وقوله { لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فى محل نصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بيان وتفسير له.<br>وقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أى: ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم.<br>وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.<br>أى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا يصح منكم ولا ينبغى لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذى آمنتم به { أَوْلِيَآءَ } أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإِيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.<br>فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال - تعالى - فى آية أخرى:  { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } .<br>وفى هذا النهى - أيضاً - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - {  { نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ }  }.والاستفهام فى قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } للإِنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة فى عقابكم، وفى تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.<br>وتوجيه الإِنكار إلى الإِرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة فى التهويل من أمره؛ ببيان أنه مما لا ينبغى أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره فى نفسه.<br>قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهى الموالاة فى الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإِحسان.<br>وقال الزمخشرى: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له؛ خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليكم أن تخالص المؤمن\".<br>ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذى سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } أى: فى الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركاتها لكونها متداركه أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة فى الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.<br>قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى. والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة: الهاوية. وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها...<br>والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى فى طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة فى الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيراً ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.<br>وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإِسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة فى صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.<br>قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذى يستحق أشد العقاب، ويكون فى أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول فى الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذى لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذى كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإِسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.<br>ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.<br>قيل لابن عمر - رضى الله عنهما -: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.<br>ولقد جاء فى الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خصل للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإِمام أحمد.  \"القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإِيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\" .<br>وإننا لهذا نقول: إن النفاق فى داخل الإِسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم فى مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد فى الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة فى التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام.<br>ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.<br>أى: هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، { فَأُوْلَـٰئِكَ } الذين فعلوا ذلك { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.<br>فقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } استثناء من المنافقين فى قوله { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة:<br>أولها: التوبة.<br>وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن.<br>وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.<br>ورابعها: الإِخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر.<br>والإِشارة فى قوله { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعود إلى الاسم الموصول وهو { ٱلَّذِينَ } باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة.<br>والمقصود بالمعية فى قوله { مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير \"بسوف\" لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.<br>أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه. ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً }.<br>و { مَّا } استفهامية. المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر.<br>والمعنى: أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإِيمان؟ لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.<br>وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضرراً؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب.<br>و { مَّا } فى محصل نصب بـ { يَفْعَلُ } لأن الاستفهام له الصدارة. والباء فى قوله { بِعَذَابِكُمْ } سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.<br>وقوله: { إِن شَكَرْتُمْ } جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟<br>وقدم الشكر على الإِيمان، لأن الشكر سبب فى الإِيمان، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.<br>وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.<br>أى: وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم. أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.<br>وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول:وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان <br>ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشأن<br>كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإِخلاص والإِحسان<br>إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكى يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى -: { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ {  { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }  }.ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى: { لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ...غَفُوراً رَّحِيماً }.<br>"
    },
    {
        "id": "718",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "38",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "قال الجمل ما ملخصه: قوله - تعالى - { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ }.. إلخ. شروع فى بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى.<br>وقرأ الجمهور: والسارق بالرفع وفيها وجهان:<br>أحدهما: وهو مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصرين - أن السارق مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير: فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة. أى: حكم السارق، ويكون قوله { فَٱقْطَعُوۤاْ } بيانا لذلك الحكم المقدر. فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو المقصود. ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه أجنبى، والكلام على هذا جملتان: الأولى خبرية والثانية أمرية.<br>والثانى: وهو مذهب الأخفش وجماعة كثيرة - أنه مبتدأ - أيضاً - والخبر الجملة الأمرية من قوله { فَٱقْطَعُوۤاْ } وإنما دخلت الفاء فى الخبر، لأنه يشبه الشرط إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذى والتى والصفة صلتها، فهى فى قوة قولك والذى يسرق والتى تسرق فاقطعوا\".<br>والمعنى: { السارق } أى: من الرجال { والسارقة } أى: من النساء { فاقطعوا } أيديهما، أى فاقطعوا يد كل منهما الذكر إذا سرق قطعت يده. والأنثى إذا سرقت قطعت يدها.<br>والخطاب فى قوله: { فاقطعوا } لولاة الأمر الذين إليهم يرجع تنفيذ الحدود وجمع - سبحانه - اليد فقال \"أيديهما\" ولم يقل يديهما بالتثنية، لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية.<br>وقوله { جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ } بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التى من أجلها شرعت. أى: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بسبب فعلهما الخبيث، وكسبهما السىء، وخيانتهما القبيحة، ولكى يكون هذا القطع لأيديهما { نكالا } أى: عبرة وزجرا من الله - تعالى - لغيرهما حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة.<br>يقال: نكل فلان بفلان تنكيلا: أى: صنع به صنيعًا يحذر غيره.<br>والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك. وأصله من النكل - بالكسر - وهو القيد الشديد، وحديدة اللجام، لكونهما مانعين وجمعه انكال.<br>وسميت هذه العقوبة نكالا، لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده، وفضيحة لأمره.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أى: والله - تعالى - غالب على أمره، حكيم فى شرائعه وتكاليفه.<br>قال صاحب المنار ما ملخصه. وقد كانت العرب بدوها وحضرها تفهم الكثير من وضع اسماء الله - تعالى - فى الآيات بحسب المناسبة.<br>ومن ذلك ما نقل الأصمعى أنه قال: كنت أقرأ سورة المائدة، ومعى أعرابى، فقرأت هذه الآية فقلت { ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } سهوا فقال الأعرابى كلام من هذا؟ فقلت: كلام الله. قال: أعد فأعدت { ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ثم تنبهت فقلت: { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فقال: الآن أصبت فقلت له. كيف عرفت؟ يا هذا { عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فأمر بالقطع، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع.<br>فقد فهم الأعرابى الأمى أن مقتضى العزة والحكمة، غير مقتضى المغفرة والرحمة وأن الله - تعالى - يضع كل اسم موضعه من كتابه\".<br>ثم فتح - سبحانه - لعباده باب التوبة فقال - تعالى: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ }.<br>أى: فمن تاب إلى الله - تعالى - توبة صادقة من بعد ظلمه لنفسه بسبب إيقاعها فى المعاصى التى من أكبرها السرقة وأصلح عمله بالطاعات التى تمحو السيئات { فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ }. أى: يقبل توبته، ويغسل حوبته، إن الله واسع المغفرة والرحمة ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه - فتح لعباده باب التوبة والإِنابة.<br>فالآية الكريمة ترغب العصاة من السراق وغيرهم فى التوبة إلى الله، وفى الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته ورحمته.<br>ثم ساق - سبحانه - ما يدل على شمول قدرته، ونفاذ إرادته بصيغة الاستفهام التقريرى فقال - تعالى - : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } بحيث يتصرف فيهما وفى غيرهما من خلقه تصرف المالك فى ملكه بدون مدافع أو منازع.<br>فالاستفهام هنا لتقرير العلم وتأكيده. أى إنك تعلم أيها العاقل ذلك علما. متيقتا، فاعمل بمقتضى هذا العلم، بأن تكون مطيعا لخالقك فى كل ما أمر ونهى وبأن تدعو غيرك إلى هذه الطاعة.<br>وقوله: { يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ } تأكيد لشمول قدرته ونفاذ إرادته، أى: هو - سبحانه - المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء وهو صاحب السلطان المطلق فى خلقه، فله - سبحانه - أن يعذب من يشاء تعذيبه وله أن يرحم من يشاء رحمته.<br>قال الآلوسى: وكان الظاهر لحديث:  \"سبقت رحمتى غضبى\"  تقديم المغفرة على التعذيب، وإنما عكس هنا، لأن التعذيب للمصر على السرقة، والمغفرة للتائب منها. وقد قدمت السرقة فى الآية أولا ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق.<br>أو لأن المراد بالتعذيب القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله - تعالى - والأول فى الدنيا والثانى فى الآخرة، فجىء به على ترتيب الوجود. ولأن المقام مقام الوعيد.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تذييل مؤكد لما قبله، ومقرر لشمول قدرته - سبحانه - على كل شىء.<br>هذا وقد تكلم العلماء عن معنى السرقة، وعن شروط إقامة حدها، وعن طريقة إثباتها. وعن غير ذلك من المسائل المتعلقة بها، تكلموا عن كل ذلك باستفاضة فى كتب الفقه وفى بعض كتب التفسير.<br>ونرى أنه لا بأس من ذكر خلاصة لبعض المسائل التى تحدثوا عنها فنقول:<br>1 - عرف الفقهاء السرقة شرعا بأنها أخذ العاقل البالغ مقدارا مخصوصاً من المال على طريق الاستخفاء من حرز بمكان أو حافظ وبدون شبهة.<br>2 - وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئاً قطعت يده به، سواء أكان قليلا أم كثيراً، لعموم هذه الآية.<br>ولكن جمهور الفقهاء يرون أنه لا تقطع يد السارق إلا إذا بلغ المسروق قدراً معيناً من المال، وقد تفاوتت أنظارهم فى هذا القدر.<br>فالأحناف يرون أنه لا قطع إلا فى عشرة دراهم فصاعداً، أو فيما قيمته عشرة دراهم. ومن حججهم ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا قطع فيما دون عشرة دراهم\" .<br>والمالكية والشافعية يرون أنه لا قطع إلا فى ربع دينار أو فيما قيمته ذلك.<br>ومن حججهم ما روى عن عائشة أنها قالت: \"تقطع يد السارق فى ربع دينار فصاعداً\".<br>قال القرطبى: وظاهر الآية العموم فى كل سارق وليس كذلك لقوله صلى الله عليه وسلم  \"لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعداً\"  فبين أنه إنما أراد بقوله { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } بعض السراق دون بعض، فلا تقطع يد السارق فى أقل من ربع دينار، ويقطع فى ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار أو فى ثلاثة دراهم.. وقال أحمد: إن سرق ذهبا فربع دينار. وإن سرق غير الذهب والفضة فالقيمة ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق\".<br>وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى: لا تقطع يد السارق إلا فى عشرة دراهم كيلا، أو فى دينار ذهباً عيناً أو وزناً. ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك صاحبه.. ثم قال: وتقطع اليد من الرسغ. ولا خلاف فى أن اليمنى هى التى تقطع أولا\".<br>3 - وقد اشترط الفقهاء فى المال المسروق الذى تقطع فيه يد السارق أن يكون مالا محرزاً، أى مصوناً محفوظاً معنيا بحفظه العناية اللائقة بمثله.<br>قال القرطبى: الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف فى كل شىء بحسب حاله. قال ابن المنذر: ليس فى هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم. وإنما ذلك كالإِجماع من أهل العلم. وحكى عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز. وفى الموطأ لمالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا قطع فى ثمر معلق - أى فى ثمر على الأشجار - ولا حريسة جبل - أى ما يحرس بالجبل - فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن\" .<br>كذلك اشترطوا عدم الشبهة فى المال المسروق، لقوله صلى الله عليه وسلم:  \"ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم\" .<br>فلا يقطع من سرق مالا له فيه شركة، أو سرق من مدينه مثل دينه، ولا يقطع البعد إذا سرق من مال سيده. ولا الأب إذا سرق من مال ابنه وما أشبه ذلك لوجود الشبهة.<br>كذلك اشترطوا فى المسروق الذى يجب فيه الحد أن يكون مالا متقوما. أى: مما يتموَّ له الناس، ويعدونه لمقاصدهم المختلفة فلا تقطع يد السارق إذا سرق شيئاً تافها، أو سرق شيئاً مما لا يتمول كالتراب والطين والماء وما يشبه ذلك.<br>كذلك اشترطوا فيه ألا يكون مما يحرم تناوله أو إستعماله. فإذا كان مما يحرم تناوله أو استعماله كالخمر أو الخنزير أو أدوات اللهو والمجون فإنه فى تلك الأحوال لا تقطع يد السارق.<br>وهكذا نرى أن الشريعة الإِسلامية وإن كانت قد شرعت العقوبات الشديدة لزجر العصاة والمفسدين والخائنين.. إلا أنها لا تطبق هذه العقوبات إلا على الذين يستحقونها، وفى أضيق الحدود، وبأدق الشروط، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم  \"ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم\" .<br>ولو أن المسلمين ساروا على هدى شريعة الله لنالوا الأمان والاطمئنان فى دنياهم، والفوز والرضا من الله - تعالى - فى أخراهم.<br>4 - كذلك أخذ أكثر الشافعية والحنابلة من قوله - تعالى -  { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } أن التوبة تمنع إقامة الحد.<br>قالوا: لأن هذه الآية قد اقترنت بقوله - تعالى: { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا } فكانت مخصصة للعموم فى الأمر بالقطع، وإلا ما اقترنت به ولأنه قد ورد فى الأحاديث الصحيحة أن التوبة تجب ما قبلها ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:  \"التائب من الذنب كمن لا ذنب له\" .<br>ويرى الأحناف والمالكية أن التوبة لا تسقط الحد، لأن الأمر بالقطع عام يشمل التائب وغير التائب، والتوبة المنصوص عليها فى هذه الآية هى ما يكون بعد إقامة الحد كما جاءت بذلك الأحاديث النبوية.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ } إلخ. أى: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله إن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه. فأما أموال الناس فلابد من ردها إليهم أو رد بدلها. وهذا عند الجمهور.<br>وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت فى يده فإنه لا يرد بدلها.<br>وقد روى الدار قطنى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسارق قد سرق شملة فقال  \"ما إخاله قد سرق فقال السارق: بلى يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فاقطعوا ثم احسموه ثم ائتونى به فقطع فأتى به فقال: تب إلى الله، فقال: تبت إلى الله. فقال: تاب الله عليك\"  - أى: قبل توبتك.<br>وروى ابن ماجه عن ثعلبة الأنصارى: أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:  \"يا رسول الله، إنى سرقت جملا لبنى فلان فطهرنى. فأرسل إليهم النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا. فأمر به فقطعت يده وهو يقول: الحمد لله الذى طهرنى منك. أردت أن تدخلى جسدى النار\" .<br>روى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمرو  \"أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله: إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - اقطعوا يدها. فقطعت يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل لى من توبة يا رسول الله؟ قال: نعم. أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك، فأنزل الله - تعالى -: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ }\"  الآية.<br>هذه خلاصة لبعض المسائل والأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى ما كتبه الفقهاء فى كتبهم، وإلى ما كتبه بعض المفسرين فى تفاسيرهم.<br>وبعد أن بين - سبحانه - ما بين من تكاليف قويمة، وشرائع حكيمة، تهدى من اتبعها إلى السعادة فى الدنيا والآخرة. أتبع ذلك بالحديث عن بعض الوسائل الخبيثة التى ابتعها اليهود وأشباهم لكيد الدعوة الإِسلامية، فذكر تلاعبهم بأحكامه - تعالى -، ومحاولتهم فتنة الرسول صلى الله عليه وسلم عند تقاضيهم أمامه، وحذر - سبحانه - رسوله من مكرهم وساق له ما يسليه ويشرح صدره، فقال - تعالى -:<br> { يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ... }<br>"
    },
    {
        "id": "719",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "39",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "قال الجمل ما ملخصه: قوله - تعالى - { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ }.. إلخ. شروع فى بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى.<br>وقرأ الجمهور: والسارق بالرفع وفيها وجهان:<br>أحدهما: وهو مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصرين - أن السارق مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير: فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة. أى: حكم السارق، ويكون قوله { فَٱقْطَعُوۤاْ } بيانا لذلك الحكم المقدر. فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو المقصود. ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه أجنبى، والكلام على هذا جملتان: الأولى خبرية والثانية أمرية.<br>والثانى: وهو مذهب الأخفش وجماعة كثيرة - أنه مبتدأ - أيضاً - والخبر الجملة الأمرية من قوله { فَٱقْطَعُوۤاْ } وإنما دخلت الفاء فى الخبر، لأنه يشبه الشرط إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذى والتى والصفة صلتها، فهى فى قوة قولك والذى يسرق والتى تسرق فاقطعوا\".<br>والمعنى: { السارق } أى: من الرجال { والسارقة } أى: من النساء { فاقطعوا } أيديهما، أى فاقطعوا يد كل منهما الذكر إذا سرق قطعت يده. والأنثى إذا سرقت قطعت يدها.<br>والخطاب فى قوله: { فاقطعوا } لولاة الأمر الذين إليهم يرجع تنفيذ الحدود وجمع - سبحانه - اليد فقال \"أيديهما\" ولم يقل يديهما بالتثنية، لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية.<br>وقوله { جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ } بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التى من أجلها شرعت. أى: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بسبب فعلهما الخبيث، وكسبهما السىء، وخيانتهما القبيحة، ولكى يكون هذا القطع لأيديهما { نكالا } أى: عبرة وزجرا من الله - تعالى - لغيرهما حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة.<br>يقال: نكل فلان بفلان تنكيلا: أى: صنع به صنيعًا يحذر غيره.<br>والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك. وأصله من النكل - بالكسر - وهو القيد الشديد، وحديدة اللجام، لكونهما مانعين وجمعه انكال.<br>وسميت هذه العقوبة نكالا، لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده، وفضيحة لأمره.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أى: والله - تعالى - غالب على أمره، حكيم فى شرائعه وتكاليفه.<br>قال صاحب المنار ما ملخصه. وقد كانت العرب بدوها وحضرها تفهم الكثير من وضع اسماء الله - تعالى - فى الآيات بحسب المناسبة.<br>ومن ذلك ما نقل الأصمعى أنه قال: كنت أقرأ سورة المائدة، ومعى أعرابى، فقرأت هذه الآية فقلت { ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } سهوا فقال الأعرابى كلام من هذا؟ فقلت: كلام الله. قال: أعد فأعدت { ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ثم تنبهت فقلت: { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فقال: الآن أصبت فقلت له. كيف عرفت؟ يا هذا { عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فأمر بالقطع، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع.<br>فقد فهم الأعرابى الأمى أن مقتضى العزة والحكمة، غير مقتضى المغفرة والرحمة وأن الله - تعالى - يضع كل اسم موضعه من كتابه\".<br>ثم فتح - سبحانه - لعباده باب التوبة فقال - تعالى: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ }.<br>أى: فمن تاب إلى الله - تعالى - توبة صادقة من بعد ظلمه لنفسه بسبب إيقاعها فى المعاصى التى من أكبرها السرقة وأصلح عمله بالطاعات التى تمحو السيئات { فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ }. أى: يقبل توبته، ويغسل حوبته، إن الله واسع المغفرة والرحمة ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه - فتح لعباده باب التوبة والإِنابة.<br>فالآية الكريمة ترغب العصاة من السراق وغيرهم فى التوبة إلى الله، وفى الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته ورحمته.<br>ثم ساق - سبحانه - ما يدل على شمول قدرته، ونفاذ إرادته بصيغة الاستفهام التقريرى فقال - تعالى - : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } بحيث يتصرف فيهما وفى غيرهما من خلقه تصرف المالك فى ملكه بدون مدافع أو منازع.<br>فالاستفهام هنا لتقرير العلم وتأكيده. أى إنك تعلم أيها العاقل ذلك علما. متيقتا، فاعمل بمقتضى هذا العلم، بأن تكون مطيعا لخالقك فى كل ما أمر ونهى وبأن تدعو غيرك إلى هذه الطاعة.<br>وقوله: { يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ } تأكيد لشمول قدرته ونفاذ إرادته، أى: هو - سبحانه - المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء وهو صاحب السلطان المطلق فى خلقه، فله - سبحانه - أن يعذب من يشاء تعذيبه وله أن يرحم من يشاء رحمته.<br>قال الآلوسى: وكان الظاهر لحديث:  \"سبقت رحمتى غضبى\"  تقديم المغفرة على التعذيب، وإنما عكس هنا، لأن التعذيب للمصر على السرقة، والمغفرة للتائب منها. وقد قدمت السرقة فى الآية أولا ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق.<br>أو لأن المراد بالتعذيب القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله - تعالى - والأول فى الدنيا والثانى فى الآخرة، فجىء به على ترتيب الوجود. ولأن المقام مقام الوعيد.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تذييل مؤكد لما قبله، ومقرر لشمول قدرته - سبحانه - على كل شىء.<br>هذا وقد تكلم العلماء عن معنى السرقة، وعن شروط إقامة حدها، وعن طريقة إثباتها. وعن غير ذلك من المسائل المتعلقة بها، تكلموا عن كل ذلك باستفاضة فى كتب الفقه وفى بعض كتب التفسير.<br>ونرى أنه لا بأس من ذكر خلاصة لبعض المسائل التى تحدثوا عنها فنقول:<br>1 - عرف الفقهاء السرقة شرعا بأنها أخذ العاقل البالغ مقدارا مخصوصاً من المال على طريق الاستخفاء من حرز بمكان أو حافظ وبدون شبهة.<br>2 - وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئاً قطعت يده به، سواء أكان قليلا أم كثيراً، لعموم هذه الآية.<br>ولكن جمهور الفقهاء يرون أنه لا تقطع يد السارق إلا إذا بلغ المسروق قدراً معيناً من المال، وقد تفاوتت أنظارهم فى هذا القدر.<br>فالأحناف يرون أنه لا قطع إلا فى عشرة دراهم فصاعداً، أو فيما قيمته عشرة دراهم. ومن حججهم ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا قطع فيما دون عشرة دراهم\" .<br>والمالكية والشافعية يرون أنه لا قطع إلا فى ربع دينار أو فيما قيمته ذلك.<br>ومن حججهم ما روى عن عائشة أنها قالت: \"تقطع يد السارق فى ربع دينار فصاعداً\".<br>قال القرطبى: وظاهر الآية العموم فى كل سارق وليس كذلك لقوله صلى الله عليه وسلم  \"لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعداً\"  فبين أنه إنما أراد بقوله { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } بعض السراق دون بعض، فلا تقطع يد السارق فى أقل من ربع دينار، ويقطع فى ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار أو فى ثلاثة دراهم.. وقال أحمد: إن سرق ذهبا فربع دينار. وإن سرق غير الذهب والفضة فالقيمة ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق\".<br>وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى: لا تقطع يد السارق إلا فى عشرة دراهم كيلا، أو فى دينار ذهباً عيناً أو وزناً. ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك صاحبه.. ثم قال: وتقطع اليد من الرسغ. ولا خلاف فى أن اليمنى هى التى تقطع أولا\".<br>3 - وقد اشترط الفقهاء فى المال المسروق الذى تقطع فيه يد السارق أن يكون مالا محرزاً، أى مصوناً محفوظاً معنيا بحفظه العناية اللائقة بمثله.<br>قال القرطبى: الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف فى كل شىء بحسب حاله. قال ابن المنذر: ليس فى هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم. وإنما ذلك كالإِجماع من أهل العلم. وحكى عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز. وفى الموطأ لمالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا قطع فى ثمر معلق - أى فى ثمر على الأشجار - ولا حريسة جبل - أى ما يحرس بالجبل - فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن\" .<br>كذلك اشترطوا عدم الشبهة فى المال المسروق، لقوله صلى الله عليه وسلم:  \"ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم\" .<br>فلا يقطع من سرق مالا له فيه شركة، أو سرق من مدينه مثل دينه، ولا يقطع البعد إذا سرق من مال سيده. ولا الأب إذا سرق من مال ابنه وما أشبه ذلك لوجود الشبهة.<br>كذلك اشترطوا فى المسروق الذى يجب فيه الحد أن يكون مالا متقوما. أى: مما يتموَّ له الناس، ويعدونه لمقاصدهم المختلفة فلا تقطع يد السارق إذا سرق شيئاً تافها، أو سرق شيئاً مما لا يتمول كالتراب والطين والماء وما يشبه ذلك.<br>كذلك اشترطوا فيه ألا يكون مما يحرم تناوله أو إستعماله. فإذا كان مما يحرم تناوله أو استعماله كالخمر أو الخنزير أو أدوات اللهو والمجون فإنه فى تلك الأحوال لا تقطع يد السارق.<br>وهكذا نرى أن الشريعة الإِسلامية وإن كانت قد شرعت العقوبات الشديدة لزجر العصاة والمفسدين والخائنين.. إلا أنها لا تطبق هذه العقوبات إلا على الذين يستحقونها، وفى أضيق الحدود، وبأدق الشروط، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم  \"ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم\" .<br>ولو أن المسلمين ساروا على هدى شريعة الله لنالوا الأمان والاطمئنان فى دنياهم، والفوز والرضا من الله - تعالى - فى أخراهم.<br>4 - كذلك أخذ أكثر الشافعية والحنابلة من قوله - تعالى -  { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } أن التوبة تمنع إقامة الحد.<br>قالوا: لأن هذه الآية قد اقترنت بقوله - تعالى: { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا } فكانت مخصصة للعموم فى الأمر بالقطع، وإلا ما اقترنت به ولأنه قد ورد فى الأحاديث الصحيحة أن التوبة تجب ما قبلها ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:  \"التائب من الذنب كمن لا ذنب له\" .<br>ويرى الأحناف والمالكية أن التوبة لا تسقط الحد، لأن الأمر بالقطع عام يشمل التائب وغير التائب، والتوبة المنصوص عليها فى هذه الآية هى ما يكون بعد إقامة الحد كما جاءت بذلك الأحاديث النبوية.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ } إلخ. أى: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله إن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه. فأما أموال الناس فلابد من ردها إليهم أو رد بدلها. وهذا عند الجمهور.<br>وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت فى يده فإنه لا يرد بدلها.<br>وقد روى الدار قطنى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسارق قد سرق شملة فقال  \"ما إخاله قد سرق فقال السارق: بلى يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فاقطعوا ثم احسموه ثم ائتونى به فقطع فأتى به فقال: تب إلى الله، فقال: تبت إلى الله. فقال: تاب الله عليك\"  - أى: قبل توبتك.<br>وروى ابن ماجه عن ثعلبة الأنصارى: أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:  \"يا رسول الله، إنى سرقت جملا لبنى فلان فطهرنى. فأرسل إليهم النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا. فأمر به فقطعت يده وهو يقول: الحمد لله الذى طهرنى منك. أردت أن تدخلى جسدى النار\" .<br>روى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمرو  \"أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله: إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - اقطعوا يدها. فقطعت يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل لى من توبة يا رسول الله؟ قال: نعم. أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك، فأنزل الله - تعالى -: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ }\"  الآية.<br>هذه خلاصة لبعض المسائل والأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى ما كتبه الفقهاء فى كتبهم، وإلى ما كتبه بعض المفسرين فى تفاسيرهم.<br>وبعد أن بين - سبحانه - ما بين من تكاليف قويمة، وشرائع حكيمة، تهدى من اتبعها إلى السعادة فى الدنيا والآخرة. أتبع ذلك بالحديث عن بعض الوسائل الخبيثة التى ابتعها اليهود وأشباهم لكيد الدعوة الإِسلامية، فذكر تلاعبهم بأحكامه - تعالى -، ومحاولتهم فتنة الرسول صلى الله عليه وسلم عند تقاضيهم أمامه، وحذر - سبحانه - رسوله من مكرهم وساق له ما يسليه ويشرح صدره، فقال - تعالى -:<br> { يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ... }<br>"
    },
    {
        "id": "720",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "40",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "قال الجمل ما ملخصه: قوله - تعالى - { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ }.. إلخ. شروع فى بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى.<br>وقرأ الجمهور: والسارق بالرفع وفيها وجهان:<br>أحدهما: وهو مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصرين - أن السارق مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير: فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة. أى: حكم السارق، ويكون قوله { فَٱقْطَعُوۤاْ } بيانا لذلك الحكم المقدر. فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو المقصود. ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه أجنبى، والكلام على هذا جملتان: الأولى خبرية والثانية أمرية.<br>والثانى: وهو مذهب الأخفش وجماعة كثيرة - أنه مبتدأ - أيضاً - والخبر الجملة الأمرية من قوله { فَٱقْطَعُوۤاْ } وإنما دخلت الفاء فى الخبر، لأنه يشبه الشرط إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذى والتى والصفة صلتها، فهى فى قوة قولك والذى يسرق والتى تسرق فاقطعوا\".<br>والمعنى: { السارق } أى: من الرجال { والسارقة } أى: من النساء { فاقطعوا } أيديهما، أى فاقطعوا يد كل منهما الذكر إذا سرق قطعت يده. والأنثى إذا سرقت قطعت يدها.<br>والخطاب فى قوله: { فاقطعوا } لولاة الأمر الذين إليهم يرجع تنفيذ الحدود وجمع - سبحانه - اليد فقال \"أيديهما\" ولم يقل يديهما بالتثنية، لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية.<br>وقوله { جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ } بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التى من أجلها شرعت. أى: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بسبب فعلهما الخبيث، وكسبهما السىء، وخيانتهما القبيحة، ولكى يكون هذا القطع لأيديهما { نكالا } أى: عبرة وزجرا من الله - تعالى - لغيرهما حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة.<br>يقال: نكل فلان بفلان تنكيلا: أى: صنع به صنيعًا يحذر غيره.<br>والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك. وأصله من النكل - بالكسر - وهو القيد الشديد، وحديدة اللجام، لكونهما مانعين وجمعه انكال.<br>وسميت هذه العقوبة نكالا، لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده، وفضيحة لأمره.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أى: والله - تعالى - غالب على أمره، حكيم فى شرائعه وتكاليفه.<br>قال صاحب المنار ما ملخصه. وقد كانت العرب بدوها وحضرها تفهم الكثير من وضع اسماء الله - تعالى - فى الآيات بحسب المناسبة.<br>ومن ذلك ما نقل الأصمعى أنه قال: كنت أقرأ سورة المائدة، ومعى أعرابى، فقرأت هذه الآية فقلت { ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } سهوا فقال الأعرابى كلام من هذا؟ فقلت: كلام الله. قال: أعد فأعدت { ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ثم تنبهت فقلت: { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فقال: الآن أصبت فقلت له. كيف عرفت؟ يا هذا { عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فأمر بالقطع، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع.<br>فقد فهم الأعرابى الأمى أن مقتضى العزة والحكمة، غير مقتضى المغفرة والرحمة وأن الله - تعالى - يضع كل اسم موضعه من كتابه\".<br>ثم فتح - سبحانه - لعباده باب التوبة فقال - تعالى: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ }.<br>أى: فمن تاب إلى الله - تعالى - توبة صادقة من بعد ظلمه لنفسه بسبب إيقاعها فى المعاصى التى من أكبرها السرقة وأصلح عمله بالطاعات التى تمحو السيئات { فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ }. أى: يقبل توبته، ويغسل حوبته، إن الله واسع المغفرة والرحمة ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه - فتح لعباده باب التوبة والإِنابة.<br>فالآية الكريمة ترغب العصاة من السراق وغيرهم فى التوبة إلى الله، وفى الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته ورحمته.<br>ثم ساق - سبحانه - ما يدل على شمول قدرته، ونفاذ إرادته بصيغة الاستفهام التقريرى فقال - تعالى - : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } بحيث يتصرف فيهما وفى غيرهما من خلقه تصرف المالك فى ملكه بدون مدافع أو منازع.<br>فالاستفهام هنا لتقرير العلم وتأكيده. أى إنك تعلم أيها العاقل ذلك علما. متيقتا، فاعمل بمقتضى هذا العلم، بأن تكون مطيعا لخالقك فى كل ما أمر ونهى وبأن تدعو غيرك إلى هذه الطاعة.<br>وقوله: { يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ } تأكيد لشمول قدرته ونفاذ إرادته، أى: هو - سبحانه - المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء وهو صاحب السلطان المطلق فى خلقه، فله - سبحانه - أن يعذب من يشاء تعذيبه وله أن يرحم من يشاء رحمته.<br>قال الآلوسى: وكان الظاهر لحديث:  \"سبقت رحمتى غضبى\"  تقديم المغفرة على التعذيب، وإنما عكس هنا، لأن التعذيب للمصر على السرقة، والمغفرة للتائب منها. وقد قدمت السرقة فى الآية أولا ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق.<br>أو لأن المراد بالتعذيب القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله - تعالى - والأول فى الدنيا والثانى فى الآخرة، فجىء به على ترتيب الوجود. ولأن المقام مقام الوعيد.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تذييل مؤكد لما قبله، ومقرر لشمول قدرته - سبحانه - على كل شىء.<br>هذا وقد تكلم العلماء عن معنى السرقة، وعن شروط إقامة حدها، وعن طريقة إثباتها. وعن غير ذلك من المسائل المتعلقة بها، تكلموا عن كل ذلك باستفاضة فى كتب الفقه وفى بعض كتب التفسير.<br>ونرى أنه لا بأس من ذكر خلاصة لبعض المسائل التى تحدثوا عنها فنقول:<br>1 - عرف الفقهاء السرقة شرعا بأنها أخذ العاقل البالغ مقدارا مخصوصاً من المال على طريق الاستخفاء من حرز بمكان أو حافظ وبدون شبهة.<br>2 - وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئاً قطعت يده به، سواء أكان قليلا أم كثيراً، لعموم هذه الآية.<br>ولكن جمهور الفقهاء يرون أنه لا تقطع يد السارق إلا إذا بلغ المسروق قدراً معيناً من المال، وقد تفاوتت أنظارهم فى هذا القدر.<br>فالأحناف يرون أنه لا قطع إلا فى عشرة دراهم فصاعداً، أو فيما قيمته عشرة دراهم. ومن حججهم ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"لا قطع فيما دون عشرة دراهم\" .<br>والمالكية والشافعية يرون أنه لا قطع إلا فى ربع دينار أو فيما قيمته ذلك.<br>ومن حججهم ما روى عن عائشة أنها قالت: \"تقطع يد السارق فى ربع دينار فصاعداً\".<br>قال القرطبى: وظاهر الآية العموم فى كل سارق وليس كذلك لقوله صلى الله عليه وسلم  \"لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعداً\"  فبين أنه إنما أراد بقوله { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } بعض السراق دون بعض، فلا تقطع يد السارق فى أقل من ربع دينار، ويقطع فى ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار أو فى ثلاثة دراهم.. وقال أحمد: إن سرق ذهبا فربع دينار. وإن سرق غير الذهب والفضة فالقيمة ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق\".<br>وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى: لا تقطع يد السارق إلا فى عشرة دراهم كيلا، أو فى دينار ذهباً عيناً أو وزناً. ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك صاحبه.. ثم قال: وتقطع اليد من الرسغ. ولا خلاف فى أن اليمنى هى التى تقطع أولا\".<br>3 - وقد اشترط الفقهاء فى المال المسروق الذى تقطع فيه يد السارق أن يكون مالا محرزاً، أى مصوناً محفوظاً معنيا بحفظه العناية اللائقة بمثله.<br>قال القرطبى: الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف فى كل شىء بحسب حاله. قال ابن المنذر: ليس فى هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم. وإنما ذلك كالإِجماع من أهل العلم. وحكى عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز. وفى الموطأ لمالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا قطع فى ثمر معلق - أى فى ثمر على الأشجار - ولا حريسة جبل - أى ما يحرس بالجبل - فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن\" .<br>كذلك اشترطوا عدم الشبهة فى المال المسروق، لقوله صلى الله عليه وسلم:  \"ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم\" .<br>فلا يقطع من سرق مالا له فيه شركة، أو سرق من مدينه مثل دينه، ولا يقطع البعد إذا سرق من مال سيده. ولا الأب إذا سرق من مال ابنه وما أشبه ذلك لوجود الشبهة.<br>كذلك اشترطوا فى المسروق الذى يجب فيه الحد أن يكون مالا متقوما. أى: مما يتموَّ له الناس، ويعدونه لمقاصدهم المختلفة فلا تقطع يد السارق إذا سرق شيئاً تافها، أو سرق شيئاً مما لا يتمول كالتراب والطين والماء وما يشبه ذلك.<br>كذلك اشترطوا فيه ألا يكون مما يحرم تناوله أو إستعماله. فإذا كان مما يحرم تناوله أو استعماله كالخمر أو الخنزير أو أدوات اللهو والمجون فإنه فى تلك الأحوال لا تقطع يد السارق.<br>وهكذا نرى أن الشريعة الإِسلامية وإن كانت قد شرعت العقوبات الشديدة لزجر العصاة والمفسدين والخائنين.. إلا أنها لا تطبق هذه العقوبات إلا على الذين يستحقونها، وفى أضيق الحدود، وبأدق الشروط، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم  \"ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم\" .<br>ولو أن المسلمين ساروا على هدى شريعة الله لنالوا الأمان والاطمئنان فى دنياهم، والفوز والرضا من الله - تعالى - فى أخراهم.<br>4 - كذلك أخذ أكثر الشافعية والحنابلة من قوله - تعالى -  { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } أن التوبة تمنع إقامة الحد.<br>قالوا: لأن هذه الآية قد اقترنت بقوله - تعالى: { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا } فكانت مخصصة للعموم فى الأمر بالقطع، وإلا ما اقترنت به ولأنه قد ورد فى الأحاديث الصحيحة أن التوبة تجب ما قبلها ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:  \"التائب من الذنب كمن لا ذنب له\" .<br>ويرى الأحناف والمالكية أن التوبة لا تسقط الحد، لأن الأمر بالقطع عام يشمل التائب وغير التائب، والتوبة المنصوص عليها فى هذه الآية هى ما يكون بعد إقامة الحد كما جاءت بذلك الأحاديث النبوية.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ } إلخ. أى: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله إن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه. فأما أموال الناس فلابد من ردها إليهم أو رد بدلها. وهذا عند الجمهور.<br>وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت فى يده فإنه لا يرد بدلها.<br>وقد روى الدار قطنى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسارق قد سرق شملة فقال  \"ما إخاله قد سرق فقال السارق: بلى يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فاقطعوا ثم احسموه ثم ائتونى به فقطع فأتى به فقال: تب إلى الله، فقال: تبت إلى الله. فقال: تاب الله عليك\"  - أى: قبل توبتك.<br>وروى ابن ماجه عن ثعلبة الأنصارى: أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:  \"يا رسول الله، إنى سرقت جملا لبنى فلان فطهرنى. فأرسل إليهم النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا. فأمر به فقطعت يده وهو يقول: الحمد لله الذى طهرنى منك. أردت أن تدخلى جسدى النار\" .<br>روى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمرو  \"أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله: إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - اقطعوا يدها. فقطعت يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل لى من توبة يا رسول الله؟ قال: نعم. أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك، فأنزل الله - تعالى -: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ }\"  الآية.<br>هذه خلاصة لبعض المسائل والأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى ما كتبه الفقهاء فى كتبهم، وإلى ما كتبه بعض المفسرين فى تفاسيرهم.<br>وبعد أن بين - سبحانه - ما بين من تكاليف قويمة، وشرائع حكيمة، تهدى من اتبعها إلى السعادة فى الدنيا والآخرة. أتبع ذلك بالحديث عن بعض الوسائل الخبيثة التى ابتعها اليهود وأشباهم لكيد الدعوة الإِسلامية، فذكر تلاعبهم بأحكامه - تعالى -، ومحاولتهم فتنة الرسول صلى الله عليه وسلم عند تقاضيهم أمامه، وحذر - سبحانه - رسوله من مكرهم وساق له ما يسليه ويشرح صدره، فقال - تعالى -:<br> { يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ... }<br>"
    },
    {
        "id": "757",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "76",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "الاستفهام فى قوله { أَتَعْبُدُونَ } لإِنكار واقعهم والتعجيب مما وقع منهم، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم.<br>و{ ما } فى قوله { مَا لاَ يَمْلِكُ } يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذى وأن تكون نكرة موصوفة. والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب.<br>وقوله { يملك } من الملك بمعنى حيازة الشىء والتمكن من التصرف فيه بدون عجز.<br>والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم فى الكفر والشرك قل لهم: أتعبدون معبودات غير الله - تعالى - هذه المعبودات لا تملك أن تصيبكم بشىء من الضرر كالمرض والفقر، ولا تملك أيضاً أن تنفعكم بشىء من النفع كبسط الرزق ودفع الضرر وغير ذلك مما أنتم فى حاجة إليه.<br>فالمراد بما لا يملك: كل ما عبد من دون الله من حجر أو وثن أو غيرهما فتكون \"ما\" للعموم وليست كناية عن عيسى وأمه فحسب.<br>وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال: يقول - تعالى - منكراً على من عبد غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، ومبينا له أنها لا تستحق شيئاً من الألوهية فقال - تعالى - { قُلْ } أى: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بنى آدم ودخل فى ذلك النصارى وغيرهم { أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً }.<br>ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله: { مَا لاَ يَمْلِكُ } عيسى - عليه السلام - أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال آخرون منهم: إن الله ثالث ثلاثة، فتكون الآية دليلا آخر - بعد الأدلة السابقة - على فساد أقوال النصارى فى عيسى وأمه مريم.<br>والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون - من دون الله - عيسى وأمه وهما لا يستطيعان أن يضراكم بشىء من الضرر فى الأنفس والأموال، ولا أن ينفعاكم بشىء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسعة، لأن الضر والنفع من الله وحده وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو بتمكين الله لهم وليس بقدرتهم الذاتية.<br>وأوثرت \"ما\" على \"من\" لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا، ببيان انتظامهما فى مسلك الأشياء التى لا قدرة لها على شىء ألا ولا شك أن من صفات الرب أن يكون قادراً على كل شىء، فقول النصارى بأن الله هو المسيح ابن مريم أو هو ثالث ثلاثة، قول ظاهر البطلان واضح الفساد.<br>وعلى كلا القوالين فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك إله سوى الله - تعالى - يستحق العبادة والخضوع، لأنه - سبحانه - هو المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } وقدم - سبحانه - الضر على النفع فقال: { مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعة من تطلعها إلى جلب الخير، ولأنهم كانوا يبعدون غير الله - تعالى - وهمهم الأكبر أن هذا المعبود يستطيع أن يقربهم إلى الله زلفى، وأن يمنع عنهم المصائب والأضرار.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } فى محل نصب على الحال. من فاعل { أَتَعْبُدُونَ } أى أتعبدون آلهة سوى الله لا تملك ضرركم أو نفعكم وتتركون عبادة الله والحال أن الله وحده هو السميع لكل ما تنطقون به، العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم، وسيحاسبكم على ذلك وسيجازيكم على أقوالكم الباطلة وعقائدكم الزائفة، بما تستحقون من عذاب أليم.<br>ثم أرشدهم - سبحانه - إلى طريق الحق، ونهاهم عن الغلو الباطل فقال: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ } والغلو مصدر غلا فى الأمر: إذا تجاوز الحد. وهو نقيض التقصير.<br>وقد نهى النبى - صلى الله عليه وسلم عن الغلو حتى فى الدين، فقد روى الإِمام أحمد والنسائى وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إياكم والغلو فى الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو فى الدين\" .<br>وروى البخارى عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله\" .<br>وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"هلك المتنطعون. قالها ثلاثة\"  والمتنطعون هم المتشددون المتجاوزون للحدود التى جاءت بها تعاليم الإِسلام.<br>وقد غالى أهل الكتاب فى شأن عيسى - عليه السلام - أما اليهود فقد كفروا به ونسبوه إلى الزنا وافتروا عليه وعلى أمه افتراء شديداً وأما النصارى فقد وصفوه بالألوهية فوضعوه فى غير موضعه الذى وضعه الله فيه وهو منصب الرسالة. وكما غالوا فى شأن عيسى عليه السلام - فقد غالوا أيضا فى تمسكهم بعقائدهم الزائفة، مع أن الدلائل الواضحة قد دلت على بطلانها وفسادها.<br>وقوله { غَيْرَ ٱلْحَقِّ } منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف. أى: لا تغلوا فى دينكم غلوا غير الحق: أى: غلوا باطلا.<br>وقوله: { وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ } معطوف على قوله: { لاَ تَغْلُواْ }.<br>قال الفخر الرازى: الأهواء - ههنا - المذاهب التى تدعو إليها الشهوة دون الحجة.<br>قال الشعبى: ما ذكر الله لفظ الهوى فى القرآن إلا ذمه. قال:  { وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }  وقال: { وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ } وقال: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } وقال: { أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا فى الشر لا يقال: فلان يهوى الخير إنما يقال يريد الخير ويحبه.<br>وقيل: سمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه فى النار. وأنشد فى ذم الهوى:<br>إن الهوى الهوان بعينهفإذا هويت فقد لقيت هواناًوقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذى جعل هو أى على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة.<br>والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب الذين تجاوزوا الحدود التى تقرها الشرائع والعقول السليمة، قل لهم يا أهل الكتاب: { لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ } أى: لا تتجاوزوا حدود الله تجاوزوا باطلا، كأن تعبدوا سواه مع أنه هو الذى خلقكم ورزقكم، وكأن تصفوا عيسى بأوصاف هو برئ منها.<br>وقل لهم أيضاً: { وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ } أى: ولا تتبعوا شهوات وأقوال قوم من أسلافكم وعلمائكم ورؤسائكم { قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } أى: قد ضلوا من قبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم بتحريفهم للكتب السماوية وتركهم لتعاليمها جرياً وراء شهواتهم وأهوائهم { وَأَضَلُّواْ كَثِيراً } أى أنهم لم يكتفوا بضلال أنفسهم بل أضلوا أناساً كثيرين سواهم ممن قلدهم ووافقهم على أكاذيبهم وقوله: { وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيل } معطوف على قوله { قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ }.<br>أى أنهم قد ضلوا من قبل البعثة النبوية الشريفة، وضلوا من بعدها عن { سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ } أى: عن الطريق الواضح الذى أتى به النبى صلى الله عليه وسلم وهو طريق الإِسلام وذلك لأنهم لم يتبعوه صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم بصدقه؛ بل كفروا به حسدا له على ما آتاه الله من فضله.<br>فأنت ترى أنه - تعالى - قد وصفهم - كما يقول الإِمام الرازى - بثلاث درجات فى الضلال: فبين أنهم كانوا ضالين من قبل، ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى الآن ضالون كما كانوا ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقابه من هذه الحالة ويحتمل أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم فى ذلك الإِضلال أنه إرشاد إلى الحق.<br>هذا، ومما أخذه العلماء من هذه الآية الكريمة أن الغلو فى الدين لا يجوز وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وقد سقنا من الآثار ما يشهد بذلك عند تفسيرنا لصدر الآية الكريمة.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه دلت الآية على أن الغلو فى الدين غلوان \"غلو حق\" وهو أن يفحص عن حقائقه، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد فى تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون. وغلوا باطل، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإِعراض عن الأدلة واتباع الشبه. كما يفعل أهل الأهواء والبدع والضلال.<br>ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض الرذائل التى شاعت فى بنى إسرائيل، والتى بسببها استحقوا اللعن والطرد من رحمة الله فقال - تعالى -:<br> { لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... }<br>"
    },
    {
        "id": "758",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "77",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "الاستفهام فى قوله { أَتَعْبُدُونَ } لإِنكار واقعهم والتعجيب مما وقع منهم، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم.<br>و{ ما } فى قوله { مَا لاَ يَمْلِكُ } يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذى وأن تكون نكرة موصوفة. والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب.<br>وقوله { يملك } من الملك بمعنى حيازة الشىء والتمكن من التصرف فيه بدون عجز.<br>والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم فى الكفر والشرك قل لهم: أتعبدون معبودات غير الله - تعالى - هذه المعبودات لا تملك أن تصيبكم بشىء من الضرر كالمرض والفقر، ولا تملك أيضاً أن تنفعكم بشىء من النفع كبسط الرزق ودفع الضرر وغير ذلك مما أنتم فى حاجة إليه.<br>فالمراد بما لا يملك: كل ما عبد من دون الله من حجر أو وثن أو غيرهما فتكون \"ما\" للعموم وليست كناية عن عيسى وأمه فحسب.<br>وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال: يقول - تعالى - منكراً على من عبد غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، ومبينا له أنها لا تستحق شيئاً من الألوهية فقال - تعالى - { قُلْ } أى: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بنى آدم ودخل فى ذلك النصارى وغيرهم { أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً }.<br>ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله: { مَا لاَ يَمْلِكُ } عيسى - عليه السلام - أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال آخرون منهم: إن الله ثالث ثلاثة، فتكون الآية دليلا آخر - بعد الأدلة السابقة - على فساد أقوال النصارى فى عيسى وأمه مريم.<br>والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون - من دون الله - عيسى وأمه وهما لا يستطيعان أن يضراكم بشىء من الضرر فى الأنفس والأموال، ولا أن ينفعاكم بشىء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسعة، لأن الضر والنفع من الله وحده وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو بتمكين الله لهم وليس بقدرتهم الذاتية.<br>وأوثرت \"ما\" على \"من\" لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا، ببيان انتظامهما فى مسلك الأشياء التى لا قدرة لها على شىء ألا ولا شك أن من صفات الرب أن يكون قادراً على كل شىء، فقول النصارى بأن الله هو المسيح ابن مريم أو هو ثالث ثلاثة، قول ظاهر البطلان واضح الفساد.<br>وعلى كلا القوالين فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك إله سوى الله - تعالى - يستحق العبادة والخضوع، لأنه - سبحانه - هو المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } وقدم - سبحانه - الضر على النفع فقال: { مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعة من تطلعها إلى جلب الخير، ولأنهم كانوا يبعدون غير الله - تعالى - وهمهم الأكبر أن هذا المعبود يستطيع أن يقربهم إلى الله زلفى، وأن يمنع عنهم المصائب والأضرار.<br>وقوله: { وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } فى محل نصب على الحال. من فاعل { أَتَعْبُدُونَ } أى أتعبدون آلهة سوى الله لا تملك ضرركم أو نفعكم وتتركون عبادة الله والحال أن الله وحده هو السميع لكل ما تنطقون به، العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم، وسيحاسبكم على ذلك وسيجازيكم على أقوالكم الباطلة وعقائدكم الزائفة، بما تستحقون من عذاب أليم.<br>ثم أرشدهم - سبحانه - إلى طريق الحق، ونهاهم عن الغلو الباطل فقال: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ } والغلو مصدر غلا فى الأمر: إذا تجاوز الحد. وهو نقيض التقصير.<br>وقد نهى النبى - صلى الله عليه وسلم عن الغلو حتى فى الدين، فقد روى الإِمام أحمد والنسائى وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إياكم والغلو فى الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو فى الدين\" .<br>وروى البخارى عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله\" .<br>وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"هلك المتنطعون. قالها ثلاثة\"  والمتنطعون هم المتشددون المتجاوزون للحدود التى جاءت بها تعاليم الإِسلام.<br>وقد غالى أهل الكتاب فى شأن عيسى - عليه السلام - أما اليهود فقد كفروا به ونسبوه إلى الزنا وافتروا عليه وعلى أمه افتراء شديداً وأما النصارى فقد وصفوه بالألوهية فوضعوه فى غير موضعه الذى وضعه الله فيه وهو منصب الرسالة. وكما غالوا فى شأن عيسى عليه السلام - فقد غالوا أيضا فى تمسكهم بعقائدهم الزائفة، مع أن الدلائل الواضحة قد دلت على بطلانها وفسادها.<br>وقوله { غَيْرَ ٱلْحَقِّ } منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف. أى: لا تغلوا فى دينكم غلوا غير الحق: أى: غلوا باطلا.<br>وقوله: { وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ } معطوف على قوله: { لاَ تَغْلُواْ }.<br>قال الفخر الرازى: الأهواء - ههنا - المذاهب التى تدعو إليها الشهوة دون الحجة.<br>قال الشعبى: ما ذكر الله لفظ الهوى فى القرآن إلا ذمه. قال:  { وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }  وقال: { وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ } وقال: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } وقال: { أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا فى الشر لا يقال: فلان يهوى الخير إنما يقال يريد الخير ويحبه.<br>وقيل: سمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه فى النار. وأنشد فى ذم الهوى:<br>إن الهوى الهوان بعينهفإذا هويت فقد لقيت هواناًوقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذى جعل هو أى على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة.<br>والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب الذين تجاوزوا الحدود التى تقرها الشرائع والعقول السليمة، قل لهم يا أهل الكتاب: { لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ } أى: لا تتجاوزوا حدود الله تجاوزوا باطلا، كأن تعبدوا سواه مع أنه هو الذى خلقكم ورزقكم، وكأن تصفوا عيسى بأوصاف هو برئ منها.<br>وقل لهم أيضاً: { وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ } أى: ولا تتبعوا شهوات وأقوال قوم من أسلافكم وعلمائكم ورؤسائكم { قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } أى: قد ضلوا من قبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم بتحريفهم للكتب السماوية وتركهم لتعاليمها جرياً وراء شهواتهم وأهوائهم { وَأَضَلُّواْ كَثِيراً } أى أنهم لم يكتفوا بضلال أنفسهم بل أضلوا أناساً كثيرين سواهم ممن قلدهم ووافقهم على أكاذيبهم وقوله: { وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيل } معطوف على قوله { قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ }.<br>أى أنهم قد ضلوا من قبل البعثة النبوية الشريفة، وضلوا من بعدها عن { سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ } أى: عن الطريق الواضح الذى أتى به النبى صلى الله عليه وسلم وهو طريق الإِسلام وذلك لأنهم لم يتبعوه صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم بصدقه؛ بل كفروا به حسدا له على ما آتاه الله من فضله.<br>فأنت ترى أنه - تعالى - قد وصفهم - كما يقول الإِمام الرازى - بثلاث درجات فى الضلال: فبين أنهم كانوا ضالين من قبل، ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى الآن ضالون كما كانوا ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقابه من هذه الحالة ويحتمل أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم فى ذلك الإِضلال أنه إرشاد إلى الحق.<br>هذا، ومما أخذه العلماء من هذه الآية الكريمة أن الغلو فى الدين لا يجوز وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وقد سقنا من الآثار ما يشهد بذلك عند تفسيرنا لصدر الآية الكريمة.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه دلت الآية على أن الغلو فى الدين غلوان \"غلو حق\" وهو أن يفحص عن حقائقه، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد فى تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون. وغلوا باطل، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإِعراض عن الأدلة واتباع الشبه. كما يفعل أهل الأهواء والبدع والضلال.<br>ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض الرذائل التى شاعت فى بنى إسرائيل، والتى بسببها استحقوا اللعن والطرد من رحمة الله فقال - تعالى -:<br> { لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... }<br>"
    },
    {
        "id": "792",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "111",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } هذا أيضاً من الامتنان على عيسى، بأن جعل الله له أصحاباً وأنصاراً - وهم الحواريون - والمراد بهذا الوحى الإِلهام كما فى قوله: { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } وكما فى قوله { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } وقال بعض السلف فى هذه الآية { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: ألهموا ذلك فامتثلوا ما الهموا.<br>فأنت ترى أن الإِمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحى هنا الإِلهام. وعلى ذلك كثير من المفسرين، ومنهم من يرى أن المراد بقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: مرتهم فى الإِنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلى.<br>قال الآلوسى معززاً هذا الرأى: وقد جاء استعمال الوحى بمعنى الأمر فى كلام العرب، كما قال الزجاج وأنشد:<br>الحمد لله الذى استقلتبإذنه السماء وأطمأنت<br>أوحى لها القرار فاستقرتأى: أمرها أن تقر فامتثلت.<br>والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى الذين لازموه وآمنوا به وصدقوه. وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق.<br>يقال: فلان حوارى فلان. أى: خاصته من أصحابه. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الزبير بن العوام:  \"لكل نبى حوارى وحوارى الزبير\" .<br>وأصل مادة \"حور\" الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض، ولذلك قالوا فى خالص لباب الدقيق: الحوارى وقالوا فى النساء البيض: الحواريات والحوريات.<br>وقد سمى الله - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين، لأنهم أخلصوا لله نياتهم، وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض.<br>قال الراغب: والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل كانوا صيادين وقال بعض العلماء إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم.<br>والمعنى: اذكر نعمتى عليك - يا عيسى - حين { أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } بطريق الإِلهام أو بطريق الأمر على لسانك، وقلت لهم: { أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } أى: آمنوا وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة والخضوع وآمنوا برسولى عيسى بأنه مرسل من جهتى لهدايتكم وسعادتكم.<br>وفى ذكر كلمة { برسولي } إشارة إلى مقامه من الله - عز وجل - وانفصال شخصه عن ذات الله - سبحانه - وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من زعموا أنه غير ذلك جاهلون وضالون.<br>وقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } حكاية لما نطق به الحواريون من إيمان وطاعة.<br>أى: أن الحورايين عندما دعوا إلى الدين الحق { قَالُوۤاْ آمَنَّا } بأن الله هو الواحد الأحد المستحق للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد. ثم أكدوا إيمانهم هذا، بأن قالوا { وَٱشْهَدْ } علينا يا آلهنا واشهد لنا يا عيسى يوم القيامة { بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } أى: منقادون لكل ما جئتنا به وما تدعونا إليه.<br>وقدموا ذكر الإِيمان لأنه صفة القلب، وأخروا ذكر الإِسلام لأنه عبارة عن الانقياد الظاهر فكأنهم قالوا: لقد استقر الإيمان فى قلوبنا استقراراً مكينا، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا الله به على لسانك يا عيسى.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل: إنه - تعالى - قال فى أول الآية { ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ } ثم إن جميع ما ذكره - تعالى - من النعم مختص بعيسى، وليس لأمه تعلق بشىء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } فجعلهما معاً آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر.<br>وإنما ذكر - سبحانه قوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } فى معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإِنسان مقبول القول عند الناس محبوباً فى قلوبهم، من أعظم نعم الله على الإِنسان.<br>وقد عدد عليه من النعم سبعاً: { إِذْ أَيَّدتُّكَ } ) ( { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ } ) ( { وَإِذْ تَخْلُقُ } ) ( { وَإِذْ َتُبْرِىءُ } ) ( { وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } ) ( { وَإِذْ كَفَفْتُ } ) ( { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }.<br>\"المائدة\" الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد، إذا تحرك. فكأن المائدة تتحرك بما عليها. وقال أبو عبيدة: سميت \"مائدة\" لأنها ميد بها صاحبها. أى: أعطيها وتفضل عليه بها. والخوان: ما يؤكل عليه الطعام.<br>ويرى الأخفش وغيره أن المائدة هى الطعام نفسه، مأخوذة من \"ماده\" إذا أفضل.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف تقديره: اذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم.<br>وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا ألوهيته أو ولديته وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } فيه قراءتان سبعيتان:<br>الأولى: { يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بالياء - على أنه فعل فاعل. وقوله { أَن يُنَزِّلَ } المفعول. والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز، لأن الحواريين كانوا مؤمنين، ولا يعقل من مؤمن أن يشك فى قدرة الله.<br>ومن تخرجاتهم فى معنى هذه القراءة أن قوله { يستطيع } بمعى\" يطيع\" والسين زائدة. كاستجاب وأجاب.<br>أى: أن معنى الجملة الكريمة: هل يطيعك - ربك يا عيسى إن سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء.<br>وسنفصل القول فى تخريج هذه القراءة، وفى اختلاف المفسرين فى إيمان الحواريين بعد انتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة.<br>أما القراءة الثانية: فهى \"هل تستطيع ربك\" بالتاء وبفتح الباء فى \"ربك\" والمعنى: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. فقوله \"ربك\" منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه القراءة لا إشكال فيها، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى. أى: أتستطيع يا عيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟<br>قال القرطبى: قراءة الكسائى وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد \"هل تستطيع\" بالتاء \"ربك\" بالنصب وقرأ الباقون بالياء \"هل تستطيع\"ربك\" بالرفع.<br>والمعنى على قراءة الكسائى - بالتاء: هل تستطيع أن تسأل ربك..<br>قالت عائشة: كان القوم أعلم  بالله - تعالى -  من أن يقولوا \"هل يستطيع ربك\" وقال معاذ: أقرأنا النبى صلى الله عليه وسلم: هل تستطيع ربك قال معاذ: وسمعت النبى صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء\".<br>وقوله - سبحانه - { قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } حكاية لما رد به عيسى على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة:<br>أى قال لهم عيسى: اتقوا الله وقفوا عند حدوده، واملأوا قلوبكم هيبة وخشية منه، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان، فإن المؤمن الصادق فى إيمانه يبتعد، عن أمثال هذه المطالب التى قد تؤدى إلى فتنته.<br>ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون على عيسى فقال: { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ }.<br>أى: قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء لأسباب:<br>أولها: إننا نرغب فى الأكل منها لننال البركة، ولأننا فى حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك.<br>وثانيها: أننا نرغب فى نزولها لكى تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالى، مما يؤدى إلى رسوخ الإِيمان، وقوة اليقين.<br>وثالثها: أننا نرغب فى نزولها لكى نعلم أن قد صدقتنا فى دعوة النبوة، وفى جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية، وفى ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك فى نبوتك.<br>ورابع هذه الأسباب: أننا نرغب فى نزولها لكى نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل، ليزداد الذين آمنوا منهم إيماناً، ويؤمن الذى عنده استعداد للإِيمان.<br>وبذلك نرى أن الحواريين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون فى قدرة الله، أو فى نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب التعنت. وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التى يبغون من ورائها الأكل وزيادة الإِيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها بكمال قدرة الله وصدق عيسى فى نبوته.<br>ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به عيسى بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه فى سبب طلبهم لنزول المائدة من السماء فقال - تعالى - { قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ }.<br>وقوله: { اللهم } أى: يا الله. فالميم المشددة عوض عن حرف النداء، ولذلك لا يجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذى الجلال والإِكرام.<br>وقوله: { عيدا } أى سرورا وفرحا لنا، لأن كلمة العيد تستعمل بمعنى الفرح والسرور.<br>قال القرطبى: والعيد واحد الأعياد. أصله من عاد يعود أى: رجع وقيل ليوم الفطر والأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل: \"العيد كل يوم يجمع الناس فيه كأنهم عادوا إليه، وقال ابن الانبارى: سمى عيدا للعود إلى المرح والفرح فهو يوم سرور\".<br>والمعنى: قال عيسى بضراعة وخشوع - بعد أن سمع من الحواريين حجتهم - { ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ } أى: يا الله يا ربنا ومالك أمرنا، ومجيب سؤالنا. أتوسل إليك أن تنزل علينا { مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } أى: أطعمة كائنة من السماء، هذه الأطعمة { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } أى: يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها، ويكون - أيضاً - يوم نزولها عيداً وسروراً وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدنا.<br>قال ابن كثير. قال السدى: أى نتخذ ذلك اليوم الذى نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان الثورى: يعنى يوما نصلى فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسى: تكون عظة لنا ولمن بعدنا.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } معطوف على قوله { عيداً }.<br>أى: تكون هذه المائدة النازلة من السماء عيداً لأولنا وآخرنا، وتكون أيضاً - دليلا - وعلامة منك - سبحانك - على صحة نبوتى ورسالتى، فيصدقونى فيما أبلغه عنك، ويزداد يقينهم بكمال قدرتك.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } تذييل بمثابة التعليل لما قبله. أى: أنزلها علينا يا ربنا وأزرقنا من عندك رزقا هنيئا رغداً، فإنك أنت خير الرازقين، وخير المعطين، وكل عطاء من سواك لا يغنى ولا يشبع.<br>وقد جمع عيسى فى دعائه بين لفظى \"اللهم ربنا\" إظهارا لنهاية التضرع وشدة الخضوع، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول والإِجابة.<br>وعبر عن مجىء المائدة بالإنزال من السماء للإِشارة إلى أنها هبة رفيعة، ونعمة شريفة، آتية من مكان عال مرتفع فى الحسن والمعنى، فيجب أن تقابل بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإِخلاص له.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً } صفة ثانية لمائدة، وقوله { لنا } خبر كان وقوله { عيداً } حال من الضمير فى الظرف.<br>قال الفخر الرازى: تأمل فى هذا الترتيب، فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا فى طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } وأخروا الأغراض الدينية الروحانية.<br>فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال: { وَٱرْزُقْنَا } وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح فى كون بعضها روحية، وبعضها جسمانية.<br>ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكرالرزق انتقل إلى الرازق بقوله { وَٱرْزُقْنَا } لم يقف عليه: بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } فقوله: { ربنا } ابتداء منه بذكر الحق. وقوله { أَنزِلْ عَلَيْنَا } انتقال من الذات إلى الصفات.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة من المنعم.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا } إشارة إلى حصة النفس.<br>ثم قال الإِمام الرازى: فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون .<br>ثم قال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، ومن غير الله إلى الله، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية إلى الكمالات الإِلهية ونزولها.<br>ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من أقوال فقال - تعالى - : { قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { منزلها } ورد فيه قراءتان متواتران.<br>إحداهما: منزلها - بتشديد الزاى - من التنزيل وهى تفيد التكثير أو التدريج كما تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع.<br>وقرأ الباقون { منزلها } بكسر الزاى - من الإِنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة.<br>والمعنى: قال الله - تعالى - إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة لدعاء رسولى عيسى - عليه السلام - { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } أى فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فإن الله - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذاباً لا يعذب مثله أحداً من عالمى زمانه أو من العالمين جميعاً.<br>وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها: حرف إن فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ } ومنها: المصدر فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً } إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب. ومنها: وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين.<br>وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه: أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته؛ وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله.<br>أقول: الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب، وأعظم العقاب.<br>هذا، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشىء من التفصيل.<br>المسألة الأولى: آراء العلماء فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.<br>المسألة الثانية: آراء العلماء فى نزول المائدة وعدم نزولها.<br>وللاجابة على المسألة الأولى نقول: لعل منشأ الخلاف فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }؟ فإن هذا القول يشعر بشكهم فى قدرة الله على إنزال هذه المائدة.<br>وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشرى - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } متعلقا بقوله قبل ذلك { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }.<br>أى: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، فى الوقت الذى قالوا له فيه { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } فكأنهم ادعوا الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين فى دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قالوا: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بعد إيمنهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله: (وَإِذْ قَالُواْ) فإذن دعواهم كانت باطلة، وانهم كانوا شاكين، وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا فى اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها { إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } أى: إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.<br>وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها:<br>1 - أن الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } ليس متعلقا بقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا } وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود فى تفسيره فقد قال:<br>قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبئ عنه الإِظهار فى موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر.<br>وقيل: هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم\".<br>2 - أن قول الحواريين لعيسى { َلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } لا يسحب عنهم الإِيمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها.<br>(أ) أن قولهم لم يكن من باب الشك فى قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظرى بدليل أنهم قالوا بعد ذلك { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا }.<br>وشبيه بهذا قول إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } قال القرطبى ما ملخصه: \"الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التى لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة، لا يدخله شىء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } كما قال إبراهيم { وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } (ب) أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسى هذا المعنى فقال: إن معنى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة فى التقاضى.<br>والتعبير عن الفعل بالاستطاعة، من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ هى - أى الاستطاعة - من أسباب الإيجاد.<br>(جـ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازى: قال السدى؛ قوله { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } أى: هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة.<br>والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التى ذكرناها، ولأن الله - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال:<br>{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم.<br>ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين، لما أمر الله أتباع النبى صلى الله عليه وسلم بالتأسى بهم فى إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ } وقال - تعالى - { فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } فهاتان الآيتان صريحتان فى مدح الحواريين وفى أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد.<br>وأما المسألة الثانية: وهى آراء العلماء فى نزول المائدة: فالجمهور على أنها نزلت.<br>وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: والصواب من القول عندنا فى ذلك أن يقال:<br>إن الله أنزل المائدة.. لأن الله لا يخلف وعده، ولا يقع فى خبره الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا فى كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } وغير جائز أن يقول الله إنى منزلها عليكم ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه - تعالى - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر.<br>وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال: وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.<br>ومن الآثار ما خرجه الترمذى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد: فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير\" .<br>قال الترمذى: وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح.<br>وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.<br>والذى يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيراً عما كان على المائدة من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها والباقى عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر -رحمه الله  - أثرا طويلا فى هذا المعنى ثم قال فى نهايته: هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم فى مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم\".<br>ويعجبنى فى هذا المقام قول ابن جرير: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزاً، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.<br>ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.<br>وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً أنه قال فى المائدة: إنها لم تنزل.<br>وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شىء.<br>أى: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.<br>قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. ولس فى كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعى على نقله. وكان يكون موجوداً فى كتابهم متواتراً ولا أقل من الآحاد\".<br>وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال: ولنا أن نقول: إن هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط، فقد يكون له شىء من الوجاهة وإن كان يعنى أنها لا تنزل ولم يسأل، فهو محل نظر كبير، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعى على نقله، لا سيما وعيسى فى بيئة محصورة: جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها فى كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شىء.<br>وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - تعالى - فى القرآن قد قصه فى غيره من الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شىء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التى لم تنته بحادث كونى حتى يكون عدم ذكرهم إياها فى أنا جيلهم - التى وضعوها - دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين.<br>ومن الجائز أن تكون مما ورد فى الأناجيل، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على كتبهم التى وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيراً منها، وأنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون\".<br>هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها، كما جاء فى الآية الكريمة.<br>ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك فى قوله { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل، لأن الوعد بنزولها مقيد بما رتب على من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر الآيات يؤيده، وكذلك الآثار التى وردت فى ذلك.<br>ثم حكت السورة الكريمة ما سيقوله الله لعيسى يوم القيامة، وما سيرد به عيسى على خالقه - عز وجل - حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه. بما هما بريئان منه فقال - تعالى - :<br> { وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ... }<br>"
    },
    {
        "id": "793",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "112",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } هذا أيضاً من الامتنان على عيسى، بأن جعل الله له أصحاباً وأنصاراً - وهم الحواريون - والمراد بهذا الوحى الإِلهام كما فى قوله: { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } وكما فى قوله { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } وقال بعض السلف فى هذه الآية { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: ألهموا ذلك فامتثلوا ما الهموا.<br>فأنت ترى أن الإِمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحى هنا الإِلهام. وعلى ذلك كثير من المفسرين، ومنهم من يرى أن المراد بقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: مرتهم فى الإِنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلى.<br>قال الآلوسى معززاً هذا الرأى: وقد جاء استعمال الوحى بمعنى الأمر فى كلام العرب، كما قال الزجاج وأنشد:<br>الحمد لله الذى استقلتبإذنه السماء وأطمأنت<br>أوحى لها القرار فاستقرتأى: أمرها أن تقر فامتثلت.<br>والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى الذين لازموه وآمنوا به وصدقوه. وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق.<br>يقال: فلان حوارى فلان. أى: خاصته من أصحابه. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الزبير بن العوام:  \"لكل نبى حوارى وحوارى الزبير\" .<br>وأصل مادة \"حور\" الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض، ولذلك قالوا فى خالص لباب الدقيق: الحوارى وقالوا فى النساء البيض: الحواريات والحوريات.<br>وقد سمى الله - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين، لأنهم أخلصوا لله نياتهم، وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض.<br>قال الراغب: والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل كانوا صيادين وقال بعض العلماء إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم.<br>والمعنى: اذكر نعمتى عليك - يا عيسى - حين { أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } بطريق الإِلهام أو بطريق الأمر على لسانك، وقلت لهم: { أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } أى: آمنوا وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة والخضوع وآمنوا برسولى عيسى بأنه مرسل من جهتى لهدايتكم وسعادتكم.<br>وفى ذكر كلمة { برسولي } إشارة إلى مقامه من الله - عز وجل - وانفصال شخصه عن ذات الله - سبحانه - وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من زعموا أنه غير ذلك جاهلون وضالون.<br>وقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } حكاية لما نطق به الحواريون من إيمان وطاعة.<br>أى: أن الحورايين عندما دعوا إلى الدين الحق { قَالُوۤاْ آمَنَّا } بأن الله هو الواحد الأحد المستحق للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد. ثم أكدوا إيمانهم هذا، بأن قالوا { وَٱشْهَدْ } علينا يا آلهنا واشهد لنا يا عيسى يوم القيامة { بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } أى: منقادون لكل ما جئتنا به وما تدعونا إليه.<br>وقدموا ذكر الإِيمان لأنه صفة القلب، وأخروا ذكر الإِسلام لأنه عبارة عن الانقياد الظاهر فكأنهم قالوا: لقد استقر الإيمان فى قلوبنا استقراراً مكينا، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا الله به على لسانك يا عيسى.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل: إنه - تعالى - قال فى أول الآية { ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ } ثم إن جميع ما ذكره - تعالى - من النعم مختص بعيسى، وليس لأمه تعلق بشىء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } فجعلهما معاً آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر.<br>وإنما ذكر - سبحانه قوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } فى معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإِنسان مقبول القول عند الناس محبوباً فى قلوبهم، من أعظم نعم الله على الإِنسان.<br>وقد عدد عليه من النعم سبعاً: { إِذْ أَيَّدتُّكَ } ) ( { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ } ) ( { وَإِذْ تَخْلُقُ } ) ( { وَإِذْ َتُبْرِىءُ } ) ( { وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } ) ( { وَإِذْ كَفَفْتُ } ) ( { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }.<br>\"المائدة\" الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد، إذا تحرك. فكأن المائدة تتحرك بما عليها. وقال أبو عبيدة: سميت \"مائدة\" لأنها ميد بها صاحبها. أى: أعطيها وتفضل عليه بها. والخوان: ما يؤكل عليه الطعام.<br>ويرى الأخفش وغيره أن المائدة هى الطعام نفسه، مأخوذة من \"ماده\" إذا أفضل.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف تقديره: اذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم.<br>وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا ألوهيته أو ولديته وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } فيه قراءتان سبعيتان:<br>الأولى: { يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بالياء - على أنه فعل فاعل. وقوله { أَن يُنَزِّلَ } المفعول. والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز، لأن الحواريين كانوا مؤمنين، ولا يعقل من مؤمن أن يشك فى قدرة الله.<br>ومن تخرجاتهم فى معنى هذه القراءة أن قوله { يستطيع } بمعى\" يطيع\" والسين زائدة. كاستجاب وأجاب.<br>أى: أن معنى الجملة الكريمة: هل يطيعك - ربك يا عيسى إن سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء.<br>وسنفصل القول فى تخريج هذه القراءة، وفى اختلاف المفسرين فى إيمان الحواريين بعد انتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة.<br>أما القراءة الثانية: فهى \"هل تستطيع ربك\" بالتاء وبفتح الباء فى \"ربك\" والمعنى: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. فقوله \"ربك\" منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه القراءة لا إشكال فيها، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى. أى: أتستطيع يا عيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟<br>قال القرطبى: قراءة الكسائى وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد \"هل تستطيع\" بالتاء \"ربك\" بالنصب وقرأ الباقون بالياء \"هل تستطيع\"ربك\" بالرفع.<br>والمعنى على قراءة الكسائى - بالتاء: هل تستطيع أن تسأل ربك..<br>قالت عائشة: كان القوم أعلم  بالله - تعالى -  من أن يقولوا \"هل يستطيع ربك\" وقال معاذ: أقرأنا النبى صلى الله عليه وسلم: هل تستطيع ربك قال معاذ: وسمعت النبى صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء\".<br>وقوله - سبحانه - { قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } حكاية لما رد به عيسى على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة:<br>أى قال لهم عيسى: اتقوا الله وقفوا عند حدوده، واملأوا قلوبكم هيبة وخشية منه، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان، فإن المؤمن الصادق فى إيمانه يبتعد، عن أمثال هذه المطالب التى قد تؤدى إلى فتنته.<br>ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون على عيسى فقال: { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ }.<br>أى: قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء لأسباب:<br>أولها: إننا نرغب فى الأكل منها لننال البركة، ولأننا فى حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك.<br>وثانيها: أننا نرغب فى نزولها لكى تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالى، مما يؤدى إلى رسوخ الإِيمان، وقوة اليقين.<br>وثالثها: أننا نرغب فى نزولها لكى نعلم أن قد صدقتنا فى دعوة النبوة، وفى جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية، وفى ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك فى نبوتك.<br>ورابع هذه الأسباب: أننا نرغب فى نزولها لكى نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل، ليزداد الذين آمنوا منهم إيماناً، ويؤمن الذى عنده استعداد للإِيمان.<br>وبذلك نرى أن الحواريين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون فى قدرة الله، أو فى نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب التعنت. وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التى يبغون من ورائها الأكل وزيادة الإِيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها بكمال قدرة الله وصدق عيسى فى نبوته.<br>ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به عيسى بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه فى سبب طلبهم لنزول المائدة من السماء فقال - تعالى - { قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ }.<br>وقوله: { اللهم } أى: يا الله. فالميم المشددة عوض عن حرف النداء، ولذلك لا يجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذى الجلال والإِكرام.<br>وقوله: { عيدا } أى سرورا وفرحا لنا، لأن كلمة العيد تستعمل بمعنى الفرح والسرور.<br>قال القرطبى: والعيد واحد الأعياد. أصله من عاد يعود أى: رجع وقيل ليوم الفطر والأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل: \"العيد كل يوم يجمع الناس فيه كأنهم عادوا إليه، وقال ابن الانبارى: سمى عيدا للعود إلى المرح والفرح فهو يوم سرور\".<br>والمعنى: قال عيسى بضراعة وخشوع - بعد أن سمع من الحواريين حجتهم - { ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ } أى: يا الله يا ربنا ومالك أمرنا، ومجيب سؤالنا. أتوسل إليك أن تنزل علينا { مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } أى: أطعمة كائنة من السماء، هذه الأطعمة { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } أى: يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها، ويكون - أيضاً - يوم نزولها عيداً وسروراً وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدنا.<br>قال ابن كثير. قال السدى: أى نتخذ ذلك اليوم الذى نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان الثورى: يعنى يوما نصلى فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسى: تكون عظة لنا ولمن بعدنا.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } معطوف على قوله { عيداً }.<br>أى: تكون هذه المائدة النازلة من السماء عيداً لأولنا وآخرنا، وتكون أيضاً - دليلا - وعلامة منك - سبحانك - على صحة نبوتى ورسالتى، فيصدقونى فيما أبلغه عنك، ويزداد يقينهم بكمال قدرتك.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } تذييل بمثابة التعليل لما قبله. أى: أنزلها علينا يا ربنا وأزرقنا من عندك رزقا هنيئا رغداً، فإنك أنت خير الرازقين، وخير المعطين، وكل عطاء من سواك لا يغنى ولا يشبع.<br>وقد جمع عيسى فى دعائه بين لفظى \"اللهم ربنا\" إظهارا لنهاية التضرع وشدة الخضوع، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول والإِجابة.<br>وعبر عن مجىء المائدة بالإنزال من السماء للإِشارة إلى أنها هبة رفيعة، ونعمة شريفة، آتية من مكان عال مرتفع فى الحسن والمعنى، فيجب أن تقابل بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإِخلاص له.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً } صفة ثانية لمائدة، وقوله { لنا } خبر كان وقوله { عيداً } حال من الضمير فى الظرف.<br>قال الفخر الرازى: تأمل فى هذا الترتيب، فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا فى طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } وأخروا الأغراض الدينية الروحانية.<br>فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال: { وَٱرْزُقْنَا } وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح فى كون بعضها روحية، وبعضها جسمانية.<br>ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكرالرزق انتقل إلى الرازق بقوله { وَٱرْزُقْنَا } لم يقف عليه: بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } فقوله: { ربنا } ابتداء منه بذكر الحق. وقوله { أَنزِلْ عَلَيْنَا } انتقال من الذات إلى الصفات.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة من المنعم.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا } إشارة إلى حصة النفس.<br>ثم قال الإِمام الرازى: فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون .<br>ثم قال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، ومن غير الله إلى الله، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية إلى الكمالات الإِلهية ونزولها.<br>ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من أقوال فقال - تعالى - : { قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { منزلها } ورد فيه قراءتان متواتران.<br>إحداهما: منزلها - بتشديد الزاى - من التنزيل وهى تفيد التكثير أو التدريج كما تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع.<br>وقرأ الباقون { منزلها } بكسر الزاى - من الإِنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة.<br>والمعنى: قال الله - تعالى - إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة لدعاء رسولى عيسى - عليه السلام - { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } أى فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فإن الله - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذاباً لا يعذب مثله أحداً من عالمى زمانه أو من العالمين جميعاً.<br>وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها: حرف إن فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ } ومنها: المصدر فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً } إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب. ومنها: وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين.<br>وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه: أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته؛ وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله.<br>أقول: الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب، وأعظم العقاب.<br>هذا، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشىء من التفصيل.<br>المسألة الأولى: آراء العلماء فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.<br>المسألة الثانية: آراء العلماء فى نزول المائدة وعدم نزولها.<br>وللاجابة على المسألة الأولى نقول: لعل منشأ الخلاف فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }؟ فإن هذا القول يشعر بشكهم فى قدرة الله على إنزال هذه المائدة.<br>وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشرى - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } متعلقا بقوله قبل ذلك { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }.<br>أى: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، فى الوقت الذى قالوا له فيه { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } فكأنهم ادعوا الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين فى دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قالوا: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بعد إيمنهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله: (وَإِذْ قَالُواْ) فإذن دعواهم كانت باطلة، وانهم كانوا شاكين، وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا فى اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها { إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } أى: إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.<br>وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها:<br>1 - أن الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } ليس متعلقا بقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا } وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود فى تفسيره فقد قال:<br>قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبئ عنه الإِظهار فى موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر.<br>وقيل: هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم\".<br>2 - أن قول الحواريين لعيسى { َلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } لا يسحب عنهم الإِيمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها.<br>(أ) أن قولهم لم يكن من باب الشك فى قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظرى بدليل أنهم قالوا بعد ذلك { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا }.<br>وشبيه بهذا قول إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } قال القرطبى ما ملخصه: \"الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التى لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة، لا يدخله شىء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } كما قال إبراهيم { وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } (ب) أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسى هذا المعنى فقال: إن معنى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة فى التقاضى.<br>والتعبير عن الفعل بالاستطاعة، من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ هى - أى الاستطاعة - من أسباب الإيجاد.<br>(جـ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازى: قال السدى؛ قوله { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } أى: هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة.<br>والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التى ذكرناها، ولأن الله - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال:<br>{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم.<br>ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين، لما أمر الله أتباع النبى صلى الله عليه وسلم بالتأسى بهم فى إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ } وقال - تعالى - { فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } فهاتان الآيتان صريحتان فى مدح الحواريين وفى أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد.<br>وأما المسألة الثانية: وهى آراء العلماء فى نزول المائدة: فالجمهور على أنها نزلت.<br>وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: والصواب من القول عندنا فى ذلك أن يقال:<br>إن الله أنزل المائدة.. لأن الله لا يخلف وعده، ولا يقع فى خبره الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا فى كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } وغير جائز أن يقول الله إنى منزلها عليكم ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه - تعالى - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر.<br>وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال: وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.<br>ومن الآثار ما خرجه الترمذى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد: فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير\" .<br>قال الترمذى: وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح.<br>وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.<br>والذى يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيراً عما كان على المائدة من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها والباقى عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر -رحمه الله  - أثرا طويلا فى هذا المعنى ثم قال فى نهايته: هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم فى مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم\".<br>ويعجبنى فى هذا المقام قول ابن جرير: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزاً، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.<br>ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.<br>وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً أنه قال فى المائدة: إنها لم تنزل.<br>وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شىء.<br>أى: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.<br>قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. ولس فى كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعى على نقله. وكان يكون موجوداً فى كتابهم متواتراً ولا أقل من الآحاد\".<br>وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال: ولنا أن نقول: إن هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط، فقد يكون له شىء من الوجاهة وإن كان يعنى أنها لا تنزل ولم يسأل، فهو محل نظر كبير، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعى على نقله، لا سيما وعيسى فى بيئة محصورة: جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها فى كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شىء.<br>وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - تعالى - فى القرآن قد قصه فى غيره من الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شىء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التى لم تنته بحادث كونى حتى يكون عدم ذكرهم إياها فى أنا جيلهم - التى وضعوها - دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين.<br>ومن الجائز أن تكون مما ورد فى الأناجيل، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على كتبهم التى وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيراً منها، وأنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون\".<br>هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها، كما جاء فى الآية الكريمة.<br>ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك فى قوله { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل، لأن الوعد بنزولها مقيد بما رتب على من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر الآيات يؤيده، وكذلك الآثار التى وردت فى ذلك.<br>ثم حكت السورة الكريمة ما سيقوله الله لعيسى يوم القيامة، وما سيرد به عيسى على خالقه - عز وجل - حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه. بما هما بريئان منه فقال - تعالى - :<br> { وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ... }<br>"
    },
    {
        "id": "794",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "113",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } هذا أيضاً من الامتنان على عيسى، بأن جعل الله له أصحاباً وأنصاراً - وهم الحواريون - والمراد بهذا الوحى الإِلهام كما فى قوله: { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } وكما فى قوله { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } وقال بعض السلف فى هذه الآية { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: ألهموا ذلك فامتثلوا ما الهموا.<br>فأنت ترى أن الإِمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحى هنا الإِلهام. وعلى ذلك كثير من المفسرين، ومنهم من يرى أن المراد بقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: مرتهم فى الإِنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلى.<br>قال الآلوسى معززاً هذا الرأى: وقد جاء استعمال الوحى بمعنى الأمر فى كلام العرب، كما قال الزجاج وأنشد:<br>الحمد لله الذى استقلتبإذنه السماء وأطمأنت<br>أوحى لها القرار فاستقرتأى: أمرها أن تقر فامتثلت.<br>والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى الذين لازموه وآمنوا به وصدقوه. وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق.<br>يقال: فلان حوارى فلان. أى: خاصته من أصحابه. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الزبير بن العوام:  \"لكل نبى حوارى وحوارى الزبير\" .<br>وأصل مادة \"حور\" الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض، ولذلك قالوا فى خالص لباب الدقيق: الحوارى وقالوا فى النساء البيض: الحواريات والحوريات.<br>وقد سمى الله - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين، لأنهم أخلصوا لله نياتهم، وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض.<br>قال الراغب: والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل كانوا صيادين وقال بعض العلماء إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم.<br>والمعنى: اذكر نعمتى عليك - يا عيسى - حين { أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } بطريق الإِلهام أو بطريق الأمر على لسانك، وقلت لهم: { أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } أى: آمنوا وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة والخضوع وآمنوا برسولى عيسى بأنه مرسل من جهتى لهدايتكم وسعادتكم.<br>وفى ذكر كلمة { برسولي } إشارة إلى مقامه من الله - عز وجل - وانفصال شخصه عن ذات الله - سبحانه - وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من زعموا أنه غير ذلك جاهلون وضالون.<br>وقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } حكاية لما نطق به الحواريون من إيمان وطاعة.<br>أى: أن الحورايين عندما دعوا إلى الدين الحق { قَالُوۤاْ آمَنَّا } بأن الله هو الواحد الأحد المستحق للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد. ثم أكدوا إيمانهم هذا، بأن قالوا { وَٱشْهَدْ } علينا يا آلهنا واشهد لنا يا عيسى يوم القيامة { بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } أى: منقادون لكل ما جئتنا به وما تدعونا إليه.<br>وقدموا ذكر الإِيمان لأنه صفة القلب، وأخروا ذكر الإِسلام لأنه عبارة عن الانقياد الظاهر فكأنهم قالوا: لقد استقر الإيمان فى قلوبنا استقراراً مكينا، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا الله به على لسانك يا عيسى.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل: إنه - تعالى - قال فى أول الآية { ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ } ثم إن جميع ما ذكره - تعالى - من النعم مختص بعيسى، وليس لأمه تعلق بشىء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } فجعلهما معاً آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر.<br>وإنما ذكر - سبحانه قوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } فى معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإِنسان مقبول القول عند الناس محبوباً فى قلوبهم، من أعظم نعم الله على الإِنسان.<br>وقد عدد عليه من النعم سبعاً: { إِذْ أَيَّدتُّكَ } ) ( { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ } ) ( { وَإِذْ تَخْلُقُ } ) ( { وَإِذْ َتُبْرِىءُ } ) ( { وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } ) ( { وَإِذْ كَفَفْتُ } ) ( { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }.<br>\"المائدة\" الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد، إذا تحرك. فكأن المائدة تتحرك بما عليها. وقال أبو عبيدة: سميت \"مائدة\" لأنها ميد بها صاحبها. أى: أعطيها وتفضل عليه بها. والخوان: ما يؤكل عليه الطعام.<br>ويرى الأخفش وغيره أن المائدة هى الطعام نفسه، مأخوذة من \"ماده\" إذا أفضل.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف تقديره: اذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم.<br>وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا ألوهيته أو ولديته وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } فيه قراءتان سبعيتان:<br>الأولى: { يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بالياء - على أنه فعل فاعل. وقوله { أَن يُنَزِّلَ } المفعول. والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز، لأن الحواريين كانوا مؤمنين، ولا يعقل من مؤمن أن يشك فى قدرة الله.<br>ومن تخرجاتهم فى معنى هذه القراءة أن قوله { يستطيع } بمعى\" يطيع\" والسين زائدة. كاستجاب وأجاب.<br>أى: أن معنى الجملة الكريمة: هل يطيعك - ربك يا عيسى إن سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء.<br>وسنفصل القول فى تخريج هذه القراءة، وفى اختلاف المفسرين فى إيمان الحواريين بعد انتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة.<br>أما القراءة الثانية: فهى \"هل تستطيع ربك\" بالتاء وبفتح الباء فى \"ربك\" والمعنى: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. فقوله \"ربك\" منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه القراءة لا إشكال فيها، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى. أى: أتستطيع يا عيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟<br>قال القرطبى: قراءة الكسائى وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد \"هل تستطيع\" بالتاء \"ربك\" بالنصب وقرأ الباقون بالياء \"هل تستطيع\"ربك\" بالرفع.<br>والمعنى على قراءة الكسائى - بالتاء: هل تستطيع أن تسأل ربك..<br>قالت عائشة: كان القوم أعلم  بالله - تعالى -  من أن يقولوا \"هل يستطيع ربك\" وقال معاذ: أقرأنا النبى صلى الله عليه وسلم: هل تستطيع ربك قال معاذ: وسمعت النبى صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء\".<br>وقوله - سبحانه - { قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } حكاية لما رد به عيسى على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة:<br>أى قال لهم عيسى: اتقوا الله وقفوا عند حدوده، واملأوا قلوبكم هيبة وخشية منه، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان، فإن المؤمن الصادق فى إيمانه يبتعد، عن أمثال هذه المطالب التى قد تؤدى إلى فتنته.<br>ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون على عيسى فقال: { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ }.<br>أى: قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء لأسباب:<br>أولها: إننا نرغب فى الأكل منها لننال البركة، ولأننا فى حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك.<br>وثانيها: أننا نرغب فى نزولها لكى تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالى، مما يؤدى إلى رسوخ الإِيمان، وقوة اليقين.<br>وثالثها: أننا نرغب فى نزولها لكى نعلم أن قد صدقتنا فى دعوة النبوة، وفى جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية، وفى ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك فى نبوتك.<br>ورابع هذه الأسباب: أننا نرغب فى نزولها لكى نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل، ليزداد الذين آمنوا منهم إيماناً، ويؤمن الذى عنده استعداد للإِيمان.<br>وبذلك نرى أن الحواريين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون فى قدرة الله، أو فى نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب التعنت. وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التى يبغون من ورائها الأكل وزيادة الإِيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها بكمال قدرة الله وصدق عيسى فى نبوته.<br>ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به عيسى بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه فى سبب طلبهم لنزول المائدة من السماء فقال - تعالى - { قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ }.<br>وقوله: { اللهم } أى: يا الله. فالميم المشددة عوض عن حرف النداء، ولذلك لا يجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذى الجلال والإِكرام.<br>وقوله: { عيدا } أى سرورا وفرحا لنا، لأن كلمة العيد تستعمل بمعنى الفرح والسرور.<br>قال القرطبى: والعيد واحد الأعياد. أصله من عاد يعود أى: رجع وقيل ليوم الفطر والأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل: \"العيد كل يوم يجمع الناس فيه كأنهم عادوا إليه، وقال ابن الانبارى: سمى عيدا للعود إلى المرح والفرح فهو يوم سرور\".<br>والمعنى: قال عيسى بضراعة وخشوع - بعد أن سمع من الحواريين حجتهم - { ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ } أى: يا الله يا ربنا ومالك أمرنا، ومجيب سؤالنا. أتوسل إليك أن تنزل علينا { مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } أى: أطعمة كائنة من السماء، هذه الأطعمة { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } أى: يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها، ويكون - أيضاً - يوم نزولها عيداً وسروراً وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدنا.<br>قال ابن كثير. قال السدى: أى نتخذ ذلك اليوم الذى نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان الثورى: يعنى يوما نصلى فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسى: تكون عظة لنا ولمن بعدنا.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } معطوف على قوله { عيداً }.<br>أى: تكون هذه المائدة النازلة من السماء عيداً لأولنا وآخرنا، وتكون أيضاً - دليلا - وعلامة منك - سبحانك - على صحة نبوتى ورسالتى، فيصدقونى فيما أبلغه عنك، ويزداد يقينهم بكمال قدرتك.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } تذييل بمثابة التعليل لما قبله. أى: أنزلها علينا يا ربنا وأزرقنا من عندك رزقا هنيئا رغداً، فإنك أنت خير الرازقين، وخير المعطين، وكل عطاء من سواك لا يغنى ولا يشبع.<br>وقد جمع عيسى فى دعائه بين لفظى \"اللهم ربنا\" إظهارا لنهاية التضرع وشدة الخضوع، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول والإِجابة.<br>وعبر عن مجىء المائدة بالإنزال من السماء للإِشارة إلى أنها هبة رفيعة، ونعمة شريفة، آتية من مكان عال مرتفع فى الحسن والمعنى، فيجب أن تقابل بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإِخلاص له.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً } صفة ثانية لمائدة، وقوله { لنا } خبر كان وقوله { عيداً } حال من الضمير فى الظرف.<br>قال الفخر الرازى: تأمل فى هذا الترتيب، فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا فى طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } وأخروا الأغراض الدينية الروحانية.<br>فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال: { وَٱرْزُقْنَا } وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح فى كون بعضها روحية، وبعضها جسمانية.<br>ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكرالرزق انتقل إلى الرازق بقوله { وَٱرْزُقْنَا } لم يقف عليه: بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } فقوله: { ربنا } ابتداء منه بذكر الحق. وقوله { أَنزِلْ عَلَيْنَا } انتقال من الذات إلى الصفات.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة من المنعم.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا } إشارة إلى حصة النفس.<br>ثم قال الإِمام الرازى: فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون .<br>ثم قال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، ومن غير الله إلى الله، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية إلى الكمالات الإِلهية ونزولها.<br>ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من أقوال فقال - تعالى - : { قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { منزلها } ورد فيه قراءتان متواتران.<br>إحداهما: منزلها - بتشديد الزاى - من التنزيل وهى تفيد التكثير أو التدريج كما تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع.<br>وقرأ الباقون { منزلها } بكسر الزاى - من الإِنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة.<br>والمعنى: قال الله - تعالى - إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة لدعاء رسولى عيسى - عليه السلام - { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } أى فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فإن الله - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذاباً لا يعذب مثله أحداً من عالمى زمانه أو من العالمين جميعاً.<br>وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها: حرف إن فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ } ومنها: المصدر فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً } إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب. ومنها: وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين.<br>وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه: أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته؛ وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله.<br>أقول: الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب، وأعظم العقاب.<br>هذا، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشىء من التفصيل.<br>المسألة الأولى: آراء العلماء فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.<br>المسألة الثانية: آراء العلماء فى نزول المائدة وعدم نزولها.<br>وللاجابة على المسألة الأولى نقول: لعل منشأ الخلاف فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }؟ فإن هذا القول يشعر بشكهم فى قدرة الله على إنزال هذه المائدة.<br>وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشرى - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } متعلقا بقوله قبل ذلك { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }.<br>أى: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، فى الوقت الذى قالوا له فيه { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } فكأنهم ادعوا الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين فى دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قالوا: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بعد إيمنهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله: (وَإِذْ قَالُواْ) فإذن دعواهم كانت باطلة، وانهم كانوا شاكين، وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا فى اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها { إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } أى: إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.<br>وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها:<br>1 - أن الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } ليس متعلقا بقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا } وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود فى تفسيره فقد قال:<br>قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبئ عنه الإِظهار فى موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر.<br>وقيل: هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم\".<br>2 - أن قول الحواريين لعيسى { َلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } لا يسحب عنهم الإِيمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها.<br>(أ) أن قولهم لم يكن من باب الشك فى قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظرى بدليل أنهم قالوا بعد ذلك { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا }.<br>وشبيه بهذا قول إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } قال القرطبى ما ملخصه: \"الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التى لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة، لا يدخله شىء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } كما قال إبراهيم { وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } (ب) أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسى هذا المعنى فقال: إن معنى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة فى التقاضى.<br>والتعبير عن الفعل بالاستطاعة، من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ هى - أى الاستطاعة - من أسباب الإيجاد.<br>(جـ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازى: قال السدى؛ قوله { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } أى: هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة.<br>والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التى ذكرناها، ولأن الله - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال:<br>{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم.<br>ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين، لما أمر الله أتباع النبى صلى الله عليه وسلم بالتأسى بهم فى إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ } وقال - تعالى - { فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } فهاتان الآيتان صريحتان فى مدح الحواريين وفى أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد.<br>وأما المسألة الثانية: وهى آراء العلماء فى نزول المائدة: فالجمهور على أنها نزلت.<br>وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: والصواب من القول عندنا فى ذلك أن يقال:<br>إن الله أنزل المائدة.. لأن الله لا يخلف وعده، ولا يقع فى خبره الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا فى كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } وغير جائز أن يقول الله إنى منزلها عليكم ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه - تعالى - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر.<br>وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال: وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.<br>ومن الآثار ما خرجه الترمذى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد: فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير\" .<br>قال الترمذى: وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح.<br>وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.<br>والذى يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيراً عما كان على المائدة من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها والباقى عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر -رحمه الله  - أثرا طويلا فى هذا المعنى ثم قال فى نهايته: هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم فى مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم\".<br>ويعجبنى فى هذا المقام قول ابن جرير: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزاً، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.<br>ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.<br>وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً أنه قال فى المائدة: إنها لم تنزل.<br>وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شىء.<br>أى: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.<br>قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. ولس فى كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعى على نقله. وكان يكون موجوداً فى كتابهم متواتراً ولا أقل من الآحاد\".<br>وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال: ولنا أن نقول: إن هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط، فقد يكون له شىء من الوجاهة وإن كان يعنى أنها لا تنزل ولم يسأل، فهو محل نظر كبير، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعى على نقله، لا سيما وعيسى فى بيئة محصورة: جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها فى كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شىء.<br>وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - تعالى - فى القرآن قد قصه فى غيره من الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شىء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التى لم تنته بحادث كونى حتى يكون عدم ذكرهم إياها فى أنا جيلهم - التى وضعوها - دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين.<br>ومن الجائز أن تكون مما ورد فى الأناجيل، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على كتبهم التى وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيراً منها، وأنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون\".<br>هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها، كما جاء فى الآية الكريمة.<br>ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك فى قوله { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل، لأن الوعد بنزولها مقيد بما رتب على من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر الآيات يؤيده، وكذلك الآثار التى وردت فى ذلك.<br>ثم حكت السورة الكريمة ما سيقوله الله لعيسى يوم القيامة، وما سيرد به عيسى على خالقه - عز وجل - حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه. بما هما بريئان منه فقال - تعالى - :<br> { وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ... }<br>"
    },
    {
        "id": "795",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "114",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } هذا أيضاً من الامتنان على عيسى، بأن جعل الله له أصحاباً وأنصاراً - وهم الحواريون - والمراد بهذا الوحى الإِلهام كما فى قوله: { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } وكما فى قوله { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } وقال بعض السلف فى هذه الآية { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: ألهموا ذلك فامتثلوا ما الهموا.<br>فأنت ترى أن الإِمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحى هنا الإِلهام. وعلى ذلك كثير من المفسرين، ومنهم من يرى أن المراد بقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: مرتهم فى الإِنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلى.<br>قال الآلوسى معززاً هذا الرأى: وقد جاء استعمال الوحى بمعنى الأمر فى كلام العرب، كما قال الزجاج وأنشد:<br>الحمد لله الذى استقلتبإذنه السماء وأطمأنت<br>أوحى لها القرار فاستقرتأى: أمرها أن تقر فامتثلت.<br>والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى الذين لازموه وآمنوا به وصدقوه. وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق.<br>يقال: فلان حوارى فلان. أى: خاصته من أصحابه. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الزبير بن العوام:  \"لكل نبى حوارى وحوارى الزبير\" .<br>وأصل مادة \"حور\" الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض، ولذلك قالوا فى خالص لباب الدقيق: الحوارى وقالوا فى النساء البيض: الحواريات والحوريات.<br>وقد سمى الله - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين، لأنهم أخلصوا لله نياتهم، وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض.<br>قال الراغب: والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل كانوا صيادين وقال بعض العلماء إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم.<br>والمعنى: اذكر نعمتى عليك - يا عيسى - حين { أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } بطريق الإِلهام أو بطريق الأمر على لسانك، وقلت لهم: { أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } أى: آمنوا وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة والخضوع وآمنوا برسولى عيسى بأنه مرسل من جهتى لهدايتكم وسعادتكم.<br>وفى ذكر كلمة { برسولي } إشارة إلى مقامه من الله - عز وجل - وانفصال شخصه عن ذات الله - سبحانه - وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من زعموا أنه غير ذلك جاهلون وضالون.<br>وقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } حكاية لما نطق به الحواريون من إيمان وطاعة.<br>أى: أن الحورايين عندما دعوا إلى الدين الحق { قَالُوۤاْ آمَنَّا } بأن الله هو الواحد الأحد المستحق للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد. ثم أكدوا إيمانهم هذا، بأن قالوا { وَٱشْهَدْ } علينا يا آلهنا واشهد لنا يا عيسى يوم القيامة { بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } أى: منقادون لكل ما جئتنا به وما تدعونا إليه.<br>وقدموا ذكر الإِيمان لأنه صفة القلب، وأخروا ذكر الإِسلام لأنه عبارة عن الانقياد الظاهر فكأنهم قالوا: لقد استقر الإيمان فى قلوبنا استقراراً مكينا، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا الله به على لسانك يا عيسى.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل: إنه - تعالى - قال فى أول الآية { ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ } ثم إن جميع ما ذكره - تعالى - من النعم مختص بعيسى، وليس لأمه تعلق بشىء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } فجعلهما معاً آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر.<br>وإنما ذكر - سبحانه قوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } فى معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإِنسان مقبول القول عند الناس محبوباً فى قلوبهم، من أعظم نعم الله على الإِنسان.<br>وقد عدد عليه من النعم سبعاً: { إِذْ أَيَّدتُّكَ } ) ( { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ } ) ( { وَإِذْ تَخْلُقُ } ) ( { وَإِذْ َتُبْرِىءُ } ) ( { وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } ) ( { وَإِذْ كَفَفْتُ } ) ( { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }.<br>\"المائدة\" الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد، إذا تحرك. فكأن المائدة تتحرك بما عليها. وقال أبو عبيدة: سميت \"مائدة\" لأنها ميد بها صاحبها. أى: أعطيها وتفضل عليه بها. والخوان: ما يؤكل عليه الطعام.<br>ويرى الأخفش وغيره أن المائدة هى الطعام نفسه، مأخوذة من \"ماده\" إذا أفضل.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف تقديره: اذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم.<br>وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا ألوهيته أو ولديته وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } فيه قراءتان سبعيتان:<br>الأولى: { يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بالياء - على أنه فعل فاعل. وقوله { أَن يُنَزِّلَ } المفعول. والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز، لأن الحواريين كانوا مؤمنين، ولا يعقل من مؤمن أن يشك فى قدرة الله.<br>ومن تخرجاتهم فى معنى هذه القراءة أن قوله { يستطيع } بمعى\" يطيع\" والسين زائدة. كاستجاب وأجاب.<br>أى: أن معنى الجملة الكريمة: هل يطيعك - ربك يا عيسى إن سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء.<br>وسنفصل القول فى تخريج هذه القراءة، وفى اختلاف المفسرين فى إيمان الحواريين بعد انتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة.<br>أما القراءة الثانية: فهى \"هل تستطيع ربك\" بالتاء وبفتح الباء فى \"ربك\" والمعنى: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. فقوله \"ربك\" منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه القراءة لا إشكال فيها، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى. أى: أتستطيع يا عيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟<br>قال القرطبى: قراءة الكسائى وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد \"هل تستطيع\" بالتاء \"ربك\" بالنصب وقرأ الباقون بالياء \"هل تستطيع\"ربك\" بالرفع.<br>والمعنى على قراءة الكسائى - بالتاء: هل تستطيع أن تسأل ربك..<br>قالت عائشة: كان القوم أعلم  بالله - تعالى -  من أن يقولوا \"هل يستطيع ربك\" وقال معاذ: أقرأنا النبى صلى الله عليه وسلم: هل تستطيع ربك قال معاذ: وسمعت النبى صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء\".<br>وقوله - سبحانه - { قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } حكاية لما رد به عيسى على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة:<br>أى قال لهم عيسى: اتقوا الله وقفوا عند حدوده، واملأوا قلوبكم هيبة وخشية منه، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان، فإن المؤمن الصادق فى إيمانه يبتعد، عن أمثال هذه المطالب التى قد تؤدى إلى فتنته.<br>ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون على عيسى فقال: { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ }.<br>أى: قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء لأسباب:<br>أولها: إننا نرغب فى الأكل منها لننال البركة، ولأننا فى حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك.<br>وثانيها: أننا نرغب فى نزولها لكى تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالى، مما يؤدى إلى رسوخ الإِيمان، وقوة اليقين.<br>وثالثها: أننا نرغب فى نزولها لكى نعلم أن قد صدقتنا فى دعوة النبوة، وفى جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية، وفى ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك فى نبوتك.<br>ورابع هذه الأسباب: أننا نرغب فى نزولها لكى نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل، ليزداد الذين آمنوا منهم إيماناً، ويؤمن الذى عنده استعداد للإِيمان.<br>وبذلك نرى أن الحواريين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون فى قدرة الله، أو فى نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب التعنت. وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التى يبغون من ورائها الأكل وزيادة الإِيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها بكمال قدرة الله وصدق عيسى فى نبوته.<br>ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به عيسى بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه فى سبب طلبهم لنزول المائدة من السماء فقال - تعالى - { قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ }.<br>وقوله: { اللهم } أى: يا الله. فالميم المشددة عوض عن حرف النداء، ولذلك لا يجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذى الجلال والإِكرام.<br>وقوله: { عيدا } أى سرورا وفرحا لنا، لأن كلمة العيد تستعمل بمعنى الفرح والسرور.<br>قال القرطبى: والعيد واحد الأعياد. أصله من عاد يعود أى: رجع وقيل ليوم الفطر والأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل: \"العيد كل يوم يجمع الناس فيه كأنهم عادوا إليه، وقال ابن الانبارى: سمى عيدا للعود إلى المرح والفرح فهو يوم سرور\".<br>والمعنى: قال عيسى بضراعة وخشوع - بعد أن سمع من الحواريين حجتهم - { ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ } أى: يا الله يا ربنا ومالك أمرنا، ومجيب سؤالنا. أتوسل إليك أن تنزل علينا { مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } أى: أطعمة كائنة من السماء، هذه الأطعمة { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } أى: يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها، ويكون - أيضاً - يوم نزولها عيداً وسروراً وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدنا.<br>قال ابن كثير. قال السدى: أى نتخذ ذلك اليوم الذى نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان الثورى: يعنى يوما نصلى فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسى: تكون عظة لنا ولمن بعدنا.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } معطوف على قوله { عيداً }.<br>أى: تكون هذه المائدة النازلة من السماء عيداً لأولنا وآخرنا، وتكون أيضاً - دليلا - وعلامة منك - سبحانك - على صحة نبوتى ورسالتى، فيصدقونى فيما أبلغه عنك، ويزداد يقينهم بكمال قدرتك.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } تذييل بمثابة التعليل لما قبله. أى: أنزلها علينا يا ربنا وأزرقنا من عندك رزقا هنيئا رغداً، فإنك أنت خير الرازقين، وخير المعطين، وكل عطاء من سواك لا يغنى ولا يشبع.<br>وقد جمع عيسى فى دعائه بين لفظى \"اللهم ربنا\" إظهارا لنهاية التضرع وشدة الخضوع، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول والإِجابة.<br>وعبر عن مجىء المائدة بالإنزال من السماء للإِشارة إلى أنها هبة رفيعة، ونعمة شريفة، آتية من مكان عال مرتفع فى الحسن والمعنى، فيجب أن تقابل بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإِخلاص له.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً } صفة ثانية لمائدة، وقوله { لنا } خبر كان وقوله { عيداً } حال من الضمير فى الظرف.<br>قال الفخر الرازى: تأمل فى هذا الترتيب، فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا فى طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } وأخروا الأغراض الدينية الروحانية.<br>فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال: { وَٱرْزُقْنَا } وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح فى كون بعضها روحية، وبعضها جسمانية.<br>ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكرالرزق انتقل إلى الرازق بقوله { وَٱرْزُقْنَا } لم يقف عليه: بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } فقوله: { ربنا } ابتداء منه بذكر الحق. وقوله { أَنزِلْ عَلَيْنَا } انتقال من الذات إلى الصفات.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة من المنعم.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا } إشارة إلى حصة النفس.<br>ثم قال الإِمام الرازى: فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون .<br>ثم قال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، ومن غير الله إلى الله، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية إلى الكمالات الإِلهية ونزولها.<br>ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من أقوال فقال - تعالى - : { قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { منزلها } ورد فيه قراءتان متواتران.<br>إحداهما: منزلها - بتشديد الزاى - من التنزيل وهى تفيد التكثير أو التدريج كما تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع.<br>وقرأ الباقون { منزلها } بكسر الزاى - من الإِنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة.<br>والمعنى: قال الله - تعالى - إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة لدعاء رسولى عيسى - عليه السلام - { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } أى فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فإن الله - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذاباً لا يعذب مثله أحداً من عالمى زمانه أو من العالمين جميعاً.<br>وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها: حرف إن فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ } ومنها: المصدر فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً } إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب. ومنها: وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين.<br>وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه: أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته؛ وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله.<br>أقول: الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب، وأعظم العقاب.<br>هذا، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشىء من التفصيل.<br>المسألة الأولى: آراء العلماء فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.<br>المسألة الثانية: آراء العلماء فى نزول المائدة وعدم نزولها.<br>وللاجابة على المسألة الأولى نقول: لعل منشأ الخلاف فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }؟ فإن هذا القول يشعر بشكهم فى قدرة الله على إنزال هذه المائدة.<br>وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشرى - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } متعلقا بقوله قبل ذلك { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }.<br>أى: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، فى الوقت الذى قالوا له فيه { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } فكأنهم ادعوا الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين فى دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قالوا: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بعد إيمنهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله: (وَإِذْ قَالُواْ) فإذن دعواهم كانت باطلة، وانهم كانوا شاكين، وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا فى اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها { إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } أى: إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.<br>وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها:<br>1 - أن الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } ليس متعلقا بقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا } وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود فى تفسيره فقد قال:<br>قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبئ عنه الإِظهار فى موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر.<br>وقيل: هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم\".<br>2 - أن قول الحواريين لعيسى { َلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } لا يسحب عنهم الإِيمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها.<br>(أ) أن قولهم لم يكن من باب الشك فى قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظرى بدليل أنهم قالوا بعد ذلك { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا }.<br>وشبيه بهذا قول إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } قال القرطبى ما ملخصه: \"الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التى لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة، لا يدخله شىء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } كما قال إبراهيم { وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } (ب) أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسى هذا المعنى فقال: إن معنى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة فى التقاضى.<br>والتعبير عن الفعل بالاستطاعة، من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ هى - أى الاستطاعة - من أسباب الإيجاد.<br>(جـ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازى: قال السدى؛ قوله { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } أى: هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة.<br>والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التى ذكرناها، ولأن الله - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال:<br>{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم.<br>ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين، لما أمر الله أتباع النبى صلى الله عليه وسلم بالتأسى بهم فى إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ } وقال - تعالى - { فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } فهاتان الآيتان صريحتان فى مدح الحواريين وفى أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد.<br>وأما المسألة الثانية: وهى آراء العلماء فى نزول المائدة: فالجمهور على أنها نزلت.<br>وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: والصواب من القول عندنا فى ذلك أن يقال:<br>إن الله أنزل المائدة.. لأن الله لا يخلف وعده، ولا يقع فى خبره الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا فى كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } وغير جائز أن يقول الله إنى منزلها عليكم ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه - تعالى - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر.<br>وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال: وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.<br>ومن الآثار ما خرجه الترمذى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد: فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير\" .<br>قال الترمذى: وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح.<br>وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.<br>والذى يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيراً عما كان على المائدة من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها والباقى عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر -رحمه الله  - أثرا طويلا فى هذا المعنى ثم قال فى نهايته: هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم فى مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم\".<br>ويعجبنى فى هذا المقام قول ابن جرير: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزاً، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.<br>ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.<br>وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً أنه قال فى المائدة: إنها لم تنزل.<br>وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شىء.<br>أى: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.<br>قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. ولس فى كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعى على نقله. وكان يكون موجوداً فى كتابهم متواتراً ولا أقل من الآحاد\".<br>وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال: ولنا أن نقول: إن هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط، فقد يكون له شىء من الوجاهة وإن كان يعنى أنها لا تنزل ولم يسأل، فهو محل نظر كبير، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعى على نقله، لا سيما وعيسى فى بيئة محصورة: جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها فى كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شىء.<br>وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - تعالى - فى القرآن قد قصه فى غيره من الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شىء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التى لم تنته بحادث كونى حتى يكون عدم ذكرهم إياها فى أنا جيلهم - التى وضعوها - دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين.<br>ومن الجائز أن تكون مما ورد فى الأناجيل، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على كتبهم التى وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيراً منها، وأنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون\".<br>هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها، كما جاء فى الآية الكريمة.<br>ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك فى قوله { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل، لأن الوعد بنزولها مقيد بما رتب على من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر الآيات يؤيده، وكذلك الآثار التى وردت فى ذلك.<br>ثم حكت السورة الكريمة ما سيقوله الله لعيسى يوم القيامة، وما سيرد به عيسى على خالقه - عز وجل - حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه. بما هما بريئان منه فقال - تعالى - :<br> { وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ... }<br>"
    },
    {
        "id": "796",
        "sura_number": "5",
        "ayah_number": "115",
        "aya": "",
        "sura": "المائدة",
        "mediator": "قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } هذا أيضاً من الامتنان على عيسى، بأن جعل الله له أصحاباً وأنصاراً - وهم الحواريون - والمراد بهذا الوحى الإِلهام كما فى قوله: { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } وكما فى قوله { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } وقال بعض السلف فى هذه الآية { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: ألهموا ذلك فامتثلوا ما الهموا.<br>فأنت ترى أن الإِمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحى هنا الإِلهام. وعلى ذلك كثير من المفسرين، ومنهم من يرى أن المراد بقوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } أى: مرتهم فى الإِنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلى.<br>قال الآلوسى معززاً هذا الرأى: وقد جاء استعمال الوحى بمعنى الأمر فى كلام العرب، كما قال الزجاج وأنشد:<br>الحمد لله الذى استقلتبإذنه السماء وأطمأنت<br>أوحى لها القرار فاستقرتأى: أمرها أن تقر فامتثلت.<br>والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى الذين لازموه وآمنوا به وصدقوه. وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق.<br>يقال: فلان حوارى فلان. أى: خاصته من أصحابه. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الزبير بن العوام:  \"لكل نبى حوارى وحوارى الزبير\" .<br>وأصل مادة \"حور\" الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض، ولذلك قالوا فى خالص لباب الدقيق: الحوارى وقالوا فى النساء البيض: الحواريات والحوريات.<br>وقد سمى الله - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين، لأنهم أخلصوا لله نياتهم، وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض.<br>قال الراغب: والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل كانوا صيادين وقال بعض العلماء إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم.<br>والمعنى: اذكر نعمتى عليك - يا عيسى - حين { أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } بطريق الإِلهام أو بطريق الأمر على لسانك، وقلت لهم: { أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } أى: آمنوا وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة والخضوع وآمنوا برسولى عيسى بأنه مرسل من جهتى لهدايتكم وسعادتكم.<br>وفى ذكر كلمة { برسولي } إشارة إلى مقامه من الله - عز وجل - وانفصال شخصه عن ذات الله - سبحانه - وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من زعموا أنه غير ذلك جاهلون وضالون.<br>وقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } حكاية لما نطق به الحواريون من إيمان وطاعة.<br>أى: أن الحورايين عندما دعوا إلى الدين الحق { قَالُوۤاْ آمَنَّا } بأن الله هو الواحد الأحد المستحق للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد. ثم أكدوا إيمانهم هذا، بأن قالوا { وَٱشْهَدْ } علينا يا آلهنا واشهد لنا يا عيسى يوم القيامة { بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } أى: منقادون لكل ما جئتنا به وما تدعونا إليه.<br>وقدموا ذكر الإِيمان لأنه صفة القلب، وأخروا ذكر الإِسلام لأنه عبارة عن الانقياد الظاهر فكأنهم قالوا: لقد استقر الإيمان فى قلوبنا استقراراً مكينا، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا الله به على لسانك يا عيسى.<br>قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل: إنه - تعالى - قال فى أول الآية { ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ } ثم إن جميع ما ذكره - تعالى - من النعم مختص بعيسى، وليس لأمه تعلق بشىء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } فجعلهما معاً آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر.<br>وإنما ذكر - سبحانه قوله { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } فى معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإِنسان مقبول القول عند الناس محبوباً فى قلوبهم، من أعظم نعم الله على الإِنسان.<br>وقد عدد عليه من النعم سبعاً: { إِذْ أَيَّدتُّكَ } ) ( { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ } ) ( { وَإِذْ تَخْلُقُ } ) ( { وَإِذْ َتُبْرِىءُ } ) ( { وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } ) ( { وَإِذْ كَفَفْتُ } ) ( { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }.<br>\"المائدة\" الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد، إذا تحرك. فكأن المائدة تتحرك بما عليها. وقال أبو عبيدة: سميت \"مائدة\" لأنها ميد بها صاحبها. أى: أعطيها وتفضل عليه بها. والخوان: ما يؤكل عليه الطعام.<br>ويرى الأخفش وغيره أن المائدة هى الطعام نفسه، مأخوذة من \"ماده\" إذا أفضل.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف تقديره: اذكر وقت قول الحواريين يا عيسى ابن مريم.<br>وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا ألوهيته أو ولديته وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } فيه قراءتان سبعيتان:<br>الأولى: { يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بالياء - على أنه فعل فاعل. وقوله { أَن يُنَزِّلَ } المفعول. والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز، لأن الحواريين كانوا مؤمنين، ولا يعقل من مؤمن أن يشك فى قدرة الله.<br>ومن تخرجاتهم فى معنى هذه القراءة أن قوله { يستطيع } بمعى\" يطيع\" والسين زائدة. كاستجاب وأجاب.<br>أى: أن معنى الجملة الكريمة: هل يطيعك - ربك يا عيسى إن سألته أن ينزل علينا مائدة من السماء.<br>وسنفصل القول فى تخريج هذه القراءة، وفى اختلاف المفسرين فى إيمان الحواريين بعد انتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة.<br>أما القراءة الثانية: فهى \"هل تستطيع ربك\" بالتاء وبفتح الباء فى \"ربك\" والمعنى: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. فقوله \"ربك\" منصوب على التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه القراءة لا إشكال فيها، لأن الاستطاعة فيها متجهة إلى عيسى. أى: أتستطيع يا عيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟<br>قال القرطبى: قراءة الكسائى وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد \"هل تستطيع\" بالتاء \"ربك\" بالنصب وقرأ الباقون بالياء \"هل تستطيع\"ربك\" بالرفع.<br>والمعنى على قراءة الكسائى - بالتاء: هل تستطيع أن تسأل ربك..<br>قالت عائشة: كان القوم أعلم  بالله - تعالى -  من أن يقولوا \"هل يستطيع ربك\" وقال معاذ: أقرأنا النبى صلى الله عليه وسلم: هل تستطيع ربك قال معاذ: وسمعت النبى صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء\".<br>وقوله - سبحانه - { قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } حكاية لما رد به عيسى على الحواريين فيما طلبوه من إنزال المائدة:<br>أى قال لهم عيسى: اتقوا الله وقفوا عند حدوده، واملأوا قلوبكم هيبة وخشية منه، ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان، فإن المؤمن الصادق فى إيمانه يبتعد، عن أمثال هذه المطالب التى قد تؤدى إلى فتنته.<br>ثم حكى القرآن ما رد به الحواريون على عيسى فقال: { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ }.<br>أى: قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء لأسباب:<br>أولها: إننا نرغب فى الأكل منها لننال البركة، ولأننا فى حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك.<br>وثانيها: أننا نرغب فى نزولها لكى تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالى، مما يؤدى إلى رسوخ الإِيمان، وقوة اليقين.<br>وثالثها: أننا نرغب فى نزولها لكى نعلم أن قد صدقتنا فى دعوة النبوة، وفى جميع ما تخبرنا به من مأمورات ومنهيات، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية، وفى ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك فى نبوتك.<br>ورابع هذه الأسباب: أننا نرغب فى نزولها لكى نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل، ليزداد الذين آمنوا منهم إيماناً، ويؤمن الذى عنده استعداد للإِيمان.<br>وبذلك نرى أن الحواريين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول المائدة من السماء لأنهم يشكون فى قدرة الله، أو فى نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب التعنت. وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التى يبغون من ورائها الأكل وزيادة الإِيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها بكمال قدرة الله وصدق عيسى فى نبوته.<br>ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به عيسى بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه فى سبب طلبهم لنزول المائدة من السماء فقال - تعالى - { قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ }.<br>وقوله: { اللهم } أى: يا الله. فالميم المشددة عوض عن حرف النداء، ولذلك لا يجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذى الجلال والإِكرام.<br>وقوله: { عيدا } أى سرورا وفرحا لنا، لأن كلمة العيد تستعمل بمعنى الفرح والسرور.<br>قال القرطبى: والعيد واحد الأعياد. أصله من عاد يعود أى: رجع وقيل ليوم الفطر والأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل: \"العيد كل يوم يجمع الناس فيه كأنهم عادوا إليه، وقال ابن الانبارى: سمى عيدا للعود إلى المرح والفرح فهو يوم سرور\".<br>والمعنى: قال عيسى بضراعة وخشوع - بعد أن سمع من الحواريين حجتهم - { ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ } أى: يا الله يا ربنا ومالك أمرنا، ومجيب سؤالنا. أتوسل إليك أن تنزل علينا { مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } أى: أطعمة كائنة من السماء، هذه الأطعمة { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } أى: يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها، ويكون - أيضاً - يوم نزولها عيداً وسروراً وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدنا.<br>قال ابن كثير. قال السدى: أى نتخذ ذلك اليوم الذى نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان الثورى: يعنى يوما نصلى فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وقال سلمان الفارسى: تكون عظة لنا ولمن بعدنا.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } معطوف على قوله { عيداً }.<br>أى: تكون هذه المائدة النازلة من السماء عيداً لأولنا وآخرنا، وتكون أيضاً - دليلا - وعلامة منك - سبحانك - على صحة نبوتى ورسالتى، فيصدقونى فيما أبلغه عنك، ويزداد يقينهم بكمال قدرتك.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } تذييل بمثابة التعليل لما قبله. أى: أنزلها علينا يا ربنا وأزرقنا من عندك رزقا هنيئا رغداً، فإنك أنت خير الرازقين، وخير المعطين، وكل عطاء من سواك لا يغنى ولا يشبع.<br>وقد جمع عيسى فى دعائه بين لفظى \"اللهم ربنا\" إظهارا لنهاية التضرع وشدة الخضوع، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول والإِجابة.<br>وعبر عن مجىء المائدة بالإنزال من السماء للإِشارة إلى أنها هبة رفيعة، ونعمة شريفة، آتية من مكان عال مرتفع فى الحسن والمعنى، فيجب أن تقابل بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإِخلاص له.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً } صفة ثانية لمائدة، وقوله { لنا } خبر كان وقوله { عيداً } حال من الضمير فى الظرف.<br>قال الفخر الرازى: تأمل فى هذا الترتيب، فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا فى طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } وأخروا الأغراض الدينية الروحانية.<br>فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال: { وَٱرْزُقْنَا } وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح فى كون بعضها روحية، وبعضها جسمانية.<br>ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكرالرزق انتقل إلى الرازق بقوله { وَٱرْزُقْنَا } لم يقف عليه: بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } فقوله: { ربنا } ابتداء منه بذكر الحق. وقوله { أَنزِلْ عَلَيْنَا } انتقال من الذات إلى الصفات.<br>وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة من المنعم.<br>وقوله: { وَآيَةً مِّنْكَ } إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال.<br>وقوله: { وَٱرْزُقْنَا } إشارة إلى حصة النفس.<br>ثم قال الإِمام الرازى: فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون .<br>ثم قال: { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، ومن غير الله إلى الله، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية إلى الكمالات الإِلهية ونزولها.<br>ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من أقوال فقال - تعالى - : { قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { منزلها } ورد فيه قراءتان متواتران.<br>إحداهما: منزلها - بتشديد الزاى - من التنزيل وهى تفيد التكثير أو التدريج كما تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع.<br>وقرأ الباقون { منزلها } بكسر الزاى - من الإِنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة.<br>والمعنى: قال الله - تعالى - إنى منزل عليكم المائدة من السماء إجابة لدعاء رسولى عيسى - عليه السلام - { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } أى فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فإن الله - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذاباً لا يعذب مثله أحداً من عالمى زمانه أو من العالمين جميعاً.<br>وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها: حرف إن فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ } ومنها: المصدر فى قوله { فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً } إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب. ومنها: وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين.<br>وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه: أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته؛ وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله.<br>أقول: الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب، وأعظم العقاب.<br>هذا، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشىء من التفصيل.<br>المسألة الأولى: آراء العلماء فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.<br>المسألة الثانية: آراء العلماء فى نزول المائدة وعدم نزولها.<br>وللاجابة على المسألة الأولى نقول: لعل منشأ الخلاف فى إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }؟ فإن هذا القول يشعر بشكهم فى قدرة الله على إنزال هذه المائدة.<br>وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشرى - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } متعلقا بقوله قبل ذلك { قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }.<br>أى: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، فى الوقت الذى قالوا له فيه { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } فكأنهم ادعوا الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين فى دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قالوا: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بعد إيمنهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله: (وَإِذْ قَالُواْ) فإذن دعواهم كانت باطلة، وانهم كانوا شاكين، وقوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا فى اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها { إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } أى: إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.<br>وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها:<br>1 - أن الظرف فى قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } ليس متعلقا بقوله: { قَالُوۤاْ آمَنَّا } وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود فى تفسيره فقد قال:<br>قوله: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبئ عنه الإِظهار فى موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر.<br>وقيل: هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم\".<br>2 - أن قول الحواريين لعيسى { َلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } لا يسحب عنهم الإِيمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها.<br>(أ) أن قولهم لم يكن من باب الشك فى قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظرى بدليل أنهم قالوا بعد ذلك { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا }.<br>وشبيه بهذا قول إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } قال القرطبى ما ملخصه: \"الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التى لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة، لا يدخله شىء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } كما قال إبراهيم { وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } (ب) أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسى هذا المعنى فقال: إن معنى { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة فى التقاضى.<br>والتعبير عن الفعل بالاستطاعة، من باب التعبير عن المسبب بالسبب، إذ هى - أى الاستطاعة - من أسباب الإيجاد.<br>(جـ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازى: قال السدى؛ قوله { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } أى: هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة.<br>والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التى ذكرناها، ولأن الله - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال:<br>{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم.<br>ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين، لما أمر الله أتباع النبى صلى الله عليه وسلم بالتأسى بهم فى إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ } وقال - تعالى - { فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } فهاتان الآيتان صريحتان فى مدح الحواريين وفى أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد.<br>وأما المسألة الثانية: وهى آراء العلماء فى نزول المائدة: فالجمهور على أنها نزلت.<br>وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: والصواب من القول عندنا فى ذلك أن يقال:<br>إن الله أنزل المائدة.. لأن الله لا يخلف وعده، ولا يقع فى خبره الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا فى كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } وغير جائز أن يقول الله إنى منزلها عليكم ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه - تعالى - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر.<br>وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال: وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.<br>ومن الآثار ما خرجه الترمذى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  \"أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد: فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير\" .<br>قال الترمذى: وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح.<br>وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.<br>والذى يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيراً عما كان على المائدة من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها والباقى عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر -رحمه الله  - أثرا طويلا فى هذا المعنى ثم قال فى نهايته: هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم فى مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم\".<br>ويعجبنى فى هذا المقام قول ابن جرير: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزاً، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالى الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.<br>ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.<br>وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً أنه قال فى المائدة: إنها لم تنزل.<br>وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شىء.<br>أى: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.<br>قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. ولس فى كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعى على نقله. وكان يكون موجوداً فى كتابهم متواتراً ولا أقل من الآحاد\".<br>وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال: ولنا أن نقول: إن هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط، فقد يكون له شىء من الوجاهة وإن كان يعنى أنها لا تنزل ولم يسأل، فهو محل نظر كبير، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعى على نقله، لا سيما وعيسى فى بيئة محصورة: جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها فى كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شىء.<br>وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - تعالى - فى القرآن قد قصه فى غيره من الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شىء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التى لم تنته بحادث كونى حتى يكون عدم ذكرهم إياها فى أنا جيلهم - التى وضعوها - دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين.<br>ومن الجائز أن تكون مما ورد فى الأناجيل، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف نفسه مهيمن على كتبهم التى وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيراً منها، وأنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون\".<br>هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها، كما جاء فى الآية الكريمة.<br>ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك فى قوله { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل، لأن الوعد بنزولها مقيد بما رتب على من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر الآيات يؤيده، وكذلك الآثار التى وردت فى ذلك.<br>ثم حكت السورة الكريمة ما سيقوله الله لعيسى يوم القيامة، وما سيرد به عيسى على خالقه - عز وجل - حتى تزداد حسرة الذين وصفوا المسيح وأمه. بما هما بريئان منه فقال - تعالى - :<br> { وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ... }<br>"
    },
    {
        "id": "803",
        "sura_number": "6",
        "ayah_number": "1",
        "aya": "",
        "sura": "الأنعام",
        "mediator": "افتتحت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل هو رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>وأل فى { ٱلْحَمْدُ } للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ولكافة ألوان الثناء هو الله تعالى، وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شىء، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله تعالى: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } كما بين الفرق بين المدح والحمد والشكر فقال: \"اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله، وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان فثبت أن المدح أعم من الحمد، وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام سواء كان ذلك الإِنعام واصلا إليك  أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد وهو أعم من الشكر. إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل المدح لله لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، فكان قوله الحمد لله تصريحا بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة. وإنما لم يقل الشكر لله، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة، فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة فأما إذا قال الحمد لله فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - تعالى  أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت\".<br>هذا وفى القرآن الكريم خمس سور مكية اشتركت فى الافتتاح بتقرير أن الحمد لله وحده، ولكن كان لكل سورة منهج خاص فى بيان أسباب ذلك الحمد.<br>أما السورة الأولى فهى سورة الفاتحة التى تقول فى مطلعها { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: أن الحمد لله وحده، الذى ربى هذا العالم تربية خلقية أساسها الإِيجاد والتصوير، ورباه تربية عقلية أساسها منح قوة التفكير والإِدراك، كما أنه رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التى أوحى بها إلى رسله فتربط استحقاق الحمد لله بربوبيته للعالمين، والربوبية المطلقة تنتظم التربية الخلقية جسمية وعقلية، عن طريق الإِيجاد والتصوير، كما تنتظم التربية التشريعية التى أساسها الأحكام التى أوحاها الله إلى أنبيائه ورسله.<br>وتجىء بعد سورة الفاتحة فى الترتيب المصحفى سورة الأنعام فأثبتت أيضاً استحقاق الحمد لله وحده، لأنه \"خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، فهى تهتم بالحديث عن نوع خاص من التربية، وهو التربية الخلقية التى أساسها الخلق والإِيجاد والتسوية والتصوير الحقيقى.<br>ثم تجىء بعدهما سورة \"الكهف\" فتثبت أن الحمد لله، لأنه { أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } فتراها تهتم بإبراز التربية التشريعية التى تهذب الروح، وتهدى الفكر.<br>والسورة الرابعة التى افتتحت بإثبات أن { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } هى سورة سبأ، لأنه - سبحانه - {  لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } )، ثم تراها بعد ذلك زاخرة بالحديث عن أنواع التربية المطلقة التى تتجلى فى ارساء مظاهر علم الله الشامل، وملكه المطلق، وتدبيره المحكم وقدرته النافذة التى تجعله أهلا لكل حمد وثناء.<br>أما السورة الخامسة فهى سورة فاطر، فقد أثبتت فى مطلعها أن الحمد لله، لأنه { فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } والذى يقرا هذه السورة الكريمة بتدبير يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمد لله وحده عن طريق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهى تذكر خلق السماوات والأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر. كما تذكر أنواع الناس فى الانتفاع بوحى الله، وبهدى أنبيائه ورسله.<br>وهكذا نجد أن السور الخمس قد اشتركت فى أنها افتتحت بجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }  وفى قصر الحمد والثناء عليه وحده. إلا أن كل واحدة منها قد سلكت منهجا خاصا فى تقرير هذه الحقيقة، وفى إقامة الأدلة على صدقها.<br>وقد أحسن القرطبى عندما قال: \"فإن قيل: قد افتتح غيرها - أى سورة الأنعام - بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره فيقال: لأن لكل واحدة منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة، وأيضاً فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون\".<br>ثم بين القرآن بعد ذلك الأسباب التى تحمل العقلاء على أن يجعلوا حمدهم كله لله - تعالى - فقال:<br>{ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ }.<br>والمعنى: الحمد كله لله الذى أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية، وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة، وظاهرة وخافية، وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات. فالجملة الكريمة قد اشتملت على صفتين من صفات الله - تعالى - تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل لله - عز وجل - وهما خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور.<br>وعبر - سبحانه - فى جانب السماوات والأرض بخلق، وفى جانب الظلمات والنور بجعل، لأن الخلق معناه هنا الإنشاء والإِيجاد الابتدائي من العدم، أما الجعل فيتضمن معنى تكوين شىء من شىء أو من أشياء، فالظلمات تتولد من اختفاء الشمس عن الأرض، والنور يتكون من بزوغ الشمس على الأرض، وهذه التقلبات الكونية هى بتقدير الله العزيز العليم.<br>قال صاحب الكشاف: \"والفرق بين الخلق والجعل. أن الخلق فيه معنى التقدير، وفى الجعل معنى التضمين، كإنشاء شىء من شىء، أو تصيير شىء شيئاً، أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } { وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ }، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار\".<br>وقال الفخر الرازى: \"وإنما حسن لفظ الجعل هنا، لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر\".<br>وقال أبو السعود: \"والجعل هنا هو الانشاء والإِبداع كالخلق، خلا أن ذلك - أى الخلق - مختص بالإِنشاء التكوينى وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما فى الآية الكريمة والتشريعى أيضاً كما فى قوله - تعالى - { مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسماوات. إلا أنها فى كثير من المواضع القرآنية تفرد - أى الأرض - وتجمع السماء كما هنا، لعظم السماء. ولإِحاطتها بالأرض، ولأنه لم يعرف أن الله - تعالى - قد عصى فيها، ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض، بخلاف طبقات الأرض فإنها متصلة.<br>والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية، كما أن المراد بالنور النور الحسى لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولأنهما إذا جعلا مقرونين بذكر السماوات والأرض فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان، ولأن القرآن يستشهد عليهم بمقتضى ما يعلمونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده - سبحانه - بخلق هذه الأشياء.<br>ويرى بعض المفسرين أن المراد بالظلمات، ظلمات الشرك والكفر والنفاق، وأن المراد بالنور، نور الإِيمان والإِسلام واليقين، وعلى هذا الرأى يكون المراد بهما معنويا لا حسيا.<br>قال صاحب المنار: قال الواحدى: والأولى حمل اللفظين عليهما، واستشكله الرازى لأنه مبنى على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، والمختار عندنا جوازه، وجواز استعمال المشترك فى معنييه أو معانيه إذا احتمل المقام ذلك بلا التباس كما هنا، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم هذا فإن الجعل يشمل الخلق والأمر - أى الشرع - كما تقدم، فيفسر جعل كل نور بما يليق به.<br>وعبر القرآن فى جانب الظلمات بصيغة الجمع، وفى جانب النور بالإِفراد لأن النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته. أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها، فهناك ظلمة الليل، وهناك ظلمة السجون، وهناك ظلمة القبور، وهناك ظلمة الغمام، وهى تتغير حقائقها بتغير أسبابها. ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوى وهى أن ظلمة الإِدراك تتعد حقائقها، فهناك ظلمة الانحراف، وظلمة الأهواء، والشهوات وطمس القلوب.<br>والنور واحد { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } فالنور فى هذا واحد.<br>ثم بين - سبحانه - الموقف الجحودى الذى وقفه المشركون من قضية الألوهية فقال { ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ }.<br>العدل: المراد به هنا التسوية، فقال: عدل الشىء بالشىء إذا سواه به والمعنى: أن الله - تعالى - هو الذى خلق السماوات والأرض، وهو الذى جعل الظلمات والنور، فهو لذلك من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده وأن يخصوه بالحمد والثناء، ولكن المشركين مع كل هذه الدلائل الدالة على وحدانية الله وقدرته يساوون به غيره فى العبادة، ويشركون معه آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر.<br>وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } على معنى أن الله - تعالى - حقيق بالحمد على ما خلق من نعم، وأوجد من كائنات ثم الذين كفروا يجحدون كل ذلك فيشركون معه آلهة أخرى.<br>ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة { خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } على معنى أن الله - تعالى - قد خلق الأشياء العظيمة التى لا يقدر عليها أحد سواه، ثم إن المشركين بعد ذلك يعدلون به جماداً لا يقدر على شىء أصلا.<br>وجاء العطف \"بثم\" لإِفادة استبعاد واستقباح ما فعله الكافرون. فإنهم رغم البراهين الواضحة والدالة على وحدانية الله وقدرته، قد نزلوا بمداركهم إلى الحضيض فسووا فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>قال القرطبى: قال ابن عطية: فثم دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى أن خلق السماوات والأرض قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمنى! ولو وقع العطف بالواو فى هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم\".<br>ثم ساق القرآن فى الآية الثانية دليلا آخر على أن الله - تعالى - هو المستحق للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، فتحدث عن أصل خلق الإِنسان، بعد أن تحدث فى الآية الأولى عن خلق السماوات والأرض فقال:<br>{ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }.<br>أى: هو الذى أنشأكم من طين، ثم تعهدكم برعايته فى مراحل خلقكم بعد ذلك، كما قال - تعالى -: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } وفى ذكر خلق الإِنسان من طين، دليل على قدرة الله وعظمته، لأنه - سبحانه - هو الذى حول هذا الطين إلى بشر سوى مفكر، يختار الخير فيهتدى ويختار الشر فيردى، كما أن فيه تذكيراً له بأصله حتى لا يستكبر أو يطغى، وحتى يوقن بأن من خلقه من هذا الأصل قادر على أن يعيده إليه.<br>قال تعالى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } قال أبو السعود: (وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث، مع أن ما ذكر من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها. لما أن محل النزاع بعثهم، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر، وهم بشئون أنفسهم أعرف، والتعامى عن الحجة البينة أقبح).<br>وقال الجمل: (وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم - عليه السلام - وهو المخلوق منه حقيقة. لتوضيح منهاج القياس، والمبالغة فى إزاحة الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من تحقيق الحق، والتنبيه على حكمة خفية هى أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه - عليه السلام - منه. حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد البشر انطواء إجماليا، فكان خلقه - عليه السلام - من طين خلقا لكل أحد من فروعه).<br>ثم قال - تعالى - { ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ }. الأجل فى اللغة عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإِنسان هو الوقت المضروب لانتهاء عمره. والمعنى: أنه سبحانه - قدر لعباده أجلين: أجلا تنتهى عنده حياتهم بعد أن عاشوا زمنا معينا، وأجلا آخر يمتد من وقت موتهم إلى أن يبعثهم الله من قبورهم عند انتهاء عمر الدنيا ليحاسبهم على أعمالهم، هذا هو الرأى الأول فى معنى الأجلين.<br>وقيل: المراد من الأجل الأول آجال الماضين من الخلق، ومن الثانى آجال الباقين منهم. وقيل المراد من الأول النوم ومن الثانى الموت. وقيل: المراد من الأول ما مضى من عمر الإِنسان ومن الثانى ما بقى منه.<br>والذى نرجحه هو الرأى الأول لأسباب منها.<br>1 - أن من تتبع ذكر الأجل المسمى فى القرآن فى سياق الكلام عن الناس يراه قد ورد فى عمر الإِنسان الذى ينتهى بالموت، ومن ذلك قوله { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وقوله - تعالى -: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } 2 - أن الآية الكريمة مسوقة لإِثبات وحدانية الله ولتقرير أن البعث حق، فالمناسب أن يكون المراد بالأجل الثانى هو انتهاء عمر الدنيا وبعث الناس من قبورهم.<br>ولذا قال أبو السعود فى تضعيفه للآراء المخالفة للرأى الأول: \"ومن ها هنا تبين أن ما قيل من أن الأجل الأول هو النوم والثانى هو الموت، أو أن الأول أجل الماضين والثانى أجل الباقين، أو أن الأول مقدار ما مضى من عمر كل أحد والثانى مقدار ما بقى منه؛ مما لا وجه له أصلا، لما رأيت من أن مساق النظم الكريم استبعاد امترائهم فى البعث الذى عبر عن وقته بالأجل المسمى. فحيث أريد به أحد ما ذكر من الأمور الثلاثة ففى أى شىء تمترون؟\".<br>3 - أن الرأى الأول هو الرأى المأثور عن بعض الصحابة، وبه قال جمهور المفسرين، وقد عزاه ابن كثير فى تفسيره إلى عشرة من التابعين.<br>وعطفت الجملة الكريمة بثم، للإِشارة إلى أطوار خلق الإِنسان المختلفة، فهو فى أصله من سلالة من طين، ثم يصيره الله - تعالى - نطفة، فعلقة، فمضغة، فعظاما، ثم يكونه - سبحانه - وتعالى خلقا آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين\".<br>ووصف الأجل الثانى بأنه (مسمى عنده)، لأن وقت قيام الساعة من الأمور التى لا يعلمها إلا الله قال - تعالى -: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } وجاء قوله تعالى { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } مقدما على (عنده) لأنه مبتدأ، والذى سوغ الابتداء به مع كونه نكرة تخصصه بالوصف فقارب المعرفة لذلك، فهو كقوله - تعالى - { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ } ومعنى (عنده) أى: فى علمه الذى لا يعلمه أحد سواه، فهى عندية تشريف وخصوصية.<br>ثم ختمت الآية الكريمة بتوبيخ الشاكين فى البعث والحساب فقال - تعالى -:<br>{ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }. الامتراء: هو التردد الذى ينتهى إلى محاجة ومجادلة وقد ينتهى إلى شك ثم إلى إنكار. مأخوذ من مرى الضرع إذا مسحه للدر ووجه المناسبة فى استعماله فى الشك، أن الشك سبب لاستخراج العلم الذى هو كاللبن الخالص من بين فرث ودم.<br>والمعنى: ثم إنكم بعد كل هذه الأدلة الدالة على وحدانية الله، وعلى أن يوم القيامة حق، تشكون فى ذلك، وتجادلون المؤمنين فيما تشكون فيه \"بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير\".<br>وجاء العطف بثم لبيان التفاوت الكبير بين الحقائق الثابتة الناصعة، وبين ما سولته لهم أنفسهم من المجادلة فيها.<br>قال الآلوسى: \"والمراد استبعاد امترائهم فى وقوع البعث وتحققه فى نفسه مع مشاهدتهم فى أنفسهم من الشواهد ما يقع مادة ذلك بالكلية فإن من قدر على إفاضة الحياة على مادة غير مستعدة لشىء من ذلك، كان أوضح اقتداراً على إقامته على مادة قد استعدت له وقارنته مدة\".<br>وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة فى الآيتين السابقتين على أنه هو المستحق للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، جاءت الآية الثالثة لتصفه - سبحانه بأنه هو صاحب السلطان المطلق فى هذا الكون فقال - تعالى -: { هُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ }.<br>أى: أنه - سبحانه - هو المعبود بحق فى السماوات والأرض، العليم بكل شىء فى هذا الوجود، الخبير بكل ما يكسبه الإِنسان من خير أو شر فيجازيه عليه بما يستحقه.<br>والضمير \"هو\" الذى صدرت به الآية يعود إلى الله - تعالى - الذى نعت ذاته فى الآيتين السابقتين بأنه هو صاحب الحمد المطلق، وخالق السماوات والأرض، وجاعل الظلمات والنور، ومنشىء الإِنسان من طين، وأنه لذلك يكون مختصاً بالعبادة والخضوع.<br>وقوله - تعالى -: { وَهُوَ ٱللَّهُ } جملة من متبدأ وخبر، معطوفة على ما قبلها، سيقت لبيان شموال ألوهيته لجميع المخلوقات.<br>قال أبو السعود: وقوله { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ } متعلق بالمعنى الوصفى الذى ينبىء عنه الاسم الجليل إما باعتبار اصل اشتقاقه وكونه علما للمعبود بالحق، كأنه قيل: وهو المعبود فيهما. وإما باعتبار أنه اسم اشتهر بما اشتهرت به الذات من صفات الكمال، فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقام من المالكية حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة، فعلق به الظرف من تلك الحيثية فصار كأنه قيل: هو المالك أو المتصرف المدبر فيهما، كما فى قوله - تعالى -: { وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ } وجملة { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } تقرير لمعنى الجملة الأولى لأن الذى استوى فى علمه السر والعلن هو الله وحده. ويجوز أن تكون كلاما مبتدأ بمعنى: هو يعلم سركم وجهركم، أو خبراً ثانيا.<br>ثم صور - سبحانه - طبيعة الجاحدين الذين هم - لانطماس بصائرهم واصرارهم على العناد - غدوا لا يجدى معهم دليل ولا تنفع معهم حجة، وساق لهم أخبار من سبقوهم. فقال - تعالى -: { وَمَا تَأْتِيهِم... }.<br>"
    },
    {
        "id": "804",
        "sura_number": "6",
        "ayah_number": "2",
        "aya": "",
        "sura": "الأنعام",
        "mediator": "افتتحت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل هو رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>وأل فى { ٱلْحَمْدُ } للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ولكافة ألوان الثناء هو الله تعالى، وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شىء، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله تعالى: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } كما بين الفرق بين المدح والحمد والشكر فقال: \"اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله، وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان فثبت أن المدح أعم من الحمد، وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام سواء كان ذلك الإِنعام واصلا إليك  أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد وهو أعم من الشكر. إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل المدح لله لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، فكان قوله الحمد لله تصريحا بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة. وإنما لم يقل الشكر لله، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة، فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة فأما إذا قال الحمد لله فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - تعالى  أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت\".<br>هذا وفى القرآن الكريم خمس سور مكية اشتركت فى الافتتاح بتقرير أن الحمد لله وحده، ولكن كان لكل سورة منهج خاص فى بيان أسباب ذلك الحمد.<br>أما السورة الأولى فهى سورة الفاتحة التى تقول فى مطلعها { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: أن الحمد لله وحده، الذى ربى هذا العالم تربية خلقية أساسها الإِيجاد والتصوير، ورباه تربية عقلية أساسها منح قوة التفكير والإِدراك، كما أنه رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التى أوحى بها إلى رسله فتربط استحقاق الحمد لله بربوبيته للعالمين، والربوبية المطلقة تنتظم التربية الخلقية جسمية وعقلية، عن طريق الإِيجاد والتصوير، كما تنتظم التربية التشريعية التى أساسها الأحكام التى أوحاها الله إلى أنبيائه ورسله.<br>وتجىء بعد سورة الفاتحة فى الترتيب المصحفى سورة الأنعام فأثبتت أيضاً استحقاق الحمد لله وحده، لأنه \"خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، فهى تهتم بالحديث عن نوع خاص من التربية، وهو التربية الخلقية التى أساسها الخلق والإِيجاد والتسوية والتصوير الحقيقى.<br>ثم تجىء بعدهما سورة \"الكهف\" فتثبت أن الحمد لله، لأنه { أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } فتراها تهتم بإبراز التربية التشريعية التى تهذب الروح، وتهدى الفكر.<br>والسورة الرابعة التى افتتحت بإثبات أن { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } هى سورة سبأ، لأنه - سبحانه - {  لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } )، ثم تراها بعد ذلك زاخرة بالحديث عن أنواع التربية المطلقة التى تتجلى فى ارساء مظاهر علم الله الشامل، وملكه المطلق، وتدبيره المحكم وقدرته النافذة التى تجعله أهلا لكل حمد وثناء.<br>أما السورة الخامسة فهى سورة فاطر، فقد أثبتت فى مطلعها أن الحمد لله، لأنه { فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } والذى يقرا هذه السورة الكريمة بتدبير يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمد لله وحده عن طريق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهى تذكر خلق السماوات والأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر. كما تذكر أنواع الناس فى الانتفاع بوحى الله، وبهدى أنبيائه ورسله.<br>وهكذا نجد أن السور الخمس قد اشتركت فى أنها افتتحت بجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }  وفى قصر الحمد والثناء عليه وحده. إلا أن كل واحدة منها قد سلكت منهجا خاصا فى تقرير هذه الحقيقة، وفى إقامة الأدلة على صدقها.<br>وقد أحسن القرطبى عندما قال: \"فإن قيل: قد افتتح غيرها - أى سورة الأنعام - بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره فيقال: لأن لكل واحدة منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة، وأيضاً فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون\".<br>ثم بين القرآن بعد ذلك الأسباب التى تحمل العقلاء على أن يجعلوا حمدهم كله لله - تعالى - فقال:<br>{ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ }.<br>والمعنى: الحمد كله لله الذى أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية، وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة، وظاهرة وخافية، وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات. فالجملة الكريمة قد اشتملت على صفتين من صفات الله - تعالى - تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل لله - عز وجل - وهما خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور.<br>وعبر - سبحانه - فى جانب السماوات والأرض بخلق، وفى جانب الظلمات والنور بجعل، لأن الخلق معناه هنا الإنشاء والإِيجاد الابتدائي من العدم، أما الجعل فيتضمن معنى تكوين شىء من شىء أو من أشياء، فالظلمات تتولد من اختفاء الشمس عن الأرض، والنور يتكون من بزوغ الشمس على الأرض، وهذه التقلبات الكونية هى بتقدير الله العزيز العليم.<br>قال صاحب الكشاف: \"والفرق بين الخلق والجعل. أن الخلق فيه معنى التقدير، وفى الجعل معنى التضمين، كإنشاء شىء من شىء، أو تصيير شىء شيئاً، أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } { وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ }، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار\".<br>وقال الفخر الرازى: \"وإنما حسن لفظ الجعل هنا، لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر\".<br>وقال أبو السعود: \"والجعل هنا هو الانشاء والإِبداع كالخلق، خلا أن ذلك - أى الخلق - مختص بالإِنشاء التكوينى وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما فى الآية الكريمة والتشريعى أيضاً كما فى قوله - تعالى - { مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسماوات. إلا أنها فى كثير من المواضع القرآنية تفرد - أى الأرض - وتجمع السماء كما هنا، لعظم السماء. ولإِحاطتها بالأرض، ولأنه لم يعرف أن الله - تعالى - قد عصى فيها، ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض، بخلاف طبقات الأرض فإنها متصلة.<br>والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية، كما أن المراد بالنور النور الحسى لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولأنهما إذا جعلا مقرونين بذكر السماوات والأرض فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان، ولأن القرآن يستشهد عليهم بمقتضى ما يعلمونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده - سبحانه - بخلق هذه الأشياء.<br>ويرى بعض المفسرين أن المراد بالظلمات، ظلمات الشرك والكفر والنفاق، وأن المراد بالنور، نور الإِيمان والإِسلام واليقين، وعلى هذا الرأى يكون المراد بهما معنويا لا حسيا.<br>قال صاحب المنار: قال الواحدى: والأولى حمل اللفظين عليهما، واستشكله الرازى لأنه مبنى على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، والمختار عندنا جوازه، وجواز استعمال المشترك فى معنييه أو معانيه إذا احتمل المقام ذلك بلا التباس كما هنا، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم هذا فإن الجعل يشمل الخلق والأمر - أى الشرع - كما تقدم، فيفسر جعل كل نور بما يليق به.<br>وعبر القرآن فى جانب الظلمات بصيغة الجمع، وفى جانب النور بالإِفراد لأن النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته. أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها، فهناك ظلمة الليل، وهناك ظلمة السجون، وهناك ظلمة القبور، وهناك ظلمة الغمام، وهى تتغير حقائقها بتغير أسبابها. ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوى وهى أن ظلمة الإِدراك تتعد حقائقها، فهناك ظلمة الانحراف، وظلمة الأهواء، والشهوات وطمس القلوب.<br>والنور واحد { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } فالنور فى هذا واحد.<br>ثم بين - سبحانه - الموقف الجحودى الذى وقفه المشركون من قضية الألوهية فقال { ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ }.<br>العدل: المراد به هنا التسوية، فقال: عدل الشىء بالشىء إذا سواه به والمعنى: أن الله - تعالى - هو الذى خلق السماوات والأرض، وهو الذى جعل الظلمات والنور، فهو لذلك من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده وأن يخصوه بالحمد والثناء، ولكن المشركين مع كل هذه الدلائل الدالة على وحدانية الله وقدرته يساوون به غيره فى العبادة، ويشركون معه آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر.<br>وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } على معنى أن الله - تعالى - حقيق بالحمد على ما خلق من نعم، وأوجد من كائنات ثم الذين كفروا يجحدون كل ذلك فيشركون معه آلهة أخرى.<br>ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة { خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } على معنى أن الله - تعالى - قد خلق الأشياء العظيمة التى لا يقدر عليها أحد سواه، ثم إن المشركين بعد ذلك يعدلون به جماداً لا يقدر على شىء أصلا.<br>وجاء العطف \"بثم\" لإِفادة استبعاد واستقباح ما فعله الكافرون. فإنهم رغم البراهين الواضحة والدالة على وحدانية الله وقدرته، قد نزلوا بمداركهم إلى الحضيض فسووا فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>قال القرطبى: قال ابن عطية: فثم دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى أن خلق السماوات والأرض قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمنى! ولو وقع العطف بالواو فى هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم\".<br>ثم ساق القرآن فى الآية الثانية دليلا آخر على أن الله - تعالى - هو المستحق للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، فتحدث عن أصل خلق الإِنسان، بعد أن تحدث فى الآية الأولى عن خلق السماوات والأرض فقال:<br>{ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }.<br>أى: هو الذى أنشأكم من طين، ثم تعهدكم برعايته فى مراحل خلقكم بعد ذلك، كما قال - تعالى -: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } وفى ذكر خلق الإِنسان من طين، دليل على قدرة الله وعظمته، لأنه - سبحانه - هو الذى حول هذا الطين إلى بشر سوى مفكر، يختار الخير فيهتدى ويختار الشر فيردى، كما أن فيه تذكيراً له بأصله حتى لا يستكبر أو يطغى، وحتى يوقن بأن من خلقه من هذا الأصل قادر على أن يعيده إليه.<br>قال تعالى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } قال أبو السعود: (وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث، مع أن ما ذكر من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها. لما أن محل النزاع بعثهم، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر، وهم بشئون أنفسهم أعرف، والتعامى عن الحجة البينة أقبح).<br>وقال الجمل: (وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم - عليه السلام - وهو المخلوق منه حقيقة. لتوضيح منهاج القياس، والمبالغة فى إزاحة الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من تحقيق الحق، والتنبيه على حكمة خفية هى أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه - عليه السلام - منه. حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد البشر انطواء إجماليا، فكان خلقه - عليه السلام - من طين خلقا لكل أحد من فروعه).<br>ثم قال - تعالى - { ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ }. الأجل فى اللغة عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإِنسان هو الوقت المضروب لانتهاء عمره. والمعنى: أنه سبحانه - قدر لعباده أجلين: أجلا تنتهى عنده حياتهم بعد أن عاشوا زمنا معينا، وأجلا آخر يمتد من وقت موتهم إلى أن يبعثهم الله من قبورهم عند انتهاء عمر الدنيا ليحاسبهم على أعمالهم، هذا هو الرأى الأول فى معنى الأجلين.<br>وقيل: المراد من الأجل الأول آجال الماضين من الخلق، ومن الثانى آجال الباقين منهم. وقيل المراد من الأول النوم ومن الثانى الموت. وقيل: المراد من الأول ما مضى من عمر الإِنسان ومن الثانى ما بقى منه.<br>والذى نرجحه هو الرأى الأول لأسباب منها.<br>1 - أن من تتبع ذكر الأجل المسمى فى القرآن فى سياق الكلام عن الناس يراه قد ورد فى عمر الإِنسان الذى ينتهى بالموت، ومن ذلك قوله { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وقوله - تعالى -: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } 2 - أن الآية الكريمة مسوقة لإِثبات وحدانية الله ولتقرير أن البعث حق، فالمناسب أن يكون المراد بالأجل الثانى هو انتهاء عمر الدنيا وبعث الناس من قبورهم.<br>ولذا قال أبو السعود فى تضعيفه للآراء المخالفة للرأى الأول: \"ومن ها هنا تبين أن ما قيل من أن الأجل الأول هو النوم والثانى هو الموت، أو أن الأول أجل الماضين والثانى أجل الباقين، أو أن الأول مقدار ما مضى من عمر كل أحد والثانى مقدار ما بقى منه؛ مما لا وجه له أصلا، لما رأيت من أن مساق النظم الكريم استبعاد امترائهم فى البعث الذى عبر عن وقته بالأجل المسمى. فحيث أريد به أحد ما ذكر من الأمور الثلاثة ففى أى شىء تمترون؟\".<br>3 - أن الرأى الأول هو الرأى المأثور عن بعض الصحابة، وبه قال جمهور المفسرين، وقد عزاه ابن كثير فى تفسيره إلى عشرة من التابعين.<br>وعطفت الجملة الكريمة بثم، للإِشارة إلى أطوار خلق الإِنسان المختلفة، فهو فى أصله من سلالة من طين، ثم يصيره الله - تعالى - نطفة، فعلقة، فمضغة، فعظاما، ثم يكونه - سبحانه - وتعالى خلقا آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين\".<br>ووصف الأجل الثانى بأنه (مسمى عنده)، لأن وقت قيام الساعة من الأمور التى لا يعلمها إلا الله قال - تعالى -: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } وجاء قوله تعالى { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } مقدما على (عنده) لأنه مبتدأ، والذى سوغ الابتداء به مع كونه نكرة تخصصه بالوصف فقارب المعرفة لذلك، فهو كقوله - تعالى - { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ } ومعنى (عنده) أى: فى علمه الذى لا يعلمه أحد سواه، فهى عندية تشريف وخصوصية.<br>ثم ختمت الآية الكريمة بتوبيخ الشاكين فى البعث والحساب فقال - تعالى -:<br>{ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }. الامتراء: هو التردد الذى ينتهى إلى محاجة ومجادلة وقد ينتهى إلى شك ثم إلى إنكار. مأخوذ من مرى الضرع إذا مسحه للدر ووجه المناسبة فى استعماله فى الشك، أن الشك سبب لاستخراج العلم الذى هو كاللبن الخالص من بين فرث ودم.<br>والمعنى: ثم إنكم بعد كل هذه الأدلة الدالة على وحدانية الله، وعلى أن يوم القيامة حق، تشكون فى ذلك، وتجادلون المؤمنين فيما تشكون فيه \"بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير\".<br>وجاء العطف بثم لبيان التفاوت الكبير بين الحقائق الثابتة الناصعة، وبين ما سولته لهم أنفسهم من المجادلة فيها.<br>قال الآلوسى: \"والمراد استبعاد امترائهم فى وقوع البعث وتحققه فى نفسه مع مشاهدتهم فى أنفسهم من الشواهد ما يقع مادة ذلك بالكلية فإن من قدر على إفاضة الحياة على مادة غير مستعدة لشىء من ذلك، كان أوضح اقتداراً على إقامته على مادة قد استعدت له وقارنته مدة\".<br>وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة فى الآيتين السابقتين على أنه هو المستحق للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، جاءت الآية الثالثة لتصفه - سبحانه بأنه هو صاحب السلطان المطلق فى هذا الكون فقال - تعالى -: { هُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ }.<br>أى: أنه - سبحانه - هو المعبود بحق فى السماوات والأرض، العليم بكل شىء فى هذا الوجود، الخبير بكل ما يكسبه الإِنسان من خير أو شر فيجازيه عليه بما يستحقه.<br>والضمير \"هو\" الذى صدرت به الآية يعود إلى الله - تعالى - الذى نعت ذاته فى الآيتين السابقتين بأنه هو صاحب الحمد المطلق، وخالق السماوات والأرض، وجاعل الظلمات والنور، ومنشىء الإِنسان من طين، وأنه لذلك يكون مختصاً بالعبادة والخضوع.<br>وقوله - تعالى -: { وَهُوَ ٱللَّهُ } جملة من متبدأ وخبر، معطوفة على ما قبلها، سيقت لبيان شموال ألوهيته لجميع المخلوقات.<br>قال أبو السعود: وقوله { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ } متعلق بالمعنى الوصفى الذى ينبىء عنه الاسم الجليل إما باعتبار اصل اشتقاقه وكونه علما للمعبود بالحق، كأنه قيل: وهو المعبود فيهما. وإما باعتبار أنه اسم اشتهر بما اشتهرت به الذات من صفات الكمال، فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقام من المالكية حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة، فعلق به الظرف من تلك الحيثية فصار كأنه قيل: هو المالك أو المتصرف المدبر فيهما، كما فى قوله - تعالى -: { وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ } وجملة { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } تقرير لمعنى الجملة الأولى لأن الذى استوى فى علمه السر والعلن هو الله وحده. ويجوز أن تكون كلاما مبتدأ بمعنى: هو يعلم سركم وجهركم، أو خبراً ثانيا.<br>ثم صور - سبحانه - طبيعة الجاحدين الذين هم - لانطماس بصائرهم واصرارهم على العناد - غدوا لا يجدى معهم دليل ولا تنفع معهم حجة، وساق لهم أخبار من سبقوهم. فقال - تعالى -: { وَمَا تَأْتِيهِم... }.<br>"
    },
    {
        "id": "805",
        "sura_number": "6",
        "ayah_number": "3",
        "aya": "",
        "sura": "الأنعام",
        "mediator": "افتتحت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل هو رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>وأل فى { ٱلْحَمْدُ } للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ولكافة ألوان الثناء هو الله تعالى، وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شىء، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله تعالى: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } كما بين الفرق بين المدح والحمد والشكر فقال: \"اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله، وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإِنعام والإِحسان فثبت أن المدح أعم من الحمد، وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام سواء كان ذلك الإِنعام واصلا إليك  أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد وهو أعم من الشكر. إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل المدح لله لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، فكان قوله الحمد لله تصريحا بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة. وإنما لم يقل الشكر لله، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة، فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة فأما إذا قال الحمد لله فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - تعالى  أوصل النعمة إليه، فيكون الإِخلاص أكمل، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت\".<br>هذا وفى القرآن الكريم خمس سور مكية اشتركت فى الافتتاح بتقرير أن الحمد لله وحده، ولكن كان لكل سورة منهج خاص فى بيان أسباب ذلك الحمد.<br>أما السورة الأولى فهى سورة الفاتحة التى تقول فى مطلعها { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: أن الحمد لله وحده، الذى ربى هذا العالم تربية خلقية أساسها الإِيجاد والتصوير، ورباه تربية عقلية أساسها منح قوة التفكير والإِدراك، كما أنه رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التى أوحى بها إلى رسله فتربط استحقاق الحمد لله بربوبيته للعالمين، والربوبية المطلقة تنتظم التربية الخلقية جسمية وعقلية، عن طريق الإِيجاد والتصوير، كما تنتظم التربية التشريعية التى أساسها الأحكام التى أوحاها الله إلى أنبيائه ورسله.<br>وتجىء بعد سورة الفاتحة فى الترتيب المصحفى سورة الأنعام فأثبتت أيضاً استحقاق الحمد لله وحده، لأنه \"خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، فهى تهتم بالحديث عن نوع خاص من التربية، وهو التربية الخلقية التى أساسها الخلق والإِيجاد والتسوية والتصوير الحقيقى.<br>ثم تجىء بعدهما سورة \"الكهف\" فتثبت أن الحمد لله، لأنه { أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } فتراها تهتم بإبراز التربية التشريعية التى تهذب الروح، وتهدى الفكر.<br>والسورة الرابعة التى افتتحت بإثبات أن { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } هى سورة سبأ، لأنه - سبحانه - {  لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } )، ثم تراها بعد ذلك زاخرة بالحديث عن أنواع التربية المطلقة التى تتجلى فى ارساء مظاهر علم الله الشامل، وملكه المطلق، وتدبيره المحكم وقدرته النافذة التى تجعله أهلا لكل حمد وثناء.<br>أما السورة الخامسة فهى سورة فاطر، فقد أثبتت فى مطلعها أن الحمد لله، لأنه { فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } والذى يقرا هذه السورة الكريمة بتدبير يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمد لله وحده عن طريق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهى تذكر خلق السماوات والأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر. كما تذكر أنواع الناس فى الانتفاع بوحى الله، وبهدى أنبيائه ورسله.<br>وهكذا نجد أن السور الخمس قد اشتركت فى أنها افتتحت بجملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }  وفى قصر الحمد والثناء عليه وحده. إلا أن كل واحدة منها قد سلكت منهجا خاصا فى تقرير هذه الحقيقة، وفى إقامة الأدلة على صدقها.<br>وقد أحسن القرطبى عندما قال: \"فإن قيل: قد افتتح غيرها - أى سورة الأنعام - بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره فيقال: لأن لكل واحدة منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة، وأيضاً فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون\".<br>ثم بين القرآن بعد ذلك الأسباب التى تحمل العقلاء على أن يجعلوا حمدهم كله لله - تعالى - فقال:<br>{ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ }.<br>والمعنى: الحمد كله لله الذى أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية، وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة، وظاهرة وخافية، وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات. فالجملة الكريمة قد اشتملت على صفتين من صفات الله - تعالى - تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل لله - عز وجل - وهما خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور.<br>وعبر - سبحانه - فى جانب السماوات والأرض بخلق، وفى جانب الظلمات والنور بجعل، لأن الخلق معناه هنا الإنشاء والإِيجاد الابتدائي من العدم، أما الجعل فيتضمن معنى تكوين شىء من شىء أو من أشياء، فالظلمات تتولد من اختفاء الشمس عن الأرض، والنور يتكون من بزوغ الشمس على الأرض، وهذه التقلبات الكونية هى بتقدير الله العزيز العليم.<br>قال صاحب الكشاف: \"والفرق بين الخلق والجعل. أن الخلق فيه معنى التقدير، وفى الجعل معنى التضمين، كإنشاء شىء من شىء، أو تصيير شىء شيئاً، أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } { وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ }، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار\".<br>وقال الفخر الرازى: \"وإنما حسن لفظ الجعل هنا، لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر\".<br>وقال أبو السعود: \"والجعل هنا هو الانشاء والإِبداع كالخلق، خلا أن ذلك - أى الخلق - مختص بالإِنشاء التكوينى وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما فى الآية الكريمة والتشريعى أيضاً كما فى قوله - تعالى - { مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسماوات. إلا أنها فى كثير من المواضع القرآنية تفرد - أى الأرض - وتجمع السماء كما هنا، لعظم السماء. ولإِحاطتها بالأرض، ولأنه لم يعرف أن الله - تعالى - قد عصى فيها، ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض، بخلاف طبقات الأرض فإنها متصلة.<br>والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية، كما أن المراد بالنور النور الحسى لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولأنهما إذا جعلا مقرونين بذكر السماوات والأرض فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان، ولأن القرآن يستشهد عليهم بمقتضى ما يعلمونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده - سبحانه - بخلق هذه الأشياء.<br>ويرى بعض المفسرين أن المراد بالظلمات، ظلمات الشرك والكفر والنفاق، وأن المراد بالنور، نور الإِيمان والإِسلام واليقين، وعلى هذا الرأى يكون المراد بهما معنويا لا حسيا.<br>قال صاحب المنار: قال الواحدى: والأولى حمل اللفظين عليهما، واستشكله الرازى لأنه مبنى على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، والمختار عندنا جوازه، وجواز استعمال المشترك فى معنييه أو معانيه إذا احتمل المقام ذلك بلا التباس كما هنا، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم هذا فإن الجعل يشمل الخلق والأمر - أى الشرع - كما تقدم، فيفسر جعل كل نور بما يليق به.<br>وعبر القرآن فى جانب الظلمات بصيغة الجمع، وفى جانب النور بالإِفراد لأن النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته. أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها، فهناك ظلمة الليل، وهناك ظلمة السجون، وهناك ظلمة القبور، وهناك ظلمة الغمام، وهى تتغير حقائقها بتغير أسبابها. ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوى وهى أن ظلمة الإِدراك تتعد حقائقها، فهناك ظلمة الانحراف، وظلمة الأهواء، والشهوات وطمس القلوب.<br>والنور واحد { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } فالنور فى هذا واحد.<br>ثم بين - سبحانه - الموقف الجحودى الذى وقفه المشركون من قضية الألوهية فقال { ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ }.<br>العدل: المراد به هنا التسوية، فقال: عدل الشىء بالشىء إذا سواه به والمعنى: أن الله - تعالى - هو الذى خلق السماوات والأرض، وهو الذى جعل الظلمات والنور، فهو لذلك من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده وأن يخصوه بالحمد والثناء، ولكن المشركين مع كل هذه الدلائل الدالة على وحدانية الله وقدرته يساوون به غيره فى العبادة، ويشركون معه آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر.<br>وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } على معنى أن الله - تعالى - حقيق بالحمد على ما خلق من نعم، وأوجد من كائنات ثم الذين كفروا يجحدون كل ذلك فيشركون معه آلهة أخرى.<br>ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة { خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } على معنى أن الله - تعالى - قد خلق الأشياء العظيمة التى لا يقدر عليها أحد سواه، ثم إن المشركين بعد ذلك يعدلون به جماداً لا يقدر على شىء أصلا.<br>وجاء العطف \"بثم\" لإِفادة استبعاد واستقباح ما فعله الكافرون. فإنهم رغم البراهين الواضحة والدالة على وحدانية الله وقدرته، قد نزلوا بمداركهم إلى الحضيض فسووا فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>قال القرطبى: قال ابن عطية: فثم دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى أن خلق السماوات والأرض قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمنى! ولو وقع العطف بالواو فى هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم\".<br>ثم ساق القرآن فى الآية الثانية دليلا آخر على أن الله - تعالى - هو المستحق للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، فتحدث عن أصل خلق الإِنسان، بعد أن تحدث فى الآية الأولى عن خلق السماوات والأرض فقال:<br>{ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }.<br>أى: هو الذى أنشأكم من طين، ثم تعهدكم برعايته فى مراحل خلقكم بعد ذلك، كما قال - تعالى -: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } وفى ذكر خلق الإِنسان من طين، دليل على قدرة الله وعظمته، لأنه - سبحانه - هو الذى حول هذا الطين إلى بشر سوى مفكر، يختار الخير فيهتدى ويختار الشر فيردى، كما أن فيه تذكيراً له بأصله حتى لا يستكبر أو يطغى، وحتى يوقن بأن من خلقه من هذا الأصل قادر على أن يعيده إليه.<br>قال تعالى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } قال أبو السعود: (وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث، مع أن ما ذكر من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها. لما أن محل النزاع بعثهم، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر، وهم بشئون أنفسهم أعرف، والتعامى عن الحجة البينة أقبح).<br>وقال الجمل: (وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم - عليه السلام - وهو المخلوق منه حقيقة. لتوضيح منهاج القياس، والمبالغة فى إزاحة الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من تحقيق الحق، والتنبيه على حكمة خفية هى أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه - عليه السلام - منه. حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد البشر انطواء إجماليا، فكان خلقه - عليه السلام - من طين خلقا لكل أحد من فروعه).<br>ثم قال - تعالى - { ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ }. الأجل فى اللغة عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإِنسان هو الوقت المضروب لانتهاء عمره. والمعنى: أنه سبحانه - قدر لعباده أجلين: أجلا تنتهى عنده حياتهم بعد أن عاشوا زمنا معينا، وأجلا آخر يمتد من وقت موتهم إلى أن يبعثهم الله من قبورهم عند انتهاء عمر الدنيا ليحاسبهم على أعمالهم، هذا هو الرأى الأول فى معنى الأجلين.<br>وقيل: المراد من الأجل الأول آجال الماضين من الخلق، ومن الثانى آجال الباقين منهم. وقيل المراد من الأول النوم ومن الثانى الموت. وقيل: المراد من الأول ما مضى من عمر الإِنسان ومن الثانى ما بقى منه.<br>والذى نرجحه هو الرأى الأول لأسباب منها.<br>1 - أن من تتبع ذكر الأجل المسمى فى القرآن فى سياق الكلام عن الناس يراه قد ورد فى عمر الإِنسان الذى ينتهى بالموت، ومن ذلك قوله { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وقوله - تعالى -: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } 2 - أن الآية الكريمة مسوقة لإِثبات وحدانية الله ولتقرير أن البعث حق، فالمناسب أن يكون المراد بالأجل الثانى هو انتهاء عمر الدنيا وبعث الناس من قبورهم.<br>ولذا قال أبو السعود فى تضعيفه للآراء المخالفة للرأى الأول: \"ومن ها هنا تبين أن ما قيل من أن الأجل الأول هو النوم والثانى هو الموت، أو أن الأول أجل الماضين والثانى أجل الباقين، أو أن الأول مقدار ما مضى من عمر كل أحد والثانى مقدار ما بقى منه؛ مما لا وجه له أصلا، لما رأيت من أن مساق النظم الكريم استبعاد امترائهم فى البعث الذى عبر عن وقته بالأجل المسمى. فحيث أريد به أحد ما ذكر من الأمور الثلاثة ففى أى شىء تمترون؟\".<br>3 - أن الرأى الأول هو الرأى المأثور عن بعض الصحابة، وبه قال جمهور المفسرين، وقد عزاه ابن كثير فى تفسيره إلى عشرة من التابعين.<br>وعطفت الجملة الكريمة بثم، للإِشارة إلى أطوار خلق الإِنسان المختلفة، فهو فى أصله من سلالة من طين، ثم يصيره الله - تعالى - نطفة، فعلقة، فمضغة، فعظاما، ثم يكونه - سبحانه - وتعالى خلقا آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين\".<br>ووصف الأجل الثانى بأنه (مسمى عنده)، لأن وقت قيام الساعة من الأمور التى لا يعلمها إلا الله قال - تعالى -: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } وجاء قوله تعالى { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } مقدما على (عنده) لأنه مبتدأ، والذى سوغ الابتداء به مع كونه نكرة تخصصه بالوصف فقارب المعرفة لذلك، فهو كقوله - تعالى - { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ } ومعنى (عنده) أى: فى علمه الذى لا يعلمه أحد سواه، فهى عندية تشريف وخصوصية.<br>ثم ختمت الآية الكريمة بتوبيخ الشاكين فى البعث والحساب فقال - تعالى -:<br>{ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }. الامتراء: هو التردد الذى ينتهى إلى محاجة ومجادلة وقد ينتهى إلى شك ثم إلى إنكار. مأخوذ من مرى الضرع إذا مسحه للدر ووجه المناسبة فى استعماله فى الشك، أن الشك سبب لاستخراج العلم الذى هو كاللبن الخالص من بين فرث ودم.<br>والمعنى: ثم إنكم بعد كل هذه الأدلة الدالة على وحدانية الله، وعلى أن يوم القيامة حق، تشكون فى ذلك، وتجادلون المؤمنين فيما تشكون فيه \"بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير\".<br>وجاء العطف بثم لبيان التفاوت الكبير بين الحقائق الثابتة الناصعة، وبين ما سولته لهم أنفسهم من المجادلة فيها.<br>قال الآلوسى: \"والمراد استبعاد امترائهم فى وقوع البعث وتحققه فى نفسه مع مشاهدتهم فى أنفسهم من الشواهد ما يقع مادة ذلك بالكلية فإن من قدر على إفاضة الحياة على مادة غير مستعدة لشىء من ذلك، كان أوضح اقتداراً على إقامته على مادة قد استعدت له وقارنته مدة\".<br>وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة فى الآيتين السابقتين على أنه هو المستحق للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، جاءت الآية الثالثة لتصفه - سبحانه بأنه هو صاحب السلطان المطلق فى هذا الكون فقال - تعالى -: { هُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ }.<br>أى: أنه - سبحانه - هو المعبود بحق فى السماوات والأرض، العليم بكل شىء فى هذا الوجود، الخبير بكل ما يكسبه الإِنسان من خير أو شر فيجازيه عليه بما يستحقه.<br>والضمير \"هو\" الذى صدرت به الآية يعود إلى الله - تعالى - الذى نعت ذاته فى الآيتين السابقتين بأنه هو صاحب الحمد المطلق، وخالق السماوات والأرض، وجاعل الظلمات والنور، ومنشىء الإِنسان من طين، وأنه لذلك يكون مختصاً بالعبادة والخضوع.<br>وقوله - تعالى -: { وَهُوَ ٱللَّهُ } جملة من متبدأ وخبر، معطوفة على ما قبلها، سيقت لبيان شموال ألوهيته لجميع المخلوقات.<br>قال أبو السعود: وقوله { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ } متعلق بالمعنى الوصفى الذى ينبىء عنه الاسم الجليل إما باعتبار اصل اشتقاقه وكونه علما للمعبود بالحق، كأنه قيل: وهو المعبود فيهما. وإما باعتبار أنه اسم اشتهر بما اشتهرت به الذات من صفات الكمال، فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقام من المالكية حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة، فعلق به الظرف من تلك الحيثية فصار كأنه قيل: هو المالك أو المتصرف المدبر فيهما، كما فى قوله - تعالى -: { وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ } وجملة { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } تقرير لمعنى الجملة الأولى لأن الذى استوى فى علمه السر والعلن هو الله وحده. ويجوز أن تكون كلاما مبتدأ بمعنى: هو يعلم سركم وجهركم، أو خبراً ثانيا.<br>ثم صور - سبحانه - طبيعة الجاحدين الذين هم - لانطماس بصائرهم واصرارهم على العناد - غدوا لا يجدى معهم دليل ولا تنفع معهم حجة، وساق لهم أخبار من سبقوهم. فقال - تعالى -: { وَمَا تَأْتِيهِم... }.<br>"
    },
    {
        "id": "842",
        "sura_number": "6",
        "ayah_number": "40",
        "aya": "",
        "sura": "الأنعام",
        "mediator": "{ أَرَأَيْتُكُم } المقصود به أخبرونى، وكلمة أرأيت فى القرآن تستعمل للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤاده: أرأيت كذا فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله.<br>والمعنى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أخبرونى عن حالكم عندما يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر، أو ريح صرصر عاتية، أو تفاجئكم الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده وتنسون آلهتكم الباطلة، لأن الفطرة حينئذ هى التى تنطق على ألسنتكم بدون شعور منكم؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا تشركون مع الله آلهة أخرى؟ إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة، لأنكم تلجأون إليه وحده عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدون غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } للتوبيخ والتقريع والتعجب من حالهم.<br>وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تنفعكم فادعوها.<br>ثم أكد - سبحانه - أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجأون إلا إلى الله فقال - تعالى -: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }.<br>بل للإِضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم، أى: بل تخصونه وحده بالدعاء دون الآلهة، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك، لأنه هو القادر على كل شىء { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } أى: تغيب عن ذاكرتكم عند الشدائد والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة.<br>وقدم - سبحانه - المفعول على الفعل فى قوله: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } لإِفادة الاختصاص، أى: لا تدعون إلا إياه، وذلك يدل على أن المشركين مهما بلغ ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة لهذا الكون.<br>وفى قوله { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ } استعارة حيث شبه حال إزالة الشر بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر فى كل وإحلال السلامة محله.<br>والمقصود فيكشف الضر الذى تدعونه أن يكشفه: فالكلام على تقدير حذف مضاف.<br>وجواب الشرط لقوله: { إِنْ شَآءَ } محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه، أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل.<br>ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى بيان أحوال الأمم الماضية فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }.<br>البأساء: تطلق على المشقة والفقر الشديد، وعلى ما يصيب الأمم من أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض والأسقام التى تصيب الأمم والأفراد.<br>والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم، فكان هؤلاء الأقوام أعتى من قومك فى الشرك والجحود، فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء المؤلم، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشركهم.<br>فالآية الكريمة تصور لوناً من ألوان العلاج النفسى الذى عالج الله به الأمم التى تكفر بأنعمه، وتكذب أنبياءه ورسله، إذ أن الآلام والشدائد علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج.<br>ولقد بين - سبحانه - بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ }.<br>ولولا هنا للنفى، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقيل إنها للحث والتحضيض بمعنى هلا، أى: فهلا تضرعوا تائبين إلينا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفى فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } معناه: نفى التضرع، كأنه قيل. فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع إلا عنادهم وقوسة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زينها الشيطان لهم\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند نزول الشدائد بهم.<br>أما الأمر الأول: فهو قسوة قلوبهم، وقد عبر - سبحانه - عن هذا الأمر الأول بقوله: { وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أى: غلظت وجمدت وصارت كالحجارة أو أشد قسوة.<br>وأما الأمر الثانى: فهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة، بأن يوحى إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان هو عين الصواب، وأن ما أتاهم به أنبياؤهم ليس خيراً لأنه يتنافى مع ما كان عليه آباؤهم.<br>هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى الله والتوبة إليه.<br>ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى -:<br>{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ }.<br>والمعنى: فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم الرسل، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه. حتى إذا اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة.<br>ولفاء فى قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ } لتفصيل ما كان منهم. وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة.<br>والمراد بالنسيان هنا: الإِعراض والترك. أى: تركوا الإِهتداء بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإِصرارهم على كفرهم، وجمودهم على تقليد من قبلهم.<br>والتعبير بقوله - تعالى - { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } يرسم صورة بليغة لإِقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها، وبكل قوتها وإغرائها، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء.<br>وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله: { بِمَآ أُوتُوۤاْ } بالبناء للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم، كما قال قارون من قبل { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ } وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله { أَخَذْنَاهُمْ } لأنهم كانوا لا ينكرون ذلك، بل كانوا ينسبون الخلق والإِيجاد إلى الله - تعالى -.<br>وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين، فقد فجأهم العذاب على غرة بدون إمهال.<br>وإذا فى قوله { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } فجائية، والمبلس: الباهت الحزين البائس من الخير، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال.<br>روى الإِمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج\" ، ثم تلا قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ }.. الآية.<br>ثم قال - تعالى -: { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>الدابر: الآخر، والمعنى: فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن آخرهم بسبب ظلمهم وفجورهم، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله وأولياءه على أعدائهم، وفى ختام هذه الآية بقوله { وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تعليم لنا، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - تعالى -.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه عليهم فى خلقهم وتكوينهم، وبين لهم إذا سلبهم شيئاً من حواسهم فإنهم لا يتجهون إلا إليه فقال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "843",
        "sura_number": "6",
        "ayah_number": "41",
        "aya": "",
        "sura": "الأنعام",
        "mediator": "{ أَرَأَيْتُكُم } المقصود به أخبرونى، وكلمة أرأيت فى القرآن تستعمل للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤاده: أرأيت كذا فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله.<br>والمعنى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أخبرونى عن حالكم عندما يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر، أو ريح صرصر عاتية، أو تفاجئكم الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده وتنسون آلهتكم الباطلة، لأن الفطرة حينئذ هى التى تنطق على ألسنتكم بدون شعور منكم؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا تشركون مع الله آلهة أخرى؟ إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة، لأنكم تلجأون إليه وحده عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدون غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } للتوبيخ والتقريع والتعجب من حالهم.<br>وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تنفعكم فادعوها.<br>ثم أكد - سبحانه - أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجأون إلا إلى الله فقال - تعالى -: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }.<br>بل للإِضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم، أى: بل تخصونه وحده بالدعاء دون الآلهة، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك، لأنه هو القادر على كل شىء { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } أى: تغيب عن ذاكرتكم عند الشدائد والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة.<br>وقدم - سبحانه - المفعول على الفعل فى قوله: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } لإِفادة الاختصاص، أى: لا تدعون إلا إياه، وذلك يدل على أن المشركين مهما بلغ ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة لهذا الكون.<br>وفى قوله { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ } استعارة حيث شبه حال إزالة الشر بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر فى كل وإحلال السلامة محله.<br>والمقصود فيكشف الضر الذى تدعونه أن يكشفه: فالكلام على تقدير حذف مضاف.<br>وجواب الشرط لقوله: { إِنْ شَآءَ } محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه، أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل.<br>ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى بيان أحوال الأمم الماضية فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }.<br>البأساء: تطلق على المشقة والفقر الشديد، وعلى ما يصيب الأمم من أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض والأسقام التى تصيب الأمم والأفراد.<br>والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم، فكان هؤلاء الأقوام أعتى من قومك فى الشرك والجحود، فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء المؤلم، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشركهم.<br>فالآية الكريمة تصور لوناً من ألوان العلاج النفسى الذى عالج الله به الأمم التى تكفر بأنعمه، وتكذب أنبياءه ورسله، إذ أن الآلام والشدائد علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج.<br>ولقد بين - سبحانه - بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ }.<br>ولولا هنا للنفى، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقيل إنها للحث والتحضيض بمعنى هلا، أى: فهلا تضرعوا تائبين إلينا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفى فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } معناه: نفى التضرع، كأنه قيل. فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع إلا عنادهم وقوسة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زينها الشيطان لهم\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند نزول الشدائد بهم.<br>أما الأمر الأول: فهو قسوة قلوبهم، وقد عبر - سبحانه - عن هذا الأمر الأول بقوله: { وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أى: غلظت وجمدت وصارت كالحجارة أو أشد قسوة.<br>وأما الأمر الثانى: فهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة، بأن يوحى إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان هو عين الصواب، وأن ما أتاهم به أنبياؤهم ليس خيراً لأنه يتنافى مع ما كان عليه آباؤهم.<br>هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى الله والتوبة إليه.<br>ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى -:<br>{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ }.<br>والمعنى: فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم الرسل، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه. حتى إذا اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة.<br>ولفاء فى قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ } لتفصيل ما كان منهم. وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة.<br>والمراد بالنسيان هنا: الإِعراض والترك. أى: تركوا الإِهتداء بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإِصرارهم على كفرهم، وجمودهم على تقليد من قبلهم.<br>والتعبير بقوله - تعالى - { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } يرسم صورة بليغة لإِقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها، وبكل قوتها وإغرائها، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء.<br>وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله: { بِمَآ أُوتُوۤاْ } بالبناء للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم، كما قال قارون من قبل { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ } وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله { أَخَذْنَاهُمْ } لأنهم كانوا لا ينكرون ذلك، بل كانوا ينسبون الخلق والإِيجاد إلى الله - تعالى -.<br>وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين، فقد فجأهم العذاب على غرة بدون إمهال.<br>وإذا فى قوله { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } فجائية، والمبلس: الباهت الحزين البائس من الخير، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال.<br>روى الإِمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج\" ، ثم تلا قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ }.. الآية.<br>ثم قال - تعالى -: { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>الدابر: الآخر، والمعنى: فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن آخرهم بسبب ظلمهم وفجورهم، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله وأولياءه على أعدائهم، وفى ختام هذه الآية بقوله { وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تعليم لنا، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - تعالى -.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه عليهم فى خلقهم وتكوينهم، وبين لهم إذا سلبهم شيئاً من حواسهم فإنهم لا يتجهون إلا إليه فقال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "844",
        "sura_number": "6",
        "ayah_number": "42",
        "aya": "",
        "sura": "الأنعام",
        "mediator": "{ أَرَأَيْتُكُم } المقصود به أخبرونى، وكلمة أرأيت فى القرآن تستعمل للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤاده: أرأيت كذا فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله.<br>والمعنى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أخبرونى عن حالكم عندما يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر، أو ريح صرصر عاتية، أو تفاجئكم الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده وتنسون آلهتكم الباطلة، لأن الفطرة حينئذ هى التى تنطق على ألسنتكم بدون شعور منكم؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا تشركون مع الله آلهة أخرى؟ إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة، لأنكم تلجأون إليه وحده عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدون غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } للتوبيخ والتقريع والتعجب من حالهم.<br>وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تنفعكم فادعوها.<br>ثم أكد - سبحانه - أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجأون إلا إلى الله فقال - تعالى -: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }.<br>بل للإِضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم، أى: بل تخصونه وحده بالدعاء دون الآلهة، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك، لأنه هو القادر على كل شىء { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } أى: تغيب عن ذاكرتكم عند الشدائد والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة.<br>وقدم - سبحانه - المفعول على الفعل فى قوله: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } لإِفادة الاختصاص، أى: لا تدعون إلا إياه، وذلك يدل على أن المشركين مهما بلغ ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة لهذا الكون.<br>وفى قوله { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ } استعارة حيث شبه حال إزالة الشر بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر فى كل وإحلال السلامة محله.<br>والمقصود فيكشف الضر الذى تدعونه أن يكشفه: فالكلام على تقدير حذف مضاف.<br>وجواب الشرط لقوله: { إِنْ شَآءَ } محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه، أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل.<br>ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى بيان أحوال الأمم الماضية فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }.<br>البأساء: تطلق على المشقة والفقر الشديد، وعلى ما يصيب الأمم من أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض والأسقام التى تصيب الأمم والأفراد.<br>والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم، فكان هؤلاء الأقوام أعتى من قومك فى الشرك والجحود، فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء المؤلم، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشركهم.<br>فالآية الكريمة تصور لوناً من ألوان العلاج النفسى الذى عالج الله به الأمم التى تكفر بأنعمه، وتكذب أنبياءه ورسله، إذ أن الآلام والشدائد علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج.<br>ولقد بين - سبحانه - بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ }.<br>ولولا هنا للنفى، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقيل إنها للحث والتحضيض بمعنى هلا، أى: فهلا تضرعوا تائبين إلينا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفى فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } معناه: نفى التضرع، كأنه قيل. فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع إلا عنادهم وقوسة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زينها الشيطان لهم\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند نزول الشدائد بهم.<br>أما الأمر الأول: فهو قسوة قلوبهم، وقد عبر - سبحانه - عن هذا الأمر الأول بقوله: { وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أى: غلظت وجمدت وصارت كالحجارة أو أشد قسوة.<br>وأما الأمر الثانى: فهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة، بأن يوحى إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان هو عين الصواب، وأن ما أتاهم به أنبياؤهم ليس خيراً لأنه يتنافى مع ما كان عليه آباؤهم.<br>هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى الله والتوبة إليه.<br>ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى -:<br>{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ }.<br>والمعنى: فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم الرسل، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه. حتى إذا اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة.<br>ولفاء فى قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ } لتفصيل ما كان منهم. وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة.<br>والمراد بالنسيان هنا: الإِعراض والترك. أى: تركوا الإِهتداء بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإِصرارهم على كفرهم، وجمودهم على تقليد من قبلهم.<br>والتعبير بقوله - تعالى - { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } يرسم صورة بليغة لإِقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها، وبكل قوتها وإغرائها، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء.<br>وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله: { بِمَآ أُوتُوۤاْ } بالبناء للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم، كما قال قارون من قبل { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ } وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله { أَخَذْنَاهُمْ } لأنهم كانوا لا ينكرون ذلك، بل كانوا ينسبون الخلق والإِيجاد إلى الله - تعالى -.<br>وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين، فقد فجأهم العذاب على غرة بدون إمهال.<br>وإذا فى قوله { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } فجائية، والمبلس: الباهت الحزين البائس من الخير، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال.<br>روى الإِمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج\" ، ثم تلا قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ }.. الآية.<br>ثم قال - تعالى -: { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>الدابر: الآخر، والمعنى: فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن آخرهم بسبب ظلمهم وفجورهم، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله وأولياءه على أعدائهم، وفى ختام هذه الآية بقوله { وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تعليم لنا، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - تعالى -.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه عليهم فى خلقهم وتكوينهم، وبين لهم إذا سلبهم شيئاً من حواسهم فإنهم لا يتجهون إلا إليه فقال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "845",
        "sura_number": "6",
        "ayah_number": "43",
        "aya": "",
        "sura": "الأنعام",
        "mediator": "{ أَرَأَيْتُكُم } المقصود به أخبرونى، وكلمة أرأيت فى القرآن تستعمل للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤاده: أرأيت كذا فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله.<br>والمعنى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أخبرونى عن حالكم عندما يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر، أو ريح صرصر عاتية، أو تفاجئكم الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده وتنسون آلهتكم الباطلة، لأن الفطرة حينئذ هى التى تنطق على ألسنتكم بدون شعور منكم؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا تشركون مع الله آلهة أخرى؟ إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة، لأنكم تلجأون إليه وحده عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدون غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } للتوبيخ والتقريع والتعجب من حالهم.<br>وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تنفعكم فادعوها.<br>ثم أكد - سبحانه - أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجأون إلا إلى الله فقال - تعالى -: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }.<br>بل للإِضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم، أى: بل تخصونه وحده بالدعاء دون الآلهة، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك، لأنه هو القادر على كل شىء { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } أى: تغيب عن ذاكرتكم عند الشدائد والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة.<br>وقدم - سبحانه - المفعول على الفعل فى قوله: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } لإِفادة الاختصاص، أى: لا تدعون إلا إياه، وذلك يدل على أن المشركين مهما بلغ ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة لهذا الكون.<br>وفى قوله { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ } استعارة حيث شبه حال إزالة الشر بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر فى كل وإحلال السلامة محله.<br>والمقصود فيكشف الضر الذى تدعونه أن يكشفه: فالكلام على تقدير حذف مضاف.<br>وجواب الشرط لقوله: { إِنْ شَآءَ } محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه، أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل.<br>ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى بيان أحوال الأمم الماضية فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }.<br>البأساء: تطلق على المشقة والفقر الشديد، وعلى ما يصيب الأمم من أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض والأسقام التى تصيب الأمم والأفراد.<br>والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم، فكان هؤلاء الأقوام أعتى من قومك فى الشرك والجحود، فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء المؤلم، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشركهم.<br>فالآية الكريمة تصور لوناً من ألوان العلاج النفسى الذى عالج الله به الأمم التى تكفر بأنعمه، وتكذب أنبياءه ورسله، إذ أن الآلام والشدائد علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج.<br>ولقد بين - سبحانه - بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ }.<br>ولولا هنا للنفى، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقيل إنها للحث والتحضيض بمعنى هلا، أى: فهلا تضرعوا تائبين إلينا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفى فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } معناه: نفى التضرع، كأنه قيل. فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع إلا عنادهم وقوسة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زينها الشيطان لهم\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند نزول الشدائد بهم.<br>أما الأمر الأول: فهو قسوة قلوبهم، وقد عبر - سبحانه - عن هذا الأمر الأول بقوله: { وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أى: غلظت وجمدت وصارت كالحجارة أو أشد قسوة.<br>وأما الأمر الثانى: فهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة، بأن يوحى إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان هو عين الصواب، وأن ما أتاهم به أنبياؤهم ليس خيراً لأنه يتنافى مع ما كان عليه آباؤهم.<br>هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى الله والتوبة إليه.<br>ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى -:<br>{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ }.<br>والمعنى: فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم الرسل، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه. حتى إذا اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة.<br>ولفاء فى قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ } لتفصيل ما كان منهم. وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة.<br>والمراد بالنسيان هنا: الإِعراض والترك. أى: تركوا الإِهتداء بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإِصرارهم على كفرهم، وجمودهم على تقليد من قبلهم.<br>والتعبير بقوله - تعالى - { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } يرسم صورة بليغة لإِقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها، وبكل قوتها وإغرائها، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء.<br>وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله: { بِمَآ أُوتُوۤاْ } بالبناء للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم، كما قال قارون من قبل { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ } وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله { أَخَذْنَاهُمْ } لأنهم كانوا لا ينكرون ذلك، بل كانوا ينسبون الخلق والإِيجاد إلى الله - تعالى -.<br>وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين، فقد فجأهم العذاب على غرة بدون إمهال.<br>وإذا فى قوله { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } فجائية، والمبلس: الباهت الحزين البائس من الخير، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال.<br>روى الإِمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج\" ، ثم تلا قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ }.. الآية.<br>ثم قال - تعالى -: { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>الدابر: الآخر، والمعنى: فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن آخرهم بسبب ظلمهم وفجورهم، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله وأولياءه على أعدائهم، وفى ختام هذه الآية بقوله { وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تعليم لنا، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - تعالى -.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه عليهم فى خلقهم وتكوينهم، وبين لهم إذا سلبهم شيئاً من حواسهم فإنهم لا يتجهون إلا إليه فقال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "846",
        "sura_number": "6",
        "ayah_number": "44",
        "aya": "",
        "sura": "الأنعام",
        "mediator": "{ أَرَأَيْتُكُم } المقصود به أخبرونى، وكلمة أرأيت فى القرآن تستعمل للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤاده: أرأيت كذا فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله.<br>والمعنى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أخبرونى عن حالكم عندما يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر، أو ريح صرصر عاتية، أو تفاجئكم الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده وتنسون آلهتكم الباطلة، لأن الفطرة حينئذ هى التى تنطق على ألسنتكم بدون شعور منكم؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا تشركون مع الله آلهة أخرى؟ إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة، لأنكم تلجأون إليه وحده عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدون غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } للتوبيخ والتقريع والتعجب من حالهم.<br>وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تنفعكم فادعوها.<br>ثم أكد - سبحانه - أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجأون إلا إلى الله فقال - تعالى -: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }.<br>بل للإِضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم، أى: بل تخصونه وحده بالدعاء دون الآلهة، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك، لأنه هو القادر على كل شىء { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } أى: تغيب عن ذاكرتكم عند الشدائد والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة.<br>وقدم - سبحانه - المفعول على الفعل فى قوله: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } لإِفادة الاختصاص، أى: لا تدعون إلا إياه، وذلك يدل على أن المشركين مهما بلغ ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة لهذا الكون.<br>وفى قوله { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ } استعارة حيث شبه حال إزالة الشر بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر فى كل وإحلال السلامة محله.<br>والمقصود فيكشف الضر الذى تدعونه أن يكشفه: فالكلام على تقدير حذف مضاف.<br>وجواب الشرط لقوله: { إِنْ شَآءَ } محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه، أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل.<br>ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى بيان أحوال الأمم الماضية فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }.<br>البأساء: تطلق على المشقة والفقر الشديد، وعلى ما يصيب الأمم من أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض والأسقام التى تصيب الأمم والأفراد.<br>والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم، فكان هؤلاء الأقوام أعتى من قومك فى الشرك والجحود، فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء المؤلم، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشركهم.<br>فالآية الكريمة تصور لوناً من ألوان العلاج النفسى الذى عالج الله به الأمم التى تكفر بأنعمه، وتكذب أنبياءه ورسله، إذ أن الآلام والشدائد علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج.<br>ولقد بين - سبحانه - بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ }.<br>ولولا هنا للنفى، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقيل إنها للحث والتحضيض بمعنى هلا، أى: فهلا تضرعوا تائبين إلينا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفى فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } معناه: نفى التضرع، كأنه قيل. فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع إلا عنادهم وقوسة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زينها الشيطان لهم\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند نزول الشدائد بهم.<br>أما الأمر الأول: فهو قسوة قلوبهم، وقد عبر - سبحانه - عن هذا الأمر الأول بقوله: { وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أى: غلظت وجمدت وصارت كالحجارة أو أشد قسوة.<br>وأما الأمر الثانى: فهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة، بأن يوحى إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان هو عين الصواب، وأن ما أتاهم به أنبياؤهم ليس خيراً لأنه يتنافى مع ما كان عليه آباؤهم.<br>هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى الله والتوبة إليه.<br>ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى -:<br>{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ }.<br>والمعنى: فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم الرسل، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه. حتى إذا اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة.<br>ولفاء فى قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ } لتفصيل ما كان منهم. وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة.<br>والمراد بالنسيان هنا: الإِعراض والترك. أى: تركوا الإِهتداء بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإِصرارهم على كفرهم، وجمودهم على تقليد من قبلهم.<br>والتعبير بقوله - تعالى - { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } يرسم صورة بليغة لإِقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها، وبكل قوتها وإغرائها، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء.<br>وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله: { بِمَآ أُوتُوۤاْ } بالبناء للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم، كما قال قارون من قبل { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ } وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله { أَخَذْنَاهُمْ } لأنهم كانوا لا ينكرون ذلك، بل كانوا ينسبون الخلق والإِيجاد إلى الله - تعالى -.<br>وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين، فقد فجأهم العذاب على غرة بدون إمهال.<br>وإذا فى قوله { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } فجائية، والمبلس: الباهت الحزين البائس من الخير، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال.<br>روى الإِمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج\" ، ثم تلا قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ }.. الآية.<br>ثم قال - تعالى -: { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>الدابر: الآخر، والمعنى: فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن آخرهم بسبب ظلمهم وفجورهم، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله وأولياءه على أعدائهم، وفى ختام هذه الآية بقوله { وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تعليم لنا، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - تعالى -.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه عليهم فى خلقهم وتكوينهم، وبين لهم إذا سلبهم شيئاً من حواسهم فإنهم لا يتجهون إلا إليه فقال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "847",
        "sura_number": "6",
        "ayah_number": "45",
        "aya": "",
        "sura": "الأنعام",
        "mediator": "{ أَرَأَيْتُكُم } المقصود به أخبرونى، وكلمة أرأيت فى القرآن تستعمل للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤاده: أرأيت كذا فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله.<br>والمعنى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أخبرونى عن حالكم عندما يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر، أو ريح صرصر عاتية، أو تفاجئكم الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده وتنسون آلهتكم الباطلة، لأن الفطرة حينئذ هى التى تنطق على ألسنتكم بدون شعور منكم؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا تشركون مع الله آلهة أخرى؟ إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة، لأنكم تلجأون إليه وحده عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدون غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } للتوبيخ والتقريع والتعجب من حالهم.<br>وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تنفعكم فادعوها.<br>ثم أكد - سبحانه - أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجأون إلا إلى الله فقال - تعالى -: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }.<br>بل للإِضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم، أى: بل تخصونه وحده بالدعاء دون الآلهة، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك، لأنه هو القادر على كل شىء { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } أى: تغيب عن ذاكرتكم عند الشدائد والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة.<br>وقدم - سبحانه - المفعول على الفعل فى قوله: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } لإِفادة الاختصاص، أى: لا تدعون إلا إياه، وذلك يدل على أن المشركين مهما بلغ ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة لهذا الكون.<br>وفى قوله { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ } استعارة حيث شبه حال إزالة الشر بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر فى كل وإحلال السلامة محله.<br>والمقصود فيكشف الضر الذى تدعونه أن يكشفه: فالكلام على تقدير حذف مضاف.<br>وجواب الشرط لقوله: { إِنْ شَآءَ } محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه، أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل.<br>ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى بيان أحوال الأمم الماضية فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }.<br>البأساء: تطلق على المشقة والفقر الشديد، وعلى ما يصيب الأمم من أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض والأسقام التى تصيب الأمم والأفراد.<br>والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم، فكان هؤلاء الأقوام أعتى من قومك فى الشرك والجحود، فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء المؤلم، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشركهم.<br>فالآية الكريمة تصور لوناً من ألوان العلاج النفسى الذى عالج الله به الأمم التى تكفر بأنعمه، وتكذب أنبياءه ورسله، إذ أن الآلام والشدائد علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج.<br>ولقد بين - سبحانه - بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ }.<br>ولولا هنا للنفى، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقيل إنها للحث والتحضيض بمعنى هلا، أى: فهلا تضرعوا تائبين إلينا وقت أن جاءهم بأسنا.<br>وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفى فقال: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } معناه: نفى التضرع، كأنه قيل. فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع إلا عنادهم وقوسة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زينها الشيطان لهم\".<br>ثم بين - سبحانه - أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند نزول الشدائد بهم.<br>أما الأمر الأول: فهو قسوة قلوبهم، وقد عبر - سبحانه - عن هذا الأمر الأول بقوله: { وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أى: غلظت وجمدت وصارت كالحجارة أو أشد قسوة.<br>وأما الأمر الثانى: فهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة، بأن يوحى إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان هو عين الصواب، وأن ما أتاهم به أنبياؤهم ليس خيراً لأنه يتنافى مع ما كان عليه آباؤهم.<br>هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى الله والتوبة إليه.<br>ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى -:<br>{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ }.<br>والمعنى: فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم الرسل، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه. حتى إذا اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة.<br>ولفاء فى قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ } لتفصيل ما كان منهم. وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة.<br>والمراد بالنسيان هنا: الإِعراض والترك. أى: تركوا الإِهتداء بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإِصرارهم على كفرهم، وجمودهم على تقليد من قبلهم.<br>والتعبير بقوله - تعالى - { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } يرسم صورة بليغة لإِقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها، وبكل قوتها وإغرائها، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء.<br>وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله: { بِمَآ أُوتُوۤاْ } بالبناء للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم، كما قال قارون من قبل { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ } وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله { أَخَذْنَاهُمْ } لأنهم كانوا لا ينكرون ذلك، بل كانوا ينسبون الخلق والإِيجاد إلى الله - تعالى -.<br>وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين، فقد فجأهم العذاب على غرة بدون إمهال.<br>وإذا فى قوله { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } فجائية، والمبلس: الباهت الحزين البائس من الخير، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال.<br>روى الإِمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج\" ، ثم تلا قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ }.. الآية.<br>ثم قال - تعالى -: { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>الدابر: الآخر، والمعنى: فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن آخرهم بسبب ظلمهم وفجورهم، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله وأولياءه على أعدائهم، وفى ختام هذه الآية بقوله { وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تعليم لنا، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - تعالى -.<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه عليهم فى خلقهم وتكوينهم، وبين لهم إذا سلبهم شيئاً من حواسهم فإنهم لا يتجهون إلا إليه فقال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1011",
        "sura_number": "7",
        "ayah_number": "42",
        "aya": "",
        "sura": "الأعراف",
        "mediator": "أى: والذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الأعمال الصالحة التى لا عسر فيها ولا مشقة، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أولئك الجامعون بين الإِيمان والعمل الصالح، هم أصحاب الجنة هم فيها خالدون.<br>وجملة - لا نكلف نفساً إلا وسعها - معترضة بين المبتدأ الذى هو قوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } وبين الخبر الذى هو قوله: { أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ }.<br>قال الجمل: \"وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس هذا الكلام، لأنه - سبحانه - لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم قدرها، يتوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة ولا صعوبة\".<br>وقال صاحب الكشاف: \"وجملة { لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } معترضة بين المبتدأ والخبر، للترغيب فى اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع التعظيم بما هو فى الوسع، وهو الإِمكان الواسع غير الضيق من الإِيمان والعمل الصالح\".<br>ثم بين - سبحانه - ما هم عليه فى الجنة من صفاء نفسى ونقاء قلبى فقال - تعالى -: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ } أى: قلعنا ما فى قلوبهم من تحاقد وعداوات فى الدنيا، فهم يدخلون الجنة بقلوب سليمة، زاخرة بالتواد والتعاطف حالة كونهم تجرى من تحتهم الأنهار فيرونها وهم فى غرفات قصورهم فيزداد سرورهم وحبورهم.<br>{ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ }. أى: قالوا شاكرين لله أنعمه ومننه: الحمد لله الذى هدانا فى الدنيا إلى الإِيمان والعمل الصالح، وأعطانا فى الآخرة هذا النعيم الجزيل، وما كنا لنهتدى إلى ما نحن فيه من نعيم لولا أن هدانا الله إليه بفضله وتوفيقه. وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: ولولا هداية الله موجودة ما اهتدينا.<br>وقوله: { لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ } جملة قسمية، أى: والله لقد جاءت رسل ربنا فى الدنيا بالحق، لأن ما أخبرونا به قد وجدنا مصداقه فى الآخرة.<br>{ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أى: ونودوا من قبل الخالق - عز وجل - بأن قيل لهم: تلكم هى الجنة التى كانت الرسل تعدكم بها فى الدنيا قد أورثكم الله إياها بسبب ما قدمتموه من عمل صالح.<br>فالآية الكريمة صريحة فى أن الجنة قد ظفر بها المؤمنون بسبب أعمالهم الصالحة.<br>فإن قيل: إن هناك أحاديث صحيحة تصرح بأن دخول الجنة ليس بالعمل وإنما بفضل الله، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لن يدخل أحداً عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضله ورحمته\" .<br>فالجواب على ذلك أنه لا تنافى فى الحقيقة، لأن المراد أن العمل لا يوجب دخول الجنة، بل الدخول بمحض فضل الله، والعمل سبب عادى ظاهرى. وتوضيحه أن الأعمال مهما عظمت فهى ثمن ضئيل بالنسبة لعظمة دخول الجنة، فإن النعمة الأخروية سلعة غالية جداً فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصوراً شاهقة وضياعا واسعة بدرهم واحد.<br>فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس للمساواة بين العمل ونعمة الجنة، بل لتفضله على المشترى ورحمته به، فمن رحمته بعباده المؤمنين أن جعل بعض أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم لا يبلى، ولذلك قال ابن عباس عندما قرأ قوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } ): نعمت الصفقة، أنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ثم يمنحنا عليها الجنة.<br>على أنه - سبحانه - هو المتفضل فى الحقيقة بالثمن والمثمن جميعاً. لا جرم كان دخول الجنة بفضله - سبحانه - وهو الموفق للعمل والمعين عليه.<br>ويمكن أن يجاب - أيضاً - بأن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بفضل الله والعمل جميعا، فقوله: { وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أى: مع فضل الله - تعالى -، وإنما لم يذكر ذلك لئلا يتكلوا. وقوله صلى الله عليه وسلم:  \"لن يدخل أحدا عمله الجنة...\"  أى مجردا من فضل الله، وإنما اقتصر على هذا لئلا يغتروا.<br>هذا أصح الآراء فى الجمع بين الآية والحديث، وهناك آراء أخرى لم نذكرها لضعفها.<br>وبعد هذه الموازنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين، بدأ القرآن يسوق لنا مشهداً آخر من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار.<br>استمع إلى سورة الأعراف وهى تحكى لنا هذا المشهد المؤثر بأسلوبها العجيب فتقول: { وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1012",
        "sura_number": "7",
        "ayah_number": "43",
        "aya": "",
        "sura": "الأعراف",
        "mediator": "أى: والذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الأعمال الصالحة التى لا عسر فيها ولا مشقة، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أولئك الجامعون بين الإِيمان والعمل الصالح، هم أصحاب الجنة هم فيها خالدون.<br>وجملة - لا نكلف نفساً إلا وسعها - معترضة بين المبتدأ الذى هو قوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } وبين الخبر الذى هو قوله: { أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ }.<br>قال الجمل: \"وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس هذا الكلام، لأنه - سبحانه - لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم قدرها، يتوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة ولا صعوبة\".<br>وقال صاحب الكشاف: \"وجملة { لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } معترضة بين المبتدأ والخبر، للترغيب فى اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع التعظيم بما هو فى الوسع، وهو الإِمكان الواسع غير الضيق من الإِيمان والعمل الصالح\".<br>ثم بين - سبحانه - ما هم عليه فى الجنة من صفاء نفسى ونقاء قلبى فقال - تعالى -: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ } أى: قلعنا ما فى قلوبهم من تحاقد وعداوات فى الدنيا، فهم يدخلون الجنة بقلوب سليمة، زاخرة بالتواد والتعاطف حالة كونهم تجرى من تحتهم الأنهار فيرونها وهم فى غرفات قصورهم فيزداد سرورهم وحبورهم.<br>{ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ }. أى: قالوا شاكرين لله أنعمه ومننه: الحمد لله الذى هدانا فى الدنيا إلى الإِيمان والعمل الصالح، وأعطانا فى الآخرة هذا النعيم الجزيل، وما كنا لنهتدى إلى ما نحن فيه من نعيم لولا أن هدانا الله إليه بفضله وتوفيقه. وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: ولولا هداية الله موجودة ما اهتدينا.<br>وقوله: { لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ } جملة قسمية، أى: والله لقد جاءت رسل ربنا فى الدنيا بالحق، لأن ما أخبرونا به قد وجدنا مصداقه فى الآخرة.<br>{ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أى: ونودوا من قبل الخالق - عز وجل - بأن قيل لهم: تلكم هى الجنة التى كانت الرسل تعدكم بها فى الدنيا قد أورثكم الله إياها بسبب ما قدمتموه من عمل صالح.<br>فالآية الكريمة صريحة فى أن الجنة قد ظفر بها المؤمنون بسبب أعمالهم الصالحة.<br>فإن قيل: إن هناك أحاديث صحيحة تصرح بأن دخول الجنة ليس بالعمل وإنما بفضل الله، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لن يدخل أحداً عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضله ورحمته\" .<br>فالجواب على ذلك أنه لا تنافى فى الحقيقة، لأن المراد أن العمل لا يوجب دخول الجنة، بل الدخول بمحض فضل الله، والعمل سبب عادى ظاهرى. وتوضيحه أن الأعمال مهما عظمت فهى ثمن ضئيل بالنسبة لعظمة دخول الجنة، فإن النعمة الأخروية سلعة غالية جداً فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصوراً شاهقة وضياعا واسعة بدرهم واحد.<br>فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس للمساواة بين العمل ونعمة الجنة، بل لتفضله على المشترى ورحمته به، فمن رحمته بعباده المؤمنين أن جعل بعض أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم لا يبلى، ولذلك قال ابن عباس عندما قرأ قوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } ): نعمت الصفقة، أنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ثم يمنحنا عليها الجنة.<br>على أنه - سبحانه - هو المتفضل فى الحقيقة بالثمن والمثمن جميعاً. لا جرم كان دخول الجنة بفضله - سبحانه - وهو الموفق للعمل والمعين عليه.<br>ويمكن أن يجاب - أيضاً - بأن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بفضل الله والعمل جميعا، فقوله: { وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أى: مع فضل الله - تعالى -، وإنما لم يذكر ذلك لئلا يتكلوا. وقوله صلى الله عليه وسلم:  \"لن يدخل أحدا عمله الجنة...\"  أى مجردا من فضل الله، وإنما اقتصر على هذا لئلا يغتروا.<br>هذا أصح الآراء فى الجمع بين الآية والحديث، وهناك آراء أخرى لم نذكرها لضعفها.<br>وبعد هذه الموازنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين، بدأ القرآن يسوق لنا مشهداً آخر من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار.<br>استمع إلى سورة الأعراف وهى تحكى لنا هذا المشهد المؤثر بأسلوبها العجيب فتقول: { وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1175",
        "sura_number": "7",
        "ayah_number": "205",
        "aya": "",
        "sura": "الأعراف",
        "mediator": "أى: استحضر عظمة ربك - جل جلاله - فى قلبك. واذكره بما يقربك إليه عن طريق قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتحميد والتهليل وغير ذلك.<br>وقوله { تَضَرُّعاً وَخِيفَةً } فى موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أى: اذكره متضرعا متذللا له وخائفا منه - سبحانه -:<br>وقوله { وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } معطوف على قوله { فِي نَفْسِكَ } أى: اذكر ربك ذكراً فى نفسك، وذكرا بلسانك دون الجهر.<br>والمراد بالجهر: رفع الصوت بإفراط، وبما دونه مما هو أقل منه، وهو الوسط بين الجهر والمخافتة، قال ابن عباس: هو أن يسمع نفسه.<br>وقوله { بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ } متعلق باذكر، والغدو جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.<br>والآصال جمع أصيل وهو من العصر إلى الغروب.<br>أى: اذكر ربك مستحضرا عظمته، فى كل وقت، وراقبه فى كل حال، لا سيما فى هذين الوقتين لأنهما طرفا النهار ومن افتتح نهاره بذكر الله واختتمه به كان جديرا برعاية ربه.<br>قيل: وخص هذان الوقتان بالذكر لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما بينهما من أوقات الغالب فيها الانقطاع لأمر المعاش.<br>ثم نهى - سبحانه - عن الغفلة عن ذكره فقال: { وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ } الذين شغلتهم الدنيا عن ذكر الله.<br>وفيه إشعار بطلب دوام ذكره - تعالى - واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية.<br>قال بعض العلماء: ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن للذكر آدابا من أهمها:<br>1 - أن يكون فى النفس لأن الإِخفاء أدخل فى الإِخلاص، وأقرب إلى الإِجابة، وأبعد من الرياء.<br>2 - أن يكون على سبيل التضرع وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير.<br>3 - أن يكون على وجه الخيفة أى الخوف والخشية من سلطان الربوبية وعظمة الألوهية من المؤاخذة على التقصير فى العمل لتخشع النفس ويخضع القلب.<br>4 - أن يكون دون الجهر لأنه أقرب إلى حسن التفكر، وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال:  \"رفع الناس أصواتهم بالدعاء فى بعض الأسفار، فقال لهم النبى صلى الله عليه وسلم يأيها الناس: اربعوا على أنفسكم - أى هونوا على أنفسكم - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً. إن الذى تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\" .<br>5 - أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله { وَدُونَ ٱلْجَهْرِ } لأن معناه ومتكلما كلاماً دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة، معطوفاً على { تَضَرُّعاً } أو هو معطوف على { فِي نَفْسِكَ } أى: اذكره ذكراً فى نفسك وذكراً بلسانك دون الجهر.<br>ثم ذكر - سبحانه - ما يقوى دواعى الذكر، وينهض بالهمم إليه، بمدحه للملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ } وهم ملائكة الملأ الأعلى. والمراد بالعندية القرب من الله - تعالى - بالزلفى والرضا لا المكانية لتنزهه - سبحانه - عن ذلك.<br>{ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } بل يؤدونها حسبما أمروا به بخضوع وطاعة.<br>{ وَيُسَبِّحُونَهُ } أى: ينزهونه عن كل ما لا يليق بجلاله على ابلغ وجه.<br>{ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } أى: يخصونه وحده بغاية العبودية والتذلل والخضوع، ولا يشركون معه أحداً فى عبادة من عباداتهم.<br>أما بعد: فهذه هى سورة الأعراف التى سبحت بنا سبحاً طويلا وهى تحدثنا عن أدلة وحدانية الله، وعن هداية القرآن الكريم، وعن مظاهر نعم الله على خلقه، وعن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وعن بعض الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم، وكيف كانت عاقبة هؤلاء الأقوام، وعن سنن الله - تعالى - فى إسعاد الأمم وإشقائها، وغير ذلك من أصول التشريع وآداب الاجتماع، وشئون البشر.<br>وقد استعملت السورة فى أوامرها ونواهيها وتوجيهاتها أساليب التذكير بالنعم، والتخويف من النقم، وإيراد الحجج المقنعة، ودفع الشبهات الفاسدة.<br>وهذا تفسير لها تناولنا فيه بالشرح والتحليل ما اشتملت عليه من توجيهات سامية، وآداب عالية، ومقاصد جليلة، وحجج باهرة، ومواعظ مؤثرة.<br>والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، ونافعا لنا يوم الدين.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "1176",
        "sura_number": "7",
        "ayah_number": "206",
        "aya": "",
        "sura": "الأعراف",
        "mediator": "أى: استحضر عظمة ربك - جل جلاله - فى قلبك. واذكره بما يقربك إليه عن طريق قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتحميد والتهليل وغير ذلك.<br>وقوله { تَضَرُّعاً وَخِيفَةً } فى موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أى: اذكره متضرعا متذللا له وخائفا منه - سبحانه -:<br>وقوله { وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } معطوف على قوله { فِي نَفْسِكَ } أى: اذكر ربك ذكراً فى نفسك، وذكرا بلسانك دون الجهر.<br>والمراد بالجهر: رفع الصوت بإفراط، وبما دونه مما هو أقل منه، وهو الوسط بين الجهر والمخافتة، قال ابن عباس: هو أن يسمع نفسه.<br>وقوله { بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ } متعلق باذكر، والغدو جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.<br>والآصال جمع أصيل وهو من العصر إلى الغروب.<br>أى: اذكر ربك مستحضرا عظمته، فى كل وقت، وراقبه فى كل حال، لا سيما فى هذين الوقتين لأنهما طرفا النهار ومن افتتح نهاره بذكر الله واختتمه به كان جديرا برعاية ربه.<br>قيل: وخص هذان الوقتان بالذكر لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما بينهما من أوقات الغالب فيها الانقطاع لأمر المعاش.<br>ثم نهى - سبحانه - عن الغفلة عن ذكره فقال: { وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ } الذين شغلتهم الدنيا عن ذكر الله.<br>وفيه إشعار بطلب دوام ذكره - تعالى - واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية.<br>قال بعض العلماء: ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن للذكر آدابا من أهمها:<br>1 - أن يكون فى النفس لأن الإِخفاء أدخل فى الإِخلاص، وأقرب إلى الإِجابة، وأبعد من الرياء.<br>2 - أن يكون على سبيل التضرع وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير.<br>3 - أن يكون على وجه الخيفة أى الخوف والخشية من سلطان الربوبية وعظمة الألوهية من المؤاخذة على التقصير فى العمل لتخشع النفس ويخضع القلب.<br>4 - أن يكون دون الجهر لأنه أقرب إلى حسن التفكر، وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال:  \"رفع الناس أصواتهم بالدعاء فى بعض الأسفار، فقال لهم النبى صلى الله عليه وسلم يأيها الناس: اربعوا على أنفسكم - أى هونوا على أنفسكم - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً. إن الذى تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\" .<br>5 - أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله { وَدُونَ ٱلْجَهْرِ } لأن معناه ومتكلما كلاماً دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة، معطوفاً على { تَضَرُّعاً } أو هو معطوف على { فِي نَفْسِكَ } أى: اذكره ذكراً فى نفسك وذكراً بلسانك دون الجهر.<br>ثم ذكر - سبحانه - ما يقوى دواعى الذكر، وينهض بالهمم إليه، بمدحه للملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ } وهم ملائكة الملأ الأعلى. والمراد بالعندية القرب من الله - تعالى - بالزلفى والرضا لا المكانية لتنزهه - سبحانه - عن ذلك.<br>{ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } بل يؤدونها حسبما أمروا به بخضوع وطاعة.<br>{ وَيُسَبِّحُونَهُ } أى: ينزهونه عن كل ما لا يليق بجلاله على ابلغ وجه.<br>{ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } أى: يخصونه وحده بغاية العبودية والتذلل والخضوع، ولا يشركون معه أحداً فى عبادة من عباداتهم.<br>أما بعد: فهذه هى سورة الأعراف التى سبحت بنا سبحاً طويلا وهى تحدثنا عن أدلة وحدانية الله، وعن هداية القرآن الكريم، وعن مظاهر نعم الله على خلقه، وعن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وعن بعض الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم، وكيف كانت عاقبة هؤلاء الأقوام، وعن سنن الله - تعالى - فى إسعاد الأمم وإشقائها، وغير ذلك من أصول التشريع وآداب الاجتماع، وشئون البشر.<br>وقد استعملت السورة فى أوامرها ونواهيها وتوجيهاتها أساليب التذكير بالنعم، والتخويف من النقم، وإيراد الحجج المقنعة، ودفع الشبهات الفاسدة.<br>وهذا تفسير لها تناولنا فيه بالشرح والتحليل ما اشتملت عليه من توجيهات سامية، وآداب عالية، ومقاصد جليلة، وحجج باهرة، ومواعظ مؤثرة.<br>والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، ونافعا لنا يوم الدين.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "1389",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "7",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: \"اعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلائل على صحة القول بإثبات الإِله القادر الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده فى شرح أحوال من يكفر بها وفى شرح أحوال من يؤمن بها\".<br>والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. والمعنى: إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم فى الدنيا { وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا } رضاء جعلهم لا يفكرون إلا فى التشبع من زينتها ومتعها، وأطمأنوا بها، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها { وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا } التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { غافلون } بحيث لا يخطر على بالهم شىء مما تدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات.<br>فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة.<br>وصفهم - أولا - بعدم الرجاء فى لقاء الله - بأن صاروا لا يطمعون فى ثواب، ولا يخافون من عقاب، لإِنكار الدار الآخرة.<br>ووصفهم - ثانيا - بأنهم رضوا بالحياة الدنيا، بأن أصبح همهم محصورا فيها، وفى لذائذها وشهواتها.<br>قال الإِمام الرازى: \"واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، وأما هذه الصفة الثانية فهى إشارة إلى من استغرقه الله فى طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها، واستغراقه فى طلبها\".<br>ووصفهم - ثالثا - بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة، اطمئنان الشخص إلى الشىء الذى لا ملاذ له سواه، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا.<br>ووصفهم - رابعا - بالغفلة عن آيات الله التى توقظ القلب، وتهدى العقل، وتحفز النفس إلى التفكير والتدبير.<br>وبالجملة فهذه الصفات الأربعة تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم على أخراهم، واستحبوا الضلالة على الهدى، واستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير.<br>فماذا كان مصيرهم كما بينه - سبحانه - فى قوله: { أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.<br>أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة، مقرهم وملجأهم الذى يلجأون إليه النار وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات.<br>هذه هى  صفات هؤلاء الأشقياء، وذلك هو جزاؤهم العادل، أما السعداء فقد بين الله - تعالى - بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ }.<br>أى: آمنو بما يجب الإِيمان به، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة التى ترفع درجاتهم عند ربهم.<br>{ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } أى يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهى الجنة.<br>وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار..<br>قال الإِمام ابن كثير: \"يحتمل أن تكون الباء فى قوله { بإيمانهم } للسببية، فيكون التقدير بسبب إيمانهم فى الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد: { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }: أى: يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج فى الآية: يمثل له عمله فى صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله - تعالى - { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }. والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة. وريح منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه فى النار..\"<br>وقوله: { تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } أى: تجرى من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر.<br>وقوله: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ } أى: دعاؤهم فى هذه الجنات يكون بقولهم: سبحانك اللهم. فالدعوى ها هنا بمعنى الدعاء. يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى. كما يقال: شكا يشكو شكاية وشكوى.<br>ولفظ سبحان: اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه.<br>ولفظ اللهم أصله يا الله، فلما استعمل دون حرف النداء الذى هو \"يا\" جعلت هذه الميم المشددة فى آخره عوضا عن حرف النداء.<br>قال الإِمام الرازى: \"ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء، أنهم قالوا: اللهم. وهذا نداء الله - تعالى - ومعنى قولهم: سبحانك اللهم. إنا نسبحك. كقول القانت فى دعاء القنوت \"اللهم إياك نعبد\".<br>ثم قال: ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله - تعالى -: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أى: وما تعبدون، فيكون معنى الآية: أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله - تعالى -\".<br>وقوله { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } معطوف على ما قبله. والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، وأصلها أحياك الله حياة طيبة. والسلام: بمعنى السلامة من كل مكروه.<br>أى: دعاؤهم فى الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم. وتحيتهم التى يحيون بها هى  السلامة من كل مكروه.<br>وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما فى قوله - سبحانه - { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ } وتكون من الملائكة كما فى قوله - تعالى -: { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً... } وقوله: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: وختام دعائهم يكون بقولهم: الحمد لله رب العالمين.<br>قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: \"ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء\".<br>روى الشيخان عن ابن عباس   \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم\" . قال الطبرى: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب.<br>والذى يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شىء، وإنما هو تعظيم لله - تعالى - وثناء عليه، ما رواه النسائى عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"دعوة ذى النون إذ دعا بها فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم فى شىء إلا استجيب له\" .<br>ويستحب للداعى أن يقول فى آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية عن أهل الجنة: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>* * *<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس، وما جبلوا عليه من صفات وطبائع فقال - تعالى - :<br> { وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1390",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "8",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: \"اعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلائل على صحة القول بإثبات الإِله القادر الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده فى شرح أحوال من يكفر بها وفى شرح أحوال من يؤمن بها\".<br>والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. والمعنى: إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم فى الدنيا { وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا } رضاء جعلهم لا يفكرون إلا فى التشبع من زينتها ومتعها، وأطمأنوا بها، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها { وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا } التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { غافلون } بحيث لا يخطر على بالهم شىء مما تدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات.<br>فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة.<br>وصفهم - أولا - بعدم الرجاء فى لقاء الله - بأن صاروا لا يطمعون فى ثواب، ولا يخافون من عقاب، لإِنكار الدار الآخرة.<br>ووصفهم - ثانيا - بأنهم رضوا بالحياة الدنيا، بأن أصبح همهم محصورا فيها، وفى لذائذها وشهواتها.<br>قال الإِمام الرازى: \"واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، وأما هذه الصفة الثانية فهى إشارة إلى من استغرقه الله فى طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها، واستغراقه فى طلبها\".<br>ووصفهم - ثالثا - بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة، اطمئنان الشخص إلى الشىء الذى لا ملاذ له سواه، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا.<br>ووصفهم - رابعا - بالغفلة عن آيات الله التى توقظ القلب، وتهدى العقل، وتحفز النفس إلى التفكير والتدبير.<br>وبالجملة فهذه الصفات الأربعة تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم على أخراهم، واستحبوا الضلالة على الهدى، واستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير.<br>فماذا كان مصيرهم كما بينه - سبحانه - فى قوله: { أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.<br>أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة، مقرهم وملجأهم الذى يلجأون إليه النار وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات.<br>هذه هى  صفات هؤلاء الأشقياء، وذلك هو جزاؤهم العادل، أما السعداء فقد بين الله - تعالى - بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ }.<br>أى: آمنو بما يجب الإِيمان به، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة التى ترفع درجاتهم عند ربهم.<br>{ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } أى يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهى الجنة.<br>وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار..<br>قال الإِمام ابن كثير: \"يحتمل أن تكون الباء فى قوله { بإيمانهم } للسببية، فيكون التقدير بسبب إيمانهم فى الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد: { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }: أى: يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج فى الآية: يمثل له عمله فى صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله - تعالى - { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }. والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة. وريح منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه فى النار..\"<br>وقوله: { تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } أى: تجرى من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر.<br>وقوله: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ } أى: دعاؤهم فى هذه الجنات يكون بقولهم: سبحانك اللهم. فالدعوى ها هنا بمعنى الدعاء. يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى. كما يقال: شكا يشكو شكاية وشكوى.<br>ولفظ سبحان: اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه.<br>ولفظ اللهم أصله يا الله، فلما استعمل دون حرف النداء الذى هو \"يا\" جعلت هذه الميم المشددة فى آخره عوضا عن حرف النداء.<br>قال الإِمام الرازى: \"ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء، أنهم قالوا: اللهم. وهذا نداء الله - تعالى - ومعنى قولهم: سبحانك اللهم. إنا نسبحك. كقول القانت فى دعاء القنوت \"اللهم إياك نعبد\".<br>ثم قال: ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله - تعالى -: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أى: وما تعبدون، فيكون معنى الآية: أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله - تعالى -\".<br>وقوله { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } معطوف على ما قبله. والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، وأصلها أحياك الله حياة طيبة. والسلام: بمعنى السلامة من كل مكروه.<br>أى: دعاؤهم فى الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم. وتحيتهم التى يحيون بها هى  السلامة من كل مكروه.<br>وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما فى قوله - سبحانه - { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ } وتكون من الملائكة كما فى قوله - تعالى -: { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً... } وقوله: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: وختام دعائهم يكون بقولهم: الحمد لله رب العالمين.<br>قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: \"ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء\".<br>روى الشيخان عن ابن عباس   \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم\" . قال الطبرى: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب.<br>والذى يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شىء، وإنما هو تعظيم لله - تعالى - وثناء عليه، ما رواه النسائى عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"دعوة ذى النون إذ دعا بها فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم فى شىء إلا استجيب له\" .<br>ويستحب للداعى أن يقول فى آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية عن أهل الجنة: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>* * *<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس، وما جبلوا عليه من صفات وطبائع فقال - تعالى - :<br> { وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1391",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "9",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: \"اعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلائل على صحة القول بإثبات الإِله القادر الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده فى شرح أحوال من يكفر بها وفى شرح أحوال من يؤمن بها\".<br>والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. والمعنى: إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم فى الدنيا { وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا } رضاء جعلهم لا يفكرون إلا فى التشبع من زينتها ومتعها، وأطمأنوا بها، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها { وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا } التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { غافلون } بحيث لا يخطر على بالهم شىء مما تدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات.<br>فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة.<br>وصفهم - أولا - بعدم الرجاء فى لقاء الله - بأن صاروا لا يطمعون فى ثواب، ولا يخافون من عقاب، لإِنكار الدار الآخرة.<br>ووصفهم - ثانيا - بأنهم رضوا بالحياة الدنيا، بأن أصبح همهم محصورا فيها، وفى لذائذها وشهواتها.<br>قال الإِمام الرازى: \"واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، وأما هذه الصفة الثانية فهى إشارة إلى من استغرقه الله فى طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها، واستغراقه فى طلبها\".<br>ووصفهم - ثالثا - بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة، اطمئنان الشخص إلى الشىء الذى لا ملاذ له سواه، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا.<br>ووصفهم - رابعا - بالغفلة عن آيات الله التى توقظ القلب، وتهدى العقل، وتحفز النفس إلى التفكير والتدبير.<br>وبالجملة فهذه الصفات الأربعة تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم على أخراهم، واستحبوا الضلالة على الهدى، واستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير.<br>فماذا كان مصيرهم كما بينه - سبحانه - فى قوله: { أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.<br>أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة، مقرهم وملجأهم الذى يلجأون إليه النار وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات.<br>هذه هى  صفات هؤلاء الأشقياء، وذلك هو جزاؤهم العادل، أما السعداء فقد بين الله - تعالى - بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ }.<br>أى: آمنو بما يجب الإِيمان به، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة التى ترفع درجاتهم عند ربهم.<br>{ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } أى يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهى الجنة.<br>وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار..<br>قال الإِمام ابن كثير: \"يحتمل أن تكون الباء فى قوله { بإيمانهم } للسببية، فيكون التقدير بسبب إيمانهم فى الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد: { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }: أى: يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج فى الآية: يمثل له عمله فى صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله - تعالى - { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }. والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة. وريح منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه فى النار..\"<br>وقوله: { تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } أى: تجرى من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر.<br>وقوله: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ } أى: دعاؤهم فى هذه الجنات يكون بقولهم: سبحانك اللهم. فالدعوى ها هنا بمعنى الدعاء. يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى. كما يقال: شكا يشكو شكاية وشكوى.<br>ولفظ سبحان: اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه.<br>ولفظ اللهم أصله يا الله، فلما استعمل دون حرف النداء الذى هو \"يا\" جعلت هذه الميم المشددة فى آخره عوضا عن حرف النداء.<br>قال الإِمام الرازى: \"ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء، أنهم قالوا: اللهم. وهذا نداء الله - تعالى - ومعنى قولهم: سبحانك اللهم. إنا نسبحك. كقول القانت فى دعاء القنوت \"اللهم إياك نعبد\".<br>ثم قال: ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله - تعالى -: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أى: وما تعبدون، فيكون معنى الآية: أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله - تعالى -\".<br>وقوله { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } معطوف على ما قبله. والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، وأصلها أحياك الله حياة طيبة. والسلام: بمعنى السلامة من كل مكروه.<br>أى: دعاؤهم فى الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم. وتحيتهم التى يحيون بها هى  السلامة من كل مكروه.<br>وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما فى قوله - سبحانه - { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ } وتكون من الملائكة كما فى قوله - تعالى -: { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً... } وقوله: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: وختام دعائهم يكون بقولهم: الحمد لله رب العالمين.<br>قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: \"ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء\".<br>روى الشيخان عن ابن عباس   \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم\" . قال الطبرى: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب.<br>والذى يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شىء، وإنما هو تعظيم لله - تعالى - وثناء عليه، ما رواه النسائى عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"دعوة ذى النون إذ دعا بها فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم فى شىء إلا استجيب له\" .<br>ويستحب للداعى أن يقول فى آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية عن أهل الجنة: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>* * *<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس، وما جبلوا عليه من صفات وطبائع فقال - تعالى - :<br> { وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1392",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "10",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: \"اعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلائل على صحة القول بإثبات الإِله القادر الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده فى شرح أحوال من يكفر بها وفى شرح أحوال من يؤمن بها\".<br>والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. والمعنى: إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم فى الدنيا { وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا } رضاء جعلهم لا يفكرون إلا فى التشبع من زينتها ومتعها، وأطمأنوا بها، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها { وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا } التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا { غافلون } بحيث لا يخطر على بالهم شىء مما تدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات.<br>فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة.<br>وصفهم - أولا - بعدم الرجاء فى لقاء الله - بأن صاروا لا يطمعون فى ثواب، ولا يخافون من عقاب، لإِنكار الدار الآخرة.<br>ووصفهم - ثانيا - بأنهم رضوا بالحياة الدنيا، بأن أصبح همهم محصورا فيها، وفى لذائذها وشهواتها.<br>قال الإِمام الرازى: \"واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، وأما هذه الصفة الثانية فهى إشارة إلى من استغرقه الله فى طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها، واستغراقه فى طلبها\".<br>ووصفهم - ثالثا - بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة، اطمئنان الشخص إلى الشىء الذى لا ملاذ له سواه، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا.<br>ووصفهم - رابعا - بالغفلة عن آيات الله التى توقظ القلب، وتهدى العقل، وتحفز النفس إلى التفكير والتدبير.<br>وبالجملة فهذه الصفات الأربعة تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم على أخراهم، واستحبوا الضلالة على الهدى، واستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير.<br>فماذا كان مصيرهم كما بينه - سبحانه - فى قوله: { أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.<br>أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة، مقرهم وملجأهم الذى يلجأون إليه النار وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات.<br>هذه هى  صفات هؤلاء الأشقياء، وذلك هو جزاؤهم العادل، أما السعداء فقد بين الله - تعالى - بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ }.<br>أى: آمنو بما يجب الإِيمان به، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة التى ترفع درجاتهم عند ربهم.<br>{ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } أى يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهى الجنة.<br>وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار..<br>قال الإِمام ابن كثير: \"يحتمل أن تكون الباء فى قوله { بإيمانهم } للسببية، فيكون التقدير بسبب إيمانهم فى الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد: { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }: أى: يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج فى الآية: يمثل له عمله فى صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله - تعالى - { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }. والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة. وريح منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه فى النار..\"<br>وقوله: { تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } أى: تجرى من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر.<br>وقوله: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ } أى: دعاؤهم فى هذه الجنات يكون بقولهم: سبحانك اللهم. فالدعوى ها هنا بمعنى الدعاء. يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى. كما يقال: شكا يشكو شكاية وشكوى.<br>ولفظ سبحان: اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه.<br>ولفظ اللهم أصله يا الله، فلما استعمل دون حرف النداء الذى هو \"يا\" جعلت هذه الميم المشددة فى آخره عوضا عن حرف النداء.<br>قال الإِمام الرازى: \"ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء، أنهم قالوا: اللهم. وهذا نداء الله - تعالى - ومعنى قولهم: سبحانك اللهم. إنا نسبحك. كقول القانت فى دعاء القنوت \"اللهم إياك نعبد\".<br>ثم قال: ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله - تعالى -: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أى: وما تعبدون، فيكون معنى الآية: أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله - تعالى -\".<br>وقوله { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } معطوف على ما قبله. والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، وأصلها أحياك الله حياة طيبة. والسلام: بمعنى السلامة من كل مكروه.<br>أى: دعاؤهم فى الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم. وتحيتهم التى يحيون بها هى  السلامة من كل مكروه.<br>وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما فى قوله - سبحانه - { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ } وتكون من الملائكة كما فى قوله - تعالى -: { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً... } وقوله: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: وختام دعائهم يكون بقولهم: الحمد لله رب العالمين.<br>قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: \"ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء\".<br>روى الشيخان عن ابن عباس   \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم\" . قال الطبرى: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب.<br>والذى يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شىء، وإنما هو تعظيم لله - تعالى - وثناء عليه، ما رواه النسائى عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"دعوة ذى النون إذ دعا بها فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم فى شىء إلا استجيب له\" .<br>ويستحب للداعى أن يقول فى آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية عن أهل الجنة: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.<br>* * *<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس، وما جبلوا عليه من صفات وطبائع فقال - تعالى - :<br> { وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1413",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "31",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: من الذى يرزقكم من السماء بالأمطار وما يتولد عنها، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار، وغير ذلك مما تخرجه الأرض.<br>وقوله: { أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ } أى: بل قل لهم - أيضا - من الذى يملك ما تتمتعون به من سمع وبصر، ومن الذى يستطيع خلقهما وتسويتهما بالطريقة التى أوجدها - سبحانه.<br>وخص هاتين الحاستين بالذكر، لأن لهما أعظم الأثر فى حياة الإِنسان، ولأنهما قد اشتملتا فى تركيبهما على ما بهر العقول، ويشهد بقدرته - تعالى - وعجيب صنعه فى خلقه.<br>و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل، وهى هنا للإِضراب الانتقالى لا الإِبطالى، وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فى الدلالة على المقصود، وهو إثبات قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله: { وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ } دليل ثالث على قدرة الله ووحدانيته.<br>أى: وقيل لهم كذلك من سوى الله - تعالى - يملك إخراج النبات وهو كائن حى من الأرض الميتة، وإخراج الإِنسان وهو كائن حى من النطفة وبالعكس، وإخراج الطير من البيضة وبالعكس.<br>وقوله: { وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ } دليل رابع على قدرة الله ووحدانيته أى: وقل لهم - أيضاً - من الذى يتولى تدبير أمر هذا الكون من إحياء وأماتة، وصحة ومرض، وغنى وفقر، وليل ونهار، وشمس وقمر ونجوم...<br>هذه الجملة الكريمة من باب التعميم بعد التخصيص، لأن كل ما سبق من نعم يندرج فيها.<br>وقوله: { فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ } حكاية للجواب الذى لا يستطيعون إنكاره، لأنهم مقرون معترفون بأن الله - تعالى - وهو الذى خلقهم، وهو الذى يدبر أمرهم، وإنما كانوا يتخذون الشركاء للزلفى، كما حكى القرآن عنهم فى قوله: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. } وفى قوله - سبحانه - حكاية عنهم { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ... } ولفظ الجلالة مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير: فسيقولون الله وحده هو الذى فعل كل ذلك.<br>وقوله: { فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بهذا الرد.<br>والهمزة لإِنكار واقعهم الذميم، وهى داخلة على كلام مقدر، ومفعول تتقون محذوف.<br>أى: أتعلمون وتعترفون بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل ما سبق، ومع ذلك تشركون معه آلهة فى العبادة، دون أن تتقوا عذابه يوم القيامة؟<br>إن مسلكك هذا إنما يدل على ضعف فى التفكير، وانطماس فى العقول، وجهالة ليس بعدها جهالة.<br>ثم أرشدهم - سبحانه - إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال: { فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ... }<br>أى: فذلكم الذى فعل ما فعل من رزقكم ومن تدبير أمركم، هو الله المربى لكم بنعمه، وهو الذى لا تحق العبودية والألوهية إلا له وحده.<br>إذا كان الأمر كذلك { فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ } أى لا يوجد غير الحق شىء يتبع سوى الضلال، فمن ترك الحق وهو عبادة الله وحده، فقد وقع فى الباطل والضلال وهو عبادة غيره من الآلهة الأخرى.<br>قال القرطبى: ثبت عن عائشة - رضى الله عنها -   \"أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل قال: اللهم لك الحمد\"  الحديث، وفيه: أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق...\".<br>فقوله: أنت الحق، أى الواجب الوجود، وأصله من حق الشىء إذا ثبت ووجب - وهذا الوصف لله - تعالى - بالحقيقة، إذ وجوده بنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه.<br>ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعاً كما فى هذه الآية.. والضلال حقيقته الذهاب عن الحق مأخوذ من ضلال الطريق، وهو العدول عن سمته، يقال: \"ضل الطريق وأضل الشىء إذا أضاعه..\"<br>وقوله: { فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } أى: فكيف تصرفون وتتحولون عن الحق إلى الضلال، بعد اعترافكم وإقراركم بأن خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم هو الله - تعالى - وحده.<br>فأنى هنا بمعنى كيف، والاستفهام لإِنكار واقعهم المخزى واستبعاده والتعجب منه.<br>ومن الأحكام التى تؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الحق والباطل، والهدى والضلال، نقيضان لا يجتمعان، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين فى وقت واحد بل متى ثبت أن أحدهما هو الحق، وجب أن يكون الآخر هو الباطل.<br>ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل، فقال - تعالى - :<br>{ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }.<br>والكاف للتشبيه بمعنى مثل. وحقت بمعنى وجبت وثبتت.<br>والمراد بالكلمة هنا: حكمه وقضاؤه - سبحانه -.<br>والمعنى: مثل ما ثبت أن الله - تعالى - هو الرب الحق، وأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، ثبت - أيضا - الحكم والقضاء منه - سبحانه - على الذين فسقوا عن أمره، وعموا وصموا عن الحق، أنهم لا يؤمنون به، لأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا.<br>فالمراد بالفسق هنا: التمرد فى الكفر، والسير فيه إلى أقصى حدوده.<br>ثم ساق - سبحانه - أنواعا أخرى من الأدلة على وحدانية الله - تعالى وقدرته. فقال:<br> { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ... }<br>"
    },
    {
        "id": "1414",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "32",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: من الذى يرزقكم من السماء بالأمطار وما يتولد عنها، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار، وغير ذلك مما تخرجه الأرض.<br>وقوله: { أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ } أى: بل قل لهم - أيضا - من الذى يملك ما تتمتعون به من سمع وبصر، ومن الذى يستطيع خلقهما وتسويتهما بالطريقة التى أوجدها - سبحانه.<br>وخص هاتين الحاستين بالذكر، لأن لهما أعظم الأثر فى حياة الإِنسان، ولأنهما قد اشتملتا فى تركيبهما على ما بهر العقول، ويشهد بقدرته - تعالى - وعجيب صنعه فى خلقه.<br>و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل، وهى هنا للإِضراب الانتقالى لا الإِبطالى، وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فى الدلالة على المقصود، وهو إثبات قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله: { وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ } دليل ثالث على قدرة الله ووحدانيته.<br>أى: وقيل لهم كذلك من سوى الله - تعالى - يملك إخراج النبات وهو كائن حى من الأرض الميتة، وإخراج الإِنسان وهو كائن حى من النطفة وبالعكس، وإخراج الطير من البيضة وبالعكس.<br>وقوله: { وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ } دليل رابع على قدرة الله ووحدانيته أى: وقل لهم - أيضاً - من الذى يتولى تدبير أمر هذا الكون من إحياء وأماتة، وصحة ومرض، وغنى وفقر، وليل ونهار، وشمس وقمر ونجوم...<br>هذه الجملة الكريمة من باب التعميم بعد التخصيص، لأن كل ما سبق من نعم يندرج فيها.<br>وقوله: { فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ } حكاية للجواب الذى لا يستطيعون إنكاره، لأنهم مقرون معترفون بأن الله - تعالى - وهو الذى خلقهم، وهو الذى يدبر أمرهم، وإنما كانوا يتخذون الشركاء للزلفى، كما حكى القرآن عنهم فى قوله: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. } وفى قوله - سبحانه - حكاية عنهم { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ... } ولفظ الجلالة مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير: فسيقولون الله وحده هو الذى فعل كل ذلك.<br>وقوله: { فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بهذا الرد.<br>والهمزة لإِنكار واقعهم الذميم، وهى داخلة على كلام مقدر، ومفعول تتقون محذوف.<br>أى: أتعلمون وتعترفون بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل ما سبق، ومع ذلك تشركون معه آلهة فى العبادة، دون أن تتقوا عذابه يوم القيامة؟<br>إن مسلكك هذا إنما يدل على ضعف فى التفكير، وانطماس فى العقول، وجهالة ليس بعدها جهالة.<br>ثم أرشدهم - سبحانه - إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال: { فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ... }<br>أى: فذلكم الذى فعل ما فعل من رزقكم ومن تدبير أمركم، هو الله المربى لكم بنعمه، وهو الذى لا تحق العبودية والألوهية إلا له وحده.<br>إذا كان الأمر كذلك { فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ } أى لا يوجد غير الحق شىء يتبع سوى الضلال، فمن ترك الحق وهو عبادة الله وحده، فقد وقع فى الباطل والضلال وهو عبادة غيره من الآلهة الأخرى.<br>قال القرطبى: ثبت عن عائشة - رضى الله عنها -   \"أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل قال: اللهم لك الحمد\"  الحديث، وفيه: أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق...\".<br>فقوله: أنت الحق، أى الواجب الوجود، وأصله من حق الشىء إذا ثبت ووجب - وهذا الوصف لله - تعالى - بالحقيقة، إذ وجوده بنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه.<br>ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعاً كما فى هذه الآية.. والضلال حقيقته الذهاب عن الحق مأخوذ من ضلال الطريق، وهو العدول عن سمته، يقال: \"ضل الطريق وأضل الشىء إذا أضاعه..\"<br>وقوله: { فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } أى: فكيف تصرفون وتتحولون عن الحق إلى الضلال، بعد اعترافكم وإقراركم بأن خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم هو الله - تعالى - وحده.<br>فأنى هنا بمعنى كيف، والاستفهام لإِنكار واقعهم المخزى واستبعاده والتعجب منه.<br>ومن الأحكام التى تؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الحق والباطل، والهدى والضلال، نقيضان لا يجتمعان، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين فى وقت واحد بل متى ثبت أن أحدهما هو الحق، وجب أن يكون الآخر هو الباطل.<br>ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل، فقال - تعالى - :<br>{ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }.<br>والكاف للتشبيه بمعنى مثل. وحقت بمعنى وجبت وثبتت.<br>والمراد بالكلمة هنا: حكمه وقضاؤه - سبحانه -.<br>والمعنى: مثل ما ثبت أن الله - تعالى - هو الرب الحق، وأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، ثبت - أيضا - الحكم والقضاء منه - سبحانه - على الذين فسقوا عن أمره، وعموا وصموا عن الحق، أنهم لا يؤمنون به، لأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا.<br>فالمراد بالفسق هنا: التمرد فى الكفر، والسير فيه إلى أقصى حدوده.<br>ثم ساق - سبحانه - أنواعا أخرى من الأدلة على وحدانية الله - تعالى وقدرته. فقال:<br> { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ... }<br>"
    },
    {
        "id": "1415",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "33",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: من الذى يرزقكم من السماء بالأمطار وما يتولد عنها، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار، وغير ذلك مما تخرجه الأرض.<br>وقوله: { أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ } أى: بل قل لهم - أيضا - من الذى يملك ما تتمتعون به من سمع وبصر، ومن الذى يستطيع خلقهما وتسويتهما بالطريقة التى أوجدها - سبحانه.<br>وخص هاتين الحاستين بالذكر، لأن لهما أعظم الأثر فى حياة الإِنسان، ولأنهما قد اشتملتا فى تركيبهما على ما بهر العقول، ويشهد بقدرته - تعالى - وعجيب صنعه فى خلقه.<br>و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل، وهى هنا للإِضراب الانتقالى لا الإِبطالى، وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فى الدلالة على المقصود، وهو إثبات قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله: { وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ } دليل ثالث على قدرة الله ووحدانيته.<br>أى: وقيل لهم كذلك من سوى الله - تعالى - يملك إخراج النبات وهو كائن حى من الأرض الميتة، وإخراج الإِنسان وهو كائن حى من النطفة وبالعكس، وإخراج الطير من البيضة وبالعكس.<br>وقوله: { وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ } دليل رابع على قدرة الله ووحدانيته أى: وقل لهم - أيضاً - من الذى يتولى تدبير أمر هذا الكون من إحياء وأماتة، وصحة ومرض، وغنى وفقر، وليل ونهار، وشمس وقمر ونجوم...<br>هذه الجملة الكريمة من باب التعميم بعد التخصيص، لأن كل ما سبق من نعم يندرج فيها.<br>وقوله: { فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ } حكاية للجواب الذى لا يستطيعون إنكاره، لأنهم مقرون معترفون بأن الله - تعالى - وهو الذى خلقهم، وهو الذى يدبر أمرهم، وإنما كانوا يتخذون الشركاء للزلفى، كما حكى القرآن عنهم فى قوله: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. } وفى قوله - سبحانه - حكاية عنهم { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ... } ولفظ الجلالة مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير: فسيقولون الله وحده هو الذى فعل كل ذلك.<br>وقوله: { فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بهذا الرد.<br>والهمزة لإِنكار واقعهم الذميم، وهى داخلة على كلام مقدر، ومفعول تتقون محذوف.<br>أى: أتعلمون وتعترفون بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل ما سبق، ومع ذلك تشركون معه آلهة فى العبادة، دون أن تتقوا عذابه يوم القيامة؟<br>إن مسلكك هذا إنما يدل على ضعف فى التفكير، وانطماس فى العقول، وجهالة ليس بعدها جهالة.<br>ثم أرشدهم - سبحانه - إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال: { فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ... }<br>أى: فذلكم الذى فعل ما فعل من رزقكم ومن تدبير أمركم، هو الله المربى لكم بنعمه، وهو الذى لا تحق العبودية والألوهية إلا له وحده.<br>إذا كان الأمر كذلك { فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ } أى لا يوجد غير الحق شىء يتبع سوى الضلال، فمن ترك الحق وهو عبادة الله وحده، فقد وقع فى الباطل والضلال وهو عبادة غيره من الآلهة الأخرى.<br>قال القرطبى: ثبت عن عائشة - رضى الله عنها -   \"أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل قال: اللهم لك الحمد\"  الحديث، وفيه: أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق...\".<br>فقوله: أنت الحق، أى الواجب الوجود، وأصله من حق الشىء إذا ثبت ووجب - وهذا الوصف لله - تعالى - بالحقيقة، إذ وجوده بنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه.<br>ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعاً كما فى هذه الآية.. والضلال حقيقته الذهاب عن الحق مأخوذ من ضلال الطريق، وهو العدول عن سمته، يقال: \"ضل الطريق وأضل الشىء إذا أضاعه..\"<br>وقوله: { فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } أى: فكيف تصرفون وتتحولون عن الحق إلى الضلال، بعد اعترافكم وإقراركم بأن خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم هو الله - تعالى - وحده.<br>فأنى هنا بمعنى كيف، والاستفهام لإِنكار واقعهم المخزى واستبعاده والتعجب منه.<br>ومن الأحكام التى تؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الحق والباطل، والهدى والضلال، نقيضان لا يجتمعان، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين فى وقت واحد بل متى ثبت أن أحدهما هو الحق، وجب أن يكون الآخر هو الباطل.<br>ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل، فقال - تعالى - :<br>{ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }.<br>والكاف للتشبيه بمعنى مثل. وحقت بمعنى وجبت وثبتت.<br>والمراد بالكلمة هنا: حكمه وقضاؤه - سبحانه -.<br>والمعنى: مثل ما ثبت أن الله - تعالى - هو الرب الحق، وأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، ثبت - أيضا - الحكم والقضاء منه - سبحانه - على الذين فسقوا عن أمره، وعموا وصموا عن الحق، أنهم لا يؤمنون به، لأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا.<br>فالمراد بالفسق هنا: التمرد فى الكفر، والسير فيه إلى أقصى حدوده.<br>ثم ساق - سبحانه - أنواعا أخرى من الأدلة على وحدانية الله - تعالى وقدرته. فقال:<br> { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ... }<br>"
    },
    {
        "id": "1438",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "55",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "أى: ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما فى السماوات والأرض من مخلوقات، وهو - سبحانه - يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } وقوله: { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا محيص عنه.<br>وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق.<br>وأعيد حرف التنبيه فى جملة { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها: إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم.<br>وقال { أَكْثَرَهُمْ }: إنصافا للقلة المؤمنة التى علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال.<br>وقوله: { هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بيان لكمال قدرته، إثر بيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده.<br>أى: هو - سبحانه - الذى يحيى من يريد إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }.<br>والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ويرقق النفوس.<br>والشفاء: هو الدواء الشافى من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه.<br>والهدى: هو الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، والرحمة معناها الإِحسان، أو إرادة الإِحسان.<br>والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله - تعالى - كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات.<br>وجاء هذا الإِرشاد والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم.<br>ووصفت الموعظة بأنها من ربكم، لتذكيرهم بما يزيدهم تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هى صادرة من خالق النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها.<br>وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى قال:  \"جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال إنى اشتكى صدرى، فقال - عليه الصلاة والسلام -: اقرأ القرآن، يقول الله - تعالى - شفاء لما فى الصدور\" .<br>وأخرج البيهقى فى الشعب عن وائلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وجع حلقه، فقال له:  \"عليك بقراءة القرآن\" .<br>وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثانى لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - الشاكى بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه.<br>ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك.<br>والخبر الأول وإن كان ظاهرا فى المقصود، لكن ينبغى تأويله، كأن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أن فى صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدنى، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثانى.<br>والحسن البصرى ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: \"إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرناه\".<br>وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } حض للناس على اغتنام ما فى تعاليم الإِسلام من خيرات، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات.<br>أى: قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرحمته التى وسعت كل شىء وهى بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية.<br>وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإِسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار.<br>ولعل تفسيرهما بما يشمل كل ذلك أولى: لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإِسلام والقرآن والجنة أولى.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى: بهذا الذى جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة.<br>فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضى الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإِبل، فإذا هى أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله - تعالى - ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذى يقول الله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }.<br>أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين.<br>ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة، للإِشعار باستقلال كل منهما بالفرح به.<br>والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإِفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشىء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمته، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا.<br>قال القرطبى: \"والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح فى مواضع، كقوله - سبحانه - { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } وكقوله { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله - تعالى { فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } وكقوله - سبحانه - هنا { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى بالقرآن والإِسلام فليفرحوا...\".<br>ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } أى: قل لهم يا محمد - أيضا - أخبرونى أيها المبدلون لشرع اله على حسب أهوائكم: إن الله - تعالى - قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما.<br>وقد حكى الله - تعالى - فعلهم هذا فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى -: { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا } قال الإِمام ابن كثير: \"قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى -: { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً... }  الآيات.<br>وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو  \"عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا رث الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال: قلت: من كل المال. من الإِبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها وتقول؛ هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك\" .<br>وقوله: { قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو الذى يملك التحليل والتحريم، فهل هو - سبحانه - أذن لكم فى ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم فى ذلك لبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وقوله: { ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } متعلق بأرأيتم، وقل. تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم فى التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله فى نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.<br>ثم قال: وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد فى شىء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله\".<br>ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال { وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ... }.<br>أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب.<br>وأبهم - سبحانه - هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله - تعالى -:<br>وقال - سبحانه - { وَمَا ظَنُّ... } بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، واتباع شريعته فيما أحل وحرم.<br>أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم، لأنهم يستعملونها فى غير ما خلقت له.<br>وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير فى هذا الكون فقال: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً... }.<br>أى: وما تكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو فى حال من الأحوال.<br>وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى إلى الرشد.<br>ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين.<br>ومن فى قوله { منه } للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإِضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره.<br>ومن فى قوله { مِن قُرْآنٍ } مزيدة لتأكيد النفى.<br>وقال الآلوسى: \"والخطاب الأول خاص برأس النوع الإِنسانى، وسيد المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا. وقوله { وَلاَ تَعْمَلُونَ... } عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى فى كل من المقامين ما يليق به، فعبر فى مقام الخصوص فى الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفى الثانى بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما فى قوله - تعالى - { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ } وقوله: { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى: وما تلابسون بشىء منها فى حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له\".<br>وقوله: { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أى: تخوضون وتندفعون فى ذلك العمل، لأن الإِفاضة فى الشىء معناها الاندافع فيه بكثرة وقوة.<br>وقوله: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء.<br>ويعزب: أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم: عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف.<br>أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة فى الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده فى كتاب عظيم الشأن، تام البيان.<br>وقوله: { مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشىء ودقته، ومن فيه لتأكيد النفى وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام فى حال أهلها، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها. فكأنه - سبحانه - يقول: إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شىء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.<br>وقوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } جملة مستقلة لسيت معطوفة على ما قبلها.<br>و { لا } نافية للجنس و { أصغر } اسمها منصوب لشبهه بالمضاف، و { أكبر } معطوف عليه. و { فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } متعلق بمحذوف خبرها.<br>وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم فى سياق العلم بما خفى من الأمور.<br>وقرأ حمزة ويعقوب وخلف { وَلاَ أَصْغَرَ } بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: ولا ما هو أصغر من ذلك.<br>والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شىء.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شىء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور.<br>وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.<br>بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولداً بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال - تعالى -:<br> { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1439",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "56",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "أى: ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما فى السماوات والأرض من مخلوقات، وهو - سبحانه - يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } وقوله: { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا محيص عنه.<br>وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق.<br>وأعيد حرف التنبيه فى جملة { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها: إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم.<br>وقال { أَكْثَرَهُمْ }: إنصافا للقلة المؤمنة التى علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال.<br>وقوله: { هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بيان لكمال قدرته، إثر بيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده.<br>أى: هو - سبحانه - الذى يحيى من يريد إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }.<br>والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ويرقق النفوس.<br>والشفاء: هو الدواء الشافى من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه.<br>والهدى: هو الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، والرحمة معناها الإِحسان، أو إرادة الإِحسان.<br>والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله - تعالى - كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات.<br>وجاء هذا الإِرشاد والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم.<br>ووصفت الموعظة بأنها من ربكم، لتذكيرهم بما يزيدهم تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هى صادرة من خالق النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها.<br>وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى قال:  \"جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال إنى اشتكى صدرى، فقال - عليه الصلاة والسلام -: اقرأ القرآن، يقول الله - تعالى - شفاء لما فى الصدور\" .<br>وأخرج البيهقى فى الشعب عن وائلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وجع حلقه، فقال له:  \"عليك بقراءة القرآن\" .<br>وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثانى لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - الشاكى بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه.<br>ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك.<br>والخبر الأول وإن كان ظاهرا فى المقصود، لكن ينبغى تأويله، كأن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أن فى صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدنى، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثانى.<br>والحسن البصرى ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: \"إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرناه\".<br>وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } حض للناس على اغتنام ما فى تعاليم الإِسلام من خيرات، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات.<br>أى: قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرحمته التى وسعت كل شىء وهى بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية.<br>وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإِسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار.<br>ولعل تفسيرهما بما يشمل كل ذلك أولى: لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإِسلام والقرآن والجنة أولى.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى: بهذا الذى جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة.<br>فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضى الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإِبل، فإذا هى أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله - تعالى - ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذى يقول الله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }.<br>أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين.<br>ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة، للإِشعار باستقلال كل منهما بالفرح به.<br>والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإِفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشىء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمته، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا.<br>قال القرطبى: \"والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح فى مواضع، كقوله - سبحانه - { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } وكقوله { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله - تعالى { فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } وكقوله - سبحانه - هنا { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى بالقرآن والإِسلام فليفرحوا...\".<br>ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } أى: قل لهم يا محمد - أيضا - أخبرونى أيها المبدلون لشرع اله على حسب أهوائكم: إن الله - تعالى - قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما.<br>وقد حكى الله - تعالى - فعلهم هذا فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى -: { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا } قال الإِمام ابن كثير: \"قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى -: { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً... }  الآيات.<br>وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو  \"عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا رث الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال: قلت: من كل المال. من الإِبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها وتقول؛ هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك\" .<br>وقوله: { قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو الذى يملك التحليل والتحريم، فهل هو - سبحانه - أذن لكم فى ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم فى ذلك لبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وقوله: { ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } متعلق بأرأيتم، وقل. تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم فى التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله فى نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.<br>ثم قال: وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد فى شىء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله\".<br>ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال { وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ... }.<br>أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب.<br>وأبهم - سبحانه - هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله - تعالى -:<br>وقال - سبحانه - { وَمَا ظَنُّ... } بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، واتباع شريعته فيما أحل وحرم.<br>أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم، لأنهم يستعملونها فى غير ما خلقت له.<br>وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير فى هذا الكون فقال: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً... }.<br>أى: وما تكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو فى حال من الأحوال.<br>وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى إلى الرشد.<br>ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين.<br>ومن فى قوله { منه } للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإِضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره.<br>ومن فى قوله { مِن قُرْآنٍ } مزيدة لتأكيد النفى.<br>وقال الآلوسى: \"والخطاب الأول خاص برأس النوع الإِنسانى، وسيد المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا. وقوله { وَلاَ تَعْمَلُونَ... } عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى فى كل من المقامين ما يليق به، فعبر فى مقام الخصوص فى الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفى الثانى بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما فى قوله - تعالى - { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ } وقوله: { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى: وما تلابسون بشىء منها فى حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له\".<br>وقوله: { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أى: تخوضون وتندفعون فى ذلك العمل، لأن الإِفاضة فى الشىء معناها الاندافع فيه بكثرة وقوة.<br>وقوله: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء.<br>ويعزب: أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم: عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف.<br>أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة فى الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده فى كتاب عظيم الشأن، تام البيان.<br>وقوله: { مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشىء ودقته، ومن فيه لتأكيد النفى وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام فى حال أهلها، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها. فكأنه - سبحانه - يقول: إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شىء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.<br>وقوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } جملة مستقلة لسيت معطوفة على ما قبلها.<br>و { لا } نافية للجنس و { أصغر } اسمها منصوب لشبهه بالمضاف، و { أكبر } معطوف عليه. و { فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } متعلق بمحذوف خبرها.<br>وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم فى سياق العلم بما خفى من الأمور.<br>وقرأ حمزة ويعقوب وخلف { وَلاَ أَصْغَرَ } بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: ولا ما هو أصغر من ذلك.<br>والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شىء.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شىء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور.<br>وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.<br>بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولداً بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال - تعالى -:<br> { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1440",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "57",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "أى: ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما فى السماوات والأرض من مخلوقات، وهو - سبحانه - يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } وقوله: { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا محيص عنه.<br>وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق.<br>وأعيد حرف التنبيه فى جملة { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها: إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم.<br>وقال { أَكْثَرَهُمْ }: إنصافا للقلة المؤمنة التى علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال.<br>وقوله: { هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بيان لكمال قدرته، إثر بيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده.<br>أى: هو - سبحانه - الذى يحيى من يريد إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }.<br>والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ويرقق النفوس.<br>والشفاء: هو الدواء الشافى من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه.<br>والهدى: هو الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، والرحمة معناها الإِحسان، أو إرادة الإِحسان.<br>والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله - تعالى - كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات.<br>وجاء هذا الإِرشاد والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم.<br>ووصفت الموعظة بأنها من ربكم، لتذكيرهم بما يزيدهم تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هى صادرة من خالق النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها.<br>وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى قال:  \"جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال إنى اشتكى صدرى، فقال - عليه الصلاة والسلام -: اقرأ القرآن، يقول الله - تعالى - شفاء لما فى الصدور\" .<br>وأخرج البيهقى فى الشعب عن وائلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وجع حلقه، فقال له:  \"عليك بقراءة القرآن\" .<br>وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثانى لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - الشاكى بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه.<br>ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك.<br>والخبر الأول وإن كان ظاهرا فى المقصود، لكن ينبغى تأويله، كأن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أن فى صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدنى، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثانى.<br>والحسن البصرى ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: \"إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرناه\".<br>وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } حض للناس على اغتنام ما فى تعاليم الإِسلام من خيرات، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات.<br>أى: قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرحمته التى وسعت كل شىء وهى بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية.<br>وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإِسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار.<br>ولعل تفسيرهما بما يشمل كل ذلك أولى: لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإِسلام والقرآن والجنة أولى.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى: بهذا الذى جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة.<br>فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضى الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإِبل، فإذا هى أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله - تعالى - ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذى يقول الله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }.<br>أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين.<br>ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة، للإِشعار باستقلال كل منهما بالفرح به.<br>والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإِفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشىء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمته، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا.<br>قال القرطبى: \"والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح فى مواضع، كقوله - سبحانه - { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } وكقوله { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله - تعالى { فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } وكقوله - سبحانه - هنا { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى بالقرآن والإِسلام فليفرحوا...\".<br>ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } أى: قل لهم يا محمد - أيضا - أخبرونى أيها المبدلون لشرع اله على حسب أهوائكم: إن الله - تعالى - قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما.<br>وقد حكى الله - تعالى - فعلهم هذا فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى -: { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا } قال الإِمام ابن كثير: \"قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى -: { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً... }  الآيات.<br>وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو  \"عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا رث الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال: قلت: من كل المال. من الإِبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها وتقول؛ هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك\" .<br>وقوله: { قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو الذى يملك التحليل والتحريم، فهل هو - سبحانه - أذن لكم فى ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم فى ذلك لبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وقوله: { ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } متعلق بأرأيتم، وقل. تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم فى التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله فى نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.<br>ثم قال: وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد فى شىء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله\".<br>ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال { وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ... }.<br>أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب.<br>وأبهم - سبحانه - هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله - تعالى -:<br>وقال - سبحانه - { وَمَا ظَنُّ... } بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، واتباع شريعته فيما أحل وحرم.<br>أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم، لأنهم يستعملونها فى غير ما خلقت له.<br>وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير فى هذا الكون فقال: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً... }.<br>أى: وما تكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو فى حال من الأحوال.<br>وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى إلى الرشد.<br>ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين.<br>ومن فى قوله { منه } للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإِضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره.<br>ومن فى قوله { مِن قُرْآنٍ } مزيدة لتأكيد النفى.<br>وقال الآلوسى: \"والخطاب الأول خاص برأس النوع الإِنسانى، وسيد المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا. وقوله { وَلاَ تَعْمَلُونَ... } عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى فى كل من المقامين ما يليق به، فعبر فى مقام الخصوص فى الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفى الثانى بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما فى قوله - تعالى - { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ } وقوله: { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى: وما تلابسون بشىء منها فى حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له\".<br>وقوله: { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أى: تخوضون وتندفعون فى ذلك العمل، لأن الإِفاضة فى الشىء معناها الاندافع فيه بكثرة وقوة.<br>وقوله: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء.<br>ويعزب: أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم: عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف.<br>أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة فى الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده فى كتاب عظيم الشأن، تام البيان.<br>وقوله: { مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشىء ودقته، ومن فيه لتأكيد النفى وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام فى حال أهلها، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها. فكأنه - سبحانه - يقول: إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شىء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.<br>وقوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } جملة مستقلة لسيت معطوفة على ما قبلها.<br>و { لا } نافية للجنس و { أصغر } اسمها منصوب لشبهه بالمضاف، و { أكبر } معطوف عليه. و { فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } متعلق بمحذوف خبرها.<br>وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم فى سياق العلم بما خفى من الأمور.<br>وقرأ حمزة ويعقوب وخلف { وَلاَ أَصْغَرَ } بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: ولا ما هو أصغر من ذلك.<br>والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شىء.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شىء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور.<br>وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.<br>بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولداً بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال - تعالى -:<br> { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1441",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "58",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "أى: ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما فى السماوات والأرض من مخلوقات، وهو - سبحانه - يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } وقوله: { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا محيص عنه.<br>وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق.<br>وأعيد حرف التنبيه فى جملة { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها: إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم.<br>وقال { أَكْثَرَهُمْ }: إنصافا للقلة المؤمنة التى علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال.<br>وقوله: { هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بيان لكمال قدرته، إثر بيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده.<br>أى: هو - سبحانه - الذى يحيى من يريد إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }.<br>والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ويرقق النفوس.<br>والشفاء: هو الدواء الشافى من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه.<br>والهدى: هو الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، والرحمة معناها الإِحسان، أو إرادة الإِحسان.<br>والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله - تعالى - كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات.<br>وجاء هذا الإِرشاد والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم.<br>ووصفت الموعظة بأنها من ربكم، لتذكيرهم بما يزيدهم تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هى صادرة من خالق النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها.<br>وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى قال:  \"جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال إنى اشتكى صدرى، فقال - عليه الصلاة والسلام -: اقرأ القرآن، يقول الله - تعالى - شفاء لما فى الصدور\" .<br>وأخرج البيهقى فى الشعب عن وائلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وجع حلقه، فقال له:  \"عليك بقراءة القرآن\" .<br>وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثانى لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - الشاكى بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه.<br>ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك.<br>والخبر الأول وإن كان ظاهرا فى المقصود، لكن ينبغى تأويله، كأن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أن فى صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدنى، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثانى.<br>والحسن البصرى ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: \"إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرناه\".<br>وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } حض للناس على اغتنام ما فى تعاليم الإِسلام من خيرات، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات.<br>أى: قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرحمته التى وسعت كل شىء وهى بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية.<br>وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإِسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار.<br>ولعل تفسيرهما بما يشمل كل ذلك أولى: لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإِسلام والقرآن والجنة أولى.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى: بهذا الذى جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة.<br>فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضى الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإِبل، فإذا هى أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله - تعالى - ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذى يقول الله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }.<br>أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين.<br>ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة، للإِشعار باستقلال كل منهما بالفرح به.<br>والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإِفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشىء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمته، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا.<br>قال القرطبى: \"والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح فى مواضع، كقوله - سبحانه - { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } وكقوله { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله - تعالى { فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } وكقوله - سبحانه - هنا { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى بالقرآن والإِسلام فليفرحوا...\".<br>ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } أى: قل لهم يا محمد - أيضا - أخبرونى أيها المبدلون لشرع اله على حسب أهوائكم: إن الله - تعالى - قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما.<br>وقد حكى الله - تعالى - فعلهم هذا فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى -: { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا } قال الإِمام ابن كثير: \"قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى -: { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً... }  الآيات.<br>وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو  \"عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا رث الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال: قلت: من كل المال. من الإِبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها وتقول؛ هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك\" .<br>وقوله: { قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو الذى يملك التحليل والتحريم، فهل هو - سبحانه - أذن لكم فى ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم فى ذلك لبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وقوله: { ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } متعلق بأرأيتم، وقل. تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم فى التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله فى نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.<br>ثم قال: وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد فى شىء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله\".<br>ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال { وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ... }.<br>أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب.<br>وأبهم - سبحانه - هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله - تعالى -:<br>وقال - سبحانه - { وَمَا ظَنُّ... } بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، واتباع شريعته فيما أحل وحرم.<br>أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم، لأنهم يستعملونها فى غير ما خلقت له.<br>وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير فى هذا الكون فقال: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً... }.<br>أى: وما تكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو فى حال من الأحوال.<br>وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى إلى الرشد.<br>ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين.<br>ومن فى قوله { منه } للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإِضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره.<br>ومن فى قوله { مِن قُرْآنٍ } مزيدة لتأكيد النفى.<br>وقال الآلوسى: \"والخطاب الأول خاص برأس النوع الإِنسانى، وسيد المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا. وقوله { وَلاَ تَعْمَلُونَ... } عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى فى كل من المقامين ما يليق به، فعبر فى مقام الخصوص فى الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفى الثانى بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما فى قوله - تعالى - { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ } وقوله: { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى: وما تلابسون بشىء منها فى حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له\".<br>وقوله: { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أى: تخوضون وتندفعون فى ذلك العمل، لأن الإِفاضة فى الشىء معناها الاندافع فيه بكثرة وقوة.<br>وقوله: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء.<br>ويعزب: أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم: عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف.<br>أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة فى الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده فى كتاب عظيم الشأن، تام البيان.<br>وقوله: { مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشىء ودقته، ومن فيه لتأكيد النفى وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام فى حال أهلها، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها. فكأنه - سبحانه - يقول: إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شىء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.<br>وقوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } جملة مستقلة لسيت معطوفة على ما قبلها.<br>و { لا } نافية للجنس و { أصغر } اسمها منصوب لشبهه بالمضاف، و { أكبر } معطوف عليه. و { فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } متعلق بمحذوف خبرها.<br>وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم فى سياق العلم بما خفى من الأمور.<br>وقرأ حمزة ويعقوب وخلف { وَلاَ أَصْغَرَ } بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: ولا ما هو أصغر من ذلك.<br>والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شىء.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شىء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور.<br>وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.<br>بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولداً بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال - تعالى -:<br> { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1442",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "59",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "أى: ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما فى السماوات والأرض من مخلوقات، وهو - سبحانه - يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } وقوله: { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا محيص عنه.<br>وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق.<br>وأعيد حرف التنبيه فى جملة { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها: إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم.<br>وقال { أَكْثَرَهُمْ }: إنصافا للقلة المؤمنة التى علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال.<br>وقوله: { هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بيان لكمال قدرته، إثر بيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده.<br>أى: هو - سبحانه - الذى يحيى من يريد إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }.<br>والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ويرقق النفوس.<br>والشفاء: هو الدواء الشافى من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه.<br>والهدى: هو الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، والرحمة معناها الإِحسان، أو إرادة الإِحسان.<br>والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله - تعالى - كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات.<br>وجاء هذا الإِرشاد والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم.<br>ووصفت الموعظة بأنها من ربكم، لتذكيرهم بما يزيدهم تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هى صادرة من خالق النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها.<br>وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى قال:  \"جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال إنى اشتكى صدرى، فقال - عليه الصلاة والسلام -: اقرأ القرآن، يقول الله - تعالى - شفاء لما فى الصدور\" .<br>وأخرج البيهقى فى الشعب عن وائلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وجع حلقه، فقال له:  \"عليك بقراءة القرآن\" .<br>وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثانى لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - الشاكى بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه.<br>ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك.<br>والخبر الأول وإن كان ظاهرا فى المقصود، لكن ينبغى تأويله، كأن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أن فى صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدنى، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثانى.<br>والحسن البصرى ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: \"إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرناه\".<br>وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } حض للناس على اغتنام ما فى تعاليم الإِسلام من خيرات، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات.<br>أى: قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرحمته التى وسعت كل شىء وهى بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية.<br>وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإِسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار.<br>ولعل تفسيرهما بما يشمل كل ذلك أولى: لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإِسلام والقرآن والجنة أولى.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى: بهذا الذى جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة.<br>فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضى الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإِبل، فإذا هى أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله - تعالى - ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذى يقول الله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }.<br>أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين.<br>ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة، للإِشعار باستقلال كل منهما بالفرح به.<br>والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإِفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشىء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمته، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا.<br>قال القرطبى: \"والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح فى مواضع، كقوله - سبحانه - { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } وكقوله { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله - تعالى { فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } وكقوله - سبحانه - هنا { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى بالقرآن والإِسلام فليفرحوا...\".<br>ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } أى: قل لهم يا محمد - أيضا - أخبرونى أيها المبدلون لشرع اله على حسب أهوائكم: إن الله - تعالى - قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما.<br>وقد حكى الله - تعالى - فعلهم هذا فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى -: { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا } قال الإِمام ابن كثير: \"قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى -: { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً... }  الآيات.<br>وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو  \"عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا رث الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال: قلت: من كل المال. من الإِبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها وتقول؛ هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك\" .<br>وقوله: { قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو الذى يملك التحليل والتحريم، فهل هو - سبحانه - أذن لكم فى ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم فى ذلك لبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وقوله: { ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } متعلق بأرأيتم، وقل. تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم فى التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله فى نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.<br>ثم قال: وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد فى شىء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله\".<br>ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال { وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ... }.<br>أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب.<br>وأبهم - سبحانه - هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله - تعالى -:<br>وقال - سبحانه - { وَمَا ظَنُّ... } بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، واتباع شريعته فيما أحل وحرم.<br>أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم، لأنهم يستعملونها فى غير ما خلقت له.<br>وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير فى هذا الكون فقال: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً... }.<br>أى: وما تكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو فى حال من الأحوال.<br>وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى إلى الرشد.<br>ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين.<br>ومن فى قوله { منه } للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإِضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره.<br>ومن فى قوله { مِن قُرْآنٍ } مزيدة لتأكيد النفى.<br>وقال الآلوسى: \"والخطاب الأول خاص برأس النوع الإِنسانى، وسيد المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا. وقوله { وَلاَ تَعْمَلُونَ... } عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى فى كل من المقامين ما يليق به، فعبر فى مقام الخصوص فى الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفى الثانى بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما فى قوله - تعالى - { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ } وقوله: { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى: وما تلابسون بشىء منها فى حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له\".<br>وقوله: { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أى: تخوضون وتندفعون فى ذلك العمل، لأن الإِفاضة فى الشىء معناها الاندافع فيه بكثرة وقوة.<br>وقوله: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء.<br>ويعزب: أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم: عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف.<br>أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة فى الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده فى كتاب عظيم الشأن، تام البيان.<br>وقوله: { مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشىء ودقته، ومن فيه لتأكيد النفى وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام فى حال أهلها، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها. فكأنه - سبحانه - يقول: إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شىء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.<br>وقوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } جملة مستقلة لسيت معطوفة على ما قبلها.<br>و { لا } نافية للجنس و { أصغر } اسمها منصوب لشبهه بالمضاف، و { أكبر } معطوف عليه. و { فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } متعلق بمحذوف خبرها.<br>وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم فى سياق العلم بما خفى من الأمور.<br>وقرأ حمزة ويعقوب وخلف { وَلاَ أَصْغَرَ } بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: ولا ما هو أصغر من ذلك.<br>والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شىء.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شىء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور.<br>وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.<br>بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولداً بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال - تعالى -:<br> { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1443",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "60",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "أى: ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما فى السماوات والأرض من مخلوقات، وهو - سبحانه - يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } وقوله: { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا محيص عنه.<br>وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق.<br>وأعيد حرف التنبيه فى جملة { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها: إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم.<br>وقال { أَكْثَرَهُمْ }: إنصافا للقلة المؤمنة التى علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال.<br>وقوله: { هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بيان لكمال قدرته، إثر بيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده.<br>أى: هو - سبحانه - الذى يحيى من يريد إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }.<br>والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ويرقق النفوس.<br>والشفاء: هو الدواء الشافى من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه.<br>والهدى: هو الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، والرحمة معناها الإِحسان، أو إرادة الإِحسان.<br>والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله - تعالى - كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات.<br>وجاء هذا الإِرشاد والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم.<br>ووصفت الموعظة بأنها من ربكم، لتذكيرهم بما يزيدهم تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هى صادرة من خالق النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها.<br>وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى قال:  \"جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال إنى اشتكى صدرى، فقال - عليه الصلاة والسلام -: اقرأ القرآن، يقول الله - تعالى - شفاء لما فى الصدور\" .<br>وأخرج البيهقى فى الشعب عن وائلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وجع حلقه، فقال له:  \"عليك بقراءة القرآن\" .<br>وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثانى لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - الشاكى بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه.<br>ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك.<br>والخبر الأول وإن كان ظاهرا فى المقصود، لكن ينبغى تأويله، كأن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أن فى صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدنى، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثانى.<br>والحسن البصرى ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: \"إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرناه\".<br>وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } حض للناس على اغتنام ما فى تعاليم الإِسلام من خيرات، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات.<br>أى: قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرحمته التى وسعت كل شىء وهى بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية.<br>وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإِسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار.<br>ولعل تفسيرهما بما يشمل كل ذلك أولى: لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإِسلام والقرآن والجنة أولى.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى: بهذا الذى جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة.<br>فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضى الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإِبل، فإذا هى أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله - تعالى - ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذى يقول الله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }.<br>أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين.<br>ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة، للإِشعار باستقلال كل منهما بالفرح به.<br>والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإِفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشىء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمته، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا.<br>قال القرطبى: \"والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح فى مواضع، كقوله - سبحانه - { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } وكقوله { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله - تعالى { فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } وكقوله - سبحانه - هنا { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى بالقرآن والإِسلام فليفرحوا...\".<br>ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } أى: قل لهم يا محمد - أيضا - أخبرونى أيها المبدلون لشرع اله على حسب أهوائكم: إن الله - تعالى - قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما.<br>وقد حكى الله - تعالى - فعلهم هذا فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى -: { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا } قال الإِمام ابن كثير: \"قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى -: { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً... }  الآيات.<br>وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو  \"عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا رث الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال: قلت: من كل المال. من الإِبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها وتقول؛ هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك\" .<br>وقوله: { قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو الذى يملك التحليل والتحريم، فهل هو - سبحانه - أذن لكم فى ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم فى ذلك لبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وقوله: { ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } متعلق بأرأيتم، وقل. تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم فى التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله فى نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.<br>ثم قال: وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد فى شىء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله\".<br>ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال { وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ... }.<br>أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب.<br>وأبهم - سبحانه - هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله - تعالى -:<br>وقال - سبحانه - { وَمَا ظَنُّ... } بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، واتباع شريعته فيما أحل وحرم.<br>أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم، لأنهم يستعملونها فى غير ما خلقت له.<br>وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير فى هذا الكون فقال: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً... }.<br>أى: وما تكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو فى حال من الأحوال.<br>وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى إلى الرشد.<br>ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين.<br>ومن فى قوله { منه } للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإِضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره.<br>ومن فى قوله { مِن قُرْآنٍ } مزيدة لتأكيد النفى.<br>وقال الآلوسى: \"والخطاب الأول خاص برأس النوع الإِنسانى، وسيد المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا. وقوله { وَلاَ تَعْمَلُونَ... } عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى فى كل من المقامين ما يليق به، فعبر فى مقام الخصوص فى الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفى الثانى بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما فى قوله - تعالى - { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ } وقوله: { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى: وما تلابسون بشىء منها فى حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له\".<br>وقوله: { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أى: تخوضون وتندفعون فى ذلك العمل، لأن الإِفاضة فى الشىء معناها الاندافع فيه بكثرة وقوة.<br>وقوله: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء.<br>ويعزب: أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم: عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف.<br>أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة فى الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده فى كتاب عظيم الشأن، تام البيان.<br>وقوله: { مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشىء ودقته، ومن فيه لتأكيد النفى وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام فى حال أهلها، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها. فكأنه - سبحانه - يقول: إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شىء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.<br>وقوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } جملة مستقلة لسيت معطوفة على ما قبلها.<br>و { لا } نافية للجنس و { أصغر } اسمها منصوب لشبهه بالمضاف، و { أكبر } معطوف عليه. و { فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } متعلق بمحذوف خبرها.<br>وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم فى سياق العلم بما خفى من الأمور.<br>وقرأ حمزة ويعقوب وخلف { وَلاَ أَصْغَرَ } بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: ولا ما هو أصغر من ذلك.<br>والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شىء.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شىء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور.<br>وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.<br>بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولداً بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال - تعالى -:<br> { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1444",
        "sura_number": "10",
        "ayah_number": "61",
        "aya": "",
        "sura": "يونس",
        "mediator": "أى: ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما فى السماوات والأرض من مخلوقات، وهو - سبحانه - يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } وقوله: { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا محيص عنه.<br>وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح { ألا } الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق.<br>وأعيد حرف التنبيه فى جملة { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها: إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم.<br>وقال { أَكْثَرَهُمْ }: إنصافا للقلة المؤمنة التى علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال.<br>وقوله: { هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بيان لكمال قدرته، إثر بيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده.<br>أى: هو - سبحانه - الذى يحيى من يريد إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }.<br>والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ويرقق النفوس.<br>والشفاء: هو الدواء الشافى من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه.<br>والهدى: هو الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، والرحمة معناها الإِحسان، أو إرادة الإِحسان.<br>والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله - تعالى - كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات.<br>وجاء هذا الإِرشاد والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم.<br>ووصفت الموعظة بأنها من ربكم، لتذكيرهم بما يزيدهم تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هى صادرة من خالق النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها.<br>وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى قال:  \"جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال إنى اشتكى صدرى، فقال - عليه الصلاة والسلام -: اقرأ القرآن، يقول الله - تعالى - شفاء لما فى الصدور\" .<br>وأخرج البيهقى فى الشعب عن وائلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وجع حلقه، فقال له:  \"عليك بقراءة القرآن\" .<br>وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثانى لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - الشاكى بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه.<br>ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك.<br>والخبر الأول وإن كان ظاهرا فى المقصود، لكن ينبغى تأويله، كأن يقال: لعله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أن فى صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدنى، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثانى.<br>والحسن البصرى ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: \"إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرناه\".<br>وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } حض للناس على اغتنام ما فى تعاليم الإِسلام من خيرات، وإيثارها على ما فى الدنيا من شهوات.<br>أى: قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذى شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرحمته التى وسعت كل شىء وهى بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون فى هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية.<br>وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإِسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار.<br>ولعل تفسيرهما بما يشمل كل ذلك أولى: لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يحدد المراد منهما، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإِسلام والقرآن والجنة أولى.<br>قال ابن كثير: قوله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى: بهذا الذى جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة.<br>فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضى الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإِبل، فإذا هى أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله - تعالى - ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذى يقول الله - تعالى - { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }.<br>أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله - تعالى - من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين.<br>ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة، للإِشعار باستقلال كل منهما بالفرح به.<br>والجار والمجرور فى كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإِفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشىء فليكن بسبب ما أعطاهم الله - تعالى - من فضل ورحمته، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا.<br>قال القرطبى: \"والفرح لذة فى القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح فى مواضع، كقوله - سبحانه - { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } وكقوله { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله - تعالى { فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } وكقوله - سبحانه - هنا { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أى بالقرآن والإِسلام فليفرحوا...\".<br>ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } أى: قل لهم يا محمد - أيضا - أخبرونى أيها المبدلون لشرع اله على حسب أهوائكم: إن الله - تعالى - قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما.<br>وقد حكى الله - تعالى - فعلهم هذا فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى -: { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا } قال الإِمام ابن كثير: \"قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى -: { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً... }  الآيات.<br>وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو  \"عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا رث الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال: قلت: من كل المال. من الإِبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها وتقول؛ هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك\" .<br>وقوله: { قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو الذى يملك التحليل والتحريم، فهل هو - سبحانه - أذن لكم فى ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم فى ذلك لبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وقوله: { ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } متعلق بأرأيتم، وقل. تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم فى التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله فى نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.<br>ثم قال: وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد فى شىء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله\".<br>ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال { وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ... }.<br>أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب.<br>وأبهم - سبحانه - هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله - تعالى -:<br>وقال - سبحانه - { وَمَا ظَنُّ... } بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، واتباع شريعته فيما أحل وحرم.<br>أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم، لأنهم يستعملونها فى غير ما خلقت له.<br>وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير فى هذا الكون فقال: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً... }.<br>أى: وما تكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو فى حال من الأحوال.<br>وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى إلى الرشد.<br>ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين.<br>ومن فى قوله { منه } للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإِضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره.<br>ومن فى قوله { مِن قُرْآنٍ } مزيدة لتأكيد النفى.<br>وقال الآلوسى: \"والخطاب الأول خاص برأس النوع الإِنسانى، وسيد المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا. وقوله { وَلاَ تَعْمَلُونَ... } عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى فى كل من المقامين ما يليق به، فعبر فى مقام الخصوص فى الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفى الثانى بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما فى قوله - تعالى - { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ } وقوله: { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى: وما تلابسون بشىء منها فى حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له\".<br>وقوله: { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أى: تخوضون وتندفعون فى ذلك العمل، لأن الإِفاضة فى الشىء معناها الاندافع فيه بكثرة وقوة.<br>وقوله: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء.<br>ويعزب: أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم: عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف.<br>أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة فى الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده فى كتاب عظيم الشأن، تام البيان.<br>وقوله: { مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشىء ودقته، ومن فيه لتأكيد النفى وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام فى حال أهلها، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها. فكأنه - سبحانه - يقول: إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شىء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.<br>وقوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } جملة مستقلة لسيت معطوفة على ما قبلها.<br>و { لا } نافية للجنس و { أصغر } اسمها منصوب لشبهه بالمضاف، و { أكبر } معطوف عليه. و { فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } متعلق بمحذوف خبرها.<br>وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم فى سياق العلم بما خفى من الأمور.<br>وقرأ حمزة ويعقوب وخلف { وَلاَ أَصْغَرَ } بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: ولا ما هو أصغر من ذلك.<br>والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شىء.<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شىء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور.<br>وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.<br>بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولداً بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال - تعالى -:<br> { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1800",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "28",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "وقوله - سبحانه - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } الخطاب فيه للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب.<br>والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة.<br>وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به: وضع الشئ فى غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر.<br>ونعمة الله التى بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم - أى أهل مكة - بأن جعلهم فى حرم آمن، وجعلهم سدنة بيته.. ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"قوله: { بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } لأن شكرها الذى وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا.<br>وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء والسعة لإِيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر، قد ذهبت النعمة عنهم، وبقى الكفر طوقا فى أعناقهم..\"<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"قال البخارى قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة.<br>ثم قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله - تعالى - \"بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ونعمة للناس؛ فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار..\".<br>وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير - رحمهما الله - هو الذى تطمئن إليه النفس، لأن مشركى مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة.<br>وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات فى أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً، بنو أمية وبنو مخزوم.. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب، ولا سند لها من النقل الصحيح\".<br>وقوله { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } معطوف على { بدلوا } لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم فى الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك.<br>والبوار: الهلاك والخسران، ويطلق أيضا على الكساد. يقال: بار المتاع بوارا، إذا كسد، إذ الكاسد فى حكم الهالك.<br>والمعنى: ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود، وكانوا سببا فى إنزال قومهم دار الهلاك والخسران.<br>وقوله - سبحانه - { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } بيان لدار بوارهم وهلاكهم أى: جهنم يصلون حرها وسعيرها، وبئس القرار قرارهم فيها.<br>فقوله { جَهَنَّمَ } عطف بيان لدار البوار، وقوله { يَصْلَوْنَهَا } فى محل نصب حال من { جَهَنَّمَ } يقال: صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها، وتقول: صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته.<br>والمخصوص بالذم محذوف. أى: بئس القرار هى أى: جهنم.<br>وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار.<br>ثم بين - سبحانه - لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة فقال { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ.. }.<br>والأنداد: جمع ند وهو مثل الشئ الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه.<br>وأصله من ند البعير يند - بكسر النون - ندا - بالفتح - إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.<br>وقوله { ليضلوا } قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله ضلالا.<br>أى: أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود، وإحلال قومهم دار البوار، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله - تعالى - أمثالا ونظراء، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذى هو إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلوا } - بفتح الياء - أى: ليستمروا فى ضلالهم، فإنهم حين جعلهم الأنداد لله - تعالى - كانوا ضالين، وجهلوا ذلك فاستمروا فى ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب.<br>قال صاحب الكشاف: قرئ { ليضلوا } بفتح الياء وضمها. فإن قلت: الضلال لم يكن غرضهم فى اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟<br>قلت: لما كان الضلال والإِضلال نتيجة اتخاذا الأنداد، كما كان الإِكرام فى قولك، جئتك لتكرمنى نتيجة المجئ، دخلته اللام، وإن لم يكن غرضاً، على طريق التشبيه والتقريب.<br>وقوله - سبحانه - { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أمر منه - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يهددهم بهذا المصير الأليم.<br>والتمتع بالشئ: الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة.<br>قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ } بما أنتم فيه من الشهوات، وبما زينته لكم أنفسكم من كفران للنعم { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أى: مرجعكم إليها ليس إلا.<br>ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه. جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار.<br>فجعله { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره.<br>ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل: قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار.<br>والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى فى مخالفة السلطان: \"اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف\".<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  {  { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ }  }.وقوله - تعالى -: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وقوله - تعالى - { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وبعد هذا الأمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بتهديد الكافرين، وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال - تعالى -: { قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ }.<br>قال الجمل: \"قوله { قُل لِّعِبَادِيَ... إلخ } مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه، أى: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا - وقوله: يقيموا وينفقوا مجزومان فى جواب الأمر، أى: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا.. يقيموا وينفقوا.<br>ويجوز أن يكون قوله \"يقيموا وينفقوا\" مجزومين بلام الأمر المقدرة.<br>أى: ليقيموا الصلاة ولينفقوا...\".<br>والمراد بإقامة الصلاة: المواظبة على أدائها فى أوقاتها المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص النية عند أدائها الله - تعالى -.<br>والمراد بالإِنفاق: ما يشمل جميع وجوه الإِنفاق الواجبة والمستحبة.<br>والمراد بقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } ما يتناول عموم الأحوال فى الحرص على بذل المال فى وجوهه المشروعة.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المخلصين، الذين آمنوا إيمانا حقا، قل لهم: ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإِنفاق مما رزقناهم فى جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب الدين وتعاليمه تقتضى ذلك، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة فى ذلك.<br>والإِضافة فى قوله { لعبادى } للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين.<br>ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } للإِيذان بتباين حال الفريقين، واختلاف شأنهما.<br>ومفعول { ينفقوا } محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم.<br>وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله { مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإِسراف والتبذير، عملا بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } وهذا التعبير - أيضا - يشعر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه - ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر، بأن ينفقوا جزءا منها فى وجوه الخير.<br>وقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } منصوبان على الحال أى: مسرين ومعلنين، أو على المصدر أى: إنفاق سر وإنفاق علانية.<br>وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء، ولأنه استر للمتصدق عليه.<br>وقوله - سبحانه - { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإِنفاق فى وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء.<br>ولفظ \"خلال\" مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل بمعنى صديق، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق مما رزقهم - سبحانه -، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة، ذلك اليوم الذى لا تقبل فيه المعاوضات، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذى يقبل وينفع فى هذا اليوم هو العمل الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه.<br>فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات.<br>كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين، من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه - والتى تكون سببا فى رفع الدرجات يوم القيامة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التى تستوجب شكره وطاعته وإخلاص العبادة له والتى تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - تعالى - { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. }.<br>أى: الله - تعالى - وحده هو الذى أوجد السماوات والأرض وما فيهما من أجرام علوية وسفلية بدون مثال سابق.<br>وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما فى ذلك من تربية المهابة، ومن لفت أنظار المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه.<br>وجاء الخبر بصيغة الموصول، لأن الصلة معلومة الثبوت له - سبحانه - والمشركون لا ينازعون فى ذلك، كما قال - تعالى - { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } وقوله { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ.. } بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه.<br>والمراد بالسماء هنا: السحاب، أو جهة العلو.<br>أى: وأنزل - سبحانه - من المزن أو السحاب { ماء } كثيرا هو المطر، { فَأَخْرَجَ بِهِ } أى بذلك الماء { مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ } المتعددة الأنواع والأصناف { رِزْقاً لَّكُمْ } تنتفعون به، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه.<br>ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من نعمه فقال: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ.   وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ }<br>وقوله \"سخر\" من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف فى الشئ والانتفاع به.<br>والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه فى الواحد والجمع، والظاهر أن المراد به هنا الجمع لقوله - سبحانه - \"لتجرى\" بتاء التأنيث.<br>أى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ } - سبحانه - السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم صنعها، وأقدركم على استعمالها { لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ } إلى حيث تريدون \"بأمره\" وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئتكم، إذ لو شاء - سبحانه - لقلبها بكم.<br>{ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } بأن جعلها معدة لانتفاعكم، إذ منها تشربون، ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تريدون.<br>{ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ } أى: دائمين فى إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين فى مدارهما المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا.<br>وأصل الدأب: الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال: دأب فلان على كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه.<br>و { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ } بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم.<br>فالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم.. والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً. وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ.. }<br>أى: وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا تعلمونها كما قال - تعالى - { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } قال الجمل ما ملخصه \"قوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أى: كل نوع أو كل صنف سألتموه أى: شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل.<br>وفى \"من\" قولان: أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى، أى: آتاكم كل ما سألتموه.<br>والثانى أن تكون تبعيضية أى: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، وهو رأى سيبويه..\"<br>وجملة { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } مؤكدة لمضمون ما قبلها.<br>أى: وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم، وخفاء بعضه عليكم.<br>والإِحصاء: ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ.<br>قال ابن كثير: \"يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب -رحمه الله  -: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين\".<br>وفى صحيح البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:  \"لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أى متروك حمده -، ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج إليه الخلق..\" .<br>والمراد بالإِنسان فى قوله { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } نوع معين منه وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - { وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } أى: إن الإِنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى -، ولشديد الجحود والكفران لنعمه - عز وجل.<br>ويرى بعضهم أن المراد بالإِنسان هنا الجنس.<br>قال الشوكانى: قوله - سبحانه : { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: إن الإِنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما فى قوله - تعالى - { وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } \"كفار\" أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها كما ينبغى ويجب عليه\".<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الانفاق فى سبيل الله.<br>ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته، وهذه النعم هى خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وتسخير الفلك فى البحار، وتسخير الأنهار، وتسخير الليل والنهار.<br>ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وهى دعوات تدل على شكره لخالقه، وحسن صلته به، ورجائه فى فضله.. فقال - تعالى -:<br> { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1801",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "29",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "وقوله - سبحانه - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } الخطاب فيه للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب.<br>والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة.<br>وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به: وضع الشئ فى غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر.<br>ونعمة الله التى بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم - أى أهل مكة - بأن جعلهم فى حرم آمن، وجعلهم سدنة بيته.. ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"قوله: { بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } لأن شكرها الذى وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا.<br>وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء والسعة لإِيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر، قد ذهبت النعمة عنهم، وبقى الكفر طوقا فى أعناقهم..\"<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"قال البخارى قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة.<br>ثم قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله - تعالى - \"بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ونعمة للناس؛ فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار..\".<br>وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير - رحمهما الله - هو الذى تطمئن إليه النفس، لأن مشركى مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة.<br>وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات فى أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً، بنو أمية وبنو مخزوم.. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب، ولا سند لها من النقل الصحيح\".<br>وقوله { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } معطوف على { بدلوا } لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم فى الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك.<br>والبوار: الهلاك والخسران، ويطلق أيضا على الكساد. يقال: بار المتاع بوارا، إذا كسد، إذ الكاسد فى حكم الهالك.<br>والمعنى: ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود، وكانوا سببا فى إنزال قومهم دار الهلاك والخسران.<br>وقوله - سبحانه - { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } بيان لدار بوارهم وهلاكهم أى: جهنم يصلون حرها وسعيرها، وبئس القرار قرارهم فيها.<br>فقوله { جَهَنَّمَ } عطف بيان لدار البوار، وقوله { يَصْلَوْنَهَا } فى محل نصب حال من { جَهَنَّمَ } يقال: صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها، وتقول: صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته.<br>والمخصوص بالذم محذوف. أى: بئس القرار هى أى: جهنم.<br>وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار.<br>ثم بين - سبحانه - لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة فقال { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ.. }.<br>والأنداد: جمع ند وهو مثل الشئ الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه.<br>وأصله من ند البعير يند - بكسر النون - ندا - بالفتح - إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.<br>وقوله { ليضلوا } قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله ضلالا.<br>أى: أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود، وإحلال قومهم دار البوار، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله - تعالى - أمثالا ونظراء، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذى هو إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلوا } - بفتح الياء - أى: ليستمروا فى ضلالهم، فإنهم حين جعلهم الأنداد لله - تعالى - كانوا ضالين، وجهلوا ذلك فاستمروا فى ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب.<br>قال صاحب الكشاف: قرئ { ليضلوا } بفتح الياء وضمها. فإن قلت: الضلال لم يكن غرضهم فى اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟<br>قلت: لما كان الضلال والإِضلال نتيجة اتخاذا الأنداد، كما كان الإِكرام فى قولك، جئتك لتكرمنى نتيجة المجئ، دخلته اللام، وإن لم يكن غرضاً، على طريق التشبيه والتقريب.<br>وقوله - سبحانه - { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أمر منه - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يهددهم بهذا المصير الأليم.<br>والتمتع بالشئ: الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة.<br>قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ } بما أنتم فيه من الشهوات، وبما زينته لكم أنفسكم من كفران للنعم { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أى: مرجعكم إليها ليس إلا.<br>ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه. جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار.<br>فجعله { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره.<br>ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل: قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار.<br>والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى فى مخالفة السلطان: \"اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف\".<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  {  { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ }  }.وقوله - تعالى -: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وقوله - تعالى - { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وبعد هذا الأمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بتهديد الكافرين، وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال - تعالى -: { قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ }.<br>قال الجمل: \"قوله { قُل لِّعِبَادِيَ... إلخ } مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه، أى: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا - وقوله: يقيموا وينفقوا مجزومان فى جواب الأمر، أى: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا.. يقيموا وينفقوا.<br>ويجوز أن يكون قوله \"يقيموا وينفقوا\" مجزومين بلام الأمر المقدرة.<br>أى: ليقيموا الصلاة ولينفقوا...\".<br>والمراد بإقامة الصلاة: المواظبة على أدائها فى أوقاتها المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص النية عند أدائها الله - تعالى -.<br>والمراد بالإِنفاق: ما يشمل جميع وجوه الإِنفاق الواجبة والمستحبة.<br>والمراد بقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } ما يتناول عموم الأحوال فى الحرص على بذل المال فى وجوهه المشروعة.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المخلصين، الذين آمنوا إيمانا حقا، قل لهم: ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإِنفاق مما رزقناهم فى جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب الدين وتعاليمه تقتضى ذلك، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة فى ذلك.<br>والإِضافة فى قوله { لعبادى } للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين.<br>ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } للإِيذان بتباين حال الفريقين، واختلاف شأنهما.<br>ومفعول { ينفقوا } محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم.<br>وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله { مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإِسراف والتبذير، عملا بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } وهذا التعبير - أيضا - يشعر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه - ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر، بأن ينفقوا جزءا منها فى وجوه الخير.<br>وقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } منصوبان على الحال أى: مسرين ومعلنين، أو على المصدر أى: إنفاق سر وإنفاق علانية.<br>وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء، ولأنه استر للمتصدق عليه.<br>وقوله - سبحانه - { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإِنفاق فى وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء.<br>ولفظ \"خلال\" مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل بمعنى صديق، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق مما رزقهم - سبحانه -، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة، ذلك اليوم الذى لا تقبل فيه المعاوضات، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذى يقبل وينفع فى هذا اليوم هو العمل الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه.<br>فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات.<br>كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين، من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه - والتى تكون سببا فى رفع الدرجات يوم القيامة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التى تستوجب شكره وطاعته وإخلاص العبادة له والتى تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - تعالى - { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. }.<br>أى: الله - تعالى - وحده هو الذى أوجد السماوات والأرض وما فيهما من أجرام علوية وسفلية بدون مثال سابق.<br>وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما فى ذلك من تربية المهابة، ومن لفت أنظار المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه.<br>وجاء الخبر بصيغة الموصول، لأن الصلة معلومة الثبوت له - سبحانه - والمشركون لا ينازعون فى ذلك، كما قال - تعالى - { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } وقوله { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ.. } بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه.<br>والمراد بالسماء هنا: السحاب، أو جهة العلو.<br>أى: وأنزل - سبحانه - من المزن أو السحاب { ماء } كثيرا هو المطر، { فَأَخْرَجَ بِهِ } أى بذلك الماء { مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ } المتعددة الأنواع والأصناف { رِزْقاً لَّكُمْ } تنتفعون به، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه.<br>ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من نعمه فقال: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ.   وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ }<br>وقوله \"سخر\" من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف فى الشئ والانتفاع به.<br>والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه فى الواحد والجمع، والظاهر أن المراد به هنا الجمع لقوله - سبحانه - \"لتجرى\" بتاء التأنيث.<br>أى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ } - سبحانه - السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم صنعها، وأقدركم على استعمالها { لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ } إلى حيث تريدون \"بأمره\" وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئتكم، إذ لو شاء - سبحانه - لقلبها بكم.<br>{ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } بأن جعلها معدة لانتفاعكم، إذ منها تشربون، ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تريدون.<br>{ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ } أى: دائمين فى إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين فى مدارهما المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا.<br>وأصل الدأب: الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال: دأب فلان على كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه.<br>و { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ } بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم.<br>فالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم.. والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً. وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ.. }<br>أى: وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا تعلمونها كما قال - تعالى - { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } قال الجمل ما ملخصه \"قوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أى: كل نوع أو كل صنف سألتموه أى: شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل.<br>وفى \"من\" قولان: أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى، أى: آتاكم كل ما سألتموه.<br>والثانى أن تكون تبعيضية أى: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، وهو رأى سيبويه..\"<br>وجملة { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } مؤكدة لمضمون ما قبلها.<br>أى: وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم، وخفاء بعضه عليكم.<br>والإِحصاء: ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ.<br>قال ابن كثير: \"يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب -رحمه الله  -: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين\".<br>وفى صحيح البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:  \"لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أى متروك حمده -، ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج إليه الخلق..\" .<br>والمراد بالإِنسان فى قوله { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } نوع معين منه وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - { وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } أى: إن الإِنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى -، ولشديد الجحود والكفران لنعمه - عز وجل.<br>ويرى بعضهم أن المراد بالإِنسان هنا الجنس.<br>قال الشوكانى: قوله - سبحانه : { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: إن الإِنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما فى قوله - تعالى - { وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } \"كفار\" أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها كما ينبغى ويجب عليه\".<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الانفاق فى سبيل الله.<br>ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته، وهذه النعم هى خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وتسخير الفلك فى البحار، وتسخير الأنهار، وتسخير الليل والنهار.<br>ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وهى دعوات تدل على شكره لخالقه، وحسن صلته به، ورجائه فى فضله.. فقال - تعالى -:<br> { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1802",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "30",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "وقوله - سبحانه - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } الخطاب فيه للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب.<br>والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة.<br>وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به: وضع الشئ فى غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر.<br>ونعمة الله التى بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم - أى أهل مكة - بأن جعلهم فى حرم آمن، وجعلهم سدنة بيته.. ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"قوله: { بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } لأن شكرها الذى وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا.<br>وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء والسعة لإِيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر، قد ذهبت النعمة عنهم، وبقى الكفر طوقا فى أعناقهم..\"<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"قال البخارى قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة.<br>ثم قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله - تعالى - \"بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ونعمة للناس؛ فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار..\".<br>وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير - رحمهما الله - هو الذى تطمئن إليه النفس، لأن مشركى مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة.<br>وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات فى أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً، بنو أمية وبنو مخزوم.. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب، ولا سند لها من النقل الصحيح\".<br>وقوله { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } معطوف على { بدلوا } لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم فى الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك.<br>والبوار: الهلاك والخسران، ويطلق أيضا على الكساد. يقال: بار المتاع بوارا، إذا كسد، إذ الكاسد فى حكم الهالك.<br>والمعنى: ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود، وكانوا سببا فى إنزال قومهم دار الهلاك والخسران.<br>وقوله - سبحانه - { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } بيان لدار بوارهم وهلاكهم أى: جهنم يصلون حرها وسعيرها، وبئس القرار قرارهم فيها.<br>فقوله { جَهَنَّمَ } عطف بيان لدار البوار، وقوله { يَصْلَوْنَهَا } فى محل نصب حال من { جَهَنَّمَ } يقال: صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها، وتقول: صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته.<br>والمخصوص بالذم محذوف. أى: بئس القرار هى أى: جهنم.<br>وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار.<br>ثم بين - سبحانه - لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة فقال { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ.. }.<br>والأنداد: جمع ند وهو مثل الشئ الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه.<br>وأصله من ند البعير يند - بكسر النون - ندا - بالفتح - إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.<br>وقوله { ليضلوا } قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله ضلالا.<br>أى: أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود، وإحلال قومهم دار البوار، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله - تعالى - أمثالا ونظراء، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذى هو إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلوا } - بفتح الياء - أى: ليستمروا فى ضلالهم، فإنهم حين جعلهم الأنداد لله - تعالى - كانوا ضالين، وجهلوا ذلك فاستمروا فى ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب.<br>قال صاحب الكشاف: قرئ { ليضلوا } بفتح الياء وضمها. فإن قلت: الضلال لم يكن غرضهم فى اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟<br>قلت: لما كان الضلال والإِضلال نتيجة اتخاذا الأنداد، كما كان الإِكرام فى قولك، جئتك لتكرمنى نتيجة المجئ، دخلته اللام، وإن لم يكن غرضاً، على طريق التشبيه والتقريب.<br>وقوله - سبحانه - { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أمر منه - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يهددهم بهذا المصير الأليم.<br>والتمتع بالشئ: الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة.<br>قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ } بما أنتم فيه من الشهوات، وبما زينته لكم أنفسكم من كفران للنعم { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أى: مرجعكم إليها ليس إلا.<br>ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه. جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار.<br>فجعله { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره.<br>ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل: قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار.<br>والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى فى مخالفة السلطان: \"اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف\".<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  {  { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ }  }.وقوله - تعالى -: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وقوله - تعالى - { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وبعد هذا الأمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بتهديد الكافرين، وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال - تعالى -: { قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ }.<br>قال الجمل: \"قوله { قُل لِّعِبَادِيَ... إلخ } مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه، أى: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا - وقوله: يقيموا وينفقوا مجزومان فى جواب الأمر، أى: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا.. يقيموا وينفقوا.<br>ويجوز أن يكون قوله \"يقيموا وينفقوا\" مجزومين بلام الأمر المقدرة.<br>أى: ليقيموا الصلاة ولينفقوا...\".<br>والمراد بإقامة الصلاة: المواظبة على أدائها فى أوقاتها المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص النية عند أدائها الله - تعالى -.<br>والمراد بالإِنفاق: ما يشمل جميع وجوه الإِنفاق الواجبة والمستحبة.<br>والمراد بقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } ما يتناول عموم الأحوال فى الحرص على بذل المال فى وجوهه المشروعة.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المخلصين، الذين آمنوا إيمانا حقا، قل لهم: ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإِنفاق مما رزقناهم فى جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب الدين وتعاليمه تقتضى ذلك، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة فى ذلك.<br>والإِضافة فى قوله { لعبادى } للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين.<br>ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } للإِيذان بتباين حال الفريقين، واختلاف شأنهما.<br>ومفعول { ينفقوا } محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم.<br>وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله { مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإِسراف والتبذير، عملا بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } وهذا التعبير - أيضا - يشعر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه - ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر، بأن ينفقوا جزءا منها فى وجوه الخير.<br>وقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } منصوبان على الحال أى: مسرين ومعلنين، أو على المصدر أى: إنفاق سر وإنفاق علانية.<br>وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء، ولأنه استر للمتصدق عليه.<br>وقوله - سبحانه - { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإِنفاق فى وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء.<br>ولفظ \"خلال\" مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل بمعنى صديق، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق مما رزقهم - سبحانه -، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة، ذلك اليوم الذى لا تقبل فيه المعاوضات، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذى يقبل وينفع فى هذا اليوم هو العمل الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه.<br>فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات.<br>كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين، من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه - والتى تكون سببا فى رفع الدرجات يوم القيامة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التى تستوجب شكره وطاعته وإخلاص العبادة له والتى تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - تعالى - { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. }.<br>أى: الله - تعالى - وحده هو الذى أوجد السماوات والأرض وما فيهما من أجرام علوية وسفلية بدون مثال سابق.<br>وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما فى ذلك من تربية المهابة، ومن لفت أنظار المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه.<br>وجاء الخبر بصيغة الموصول، لأن الصلة معلومة الثبوت له - سبحانه - والمشركون لا ينازعون فى ذلك، كما قال - تعالى - { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } وقوله { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ.. } بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه.<br>والمراد بالسماء هنا: السحاب، أو جهة العلو.<br>أى: وأنزل - سبحانه - من المزن أو السحاب { ماء } كثيرا هو المطر، { فَأَخْرَجَ بِهِ } أى بذلك الماء { مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ } المتعددة الأنواع والأصناف { رِزْقاً لَّكُمْ } تنتفعون به، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه.<br>ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من نعمه فقال: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ.   وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ }<br>وقوله \"سخر\" من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف فى الشئ والانتفاع به.<br>والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه فى الواحد والجمع، والظاهر أن المراد به هنا الجمع لقوله - سبحانه - \"لتجرى\" بتاء التأنيث.<br>أى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ } - سبحانه - السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم صنعها، وأقدركم على استعمالها { لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ } إلى حيث تريدون \"بأمره\" وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئتكم، إذ لو شاء - سبحانه - لقلبها بكم.<br>{ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } بأن جعلها معدة لانتفاعكم، إذ منها تشربون، ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تريدون.<br>{ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ } أى: دائمين فى إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين فى مدارهما المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا.<br>وأصل الدأب: الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال: دأب فلان على كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه.<br>و { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ } بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم.<br>فالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم.. والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً. وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ.. }<br>أى: وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا تعلمونها كما قال - تعالى - { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } قال الجمل ما ملخصه \"قوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أى: كل نوع أو كل صنف سألتموه أى: شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل.<br>وفى \"من\" قولان: أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى، أى: آتاكم كل ما سألتموه.<br>والثانى أن تكون تبعيضية أى: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، وهو رأى سيبويه..\"<br>وجملة { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } مؤكدة لمضمون ما قبلها.<br>أى: وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم، وخفاء بعضه عليكم.<br>والإِحصاء: ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ.<br>قال ابن كثير: \"يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب -رحمه الله  -: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين\".<br>وفى صحيح البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:  \"لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أى متروك حمده -، ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج إليه الخلق..\" .<br>والمراد بالإِنسان فى قوله { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } نوع معين منه وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - { وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } أى: إن الإِنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى -، ولشديد الجحود والكفران لنعمه - عز وجل.<br>ويرى بعضهم أن المراد بالإِنسان هنا الجنس.<br>قال الشوكانى: قوله - سبحانه : { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: إن الإِنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما فى قوله - تعالى - { وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } \"كفار\" أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها كما ينبغى ويجب عليه\".<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الانفاق فى سبيل الله.<br>ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته، وهذه النعم هى خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وتسخير الفلك فى البحار، وتسخير الأنهار، وتسخير الليل والنهار.<br>ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وهى دعوات تدل على شكره لخالقه، وحسن صلته به، ورجائه فى فضله.. فقال - تعالى -:<br> { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1804",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "31",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "وقوله - سبحانه - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } الخطاب فيه للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب.<br>والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة.<br>وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به: وضع الشئ فى غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر.<br>ونعمة الله التى بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم - أى أهل مكة - بأن جعلهم فى حرم آمن، وجعلهم سدنة بيته.. ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"قوله: { بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } لأن شكرها الذى وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا.<br>وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء والسعة لإِيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر، قد ذهبت النعمة عنهم، وبقى الكفر طوقا فى أعناقهم..\"<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"قال البخارى قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة.<br>ثم قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله - تعالى - \"بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ونعمة للناس؛ فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار..\".<br>وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير - رحمهما الله - هو الذى تطمئن إليه النفس، لأن مشركى مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة.<br>وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات فى أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً، بنو أمية وبنو مخزوم.. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب، ولا سند لها من النقل الصحيح\".<br>وقوله { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } معطوف على { بدلوا } لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم فى الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك.<br>والبوار: الهلاك والخسران، ويطلق أيضا على الكساد. يقال: بار المتاع بوارا، إذا كسد، إذ الكاسد فى حكم الهالك.<br>والمعنى: ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود، وكانوا سببا فى إنزال قومهم دار الهلاك والخسران.<br>وقوله - سبحانه - { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } بيان لدار بوارهم وهلاكهم أى: جهنم يصلون حرها وسعيرها، وبئس القرار قرارهم فيها.<br>فقوله { جَهَنَّمَ } عطف بيان لدار البوار، وقوله { يَصْلَوْنَهَا } فى محل نصب حال من { جَهَنَّمَ } يقال: صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها، وتقول: صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته.<br>والمخصوص بالذم محذوف. أى: بئس القرار هى أى: جهنم.<br>وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار.<br>ثم بين - سبحانه - لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة فقال { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ.. }.<br>والأنداد: جمع ند وهو مثل الشئ الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه.<br>وأصله من ند البعير يند - بكسر النون - ندا - بالفتح - إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.<br>وقوله { ليضلوا } قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله ضلالا.<br>أى: أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود، وإحلال قومهم دار البوار، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله - تعالى - أمثالا ونظراء، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذى هو إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلوا } - بفتح الياء - أى: ليستمروا فى ضلالهم، فإنهم حين جعلهم الأنداد لله - تعالى - كانوا ضالين، وجهلوا ذلك فاستمروا فى ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب.<br>قال صاحب الكشاف: قرئ { ليضلوا } بفتح الياء وضمها. فإن قلت: الضلال لم يكن غرضهم فى اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟<br>قلت: لما كان الضلال والإِضلال نتيجة اتخاذا الأنداد، كما كان الإِكرام فى قولك، جئتك لتكرمنى نتيجة المجئ، دخلته اللام، وإن لم يكن غرضاً، على طريق التشبيه والتقريب.<br>وقوله - سبحانه - { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أمر منه - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يهددهم بهذا المصير الأليم.<br>والتمتع بالشئ: الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة.<br>قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ } بما أنتم فيه من الشهوات، وبما زينته لكم أنفسكم من كفران للنعم { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أى: مرجعكم إليها ليس إلا.<br>ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه. جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار.<br>فجعله { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره.<br>ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل: قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار.<br>والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى فى مخالفة السلطان: \"اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف\".<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  {  { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ }  }.وقوله - تعالى -: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وقوله - تعالى - { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وبعد هذا الأمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بتهديد الكافرين، وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال - تعالى -: { قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ }.<br>قال الجمل: \"قوله { قُل لِّعِبَادِيَ... إلخ } مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه، أى: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا - وقوله: يقيموا وينفقوا مجزومان فى جواب الأمر، أى: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا.. يقيموا وينفقوا.<br>ويجوز أن يكون قوله \"يقيموا وينفقوا\" مجزومين بلام الأمر المقدرة.<br>أى: ليقيموا الصلاة ولينفقوا...\".<br>والمراد بإقامة الصلاة: المواظبة على أدائها فى أوقاتها المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص النية عند أدائها الله - تعالى -.<br>والمراد بالإِنفاق: ما يشمل جميع وجوه الإِنفاق الواجبة والمستحبة.<br>والمراد بقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } ما يتناول عموم الأحوال فى الحرص على بذل المال فى وجوهه المشروعة.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المخلصين، الذين آمنوا إيمانا حقا، قل لهم: ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإِنفاق مما رزقناهم فى جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب الدين وتعاليمه تقتضى ذلك، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة فى ذلك.<br>والإِضافة فى قوله { لعبادى } للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين.<br>ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } للإِيذان بتباين حال الفريقين، واختلاف شأنهما.<br>ومفعول { ينفقوا } محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم.<br>وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله { مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإِسراف والتبذير، عملا بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } وهذا التعبير - أيضا - يشعر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه - ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر، بأن ينفقوا جزءا منها فى وجوه الخير.<br>وقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } منصوبان على الحال أى: مسرين ومعلنين، أو على المصدر أى: إنفاق سر وإنفاق علانية.<br>وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء، ولأنه استر للمتصدق عليه.<br>وقوله - سبحانه - { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإِنفاق فى وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء.<br>ولفظ \"خلال\" مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل بمعنى صديق، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق مما رزقهم - سبحانه -، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة، ذلك اليوم الذى لا تقبل فيه المعاوضات، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذى يقبل وينفع فى هذا اليوم هو العمل الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه.<br>فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات.<br>كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين، من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه - والتى تكون سببا فى رفع الدرجات يوم القيامة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التى تستوجب شكره وطاعته وإخلاص العبادة له والتى تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - تعالى - { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. }.<br>أى: الله - تعالى - وحده هو الذى أوجد السماوات والأرض وما فيهما من أجرام علوية وسفلية بدون مثال سابق.<br>وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما فى ذلك من تربية المهابة، ومن لفت أنظار المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه.<br>وجاء الخبر بصيغة الموصول، لأن الصلة معلومة الثبوت له - سبحانه - والمشركون لا ينازعون فى ذلك، كما قال - تعالى - { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } وقوله { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ.. } بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه.<br>والمراد بالسماء هنا: السحاب، أو جهة العلو.<br>أى: وأنزل - سبحانه - من المزن أو السحاب { ماء } كثيرا هو المطر، { فَأَخْرَجَ بِهِ } أى بذلك الماء { مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ } المتعددة الأنواع والأصناف { رِزْقاً لَّكُمْ } تنتفعون به، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه.<br>ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من نعمه فقال: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ.   وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ }<br>وقوله \"سخر\" من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف فى الشئ والانتفاع به.<br>والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه فى الواحد والجمع، والظاهر أن المراد به هنا الجمع لقوله - سبحانه - \"لتجرى\" بتاء التأنيث.<br>أى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ } - سبحانه - السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم صنعها، وأقدركم على استعمالها { لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ } إلى حيث تريدون \"بأمره\" وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئتكم، إذ لو شاء - سبحانه - لقلبها بكم.<br>{ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } بأن جعلها معدة لانتفاعكم، إذ منها تشربون، ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تريدون.<br>{ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ } أى: دائمين فى إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين فى مدارهما المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا.<br>وأصل الدأب: الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال: دأب فلان على كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه.<br>و { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ } بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم.<br>فالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم.. والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً. وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ.. }<br>أى: وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا تعلمونها كما قال - تعالى - { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } قال الجمل ما ملخصه \"قوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أى: كل نوع أو كل صنف سألتموه أى: شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل.<br>وفى \"من\" قولان: أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى، أى: آتاكم كل ما سألتموه.<br>والثانى أن تكون تبعيضية أى: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، وهو رأى سيبويه..\"<br>وجملة { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } مؤكدة لمضمون ما قبلها.<br>أى: وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم، وخفاء بعضه عليكم.<br>والإِحصاء: ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ.<br>قال ابن كثير: \"يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب -رحمه الله  -: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين\".<br>وفى صحيح البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:  \"لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أى متروك حمده -، ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج إليه الخلق..\" .<br>والمراد بالإِنسان فى قوله { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } نوع معين منه وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - { وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } أى: إن الإِنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى -، ولشديد الجحود والكفران لنعمه - عز وجل.<br>ويرى بعضهم أن المراد بالإِنسان هنا الجنس.<br>قال الشوكانى: قوله - سبحانه : { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: إن الإِنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما فى قوله - تعالى - { وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } \"كفار\" أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها كما ينبغى ويجب عليه\".<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الانفاق فى سبيل الله.<br>ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته، وهذه النعم هى خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وتسخير الفلك فى البحار، وتسخير الأنهار، وتسخير الليل والنهار.<br>ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وهى دعوات تدل على شكره لخالقه، وحسن صلته به، ورجائه فى فضله.. فقال - تعالى -:<br> { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1805",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "32",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "وقوله - سبحانه - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } الخطاب فيه للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب.<br>والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة.<br>وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به: وضع الشئ فى غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر.<br>ونعمة الله التى بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم - أى أهل مكة - بأن جعلهم فى حرم آمن، وجعلهم سدنة بيته.. ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"قوله: { بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } لأن شكرها الذى وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا.<br>وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء والسعة لإِيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر، قد ذهبت النعمة عنهم، وبقى الكفر طوقا فى أعناقهم..\"<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"قال البخارى قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة.<br>ثم قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله - تعالى - \"بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ونعمة للناس؛ فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار..\".<br>وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير - رحمهما الله - هو الذى تطمئن إليه النفس، لأن مشركى مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة.<br>وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات فى أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً، بنو أمية وبنو مخزوم.. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب، ولا سند لها من النقل الصحيح\".<br>وقوله { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } معطوف على { بدلوا } لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم فى الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك.<br>والبوار: الهلاك والخسران، ويطلق أيضا على الكساد. يقال: بار المتاع بوارا، إذا كسد، إذ الكاسد فى حكم الهالك.<br>والمعنى: ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود، وكانوا سببا فى إنزال قومهم دار الهلاك والخسران.<br>وقوله - سبحانه - { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } بيان لدار بوارهم وهلاكهم أى: جهنم يصلون حرها وسعيرها، وبئس القرار قرارهم فيها.<br>فقوله { جَهَنَّمَ } عطف بيان لدار البوار، وقوله { يَصْلَوْنَهَا } فى محل نصب حال من { جَهَنَّمَ } يقال: صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها، وتقول: صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته.<br>والمخصوص بالذم محذوف. أى: بئس القرار هى أى: جهنم.<br>وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار.<br>ثم بين - سبحانه - لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة فقال { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ.. }.<br>والأنداد: جمع ند وهو مثل الشئ الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه.<br>وأصله من ند البعير يند - بكسر النون - ندا - بالفتح - إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.<br>وقوله { ليضلوا } قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله ضلالا.<br>أى: أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود، وإحلال قومهم دار البوار، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله - تعالى - أمثالا ونظراء، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذى هو إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلوا } - بفتح الياء - أى: ليستمروا فى ضلالهم، فإنهم حين جعلهم الأنداد لله - تعالى - كانوا ضالين، وجهلوا ذلك فاستمروا فى ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب.<br>قال صاحب الكشاف: قرئ { ليضلوا } بفتح الياء وضمها. فإن قلت: الضلال لم يكن غرضهم فى اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟<br>قلت: لما كان الضلال والإِضلال نتيجة اتخاذا الأنداد، كما كان الإِكرام فى قولك، جئتك لتكرمنى نتيجة المجئ، دخلته اللام، وإن لم يكن غرضاً، على طريق التشبيه والتقريب.<br>وقوله - سبحانه - { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أمر منه - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يهددهم بهذا المصير الأليم.<br>والتمتع بالشئ: الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة.<br>قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ } بما أنتم فيه من الشهوات، وبما زينته لكم أنفسكم من كفران للنعم { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أى: مرجعكم إليها ليس إلا.<br>ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه. جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار.<br>فجعله { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره.<br>ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل: قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار.<br>والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى فى مخالفة السلطان: \"اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف\".<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  {  { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ }  }.وقوله - تعالى -: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وقوله - تعالى - { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وبعد هذا الأمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بتهديد الكافرين، وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال - تعالى -: { قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ }.<br>قال الجمل: \"قوله { قُل لِّعِبَادِيَ... إلخ } مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه، أى: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا - وقوله: يقيموا وينفقوا مجزومان فى جواب الأمر، أى: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا.. يقيموا وينفقوا.<br>ويجوز أن يكون قوله \"يقيموا وينفقوا\" مجزومين بلام الأمر المقدرة.<br>أى: ليقيموا الصلاة ولينفقوا...\".<br>والمراد بإقامة الصلاة: المواظبة على أدائها فى أوقاتها المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص النية عند أدائها الله - تعالى -.<br>والمراد بالإِنفاق: ما يشمل جميع وجوه الإِنفاق الواجبة والمستحبة.<br>والمراد بقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } ما يتناول عموم الأحوال فى الحرص على بذل المال فى وجوهه المشروعة.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المخلصين، الذين آمنوا إيمانا حقا، قل لهم: ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإِنفاق مما رزقناهم فى جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب الدين وتعاليمه تقتضى ذلك، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة فى ذلك.<br>والإِضافة فى قوله { لعبادى } للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين.<br>ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } للإِيذان بتباين حال الفريقين، واختلاف شأنهما.<br>ومفعول { ينفقوا } محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم.<br>وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله { مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإِسراف والتبذير، عملا بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } وهذا التعبير - أيضا - يشعر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه - ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر، بأن ينفقوا جزءا منها فى وجوه الخير.<br>وقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } منصوبان على الحال أى: مسرين ومعلنين، أو على المصدر أى: إنفاق سر وإنفاق علانية.<br>وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء، ولأنه استر للمتصدق عليه.<br>وقوله - سبحانه - { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإِنفاق فى وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء.<br>ولفظ \"خلال\" مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل بمعنى صديق، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق مما رزقهم - سبحانه -، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة، ذلك اليوم الذى لا تقبل فيه المعاوضات، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذى يقبل وينفع فى هذا اليوم هو العمل الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه.<br>فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات.<br>كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين، من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه - والتى تكون سببا فى رفع الدرجات يوم القيامة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التى تستوجب شكره وطاعته وإخلاص العبادة له والتى تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - تعالى - { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. }.<br>أى: الله - تعالى - وحده هو الذى أوجد السماوات والأرض وما فيهما من أجرام علوية وسفلية بدون مثال سابق.<br>وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما فى ذلك من تربية المهابة، ومن لفت أنظار المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه.<br>وجاء الخبر بصيغة الموصول، لأن الصلة معلومة الثبوت له - سبحانه - والمشركون لا ينازعون فى ذلك، كما قال - تعالى - { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } وقوله { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ.. } بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه.<br>والمراد بالسماء هنا: السحاب، أو جهة العلو.<br>أى: وأنزل - سبحانه - من المزن أو السحاب { ماء } كثيرا هو المطر، { فَأَخْرَجَ بِهِ } أى بذلك الماء { مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ } المتعددة الأنواع والأصناف { رِزْقاً لَّكُمْ } تنتفعون به، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه.<br>ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من نعمه فقال: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ.   وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ }<br>وقوله \"سخر\" من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف فى الشئ والانتفاع به.<br>والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه فى الواحد والجمع، والظاهر أن المراد به هنا الجمع لقوله - سبحانه - \"لتجرى\" بتاء التأنيث.<br>أى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ } - سبحانه - السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم صنعها، وأقدركم على استعمالها { لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ } إلى حيث تريدون \"بأمره\" وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئتكم، إذ لو شاء - سبحانه - لقلبها بكم.<br>{ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } بأن جعلها معدة لانتفاعكم، إذ منها تشربون، ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تريدون.<br>{ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ } أى: دائمين فى إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين فى مدارهما المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا.<br>وأصل الدأب: الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال: دأب فلان على كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه.<br>و { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ } بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم.<br>فالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم.. والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً. وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ.. }<br>أى: وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا تعلمونها كما قال - تعالى - { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } قال الجمل ما ملخصه \"قوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أى: كل نوع أو كل صنف سألتموه أى: شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل.<br>وفى \"من\" قولان: أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى، أى: آتاكم كل ما سألتموه.<br>والثانى أن تكون تبعيضية أى: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، وهو رأى سيبويه..\"<br>وجملة { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } مؤكدة لمضمون ما قبلها.<br>أى: وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم، وخفاء بعضه عليكم.<br>والإِحصاء: ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ.<br>قال ابن كثير: \"يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب -رحمه الله  -: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين\".<br>وفى صحيح البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:  \"لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أى متروك حمده -، ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج إليه الخلق..\" .<br>والمراد بالإِنسان فى قوله { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } نوع معين منه وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - { وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } أى: إن الإِنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى -، ولشديد الجحود والكفران لنعمه - عز وجل.<br>ويرى بعضهم أن المراد بالإِنسان هنا الجنس.<br>قال الشوكانى: قوله - سبحانه : { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: إن الإِنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما فى قوله - تعالى - { وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } \"كفار\" أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها كما ينبغى ويجب عليه\".<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الانفاق فى سبيل الله.<br>ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته، وهذه النعم هى خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وتسخير الفلك فى البحار، وتسخير الأنهار، وتسخير الليل والنهار.<br>ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وهى دعوات تدل على شكره لخالقه، وحسن صلته به، ورجائه فى فضله.. فقال - تعالى -:<br> { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1806",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "33",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "وقوله - سبحانه - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } الخطاب فيه للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب.<br>والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة.<br>وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به: وضع الشئ فى غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر.<br>ونعمة الله التى بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم - أى أهل مكة - بأن جعلهم فى حرم آمن، وجعلهم سدنة بيته.. ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"قوله: { بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } لأن شكرها الذى وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا.<br>وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء والسعة لإِيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر، قد ذهبت النعمة عنهم، وبقى الكفر طوقا فى أعناقهم..\"<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"قال البخارى قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة.<br>ثم قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله - تعالى - \"بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ونعمة للناس؛ فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار..\".<br>وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير - رحمهما الله - هو الذى تطمئن إليه النفس، لأن مشركى مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة.<br>وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات فى أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً، بنو أمية وبنو مخزوم.. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب، ولا سند لها من النقل الصحيح\".<br>وقوله { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } معطوف على { بدلوا } لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم فى الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك.<br>والبوار: الهلاك والخسران، ويطلق أيضا على الكساد. يقال: بار المتاع بوارا، إذا كسد، إذ الكاسد فى حكم الهالك.<br>والمعنى: ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود، وكانوا سببا فى إنزال قومهم دار الهلاك والخسران.<br>وقوله - سبحانه - { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } بيان لدار بوارهم وهلاكهم أى: جهنم يصلون حرها وسعيرها، وبئس القرار قرارهم فيها.<br>فقوله { جَهَنَّمَ } عطف بيان لدار البوار، وقوله { يَصْلَوْنَهَا } فى محل نصب حال من { جَهَنَّمَ } يقال: صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها، وتقول: صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته.<br>والمخصوص بالذم محذوف. أى: بئس القرار هى أى: جهنم.<br>وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار.<br>ثم بين - سبحانه - لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة فقال { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ.. }.<br>والأنداد: جمع ند وهو مثل الشئ الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه.<br>وأصله من ند البعير يند - بكسر النون - ندا - بالفتح - إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.<br>وقوله { ليضلوا } قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله ضلالا.<br>أى: أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود، وإحلال قومهم دار البوار، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله - تعالى - أمثالا ونظراء، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذى هو إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلوا } - بفتح الياء - أى: ليستمروا فى ضلالهم، فإنهم حين جعلهم الأنداد لله - تعالى - كانوا ضالين، وجهلوا ذلك فاستمروا فى ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب.<br>قال صاحب الكشاف: قرئ { ليضلوا } بفتح الياء وضمها. فإن قلت: الضلال لم يكن غرضهم فى اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟<br>قلت: لما كان الضلال والإِضلال نتيجة اتخاذا الأنداد، كما كان الإِكرام فى قولك، جئتك لتكرمنى نتيجة المجئ، دخلته اللام، وإن لم يكن غرضاً، على طريق التشبيه والتقريب.<br>وقوله - سبحانه - { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أمر منه - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يهددهم بهذا المصير الأليم.<br>والتمتع بالشئ: الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة.<br>قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ } بما أنتم فيه من الشهوات، وبما زينته لكم أنفسكم من كفران للنعم { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أى: مرجعكم إليها ليس إلا.<br>ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه. جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار.<br>فجعله { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره.<br>ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل: قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار.<br>والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى فى مخالفة السلطان: \"اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف\".<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  {  { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ }  }.وقوله - تعالى -: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وقوله - تعالى - { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وبعد هذا الأمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بتهديد الكافرين، وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال - تعالى -: { قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ }.<br>قال الجمل: \"قوله { قُل لِّعِبَادِيَ... إلخ } مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه، أى: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا - وقوله: يقيموا وينفقوا مجزومان فى جواب الأمر، أى: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا.. يقيموا وينفقوا.<br>ويجوز أن يكون قوله \"يقيموا وينفقوا\" مجزومين بلام الأمر المقدرة.<br>أى: ليقيموا الصلاة ولينفقوا...\".<br>والمراد بإقامة الصلاة: المواظبة على أدائها فى أوقاتها المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص النية عند أدائها الله - تعالى -.<br>والمراد بالإِنفاق: ما يشمل جميع وجوه الإِنفاق الواجبة والمستحبة.<br>والمراد بقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } ما يتناول عموم الأحوال فى الحرص على بذل المال فى وجوهه المشروعة.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المخلصين، الذين آمنوا إيمانا حقا، قل لهم: ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإِنفاق مما رزقناهم فى جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب الدين وتعاليمه تقتضى ذلك، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة فى ذلك.<br>والإِضافة فى قوله { لعبادى } للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين.<br>ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } للإِيذان بتباين حال الفريقين، واختلاف شأنهما.<br>ومفعول { ينفقوا } محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم.<br>وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله { مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإِسراف والتبذير، عملا بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } وهذا التعبير - أيضا - يشعر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه - ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر، بأن ينفقوا جزءا منها فى وجوه الخير.<br>وقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } منصوبان على الحال أى: مسرين ومعلنين، أو على المصدر أى: إنفاق سر وإنفاق علانية.<br>وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء، ولأنه استر للمتصدق عليه.<br>وقوله - سبحانه - { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإِنفاق فى وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء.<br>ولفظ \"خلال\" مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل بمعنى صديق، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق مما رزقهم - سبحانه -، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة، ذلك اليوم الذى لا تقبل فيه المعاوضات، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذى يقبل وينفع فى هذا اليوم هو العمل الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه.<br>فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات.<br>كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين، من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه - والتى تكون سببا فى رفع الدرجات يوم القيامة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التى تستوجب شكره وطاعته وإخلاص العبادة له والتى تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - تعالى - { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. }.<br>أى: الله - تعالى - وحده هو الذى أوجد السماوات والأرض وما فيهما من أجرام علوية وسفلية بدون مثال سابق.<br>وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما فى ذلك من تربية المهابة، ومن لفت أنظار المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه.<br>وجاء الخبر بصيغة الموصول، لأن الصلة معلومة الثبوت له - سبحانه - والمشركون لا ينازعون فى ذلك، كما قال - تعالى - { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } وقوله { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ.. } بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه.<br>والمراد بالسماء هنا: السحاب، أو جهة العلو.<br>أى: وأنزل - سبحانه - من المزن أو السحاب { ماء } كثيرا هو المطر، { فَأَخْرَجَ بِهِ } أى بذلك الماء { مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ } المتعددة الأنواع والأصناف { رِزْقاً لَّكُمْ } تنتفعون به، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه.<br>ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من نعمه فقال: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ.   وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ }<br>وقوله \"سخر\" من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف فى الشئ والانتفاع به.<br>والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه فى الواحد والجمع، والظاهر أن المراد به هنا الجمع لقوله - سبحانه - \"لتجرى\" بتاء التأنيث.<br>أى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ } - سبحانه - السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم صنعها، وأقدركم على استعمالها { لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ } إلى حيث تريدون \"بأمره\" وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئتكم، إذ لو شاء - سبحانه - لقلبها بكم.<br>{ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } بأن جعلها معدة لانتفاعكم، إذ منها تشربون، ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تريدون.<br>{ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ } أى: دائمين فى إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين فى مدارهما المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا.<br>وأصل الدأب: الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال: دأب فلان على كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه.<br>و { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ } بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم.<br>فالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم.. والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً. وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ.. }<br>أى: وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا تعلمونها كما قال - تعالى - { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } قال الجمل ما ملخصه \"قوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أى: كل نوع أو كل صنف سألتموه أى: شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل.<br>وفى \"من\" قولان: أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى، أى: آتاكم كل ما سألتموه.<br>والثانى أن تكون تبعيضية أى: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، وهو رأى سيبويه..\"<br>وجملة { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } مؤكدة لمضمون ما قبلها.<br>أى: وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم، وخفاء بعضه عليكم.<br>والإِحصاء: ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ.<br>قال ابن كثير: \"يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب -رحمه الله  -: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين\".<br>وفى صحيح البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:  \"لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أى متروك حمده -، ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج إليه الخلق..\" .<br>والمراد بالإِنسان فى قوله { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } نوع معين منه وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - { وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } أى: إن الإِنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى -، ولشديد الجحود والكفران لنعمه - عز وجل.<br>ويرى بعضهم أن المراد بالإِنسان هنا الجنس.<br>قال الشوكانى: قوله - سبحانه : { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: إن الإِنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما فى قوله - تعالى - { وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } \"كفار\" أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها كما ينبغى ويجب عليه\".<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الانفاق فى سبيل الله.<br>ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته، وهذه النعم هى خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وتسخير الفلك فى البحار، وتسخير الأنهار، وتسخير الليل والنهار.<br>ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وهى دعوات تدل على شكره لخالقه، وحسن صلته به، ورجائه فى فضله.. فقال - تعالى -:<br> { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1807",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "34",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "وقوله - سبحانه - { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } الخطاب فيه للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب.<br>والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة.<br>وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به: وضع الشئ فى غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر.<br>ونعمة الله التى بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم - أى أهل مكة - بأن جعلهم فى حرم آمن، وجعلهم سدنة بيته.. ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"قوله: { بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } لأن شكرها الذى وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا.<br>وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء والسعة لإِيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر، قد ذهبت النعمة عنهم، وبقى الكفر طوقا فى أعناقهم..\"<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"قال البخارى قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً.. } حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة.<br>ثم قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله - تعالى - \"بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ونعمة للناس؛ فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار..\".<br>وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير - رحمهما الله - هو الذى تطمئن إليه النفس، لأن مشركى مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة.<br>وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات فى أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً، بنو أمية وبنو مخزوم.. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب، ولا سند لها من النقل الصحيح\".<br>وقوله { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } معطوف على { بدلوا } لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم فى الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك.<br>والبوار: الهلاك والخسران، ويطلق أيضا على الكساد. يقال: بار المتاع بوارا، إذا كسد، إذ الكاسد فى حكم الهالك.<br>والمعنى: ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود، وكانوا سببا فى إنزال قومهم دار الهلاك والخسران.<br>وقوله - سبحانه - { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } بيان لدار بوارهم وهلاكهم أى: جهنم يصلون حرها وسعيرها، وبئس القرار قرارهم فيها.<br>فقوله { جَهَنَّمَ } عطف بيان لدار البوار، وقوله { يَصْلَوْنَهَا } فى محل نصب حال من { جَهَنَّمَ } يقال: صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها، وتقول: صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته.<br>والمخصوص بالذم محذوف. أى: بئس القرار هى أى: جهنم.<br>وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار.<br>ثم بين - سبحانه - لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة فقال { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ.. }.<br>والأنداد: جمع ند وهو مثل الشئ الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه.<br>وأصله من ند البعير يند - بكسر النون - ندا - بالفتح - إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.<br>وقوله { ليضلوا } قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله ضلالا.<br>أى: أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود، وإحلال قومهم دار البوار، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله - تعالى - أمثالا ونظراء، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذى هو إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلوا } - بفتح الياء - أى: ليستمروا فى ضلالهم، فإنهم حين جعلهم الأنداد لله - تعالى - كانوا ضالين، وجهلوا ذلك فاستمروا فى ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب.<br>قال صاحب الكشاف: قرئ { ليضلوا } بفتح الياء وضمها. فإن قلت: الضلال لم يكن غرضهم فى اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟<br>قلت: لما كان الضلال والإِضلال نتيجة اتخاذا الأنداد، كما كان الإِكرام فى قولك، جئتك لتكرمنى نتيجة المجئ، دخلته اللام، وإن لم يكن غرضاً، على طريق التشبيه والتقريب.<br>وقوله - سبحانه - { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أمر منه - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يهددهم بهذا المصير الأليم.<br>والتمتع بالشئ: الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة.<br>قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ } بما أنتم فيه من الشهوات، وبما زينته لكم أنفسكم من كفران للنعم { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أى: مرجعكم إليها ليس إلا.<br>ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه. جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار.<br>فجعله { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره.<br>ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل: قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار.<br>والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى فى مخالفة السلطان: \"اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف\".<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  {  { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ }  }.وقوله - تعالى -: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وقوله - تعالى - { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وبعد هذا الأمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بتهديد الكافرين، وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال - تعالى -: { قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ }.<br>قال الجمل: \"قوله { قُل لِّعِبَادِيَ... إلخ } مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه، أى: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا - وقوله: يقيموا وينفقوا مجزومان فى جواب الأمر، أى: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا.. يقيموا وينفقوا.<br>ويجوز أن يكون قوله \"يقيموا وينفقوا\" مجزومين بلام الأمر المقدرة.<br>أى: ليقيموا الصلاة ولينفقوا...\".<br>والمراد بإقامة الصلاة: المواظبة على أدائها فى أوقاتها المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص النية عند أدائها الله - تعالى -.<br>والمراد بالإِنفاق: ما يشمل جميع وجوه الإِنفاق الواجبة والمستحبة.<br>والمراد بقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } ما يتناول عموم الأحوال فى الحرص على بذل المال فى وجوهه المشروعة.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المخلصين، الذين آمنوا إيمانا حقا، قل لهم: ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإِنفاق مما رزقناهم فى جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب الدين وتعاليمه تقتضى ذلك، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة فى ذلك.<br>والإِضافة فى قوله { لعبادى } للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين.<br>ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } للإِيذان بتباين حال الفريقين، واختلاف شأنهما.<br>ومفعول { ينفقوا } محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم.<br>وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله { مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإِسراف والتبذير، عملا بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } وهذا التعبير - أيضا - يشعر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه - ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر، بأن ينفقوا جزءا منها فى وجوه الخير.<br>وقوله { سِرّاً وَعَلانِيَةً } منصوبان على الحال أى: مسرين ومعلنين، أو على المصدر أى: إنفاق سر وإنفاق علانية.<br>وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء، ولأنه استر للمتصدق عليه.<br>وقوله - سبحانه - { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإِنفاق فى وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء.<br>ولفظ \"خلال\" مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل بمعنى صديق، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق مما رزقهم - سبحانه -، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة، ذلك اليوم الذى لا تقبل فيه المعاوضات، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذى يقبل وينفع فى هذا اليوم هو العمل الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه.<br>فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات.<br>كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين، من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه - والتى تكون سببا فى رفع الدرجات يوم القيامة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التى تستوجب شكره وطاعته وإخلاص العبادة له والتى تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - تعالى - { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. }.<br>أى: الله - تعالى - وحده هو الذى أوجد السماوات والأرض وما فيهما من أجرام علوية وسفلية بدون مثال سابق.<br>وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما فى ذلك من تربية المهابة، ومن لفت أنظار المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه.<br>وجاء الخبر بصيغة الموصول، لأن الصلة معلومة الثبوت له - سبحانه - والمشركون لا ينازعون فى ذلك، كما قال - تعالى - { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } وقوله { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ.. } بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه.<br>والمراد بالسماء هنا: السحاب، أو جهة العلو.<br>أى: وأنزل - سبحانه - من المزن أو السحاب { ماء } كثيرا هو المطر، { فَأَخْرَجَ بِهِ } أى بذلك الماء { مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ } المتعددة الأنواع والأصناف { رِزْقاً لَّكُمْ } تنتفعون به، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه.<br>ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من نعمه فقال: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ.   وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ }<br>وقوله \"سخر\" من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف فى الشئ والانتفاع به.<br>والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه فى الواحد والجمع، والظاهر أن المراد به هنا الجمع لقوله - سبحانه - \"لتجرى\" بتاء التأنيث.<br>أى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ } - سبحانه - السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم صنعها، وأقدركم على استعمالها { لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ } إلى حيث تريدون \"بأمره\" وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئتكم، إذ لو شاء - سبحانه - لقلبها بكم.<br>{ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } بأن جعلها معدة لانتفاعكم، إذ منها تشربون، ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تريدون.<br>{ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ } أى: دائمين فى إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين فى مدارهما المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا.<br>وأصل الدأب: الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال: دأب فلان على كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه.<br>و { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ } بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى أعقاب الآخر، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم.<br>فالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم.. والنهار تنتفعون به فى معاشكم وطلب رزقكم قال - تعالى - { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً. وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ.. }<br>أى: وأعطاكم - فضلا عما تقدم من النعم - بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التى لا تعلمونها كما قال - تعالى - { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } قال الجمل ما ملخصه \"قوله { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أى: كل نوع أو كل صنف سألتموه أى: شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل.<br>وفى \"من\" قولان: أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى، أى: آتاكم كل ما سألتموه.<br>والثانى أن تكون تبعيضية أى: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، وهو رأى سيبويه..\"<br>وجملة { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } مؤكدة لمضمون ما قبلها.<br>أى: وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم، وخفاء بعضه عليكم.<br>والإِحصاء: ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ.<br>قال ابن كثير: \"يخبر - سبحانه - عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب -رحمه الله  -: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين\".<br>وفى صحيح البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:  \"لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره - ولا مودع - أى متروك حمده -، ولا مستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج إليه الخلق..\" .<br>والمراد بالإِنسان فى قوله { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } نوع معين منه وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - { وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } أى: إن الإِنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى -، ولشديد الجحود والكفران لنعمه - عز وجل.<br>ويرى بعضهم أن المراد بالإِنسان هنا الجنس.<br>قال الشوكانى: قوله - سبحانه : { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: إن الإِنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما فى قوله - تعالى - { وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } \"كفار\" أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها كما ينبغى ويجب عليه\".<br>وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الانفاق فى سبيل الله.<br>ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعلمه وقدرته، وهذه النعم هى خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وتسخير الفلك فى البحار، وتسخير الأنهار، وتسخير الليل والنهار.<br>ثم ختمت ببيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك - جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس - إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وهى دعوات تدل على شكره لخالقه، وحسن صلته به، ورجائه فى فضله.. فقال - تعالى -:<br> { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1808",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "35",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد تقبلها الله - تعالى - منه قبولا حسنا.<br>وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه -.<br>و \"إذ\" ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف.<br>و \"رب\" منادى بحرف نداء محذوف أى: يا رب.<br>والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى -.<br>والمعنى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه: يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار.<br>وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإِنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات.<br>قال الإِمام الرازى: \"سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب.<br>ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت.<br>وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام - محتجا على مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. } وقال - تعالى -: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. } وقال صاحب الكشاف: \"فإن قلت: أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. } وبين قوله هنا { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً... }.<br>قلت: قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا..\"<br>وقوله - سبحانه - { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه -.<br>وقوله { واجنبنى } بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.<br>والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أو هم من تناسل معهم.<br>والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله.<br>والمعنى: أسألك يا ربى أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من بعدى من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.<br>وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى، أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض.<br>ومن ذلك قوله - تعالى - { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِين.  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ.  وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وقوله: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ.. } تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام.<br>أى: يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنىّ عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم.<br>وأسند الإِضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشئ إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها.<br>وقوله - سبحانه - { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بيان لموقفه - عليه السلام - من المهتدين والضالين.<br>أى: فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل دينى وهو دين الإِسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.<br>فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى، الذى كان يتحلى به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم - عليه السلام - { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا ما دون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك..\"<br>نقول: لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنا المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم.<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ.. }<br>و \"من\" فى قوله { مِنْ ذُرِّيَّتِي } للتبعيض.<br>والوادى: هو المكان المنخفض بين مرتفعات، والمقصود به وادى مكة المكرمة.<br>والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم، أى: الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن.<br>وقوله { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب.<br>أى: يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك.<br>فاللام فى قوله { ليقيموا } للتعليل وهى متعلقة بأسكنت.<br>وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولكمال العناية بشأنها.<br>قال القرطبى: \"تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.<br>وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟<br>فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة\" .<br>وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير\"<br>وقوله { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى -، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور.<br>والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب والنفوس.<br>والمراد بالناس فى قوله { مِّنَ ٱلنَّاسِ } المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته.<br>وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم، يقال: هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا.<br>والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.<br>أى: يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك.<br>وقال - سبحانه - { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ } ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا، وفى أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم\".<br>هذا، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه: \"وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،فقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس.<br>قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت.<br>وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ... } الآية.<br>ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا.<br>فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله.<br>ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا: لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم\".<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: { رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }.<br>أى: يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار؛ وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شئ من الأشياء، سواء أكان هذا الشئ فى الأرض أم فى السماء أم فى غيرهما.<br>وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه - سبحانه - محيط بكل ما فى هذا الكون.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه فقال - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ }.<br>والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شئ.<br>وعلى فى قوله { عَلَى ٱلْكِبَرِ } للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى: وهب لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة.<br>وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا -، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره.<br>قال الفخر الرازى: \"اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة.<br>وإنما ذكر قوله \"على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية لإِبراهيم\".<br>وجملة { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } تعليل لجملة { وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ } أى: وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى.<br>فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب، ومنه قول القائل: سمع الملك كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى: إن ربى يسمع دعائى ويجيبه.<br>ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله عنه فى قوله { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ. رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ }<br>أى: يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب أسألك إياه.<br>كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين، يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.<br>وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال - تعالى - { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } أما أمه فقال بعضهم: إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون: لعلها توفيت قبل نبوته.<br>وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره.<br>بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى - عليهم، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم.. فقال - تعالى -:<br> { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1809",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "36",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد تقبلها الله - تعالى - منه قبولا حسنا.<br>وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه -.<br>و \"إذ\" ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف.<br>و \"رب\" منادى بحرف نداء محذوف أى: يا رب.<br>والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى -.<br>والمعنى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه: يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار.<br>وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإِنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات.<br>قال الإِمام الرازى: \"سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب.<br>ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت.<br>وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام - محتجا على مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. } وقال - تعالى -: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. } وقال صاحب الكشاف: \"فإن قلت: أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. } وبين قوله هنا { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً... }.<br>قلت: قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا..\"<br>وقوله - سبحانه - { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه -.<br>وقوله { واجنبنى } بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.<br>والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أو هم من تناسل معهم.<br>والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله.<br>والمعنى: أسألك يا ربى أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من بعدى من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.<br>وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى، أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض.<br>ومن ذلك قوله - تعالى - { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِين.  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ.  وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وقوله: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ.. } تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام.<br>أى: يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنىّ عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم.<br>وأسند الإِضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشئ إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها.<br>وقوله - سبحانه - { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بيان لموقفه - عليه السلام - من المهتدين والضالين.<br>أى: فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل دينى وهو دين الإِسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.<br>فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى، الذى كان يتحلى به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم - عليه السلام - { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا ما دون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك..\"<br>نقول: لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنا المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم.<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ.. }<br>و \"من\" فى قوله { مِنْ ذُرِّيَّتِي } للتبعيض.<br>والوادى: هو المكان المنخفض بين مرتفعات، والمقصود به وادى مكة المكرمة.<br>والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم، أى: الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن.<br>وقوله { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب.<br>أى: يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك.<br>فاللام فى قوله { ليقيموا } للتعليل وهى متعلقة بأسكنت.<br>وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولكمال العناية بشأنها.<br>قال القرطبى: \"تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.<br>وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟<br>فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة\" .<br>وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير\"<br>وقوله { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى -، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور.<br>والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب والنفوس.<br>والمراد بالناس فى قوله { مِّنَ ٱلنَّاسِ } المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته.<br>وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم، يقال: هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا.<br>والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.<br>أى: يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك.<br>وقال - سبحانه - { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ } ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا، وفى أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم\".<br>هذا، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه: \"وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،فقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس.<br>قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت.<br>وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ... } الآية.<br>ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا.<br>فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله.<br>ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا: لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم\".<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: { رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }.<br>أى: يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار؛ وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شئ من الأشياء، سواء أكان هذا الشئ فى الأرض أم فى السماء أم فى غيرهما.<br>وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه - سبحانه - محيط بكل ما فى هذا الكون.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه فقال - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ }.<br>والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شئ.<br>وعلى فى قوله { عَلَى ٱلْكِبَرِ } للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى: وهب لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة.<br>وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا -، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره.<br>قال الفخر الرازى: \"اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة.<br>وإنما ذكر قوله \"على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية لإِبراهيم\".<br>وجملة { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } تعليل لجملة { وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ } أى: وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى.<br>فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب، ومنه قول القائل: سمع الملك كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى: إن ربى يسمع دعائى ويجيبه.<br>ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله عنه فى قوله { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ. رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ }<br>أى: يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب أسألك إياه.<br>كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين، يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.<br>وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال - تعالى - { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } أما أمه فقال بعضهم: إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون: لعلها توفيت قبل نبوته.<br>وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره.<br>بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى - عليهم، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم.. فقال - تعالى -:<br> { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1810",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "37",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد تقبلها الله - تعالى - منه قبولا حسنا.<br>وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه -.<br>و \"إذ\" ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف.<br>و \"رب\" منادى بحرف نداء محذوف أى: يا رب.<br>والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى -.<br>والمعنى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه: يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار.<br>وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإِنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات.<br>قال الإِمام الرازى: \"سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب.<br>ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت.<br>وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام - محتجا على مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. } وقال - تعالى -: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. } وقال صاحب الكشاف: \"فإن قلت: أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. } وبين قوله هنا { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً... }.<br>قلت: قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا..\"<br>وقوله - سبحانه - { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه -.<br>وقوله { واجنبنى } بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.<br>والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أو هم من تناسل معهم.<br>والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله.<br>والمعنى: أسألك يا ربى أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من بعدى من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.<br>وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى، أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض.<br>ومن ذلك قوله - تعالى - { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِين.  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ.  وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وقوله: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ.. } تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام.<br>أى: يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنىّ عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم.<br>وأسند الإِضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشئ إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها.<br>وقوله - سبحانه - { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بيان لموقفه - عليه السلام - من المهتدين والضالين.<br>أى: فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل دينى وهو دين الإِسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.<br>فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى، الذى كان يتحلى به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم - عليه السلام - { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا ما دون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك..\"<br>نقول: لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنا المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم.<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ.. }<br>و \"من\" فى قوله { مِنْ ذُرِّيَّتِي } للتبعيض.<br>والوادى: هو المكان المنخفض بين مرتفعات، والمقصود به وادى مكة المكرمة.<br>والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم، أى: الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن.<br>وقوله { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب.<br>أى: يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك.<br>فاللام فى قوله { ليقيموا } للتعليل وهى متعلقة بأسكنت.<br>وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولكمال العناية بشأنها.<br>قال القرطبى: \"تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.<br>وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟<br>فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة\" .<br>وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير\"<br>وقوله { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى -، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور.<br>والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب والنفوس.<br>والمراد بالناس فى قوله { مِّنَ ٱلنَّاسِ } المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته.<br>وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم، يقال: هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا.<br>والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.<br>أى: يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك.<br>وقال - سبحانه - { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ } ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا، وفى أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم\".<br>هذا، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه: \"وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،فقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس.<br>قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت.<br>وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ... } الآية.<br>ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا.<br>فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله.<br>ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا: لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم\".<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: { رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }.<br>أى: يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار؛ وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شئ من الأشياء، سواء أكان هذا الشئ فى الأرض أم فى السماء أم فى غيرهما.<br>وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه - سبحانه - محيط بكل ما فى هذا الكون.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه فقال - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ }.<br>والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شئ.<br>وعلى فى قوله { عَلَى ٱلْكِبَرِ } للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى: وهب لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة.<br>وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا -، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره.<br>قال الفخر الرازى: \"اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة.<br>وإنما ذكر قوله \"على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية لإِبراهيم\".<br>وجملة { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } تعليل لجملة { وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ } أى: وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى.<br>فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب، ومنه قول القائل: سمع الملك كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى: إن ربى يسمع دعائى ويجيبه.<br>ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله عنه فى قوله { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ. رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ }<br>أى: يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب أسألك إياه.<br>كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين، يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.<br>وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال - تعالى - { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } أما أمه فقال بعضهم: إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون: لعلها توفيت قبل نبوته.<br>وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره.<br>بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى - عليهم، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم.. فقال - تعالى -:<br> { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1811",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "38",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد تقبلها الله - تعالى - منه قبولا حسنا.<br>وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه -.<br>و \"إذ\" ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف.<br>و \"رب\" منادى بحرف نداء محذوف أى: يا رب.<br>والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى -.<br>والمعنى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه: يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار.<br>وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإِنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات.<br>قال الإِمام الرازى: \"سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب.<br>ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت.<br>وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام - محتجا على مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. } وقال - تعالى -: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. } وقال صاحب الكشاف: \"فإن قلت: أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. } وبين قوله هنا { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً... }.<br>قلت: قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا..\"<br>وقوله - سبحانه - { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه -.<br>وقوله { واجنبنى } بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.<br>والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أو هم من تناسل معهم.<br>والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله.<br>والمعنى: أسألك يا ربى أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من بعدى من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.<br>وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى، أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض.<br>ومن ذلك قوله - تعالى - { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِين.  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ.  وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وقوله: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ.. } تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام.<br>أى: يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنىّ عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم.<br>وأسند الإِضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشئ إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها.<br>وقوله - سبحانه - { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بيان لموقفه - عليه السلام - من المهتدين والضالين.<br>أى: فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل دينى وهو دين الإِسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.<br>فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى، الذى كان يتحلى به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم - عليه السلام - { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا ما دون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك..\"<br>نقول: لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنا المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم.<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ.. }<br>و \"من\" فى قوله { مِنْ ذُرِّيَّتِي } للتبعيض.<br>والوادى: هو المكان المنخفض بين مرتفعات، والمقصود به وادى مكة المكرمة.<br>والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم، أى: الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن.<br>وقوله { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب.<br>أى: يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك.<br>فاللام فى قوله { ليقيموا } للتعليل وهى متعلقة بأسكنت.<br>وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولكمال العناية بشأنها.<br>قال القرطبى: \"تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.<br>وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟<br>فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة\" .<br>وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير\"<br>وقوله { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى -، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور.<br>والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب والنفوس.<br>والمراد بالناس فى قوله { مِّنَ ٱلنَّاسِ } المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته.<br>وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم، يقال: هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا.<br>والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.<br>أى: يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك.<br>وقال - سبحانه - { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ } ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا، وفى أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم\".<br>هذا، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه: \"وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،فقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس.<br>قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت.<br>وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ... } الآية.<br>ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا.<br>فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله.<br>ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا: لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم\".<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: { رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }.<br>أى: يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار؛ وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شئ من الأشياء، سواء أكان هذا الشئ فى الأرض أم فى السماء أم فى غيرهما.<br>وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه - سبحانه - محيط بكل ما فى هذا الكون.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه فقال - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ }.<br>والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شئ.<br>وعلى فى قوله { عَلَى ٱلْكِبَرِ } للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى: وهب لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة.<br>وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا -، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره.<br>قال الفخر الرازى: \"اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة.<br>وإنما ذكر قوله \"على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية لإِبراهيم\".<br>وجملة { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } تعليل لجملة { وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ } أى: وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى.<br>فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب، ومنه قول القائل: سمع الملك كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى: إن ربى يسمع دعائى ويجيبه.<br>ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله عنه فى قوله { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ. رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ }<br>أى: يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب أسألك إياه.<br>كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين، يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.<br>وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال - تعالى - { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } أما أمه فقال بعضهم: إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون: لعلها توفيت قبل نبوته.<br>وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره.<br>بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى - عليهم، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم.. فقال - تعالى -:<br> { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1812",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "39",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد تقبلها الله - تعالى - منه قبولا حسنا.<br>وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه -.<br>و \"إذ\" ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف.<br>و \"رب\" منادى بحرف نداء محذوف أى: يا رب.<br>والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى -.<br>والمعنى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه: يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار.<br>وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإِنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات.<br>قال الإِمام الرازى: \"سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب.<br>ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت.<br>وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام - محتجا على مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. } وقال - تعالى -: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. } وقال صاحب الكشاف: \"فإن قلت: أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. } وبين قوله هنا { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً... }.<br>قلت: قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا..\"<br>وقوله - سبحانه - { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه -.<br>وقوله { واجنبنى } بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.<br>والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أو هم من تناسل معهم.<br>والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله.<br>والمعنى: أسألك يا ربى أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من بعدى من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.<br>وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى، أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض.<br>ومن ذلك قوله - تعالى - { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِين.  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ.  وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وقوله: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ.. } تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام.<br>أى: يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنىّ عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم.<br>وأسند الإِضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشئ إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها.<br>وقوله - سبحانه - { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بيان لموقفه - عليه السلام - من المهتدين والضالين.<br>أى: فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل دينى وهو دين الإِسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.<br>فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى، الذى كان يتحلى به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم - عليه السلام - { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا ما دون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك..\"<br>نقول: لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنا المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم.<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ.. }<br>و \"من\" فى قوله { مِنْ ذُرِّيَّتِي } للتبعيض.<br>والوادى: هو المكان المنخفض بين مرتفعات، والمقصود به وادى مكة المكرمة.<br>والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم، أى: الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن.<br>وقوله { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب.<br>أى: يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك.<br>فاللام فى قوله { ليقيموا } للتعليل وهى متعلقة بأسكنت.<br>وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولكمال العناية بشأنها.<br>قال القرطبى: \"تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.<br>وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟<br>فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة\" .<br>وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير\"<br>وقوله { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى -، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور.<br>والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب والنفوس.<br>والمراد بالناس فى قوله { مِّنَ ٱلنَّاسِ } المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته.<br>وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم، يقال: هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا.<br>والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.<br>أى: يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك.<br>وقال - سبحانه - { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ } ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا، وفى أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم\".<br>هذا، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه: \"وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،فقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس.<br>قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت.<br>وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ... } الآية.<br>ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا.<br>فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله.<br>ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا: لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم\".<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: { رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }.<br>أى: يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار؛ وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شئ من الأشياء، سواء أكان هذا الشئ فى الأرض أم فى السماء أم فى غيرهما.<br>وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه - سبحانه - محيط بكل ما فى هذا الكون.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه فقال - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ }.<br>والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شئ.<br>وعلى فى قوله { عَلَى ٱلْكِبَرِ } للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى: وهب لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة.<br>وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا -، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره.<br>قال الفخر الرازى: \"اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة.<br>وإنما ذكر قوله \"على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية لإِبراهيم\".<br>وجملة { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } تعليل لجملة { وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ } أى: وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى.<br>فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب، ومنه قول القائل: سمع الملك كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى: إن ربى يسمع دعائى ويجيبه.<br>ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله عنه فى قوله { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ. رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ }<br>أى: يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب أسألك إياه.<br>كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين، يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.<br>وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال - تعالى - { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } أما أمه فقال بعضهم: إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون: لعلها توفيت قبل نبوته.<br>وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره.<br>بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى - عليهم، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم.. فقال - تعالى -:<br> { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1813",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "40",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد تقبلها الله - تعالى - منه قبولا حسنا.<br>وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه -.<br>و \"إذ\" ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف.<br>و \"رب\" منادى بحرف نداء محذوف أى: يا رب.<br>والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى -.<br>والمعنى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه: يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار.<br>وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإِنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات.<br>قال الإِمام الرازى: \"سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب.<br>ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت.<br>وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام - محتجا على مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. } وقال - تعالى -: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. } وقال صاحب الكشاف: \"فإن قلت: أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. } وبين قوله هنا { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً... }.<br>قلت: قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا..\"<br>وقوله - سبحانه - { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه -.<br>وقوله { واجنبنى } بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.<br>والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أو هم من تناسل معهم.<br>والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله.<br>والمعنى: أسألك يا ربى أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من بعدى من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.<br>وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى، أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض.<br>ومن ذلك قوله - تعالى - { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِين.  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ.  وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وقوله: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ.. } تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام.<br>أى: يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنىّ عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم.<br>وأسند الإِضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشئ إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها.<br>وقوله - سبحانه - { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بيان لموقفه - عليه السلام - من المهتدين والضالين.<br>أى: فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل دينى وهو دين الإِسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.<br>فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى، الذى كان يتحلى به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم - عليه السلام - { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا ما دون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك..\"<br>نقول: لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنا المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم.<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ.. }<br>و \"من\" فى قوله { مِنْ ذُرِّيَّتِي } للتبعيض.<br>والوادى: هو المكان المنخفض بين مرتفعات، والمقصود به وادى مكة المكرمة.<br>والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم، أى: الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن.<br>وقوله { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب.<br>أى: يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك.<br>فاللام فى قوله { ليقيموا } للتعليل وهى متعلقة بأسكنت.<br>وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولكمال العناية بشأنها.<br>قال القرطبى: \"تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.<br>وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟<br>فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة\" .<br>وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير\"<br>وقوله { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى -، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور.<br>والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب والنفوس.<br>والمراد بالناس فى قوله { مِّنَ ٱلنَّاسِ } المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته.<br>وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم، يقال: هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا.<br>والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.<br>أى: يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك.<br>وقال - سبحانه - { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ } ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا، وفى أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم\".<br>هذا، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه: \"وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،فقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس.<br>قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت.<br>وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ... } الآية.<br>ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا.<br>فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله.<br>ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا: لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم\".<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: { رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }.<br>أى: يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار؛ وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شئ من الأشياء، سواء أكان هذا الشئ فى الأرض أم فى السماء أم فى غيرهما.<br>وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه - سبحانه - محيط بكل ما فى هذا الكون.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه فقال - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ }.<br>والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شئ.<br>وعلى فى قوله { عَلَى ٱلْكِبَرِ } للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى: وهب لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة.<br>وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا -، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره.<br>قال الفخر الرازى: \"اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة.<br>وإنما ذكر قوله \"على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية لإِبراهيم\".<br>وجملة { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } تعليل لجملة { وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ } أى: وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى.<br>فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب، ومنه قول القائل: سمع الملك كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى: إن ربى يسمع دعائى ويجيبه.<br>ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله عنه فى قوله { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ. رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ }<br>أى: يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب أسألك إياه.<br>كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين، يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.<br>وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال - تعالى - { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } أما أمه فقال بعضهم: إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون: لعلها توفيت قبل نبوته.<br>وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره.<br>بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى - عليهم، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم.. فقال - تعالى -:<br> { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1814",
        "sura_number": "14",
        "ayah_number": "41",
        "aya": "",
        "sura": "إبراهيم",
        "mediator": "هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد تقبلها الله - تعالى - منه قبولا حسنا.<br>وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه -.<br>و \"إذ\" ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف.<br>و \"رب\" منادى بحرف نداء محذوف أى: يا رب.<br>والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى -.<br>والمعنى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه: يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار.<br>وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإِنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات.<br>قال الإِمام الرازى: \"سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب.<br>ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت.<br>وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.<br>وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: \"يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام - محتجا على مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. } وقال - تعالى -: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. } وقال صاحب الكشاف: \"فإن قلت: أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. } وبين قوله هنا { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً... }.<br>قلت: قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا..\"<br>وقوله - سبحانه - { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه -.<br>وقوله { واجنبنى } بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.<br>والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أو هم من تناسل معهم.<br>والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله.<br>والمعنى: أسألك يا ربى أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من بعدى من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.<br>وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى، أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض.<br>ومن ذلك قوله - تعالى - { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِين.  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ.  وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وقوله: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ.. } تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام.<br>أى: يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنىّ عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم.<br>وأسند الإِضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشئ إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها.<br>وقوله - سبحانه - { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بيان لموقفه - عليه السلام - من المهتدين والضالين.<br>أى: فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل دينى وهو دين الإِسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.<br>فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى، الذى كان يتحلى به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم - عليه السلام - { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا ما دون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك..\"<br>نقول: لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنا المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم.<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ.. }<br>و \"من\" فى قوله { مِنْ ذُرِّيَّتِي } للتبعيض.<br>والوادى: هو المكان المنخفض بين مرتفعات، والمقصود به وادى مكة المكرمة.<br>والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم، أى: الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن.<br>وقوله { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب.<br>أى: يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك.<br>فاللام فى قوله { ليقيموا } للتعليل وهى متعلقة بأسكنت.<br>وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولكمال العناية بشأنها.<br>قال القرطبى: \"تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.<br>وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟<br>فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة\" .<br>وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير\"<br>وقوله { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى -، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور.<br>والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب والنفوس.<br>والمراد بالناس فى قوله { مِّنَ ٱلنَّاسِ } المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته.<br>وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم، يقال: هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا.<br>والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.<br>أى: يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك.<br>وقال - سبحانه - { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ } ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: \"وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا، وفى أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم\".<br>هذا، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه: \"وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،فقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس.<br>قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت.<br>وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ... } الآية.<br>ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا.<br>فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله.<br>ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا: لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم\".<br>ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: { رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }.<br>أى: يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار؛ وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شئ من الأشياء، سواء أكان هذا الشئ فى الأرض أم فى السماء أم فى غيرهما.<br>وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه - سبحانه - محيط بكل ما فى هذا الكون.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه فقال - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ }.<br>والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شئ.<br>وعلى فى قوله { عَلَى ٱلْكِبَرِ } للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى: وهب لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة.<br>وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا -، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره.<br>قال الفخر الرازى: \"اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة.<br>وإنما ذكر قوله \"على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية لإِبراهيم\".<br>وجملة { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } تعليل لجملة { وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ } أى: وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى.<br>فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب، ومنه قول القائل: سمع الملك كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى: إن ربى يسمع دعائى ويجيبه.<br>ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله عنه فى قوله { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ. رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ }<br>أى: يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب أسألك إياه.<br>كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين، يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.<br>وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال - تعالى - { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } أما أمه فقال بعضهم: إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون: لعلها توفيت قبل نبوته.<br>وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره.<br>بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى - عليهم، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم.. فقال - تعالى -:<br> { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "1910",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "85",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1911",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "86",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1912",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "87",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1913",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "88",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1914",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "89",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1915",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "90",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1916",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "91",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1917",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "92",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1918",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "93",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1919",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "94",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1920",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "95",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1921",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "96",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1922",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "97",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1923",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "98",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1925",
        "sura_number": "15",
        "ayah_number": "99",
        "aya": "",
        "sura": "الحجر",
        "mediator": "فقوله - سبحانه - { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإلى الحق الأكبر الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى لا تتخلف، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين.<br>والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.<br>والباء فيه للملابسة.<br>أى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذى لا يخالطه جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.<br>والمراد بالساعة فى قوله - تعالى -: { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ } ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة.<br>أى: وإن ساعة إعطاء كل ذى حق حقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه فى الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص فى الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها فى يوم الحساب.<br>فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى.<br>وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...<br>وجملة { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } تفريع على ما قبلها.<br>والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة.<br>أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحاً جميلاً، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم.<br>وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى الله عليه وسلم وتكريمه، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - {  { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }  }.وقوله - سبحانه -: {  { ... فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  }.وقوله - سبحانه - { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم.<br>والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.<br>أى: { إن ربك } أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته { هو } - سبحانه - { الخلاق } لك ولهم ولكل شئ فى هذا الوجود.<br>{ العليم } بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.<br>وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه -، وأن تكل الأمور إليه.<br>ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإِسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإِسلامية بعد أن كانوا حرباً عليها، وتحقق - أيضاً - قوله صلى الله عليه وسلم:  \"لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -\" .<br>ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى الله عليه وسلم، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئناناً وثقة بوعد الله - تعالى - فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ }.<br>والمراد بالسبع المثانى: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعة من ركعات الصلاة.<br>قال صاحب الكشاف: \"والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى - ...\".<br>والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التى هى سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضاً - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم.<br>وأوثر فعل { آتيناك } بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛ لأن الإِعطاء أظهر فى الإِكرام والإِنعام.<br>وقوله { والقرآن العظيم } معطوف على { سبعاً } من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.<br>ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهاً بشأنه، وإعلاء لقدره.<br>ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده   \"عن أبى سعيد بن المعلى قال: مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى.<br>فقال: ألم يقل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.<br>ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته\" .<br>وروى البخارى - أيضاً - عن أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:  \"أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم\" .<br>هذا، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...<br>وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاً ...<br>وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شئ إذ ذاك.<br>وقيل: المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - {  { كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ }  }. هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ...<br>وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار ..<br>ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص فى شئ لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.<br>والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبت النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى شئ فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم.<br>ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } ...<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟<br>قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد أوتيت النعمة العظمى التى كل نعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...<br>قال أبو بكر الصديق؛ من أوتى القرآن، فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً.<br>وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"أضاف النبى صلى الله عليه وسلم ضيفا، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم شئ يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأمين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا\" .<br>وقوله - سبحانه - { تمدن } من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده.<br>والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا.<br>والمعنى: لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب فى ذلك المتاع الزائل، الذى متع الله - تعالى - به أصنافاً من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شئ سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على سبيل الاستدراج والإِملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم.<br>قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل ..<br>والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك المتاع الذى آتاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن.<br>وقال - سبحانه - هنا { لا تمدن ... } بدون واو العطف، وقال فى سورة طه { ولا تمدن ... } بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافاً بيانياً، جواباً لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإِملاء والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ... } كانت بمنزلة التمهيد لها، والإِجمال لمضمونها.<br>أما فى سورة طه، فجملة { ولا تمدن ... } معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله - تعالى - {  { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً ... }  }.وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } نهى له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بالمصير السيئ الذى ينتظر أعداءه.<br>أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ.<br>وقوله - سبحانه - { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه.<br>وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف.<br>أى: وكن متواضعاً مع أتباعك المؤمنين، رءوفاً بهم، عطوفاً عليهم.<br>قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإِنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } معطوف على ما قبله.<br>أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعاً ما قاله كل نبى قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.<br>فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح.<br>وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:  \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت به من الحق\" .<br>ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى -: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } ..<br>والكاف فى قوله { كما } للتشبيه، و{ ما } موصوله أو مصدرية وهى المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي }.<br>ولفظ { المقتسمين } افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشئ وجعله أقساماً ..<br>والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.<br>أو المراد بهم - كما قال ابن كثير: \"{ المقتسمين } أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ...\".<br>ولفظ { عضين } جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء والقطعة من الشئ. تقول: عضيت الشئ تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.<br>قال القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشئ تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.<br>والعضة والعضين فى لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ...<br>وفى الحديث:  \"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة\"  .. وقيل: هو من العضة، وهى التميمة. والعضيهة: البهتان ... يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان\".<br>والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثانى والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساماً، فأظهروا قسماً وأخفوا آخر، والذين جعلوا - أيضاً - القرآن أقساماً، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر .. فجعله { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } بيان وتوضيح للمقتسمين.<br>ومنهم من يرى أن قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك، { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ }، فيكون المشبه الإِنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركى قريش، قسموا أنفسهم أقساماً لصرف الناس عن الإِيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ...<br>وقد فصل الإِمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ... } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالاً كإنزالنا على أهل الكتاب { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } أى قسموه إلى حق وباطل ..<br>وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } .. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ..<br>أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذى أنزلناه على المقتسمين.<br>وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً - أى يقتلوه ليلاً - فأهلكهم الله ...<br>ثم قال -رحمه الله  -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله { كما أنزلنا .. } متعلق بقوله - تعالى - { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... } وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ...<br>والمعنى: لقد آتيناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم، إيتاء مماثلاً لإِنزال الكتابين على أهلهما ....<br>ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم - كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإِمام ابن جرير، فقد قال -رحمه الله  - بعد سرده للأقوال فى ذلك ما ملخصه: \"والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم\" ...<br>وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين .. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...<br>وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتاباً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلاً فى هذا التهديد والوعيد ... .<br>ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.<br>والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده فى قوله { وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ... } إذ فى هذا اليوم يكون سؤالهم.<br>والواو للقسم، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعاً، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعاً العقوبة المناسبة لهم.<br>فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد التهديد للمشركين.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى -: { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.<br>وقوله { فاصدع .. } من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهاراً.<br>أى: فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.<br>قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سراً ثلاث سنين أو أكثر.<br>وقوله { كفيناك .. } من الكفاية. تقول: كفيت فلاناً المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.<br>والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.<br>أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعاً بمكة، وكان هلاكهم  العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم.<br>قال الإِمام الرازى: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين، وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شئ منها.<br>والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم.<br>ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ } فى عباداتهم وفى عقيدتهم.<br>{ فسوف يعلمون } ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له صلى الله عليه وسلم، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.<br>وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان.<br>أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك.<br>وقال - سبحانه - { ولقد نعلم .. } بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد من الاهتمام والعناية بالمخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى الحال والاستقبال.<br>والفاء فى قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } واقعة فى جواب شرط.<br>والتسبيح لله - تعالى - معناه: تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به.<br>والتحميد له - تعالى - معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال.<br>أى: إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله.<br>قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:<br>أحدهما: التخلى عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح.<br>والثانى: التحلى بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.<br>فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:  \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ...\" .<br>والمراد بالسجود فى قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمية هذا الجزء وفضله، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" .<br>ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر؛ دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى -، وتنقشع الهموم ... ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة.<br>وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول:  \" قال الله - تعالى -: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" .<br>فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات.<br>والمراد بالأمر بالعبادة فى قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } المداومة عليها وعدم التقصير فيها.<br>والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق.<br>أى: ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذى لا مفر من مجيئه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.<br>ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين: {  { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ } أى: الموت.<br>ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخارى   \"عن أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير\" .<br>قال الإِمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتاً، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت فى صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  \"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" .<br>ويستدل بها أيضاً على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ...\"."
    },
    {
        "id": "1998",
        "sura_number": "16",
        "ayah_number": "73",
        "aya": "",
        "sura": "النحل",
        "mediator": "والمراد بقوله سبحانه: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..... } كل معبود سوى الله - تعالى - من صنم أو وثن أو غير ذلك من المعبودات الباطلة.<br>والجملة الكريمة داخلة تحت مضمون الاستفهام الانكارى، ومعطوفة عليه: وهو قوله - تعالى -: {  { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ }  }.أى أن هؤلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى -، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم أنهم يؤمنون بالباطل، ويكفرون بالحق، ويعبدون من دون الله - تعالى - أصناما وأوثانا لا تملك لعابدها أى شئ من الرزق فهى لا تنزل مطرا من السماء ولا تخرج نباتا من الأرض، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر ..<br>و\"ما\" فى قوله - تعالى - { مَا لاَ يَمْلِكُ .. } كناية عن معبوداتهم الباطلة فهى مفردة لفظا، مجموعة معنى.<br>والتنكير فى قوله - سبحانه - { رزقا } للاشعار بقلته وتفاهته، وأن معبوداتهم لا تملك لهم أى شئ من الرزق، حتى ولو كان تافها حقيرا.<br>وقوله: { شيئا } منصوب على المصدر، أى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ملكا، أى: شيئا من الملك.<br>والضمير فى قوله { ولا يستطيعون } يعود إلى { ما } وجمع بصيغة العقلاء بناء على زعمهم الفاسد، من أن هذه الأصنام فى إمكانها النفع والضر.<br>وجاءت جملة { ولا يستطيعون } بعد قوله - تعالى - { مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ .. } لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أى شئ فهى لا تملك شيئا، وليس فى استطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك.<br>وقوله - سبحانه - { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ .. } نهى منه - سبحانه - عن أن يشبه فى ذاته أو صفاته بغيره، وقد جاء هذا النهى فى صورة الالتفات من الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى، والفاء لترتيب النهى على ما عدد من النعم التى وردت فى هذه السورة والتى لم ينته الحديث عنها بعد.<br>والأمثال: جمع مثل، وهو النظير والشبيه لغيره، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه -، لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا.<br>وتضرب الأمثال: لتوضيح الشئ الغريب، وتقريب المعنى المعقول من المعنى المحسوس، وعرض ما هو غائب فى صورة ما هو مشاهد، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس.<br>وقوله - تعالى - { إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } تعليل لهذا النهى عن ضرب الأمثال لله - عز وجل -.<br>أى: فلا تتجاسروا، وتتطاولوا، وتضربوا لله - تعالى - الأمثال، كما يضرب بعضكم لبعض، فإن الله - تعالى - هو الذى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك.<br>قال الزجاج: ورد أن المشركين كانوا يقولون: إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك، فنهوا عن ذلك.<br>ثم وضح لهم - سبحانه - كيف تضرب الأمثال، فساق مثلين حكيمين يدلان على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ..<br>أما المثل الأول فيتجلى فى قوله - عز وجل -: { ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ .. }. أى: ذكر الله - تعالى - وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به على وحدانيته - سبحانه - وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره، وهذا العبد لا يقدر على شئ من التصرفات حتى ولو كانت قليلة.<br>وقوله - سبحانه -: { عبدا } بدل من { مثلا } و{ مملوكا } صفة للعبد. ووصف - سبحانه - العبد بأنه مملوك، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر، لأن كليهما يشترك فى كونه عبدا لله - تعالى -.<br>ووصفه أيضا - بأنه لا يقدر على شئ للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون له فى التصرف، لأنهما يقدران على بعض التصرفات.<br>هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً ... }.<br>قال الآلوسى: و\"من\" فى قوله { ومن رزقناه } نكرة موصوفة، ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة - أيضا -، وقيل: إنها موصولة، والأول اختيار الأكثرين أى: حرا رزقناه بطريق الملك، والالتفات إلى التكلم - فى { رزقناه } للإِشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق ...\".<br>أى: ذكر الله - تعالى - لكم لتتعظوا وتتفكروا، حال رجلين: أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شئ. والثانى حر مالك رزقه الله - تعالى - رزقا واسعا حلالا حسنا، { فهو } أى هذا الحر ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن { سرا وجهرا } واختار - سبحانه - ضمير العظمة فى قوله { رزقناه } للإِشعار بكثره هذا الرزق وعظمته، ويزيده كثرة وعظمة قوله - تعالى - بعد ذلك { مِنَّا } أى؛ من عندنا وحدنا وليس من عند غيرنا.<br>ووصف - سبحانه - الرزق بالحسن، للإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب مستحسن فى الشرع وفى نظر الناس.<br>وقال - سبحانه - { فهو ينفق } بصيغة الجملة الاسمية، للدلالة على ثبوت هذا الإنفاق ودوامه.<br>وقوله { سرا وجهرا } منصوبان على المصدر، أى إنفاق سر وجهر، أو على الحالية، أى فهو ينفق منه فى حالتى السر والجهر.<br>والمراد أنه إنسان كريم، لا يبخل بشئ مما رزقه الله، بل ينفق منه فى عموم الأحوال، وعلى من تحسن معه النفقة سرا، وعلى من تحسن معه النفقة جهرا.<br>هذان هما الجانبان المتقابلان فى هذا المثل، والفرق بينهما واضح وعظيم عند كل ذى قلب سليم، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإِنكارى التوبيخى فقال:<br>{ هل يستوون }؟ أى: هل يستوى فى عرفكم أو فى عرف أى عاقل، هذا العبد المملوك العاجز الذى لا يقدر على شئ .. مع هذا الإنسان الحر. المالك الذى رزقه الله - سبحانه - رزقا واسعا حلالا، فشكر الله عليه، واستعمله فى وجوه الخير.<br>إن مما لا شك فيه أنهما لا يستويان حتى فى نظر من عنده أدنى شئ من عقل.<br>وما دام الأمر كذلك، فكيف سويتم - أيها المشركون الجهلاء - فى العبادة، بين الخالق الرازق الذى يملك كل شئ، وبين غيره من المعبودات الباطلة التى لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل، ولا تملك شيئا.<br>وقال - سبحانه - { هل يستوون } مع أن المتقدم اثنان، لأن المراد جنس العبيد والأحرار، المدلول عليهما بقوله { عبدا } وبقوله { ومن رزقناه }.<br>فالمقصود بالمثل كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان.<br>وقوله: { الحمد لله } ثناء منه - سبحانه - على ذاته، حيث ساق - سبحانه - هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل.<br>أى: قل - أيها الانسان المؤمن العاقل - { الحمد } كله { لله } - تعالى - على إرشاده لعباده المؤمنين، وتعليمهم كيف يقذفون بحقهم على باطل أعدائهم فإذا هو زاهق.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء الكافرين الضالين، لا يعلمون كيف يميزون بين الحق والباطل لانطماس بصائرهم، واستيلاء الجحود والحسد والعناد على قلوبهم.<br>وقال - سبحانه - { بل أكثرهم .. } للإِشعار بأن من هؤلاء الكافرين من يعلم الحق ويعرفه كما يعرف أبناءه، ولكن الهوى والغرور والتقليد الباطل .. حال بينه وبين اتباع الحق.<br>هذا هو المثال الأول الذى ذكره الله - تعالى - للاستدلال على بطلان التسوية بين عبادة الله - تعالى - الخالق لكل شئ والمالك لكل شئ .. وبين عبادة غيره من الأصنام والجمادات التى لا تخلق شيئا، ولا تملك شيئا، ولا تضر ولا تنفع.<br>أما المثال الثانى فهو أشد وضوحا من سابقه على وحدانية الله - تعالى - ورحمته بعباده، وعلى الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر، ويتجلى هذا المثال فى قوله - عز وجل -: { وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ .. }.<br>أى: وذكر الله - تعالى - مثلا آخر لرجلين، { أحدهما أبكم } أى: لا يستطيع النطق أو الكلام، ضعيف الفهم والتفهيم لغيره.<br>{ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ } أى: لا يقدر على فعل شئ من الأشياء المتعلقة بنفسه وبغيره.<br>{ وهو } أى هذا الرجل { كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } أى: حمل ثقيل، وهم كبير على مولاه الذى يتولى شئونه من طعام وشراب وكساء وغير ذلك. وهذا بيان لعدم قدرته على القيام بمصالح نفسه، بعد بيان عدم قدرته على القيام بفعل أى شئ على الإِطلاق.<br>قال القرطبى: قوله { وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } أى ثقل على وليه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه، وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر:أكول لمال الكَلِّ قبل شبابه  إذا كان عظم الكلِّ غير شديدفالكل هو الإِنسان العاجز الضعيف الذى يكون محتاجا إلى من يرعى شئونه.<br>وقوله { أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } أى: أن هذا الرجل حيثما يوجهه مولاه وكافله لقضاء أمر من الأمور يعود خائبا، لعجزه، وضعف حيلته، وقلة إدراكه ..<br>فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا الرجل بأربع صفات، تدل على سوء فهمه، وقلة حيلته، وثقله على ولى أمره، وانسداد طرق الخير فى وجهه ..<br>هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .. }.<br>أى: { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ } أى هذا الرجل الأبكم العاجز .. مع رجل آخر { يأمر } غيره بالعدل \"وهو\" أى هذا الرجل الآخر فى نفسه { وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أى: على دين قويم، وخلق كريم فقد جمع بذلك بين فضيلتين جليلتين: نفعه لغيره، وصلاحه فى ذاته.<br>لا شك أن هذين الرجلين لا يستويان فى عقل أى عاقل، إذ أن أولهما أبكم عاجز خائب .. وثانيهما منطيق، ناصح لغيره، جامع لخصال الخير فى نفسه.<br>وما دام الامر كذلك فكيف سويتم - أيها المشركون الضالون المكذبون - فى العبادة بين الله - تعالى - وهو الخالق لكل شئ، وبين تلك الأصنام التى لا تسمع ولا تبصر ولا تغنى عن عابديها شيئا.<br>أو كيف سويتم بين المؤمن الجامع لكل مكرمة، وبين الكافر الغبى الأبله الذى آثر الغى على الرشد، فتكون الآية الكريمة مسوقة لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر.<br>وقد قابل - سبحانه - الأوصاف الأربعة للرجل الأول، بهذين الوصفين للرجل الثانى، لأن حاصل أوصاف الأول أنه غير مستحق لشئ، وحاصل وصفى الثانى أنه مستحق لكل فضل وخير.<br>وقوله { وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ... } معطوف على الضمير المستتر فى قوله { هل يستوى ... }.<br>وجملة { وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فى محل نصب على الحال.<br>وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين، لبيان الفرق الشاسع بين ذات الله - تعالى - الخلاق العليم، الرزاق الكريم .. وبين تلك المعبودات الباطلة التى أشركها الضالون فى العبادة مع الله - عز وجل -.<br>أو بين المؤمن الذى هو على بصيرة من أمره، وبين الكافر الذى استحب العمى على الهدى .. أو بين الحق فى وضوحه وجماله وجلاله، وبين الباطل فى ظلامه وقبحه وخسته.<br>هذا، وما ذكره بعضهم من أن المثلين فى الآيتين الكريمتين، قد وردا فى أشخاص معينين من المؤمنين أو الكافرين، لا يعول عليه، لضعف الروايات التى وردت فى ذلك، ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"وما روى من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار، أو بالأبكم أبى بن خلف، والآمر بالعدل عثمان بن مظعون لا يصح إسناده..\".<br>وبهذين المثلين تكون السورة الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأسطعها على صحة قوله - تعالى - قبل ذلك: {  { وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ... }  }.ثم ساقت السورة بعد ذلك ما يدل على إحاطة علمه - سبحانه - بكل شئ، وعلى شمول قدرته، وعلى سابغ نعمته، فقال - تعالى -: { وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }."
    },
    {
        "id": "1999",
        "sura_number": "16",
        "ayah_number": "74",
        "aya": "",
        "sura": "النحل",
        "mediator": "والمراد بقوله سبحانه: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..... } كل معبود سوى الله - تعالى - من صنم أو وثن أو غير ذلك من المعبودات الباطلة.<br>والجملة الكريمة داخلة تحت مضمون الاستفهام الانكارى، ومعطوفة عليه: وهو قوله - تعالى -: {  { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ }  }.أى أن هؤلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى -، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم أنهم يؤمنون بالباطل، ويكفرون بالحق، ويعبدون من دون الله - تعالى - أصناما وأوثانا لا تملك لعابدها أى شئ من الرزق فهى لا تنزل مطرا من السماء ولا تخرج نباتا من الأرض، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر ..<br>و\"ما\" فى قوله - تعالى - { مَا لاَ يَمْلِكُ .. } كناية عن معبوداتهم الباطلة فهى مفردة لفظا، مجموعة معنى.<br>والتنكير فى قوله - سبحانه - { رزقا } للاشعار بقلته وتفاهته، وأن معبوداتهم لا تملك لهم أى شئ من الرزق، حتى ولو كان تافها حقيرا.<br>وقوله: { شيئا } منصوب على المصدر، أى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ملكا، أى: شيئا من الملك.<br>والضمير فى قوله { ولا يستطيعون } يعود إلى { ما } وجمع بصيغة العقلاء بناء على زعمهم الفاسد، من أن هذه الأصنام فى إمكانها النفع والضر.<br>وجاءت جملة { ولا يستطيعون } بعد قوله - تعالى - { مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ .. } لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أى شئ فهى لا تملك شيئا، وليس فى استطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك.<br>وقوله - سبحانه - { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ .. } نهى منه - سبحانه - عن أن يشبه فى ذاته أو صفاته بغيره، وقد جاء هذا النهى فى صورة الالتفات من الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى، والفاء لترتيب النهى على ما عدد من النعم التى وردت فى هذه السورة والتى لم ينته الحديث عنها بعد.<br>والأمثال: جمع مثل، وهو النظير والشبيه لغيره، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه -، لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا.<br>وتضرب الأمثال: لتوضيح الشئ الغريب، وتقريب المعنى المعقول من المعنى المحسوس، وعرض ما هو غائب فى صورة ما هو مشاهد، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس.<br>وقوله - تعالى - { إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } تعليل لهذا النهى عن ضرب الأمثال لله - عز وجل -.<br>أى: فلا تتجاسروا، وتتطاولوا، وتضربوا لله - تعالى - الأمثال، كما يضرب بعضكم لبعض، فإن الله - تعالى - هو الذى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك.<br>قال الزجاج: ورد أن المشركين كانوا يقولون: إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك، فنهوا عن ذلك.<br>ثم وضح لهم - سبحانه - كيف تضرب الأمثال، فساق مثلين حكيمين يدلان على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ..<br>أما المثل الأول فيتجلى فى قوله - عز وجل -: { ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ .. }. أى: ذكر الله - تعالى - وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به على وحدانيته - سبحانه - وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره، وهذا العبد لا يقدر على شئ من التصرفات حتى ولو كانت قليلة.<br>وقوله - سبحانه -: { عبدا } بدل من { مثلا } و{ مملوكا } صفة للعبد. ووصف - سبحانه - العبد بأنه مملوك، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر، لأن كليهما يشترك فى كونه عبدا لله - تعالى -.<br>ووصفه أيضا - بأنه لا يقدر على شئ للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون له فى التصرف، لأنهما يقدران على بعض التصرفات.<br>هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً ... }.<br>قال الآلوسى: و\"من\" فى قوله { ومن رزقناه } نكرة موصوفة، ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة - أيضا -، وقيل: إنها موصولة، والأول اختيار الأكثرين أى: حرا رزقناه بطريق الملك، والالتفات إلى التكلم - فى { رزقناه } للإِشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق ...\".<br>أى: ذكر الله - تعالى - لكم لتتعظوا وتتفكروا، حال رجلين: أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شئ. والثانى حر مالك رزقه الله - تعالى - رزقا واسعا حلالا حسنا، { فهو } أى هذا الحر ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن { سرا وجهرا } واختار - سبحانه - ضمير العظمة فى قوله { رزقناه } للإِشعار بكثره هذا الرزق وعظمته، ويزيده كثرة وعظمة قوله - تعالى - بعد ذلك { مِنَّا } أى؛ من عندنا وحدنا وليس من عند غيرنا.<br>ووصف - سبحانه - الرزق بالحسن، للإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب مستحسن فى الشرع وفى نظر الناس.<br>وقال - سبحانه - { فهو ينفق } بصيغة الجملة الاسمية، للدلالة على ثبوت هذا الإنفاق ودوامه.<br>وقوله { سرا وجهرا } منصوبان على المصدر، أى إنفاق سر وجهر، أو على الحالية، أى فهو ينفق منه فى حالتى السر والجهر.<br>والمراد أنه إنسان كريم، لا يبخل بشئ مما رزقه الله، بل ينفق منه فى عموم الأحوال، وعلى من تحسن معه النفقة سرا، وعلى من تحسن معه النفقة جهرا.<br>هذان هما الجانبان المتقابلان فى هذا المثل، والفرق بينهما واضح وعظيم عند كل ذى قلب سليم، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإِنكارى التوبيخى فقال:<br>{ هل يستوون }؟ أى: هل يستوى فى عرفكم أو فى عرف أى عاقل، هذا العبد المملوك العاجز الذى لا يقدر على شئ .. مع هذا الإنسان الحر. المالك الذى رزقه الله - سبحانه - رزقا واسعا حلالا، فشكر الله عليه، واستعمله فى وجوه الخير.<br>إن مما لا شك فيه أنهما لا يستويان حتى فى نظر من عنده أدنى شئ من عقل.<br>وما دام الأمر كذلك، فكيف سويتم - أيها المشركون الجهلاء - فى العبادة، بين الخالق الرازق الذى يملك كل شئ، وبين غيره من المعبودات الباطلة التى لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل، ولا تملك شيئا.<br>وقال - سبحانه - { هل يستوون } مع أن المتقدم اثنان، لأن المراد جنس العبيد والأحرار، المدلول عليهما بقوله { عبدا } وبقوله { ومن رزقناه }.<br>فالمقصود بالمثل كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان.<br>وقوله: { الحمد لله } ثناء منه - سبحانه - على ذاته، حيث ساق - سبحانه - هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل.<br>أى: قل - أيها الانسان المؤمن العاقل - { الحمد } كله { لله } - تعالى - على إرشاده لعباده المؤمنين، وتعليمهم كيف يقذفون بحقهم على باطل أعدائهم فإذا هو زاهق.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء الكافرين الضالين، لا يعلمون كيف يميزون بين الحق والباطل لانطماس بصائرهم، واستيلاء الجحود والحسد والعناد على قلوبهم.<br>وقال - سبحانه - { بل أكثرهم .. } للإِشعار بأن من هؤلاء الكافرين من يعلم الحق ويعرفه كما يعرف أبناءه، ولكن الهوى والغرور والتقليد الباطل .. حال بينه وبين اتباع الحق.<br>هذا هو المثال الأول الذى ذكره الله - تعالى - للاستدلال على بطلان التسوية بين عبادة الله - تعالى - الخالق لكل شئ والمالك لكل شئ .. وبين عبادة غيره من الأصنام والجمادات التى لا تخلق شيئا، ولا تملك شيئا، ولا تضر ولا تنفع.<br>أما المثال الثانى فهو أشد وضوحا من سابقه على وحدانية الله - تعالى - ورحمته بعباده، وعلى الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر، ويتجلى هذا المثال فى قوله - عز وجل -: { وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ .. }.<br>أى: وذكر الله - تعالى - مثلا آخر لرجلين، { أحدهما أبكم } أى: لا يستطيع النطق أو الكلام، ضعيف الفهم والتفهيم لغيره.<br>{ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ } أى: لا يقدر على فعل شئ من الأشياء المتعلقة بنفسه وبغيره.<br>{ وهو } أى هذا الرجل { كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } أى: حمل ثقيل، وهم كبير على مولاه الذى يتولى شئونه من طعام وشراب وكساء وغير ذلك. وهذا بيان لعدم قدرته على القيام بمصالح نفسه، بعد بيان عدم قدرته على القيام بفعل أى شئ على الإِطلاق.<br>قال القرطبى: قوله { وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } أى ثقل على وليه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه، وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر:أكول لمال الكَلِّ قبل شبابه  إذا كان عظم الكلِّ غير شديدفالكل هو الإِنسان العاجز الضعيف الذى يكون محتاجا إلى من يرعى شئونه.<br>وقوله { أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } أى: أن هذا الرجل حيثما يوجهه مولاه وكافله لقضاء أمر من الأمور يعود خائبا، لعجزه، وضعف حيلته، وقلة إدراكه ..<br>فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا الرجل بأربع صفات، تدل على سوء فهمه، وقلة حيلته، وثقله على ولى أمره، وانسداد طرق الخير فى وجهه ..<br>هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .. }.<br>أى: { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ } أى هذا الرجل الأبكم العاجز .. مع رجل آخر { يأمر } غيره بالعدل \"وهو\" أى هذا الرجل الآخر فى نفسه { وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أى: على دين قويم، وخلق كريم فقد جمع بذلك بين فضيلتين جليلتين: نفعه لغيره، وصلاحه فى ذاته.<br>لا شك أن هذين الرجلين لا يستويان فى عقل أى عاقل، إذ أن أولهما أبكم عاجز خائب .. وثانيهما منطيق، ناصح لغيره، جامع لخصال الخير فى نفسه.<br>وما دام الامر كذلك فكيف سويتم - أيها المشركون الضالون المكذبون - فى العبادة بين الله - تعالى - وهو الخالق لكل شئ، وبين تلك الأصنام التى لا تسمع ولا تبصر ولا تغنى عن عابديها شيئا.<br>أو كيف سويتم بين المؤمن الجامع لكل مكرمة، وبين الكافر الغبى الأبله الذى آثر الغى على الرشد، فتكون الآية الكريمة مسوقة لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر.<br>وقد قابل - سبحانه - الأوصاف الأربعة للرجل الأول، بهذين الوصفين للرجل الثانى، لأن حاصل أوصاف الأول أنه غير مستحق لشئ، وحاصل وصفى الثانى أنه مستحق لكل فضل وخير.<br>وقوله { وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ... } معطوف على الضمير المستتر فى قوله { هل يستوى ... }.<br>وجملة { وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فى محل نصب على الحال.<br>وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين، لبيان الفرق الشاسع بين ذات الله - تعالى - الخلاق العليم، الرزاق الكريم .. وبين تلك المعبودات الباطلة التى أشركها الضالون فى العبادة مع الله - عز وجل -.<br>أو بين المؤمن الذى هو على بصيرة من أمره، وبين الكافر الذى استحب العمى على الهدى .. أو بين الحق فى وضوحه وجماله وجلاله، وبين الباطل فى ظلامه وقبحه وخسته.<br>هذا، وما ذكره بعضهم من أن المثلين فى الآيتين الكريمتين، قد وردا فى أشخاص معينين من المؤمنين أو الكافرين، لا يعول عليه، لضعف الروايات التى وردت فى ذلك، ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"وما روى من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار، أو بالأبكم أبى بن خلف، والآمر بالعدل عثمان بن مظعون لا يصح إسناده..\".<br>وبهذين المثلين تكون السورة الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأسطعها على صحة قوله - تعالى - قبل ذلك: {  { وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ... }  }.ثم ساقت السورة بعد ذلك ما يدل على إحاطة علمه - سبحانه - بكل شئ، وعلى شمول قدرته، وعلى سابغ نعمته، فقال - تعالى -: { وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }."
    },
    {
        "id": "2000",
        "sura_number": "16",
        "ayah_number": "75",
        "aya": "",
        "sura": "النحل",
        "mediator": "والمراد بقوله سبحانه: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..... } كل معبود سوى الله - تعالى - من صنم أو وثن أو غير ذلك من المعبودات الباطلة.<br>والجملة الكريمة داخلة تحت مضمون الاستفهام الانكارى، ومعطوفة عليه: وهو قوله - تعالى -: {  { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ }  }.أى أن هؤلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى -، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم أنهم يؤمنون بالباطل، ويكفرون بالحق، ويعبدون من دون الله - تعالى - أصناما وأوثانا لا تملك لعابدها أى شئ من الرزق فهى لا تنزل مطرا من السماء ولا تخرج نباتا من الأرض، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر ..<br>و\"ما\" فى قوله - تعالى - { مَا لاَ يَمْلِكُ .. } كناية عن معبوداتهم الباطلة فهى مفردة لفظا، مجموعة معنى.<br>والتنكير فى قوله - سبحانه - { رزقا } للاشعار بقلته وتفاهته، وأن معبوداتهم لا تملك لهم أى شئ من الرزق، حتى ولو كان تافها حقيرا.<br>وقوله: { شيئا } منصوب على المصدر، أى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ملكا، أى: شيئا من الملك.<br>والضمير فى قوله { ولا يستطيعون } يعود إلى { ما } وجمع بصيغة العقلاء بناء على زعمهم الفاسد، من أن هذه الأصنام فى إمكانها النفع والضر.<br>وجاءت جملة { ولا يستطيعون } بعد قوله - تعالى - { مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ .. } لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أى شئ فهى لا تملك شيئا، وليس فى استطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك.<br>وقوله - سبحانه - { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ .. } نهى منه - سبحانه - عن أن يشبه فى ذاته أو صفاته بغيره، وقد جاء هذا النهى فى صورة الالتفات من الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى، والفاء لترتيب النهى على ما عدد من النعم التى وردت فى هذه السورة والتى لم ينته الحديث عنها بعد.<br>والأمثال: جمع مثل، وهو النظير والشبيه لغيره، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه -، لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا.<br>وتضرب الأمثال: لتوضيح الشئ الغريب، وتقريب المعنى المعقول من المعنى المحسوس، وعرض ما هو غائب فى صورة ما هو مشاهد، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس.<br>وقوله - تعالى - { إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } تعليل لهذا النهى عن ضرب الأمثال لله - عز وجل -.<br>أى: فلا تتجاسروا، وتتطاولوا، وتضربوا لله - تعالى - الأمثال، كما يضرب بعضكم لبعض، فإن الله - تعالى - هو الذى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك.<br>قال الزجاج: ورد أن المشركين كانوا يقولون: إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك، فنهوا عن ذلك.<br>ثم وضح لهم - سبحانه - كيف تضرب الأمثال، فساق مثلين حكيمين يدلان على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ..<br>أما المثل الأول فيتجلى فى قوله - عز وجل -: { ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ .. }. أى: ذكر الله - تعالى - وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به على وحدانيته - سبحانه - وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره، وهذا العبد لا يقدر على شئ من التصرفات حتى ولو كانت قليلة.<br>وقوله - سبحانه -: { عبدا } بدل من { مثلا } و{ مملوكا } صفة للعبد. ووصف - سبحانه - العبد بأنه مملوك، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر، لأن كليهما يشترك فى كونه عبدا لله - تعالى -.<br>ووصفه أيضا - بأنه لا يقدر على شئ للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون له فى التصرف، لأنهما يقدران على بعض التصرفات.<br>هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً ... }.<br>قال الآلوسى: و\"من\" فى قوله { ومن رزقناه } نكرة موصوفة، ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة - أيضا -، وقيل: إنها موصولة، والأول اختيار الأكثرين أى: حرا رزقناه بطريق الملك، والالتفات إلى التكلم - فى { رزقناه } للإِشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق ...\".<br>أى: ذكر الله - تعالى - لكم لتتعظوا وتتفكروا، حال رجلين: أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شئ. والثانى حر مالك رزقه الله - تعالى - رزقا واسعا حلالا حسنا، { فهو } أى هذا الحر ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن { سرا وجهرا } واختار - سبحانه - ضمير العظمة فى قوله { رزقناه } للإِشعار بكثره هذا الرزق وعظمته، ويزيده كثرة وعظمة قوله - تعالى - بعد ذلك { مِنَّا } أى؛ من عندنا وحدنا وليس من عند غيرنا.<br>ووصف - سبحانه - الرزق بالحسن، للإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب مستحسن فى الشرع وفى نظر الناس.<br>وقال - سبحانه - { فهو ينفق } بصيغة الجملة الاسمية، للدلالة على ثبوت هذا الإنفاق ودوامه.<br>وقوله { سرا وجهرا } منصوبان على المصدر، أى إنفاق سر وجهر، أو على الحالية، أى فهو ينفق منه فى حالتى السر والجهر.<br>والمراد أنه إنسان كريم، لا يبخل بشئ مما رزقه الله، بل ينفق منه فى عموم الأحوال، وعلى من تحسن معه النفقة سرا، وعلى من تحسن معه النفقة جهرا.<br>هذان هما الجانبان المتقابلان فى هذا المثل، والفرق بينهما واضح وعظيم عند كل ذى قلب سليم، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإِنكارى التوبيخى فقال:<br>{ هل يستوون }؟ أى: هل يستوى فى عرفكم أو فى عرف أى عاقل، هذا العبد المملوك العاجز الذى لا يقدر على شئ .. مع هذا الإنسان الحر. المالك الذى رزقه الله - سبحانه - رزقا واسعا حلالا، فشكر الله عليه، واستعمله فى وجوه الخير.<br>إن مما لا شك فيه أنهما لا يستويان حتى فى نظر من عنده أدنى شئ من عقل.<br>وما دام الأمر كذلك، فكيف سويتم - أيها المشركون الجهلاء - فى العبادة، بين الخالق الرازق الذى يملك كل شئ، وبين غيره من المعبودات الباطلة التى لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل، ولا تملك شيئا.<br>وقال - سبحانه - { هل يستوون } مع أن المتقدم اثنان، لأن المراد جنس العبيد والأحرار، المدلول عليهما بقوله { عبدا } وبقوله { ومن رزقناه }.<br>فالمقصود بالمثل كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان.<br>وقوله: { الحمد لله } ثناء منه - سبحانه - على ذاته، حيث ساق - سبحانه - هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل.<br>أى: قل - أيها الانسان المؤمن العاقل - { الحمد } كله { لله } - تعالى - على إرشاده لعباده المؤمنين، وتعليمهم كيف يقذفون بحقهم على باطل أعدائهم فإذا هو زاهق.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء الكافرين الضالين، لا يعلمون كيف يميزون بين الحق والباطل لانطماس بصائرهم، واستيلاء الجحود والحسد والعناد على قلوبهم.<br>وقال - سبحانه - { بل أكثرهم .. } للإِشعار بأن من هؤلاء الكافرين من يعلم الحق ويعرفه كما يعرف أبناءه، ولكن الهوى والغرور والتقليد الباطل .. حال بينه وبين اتباع الحق.<br>هذا هو المثال الأول الذى ذكره الله - تعالى - للاستدلال على بطلان التسوية بين عبادة الله - تعالى - الخالق لكل شئ والمالك لكل شئ .. وبين عبادة غيره من الأصنام والجمادات التى لا تخلق شيئا، ولا تملك شيئا، ولا تضر ولا تنفع.<br>أما المثال الثانى فهو أشد وضوحا من سابقه على وحدانية الله - تعالى - ورحمته بعباده، وعلى الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر، ويتجلى هذا المثال فى قوله - عز وجل -: { وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ .. }.<br>أى: وذكر الله - تعالى - مثلا آخر لرجلين، { أحدهما أبكم } أى: لا يستطيع النطق أو الكلام، ضعيف الفهم والتفهيم لغيره.<br>{ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ } أى: لا يقدر على فعل شئ من الأشياء المتعلقة بنفسه وبغيره.<br>{ وهو } أى هذا الرجل { كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } أى: حمل ثقيل، وهم كبير على مولاه الذى يتولى شئونه من طعام وشراب وكساء وغير ذلك. وهذا بيان لعدم قدرته على القيام بمصالح نفسه، بعد بيان عدم قدرته على القيام بفعل أى شئ على الإِطلاق.<br>قال القرطبى: قوله { وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } أى ثقل على وليه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه، وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر:أكول لمال الكَلِّ قبل شبابه  إذا كان عظم الكلِّ غير شديدفالكل هو الإِنسان العاجز الضعيف الذى يكون محتاجا إلى من يرعى شئونه.<br>وقوله { أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } أى: أن هذا الرجل حيثما يوجهه مولاه وكافله لقضاء أمر من الأمور يعود خائبا، لعجزه، وضعف حيلته، وقلة إدراكه ..<br>فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا الرجل بأربع صفات، تدل على سوء فهمه، وقلة حيلته، وثقله على ولى أمره، وانسداد طرق الخير فى وجهه ..<br>هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .. }.<br>أى: { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ } أى هذا الرجل الأبكم العاجز .. مع رجل آخر { يأمر } غيره بالعدل \"وهو\" أى هذا الرجل الآخر فى نفسه { وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أى: على دين قويم، وخلق كريم فقد جمع بذلك بين فضيلتين جليلتين: نفعه لغيره، وصلاحه فى ذاته.<br>لا شك أن هذين الرجلين لا يستويان فى عقل أى عاقل، إذ أن أولهما أبكم عاجز خائب .. وثانيهما منطيق، ناصح لغيره، جامع لخصال الخير فى نفسه.<br>وما دام الامر كذلك فكيف سويتم - أيها المشركون الضالون المكذبون - فى العبادة بين الله - تعالى - وهو الخالق لكل شئ، وبين تلك الأصنام التى لا تسمع ولا تبصر ولا تغنى عن عابديها شيئا.<br>أو كيف سويتم بين المؤمن الجامع لكل مكرمة، وبين الكافر الغبى الأبله الذى آثر الغى على الرشد، فتكون الآية الكريمة مسوقة لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر.<br>وقد قابل - سبحانه - الأوصاف الأربعة للرجل الأول، بهذين الوصفين للرجل الثانى، لأن حاصل أوصاف الأول أنه غير مستحق لشئ، وحاصل وصفى الثانى أنه مستحق لكل فضل وخير.<br>وقوله { وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ... } معطوف على الضمير المستتر فى قوله { هل يستوى ... }.<br>وجملة { وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فى محل نصب على الحال.<br>وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين، لبيان الفرق الشاسع بين ذات الله - تعالى - الخلاق العليم، الرزاق الكريم .. وبين تلك المعبودات الباطلة التى أشركها الضالون فى العبادة مع الله - عز وجل -.<br>أو بين المؤمن الذى هو على بصيرة من أمره، وبين الكافر الذى استحب العمى على الهدى .. أو بين الحق فى وضوحه وجماله وجلاله، وبين الباطل فى ظلامه وقبحه وخسته.<br>هذا، وما ذكره بعضهم من أن المثلين فى الآيتين الكريمتين، قد وردا فى أشخاص معينين من المؤمنين أو الكافرين، لا يعول عليه، لضعف الروايات التى وردت فى ذلك، ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"وما روى من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار، أو بالأبكم أبى بن خلف، والآمر بالعدل عثمان بن مظعون لا يصح إسناده..\".<br>وبهذين المثلين تكون السورة الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأسطعها على صحة قوله - تعالى - قبل ذلك: {  { وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ... }  }.ثم ساقت السورة بعد ذلك ما يدل على إحاطة علمه - سبحانه - بكل شئ، وعلى شمول قدرته، وعلى سابغ نعمته، فقال - تعالى -: { وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }."
    },
    {
        "id": "2001",
        "sura_number": "16",
        "ayah_number": "76",
        "aya": "",
        "sura": "النحل",
        "mediator": "والمراد بقوله سبحانه: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..... } كل معبود سوى الله - تعالى - من صنم أو وثن أو غير ذلك من المعبودات الباطلة.<br>والجملة الكريمة داخلة تحت مضمون الاستفهام الانكارى، ومعطوفة عليه: وهو قوله - تعالى -: {  { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ }  }.أى أن هؤلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى -، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم أنهم يؤمنون بالباطل، ويكفرون بالحق، ويعبدون من دون الله - تعالى - أصناما وأوثانا لا تملك لعابدها أى شئ من الرزق فهى لا تنزل مطرا من السماء ولا تخرج نباتا من الأرض، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر ..<br>و\"ما\" فى قوله - تعالى - { مَا لاَ يَمْلِكُ .. } كناية عن معبوداتهم الباطلة فهى مفردة لفظا، مجموعة معنى.<br>والتنكير فى قوله - سبحانه - { رزقا } للاشعار بقلته وتفاهته، وأن معبوداتهم لا تملك لهم أى شئ من الرزق، حتى ولو كان تافها حقيرا.<br>وقوله: { شيئا } منصوب على المصدر، أى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ملكا، أى: شيئا من الملك.<br>والضمير فى قوله { ولا يستطيعون } يعود إلى { ما } وجمع بصيغة العقلاء بناء على زعمهم الفاسد، من أن هذه الأصنام فى إمكانها النفع والضر.<br>وجاءت جملة { ولا يستطيعون } بعد قوله - تعالى - { مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ .. } لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أى شئ فهى لا تملك شيئا، وليس فى استطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك.<br>وقوله - سبحانه - { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ .. } نهى منه - سبحانه - عن أن يشبه فى ذاته أو صفاته بغيره، وقد جاء هذا النهى فى صورة الالتفات من الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى، والفاء لترتيب النهى على ما عدد من النعم التى وردت فى هذه السورة والتى لم ينته الحديث عنها بعد.<br>والأمثال: جمع مثل، وهو النظير والشبيه لغيره، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه -، لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا.<br>وتضرب الأمثال: لتوضيح الشئ الغريب، وتقريب المعنى المعقول من المعنى المحسوس، وعرض ما هو غائب فى صورة ما هو مشاهد، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس.<br>وقوله - تعالى - { إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } تعليل لهذا النهى عن ضرب الأمثال لله - عز وجل -.<br>أى: فلا تتجاسروا، وتتطاولوا، وتضربوا لله - تعالى - الأمثال، كما يضرب بعضكم لبعض، فإن الله - تعالى - هو الذى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك.<br>قال الزجاج: ورد أن المشركين كانوا يقولون: إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك، فنهوا عن ذلك.<br>ثم وضح لهم - سبحانه - كيف تضرب الأمثال، فساق مثلين حكيمين يدلان على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ..<br>أما المثل الأول فيتجلى فى قوله - عز وجل -: { ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ .. }. أى: ذكر الله - تعالى - وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به على وحدانيته - سبحانه - وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره، وهذا العبد لا يقدر على شئ من التصرفات حتى ولو كانت قليلة.<br>وقوله - سبحانه -: { عبدا } بدل من { مثلا } و{ مملوكا } صفة للعبد. ووصف - سبحانه - العبد بأنه مملوك، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر، لأن كليهما يشترك فى كونه عبدا لله - تعالى -.<br>ووصفه أيضا - بأنه لا يقدر على شئ للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون له فى التصرف، لأنهما يقدران على بعض التصرفات.<br>هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً ... }.<br>قال الآلوسى: و\"من\" فى قوله { ومن رزقناه } نكرة موصوفة، ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة - أيضا -، وقيل: إنها موصولة، والأول اختيار الأكثرين أى: حرا رزقناه بطريق الملك، والالتفات إلى التكلم - فى { رزقناه } للإِشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق ...\".<br>أى: ذكر الله - تعالى - لكم لتتعظوا وتتفكروا، حال رجلين: أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شئ. والثانى حر مالك رزقه الله - تعالى - رزقا واسعا حلالا حسنا، { فهو } أى هذا الحر ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن { سرا وجهرا } واختار - سبحانه - ضمير العظمة فى قوله { رزقناه } للإِشعار بكثره هذا الرزق وعظمته، ويزيده كثرة وعظمة قوله - تعالى - بعد ذلك { مِنَّا } أى؛ من عندنا وحدنا وليس من عند غيرنا.<br>ووصف - سبحانه - الرزق بالحسن، للإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب مستحسن فى الشرع وفى نظر الناس.<br>وقال - سبحانه - { فهو ينفق } بصيغة الجملة الاسمية، للدلالة على ثبوت هذا الإنفاق ودوامه.<br>وقوله { سرا وجهرا } منصوبان على المصدر، أى إنفاق سر وجهر، أو على الحالية، أى فهو ينفق منه فى حالتى السر والجهر.<br>والمراد أنه إنسان كريم، لا يبخل بشئ مما رزقه الله، بل ينفق منه فى عموم الأحوال، وعلى من تحسن معه النفقة سرا، وعلى من تحسن معه النفقة جهرا.<br>هذان هما الجانبان المتقابلان فى هذا المثل، والفرق بينهما واضح وعظيم عند كل ذى قلب سليم، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإِنكارى التوبيخى فقال:<br>{ هل يستوون }؟ أى: هل يستوى فى عرفكم أو فى عرف أى عاقل، هذا العبد المملوك العاجز الذى لا يقدر على شئ .. مع هذا الإنسان الحر. المالك الذى رزقه الله - سبحانه - رزقا واسعا حلالا، فشكر الله عليه، واستعمله فى وجوه الخير.<br>إن مما لا شك فيه أنهما لا يستويان حتى فى نظر من عنده أدنى شئ من عقل.<br>وما دام الأمر كذلك، فكيف سويتم - أيها المشركون الجهلاء - فى العبادة، بين الخالق الرازق الذى يملك كل شئ، وبين غيره من المعبودات الباطلة التى لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل، ولا تملك شيئا.<br>وقال - سبحانه - { هل يستوون } مع أن المتقدم اثنان، لأن المراد جنس العبيد والأحرار، المدلول عليهما بقوله { عبدا } وبقوله { ومن رزقناه }.<br>فالمقصود بالمثل كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان.<br>وقوله: { الحمد لله } ثناء منه - سبحانه - على ذاته، حيث ساق - سبحانه - هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل.<br>أى: قل - أيها الانسان المؤمن العاقل - { الحمد } كله { لله } - تعالى - على إرشاده لعباده المؤمنين، وتعليمهم كيف يقذفون بحقهم على باطل أعدائهم فإذا هو زاهق.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء الكافرين الضالين، لا يعلمون كيف يميزون بين الحق والباطل لانطماس بصائرهم، واستيلاء الجحود والحسد والعناد على قلوبهم.<br>وقال - سبحانه - { بل أكثرهم .. } للإِشعار بأن من هؤلاء الكافرين من يعلم الحق ويعرفه كما يعرف أبناءه، ولكن الهوى والغرور والتقليد الباطل .. حال بينه وبين اتباع الحق.<br>هذا هو المثال الأول الذى ذكره الله - تعالى - للاستدلال على بطلان التسوية بين عبادة الله - تعالى - الخالق لكل شئ والمالك لكل شئ .. وبين عبادة غيره من الأصنام والجمادات التى لا تخلق شيئا، ولا تملك شيئا، ولا تضر ولا تنفع.<br>أما المثال الثانى فهو أشد وضوحا من سابقه على وحدانية الله - تعالى - ورحمته بعباده، وعلى الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر، ويتجلى هذا المثال فى قوله - عز وجل -: { وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ .. }.<br>أى: وذكر الله - تعالى - مثلا آخر لرجلين، { أحدهما أبكم } أى: لا يستطيع النطق أو الكلام، ضعيف الفهم والتفهيم لغيره.<br>{ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ } أى: لا يقدر على فعل شئ من الأشياء المتعلقة بنفسه وبغيره.<br>{ وهو } أى هذا الرجل { كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } أى: حمل ثقيل، وهم كبير على مولاه الذى يتولى شئونه من طعام وشراب وكساء وغير ذلك. وهذا بيان لعدم قدرته على القيام بمصالح نفسه، بعد بيان عدم قدرته على القيام بفعل أى شئ على الإِطلاق.<br>قال القرطبى: قوله { وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ } أى ثقل على وليه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه، وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر:أكول لمال الكَلِّ قبل شبابه  إذا كان عظم الكلِّ غير شديدفالكل هو الإِنسان العاجز الضعيف الذى يكون محتاجا إلى من يرعى شئونه.<br>وقوله { أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } أى: أن هذا الرجل حيثما يوجهه مولاه وكافله لقضاء أمر من الأمور يعود خائبا، لعجزه، وضعف حيلته، وقلة إدراكه ..<br>فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا الرجل بأربع صفات، تدل على سوء فهمه، وقلة حيلته، وثقله على ولى أمره، وانسداد طرق الخير فى وجهه ..<br>هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -: { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .. }.<br>أى: { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ } أى هذا الرجل الأبكم العاجز .. مع رجل آخر { يأمر } غيره بالعدل \"وهو\" أى هذا الرجل الآخر فى نفسه { وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أى: على دين قويم، وخلق كريم فقد جمع بذلك بين فضيلتين جليلتين: نفعه لغيره، وصلاحه فى ذاته.<br>لا شك أن هذين الرجلين لا يستويان فى عقل أى عاقل، إذ أن أولهما أبكم عاجز خائب .. وثانيهما منطيق، ناصح لغيره، جامع لخصال الخير فى نفسه.<br>وما دام الامر كذلك فكيف سويتم - أيها المشركون الضالون المكذبون - فى العبادة بين الله - تعالى - وهو الخالق لكل شئ، وبين تلك الأصنام التى لا تسمع ولا تبصر ولا تغنى عن عابديها شيئا.<br>أو كيف سويتم بين المؤمن الجامع لكل مكرمة، وبين الكافر الغبى الأبله الذى آثر الغى على الرشد، فتكون الآية الكريمة مسوقة لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر.<br>وقد قابل - سبحانه - الأوصاف الأربعة للرجل الأول، بهذين الوصفين للرجل الثانى، لأن حاصل أوصاف الأول أنه غير مستحق لشئ، وحاصل وصفى الثانى أنه مستحق لكل فضل وخير.<br>وقوله { وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ... } معطوف على الضمير المستتر فى قوله { هل يستوى ... }.<br>وجملة { وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فى محل نصب على الحال.<br>وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين، لبيان الفرق الشاسع بين ذات الله - تعالى - الخلاق العليم، الرزاق الكريم .. وبين تلك المعبودات الباطلة التى أشركها الضالون فى العبادة مع الله - عز وجل -.<br>أو بين المؤمن الذى هو على بصيرة من أمره، وبين الكافر الذى استحب العمى على الهدى .. أو بين الحق فى وضوحه وجماله وجلاله، وبين الباطل فى ظلامه وقبحه وخسته.<br>هذا، وما ذكره بعضهم من أن المثلين فى الآيتين الكريمتين، قد وردا فى أشخاص معينين من المؤمنين أو الكافرين، لا يعول عليه، لضعف الروايات التى وردت فى ذلك، ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: \"وما روى من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار، أو بالأبكم أبى بن خلف، والآمر بالعدل عثمان بن مظعون لا يصح إسناده..\".<br>وبهذين المثلين تكون السورة الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأسطعها على صحة قوله - تعالى - قبل ذلك: {  { وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ... }  }.ثم ساقت السورة بعد ذلك ما يدل على إحاطة علمه - سبحانه - بكل شئ، وعلى شمول قدرته، وعلى سابغ نعمته، فقال - تعالى -: { وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }."
    },
    {
        "id": "2057",
        "sura_number": "17",
        "ayah_number": "4",
        "aya": "",
        "sura": "الإسراء",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ... } إخبار من الله - تعالى - لهم، بما سيكون منهم، حسب ما وقع فى علمه المحيط بكل شئ، والذى ليس فيه إجبار أو قسر، وإنما هو صفة انكشافية، تنبئ عن مآلهم وأحوالهم.<br>قال أبو حيان: والفعل { قضى } يتعدى بنفسه إلى مفعول، كقوله - تعالى -: { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ .. } ولما ضُمِّن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإلى أى: وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى القضاء المحتوم المثبوت وعن ابن عباس: وأعلمناهم ...<br>والمراد بالكتاب: التوراة، وقيل اللوح المحفوظ.<br>واللام فى قوله { لتفسدن ... } جواب قسم محذوف تقديره: والله لتفسدن.<br>ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى -: { وقضينا ... } لأنه مضمن معنى القسم، كما يقول القائل: قضى الله لأفعلن كذا، فيجرى القضاء والقدر مجرى القسم ...<br>والمقصود بالأرض: عمومها أو أرض الشام.<br>و{ مرتين } منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: { لتفسدن } من غير لفظه، والمراد لتفسدن إفسادتين وقوله - عز وجل -: { ولتعلن .. } من العلو وهو ضد السفل، والمراد به هنا: التكبر والتجبر والبغى والعدوان.<br>والمعنى: وأخبرنا بنى إسرائيل فى كتابهم التوراة خبراً مؤكدا: وأوحينا إليهم بواسطة رسلنا، بأن قلنا لهم: لتفسدن فى الأرض مرتين، ولتستكبرون على الناس بغير حق، استكبارا كبيرا، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار.<br>والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه فى الكتاب، يدل على ثبوته، إذ أصل القضاء - كما يقول القرطبى - الإِحكام للشئ والفراغ منه.<br>وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم، للإِشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغى والعدوان.<br>وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض: تحريفهم للتوراة، وتركهم العمل بما فيها من أحكام، وقتلهم الأنبياء والمصلحين.<br>ثم بين - سبحانه - أنه يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول فى الأرض، من يقهرهم ويستبيح حرماتهم، ويدمرهم تدميرا، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً }.<br>والمراد بالوعد: الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم فى الأرض، فالكلام على حذف مضاف، والضمير فى { أولاهما } يعود على المرتين المعبر عنهما بقول: { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ }.<br>وقوله { فجاسوا } معطوف على { بعثنا } وأصل الجوس: طلب الشئ باستقصاء واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان الطلب.<br>والمعنى: فإذا حان وقت عقابكم - يا بنى إسرائيل - على أولى مرتى إفسادكم بعثنا عليكم ووجهنا إليكم { عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أى أصحاب بطش شديد فى الحروب والقتال، فأذلوكم وقهروكم، وفتشوا عنكم بين المساكن والديار، لقتل من بقى منكم على قيد الحياة، وكان البعث المذكور وما ترتب عليه من قتلكم وسلب أموالكم، وهتك أعراضكم، وتخريب دياركم ... وعدا نافذا لا مرد له، ولا مفر لكم منه.<br>قال الآلوسى: واختلف فى تعيين هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول - فعن ابن عباس وقتادة: هم جالوت وجنوده، وقال ابن جبير وابن إسحاق: هم سنحاريب ملك بابل وجنوده. وقيل: هم العمالقة، وقيل: بختنصر.<br>وسنبين رأينا فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين، بعد تفسيرنا لهذه الآيات الكريمة.<br>فإن قال قائل: وما فائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى التوراة أنهم يفسدون فى الأرض مرتين. وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء وطغيان، بأن يسلط عليهم من يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم؟.<br>فالجواب: أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئا، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير، وأن رحمته مفتوحة للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم.<br>وهناك فائدة أخرى لهذا الإِخبار، وهو تنبيه العقلاء فى جميع الأمم أن يحذروا من مواقعة المعاصى التى تؤدى إلى الهلاك، وأن يحذروا أممهم من ذلك، ويبصروهم بسوء عاقبة السير فى طريق الغى، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله - عز وجل -.<br>ومن فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من المشركين، إلى سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن الإِفساد عاقبته الخسران.<br>فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ثبتت نبوته ثبوتا لا شك فيه، لكى يسعدوا فى دنياهم وآخرتهم.<br>ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإِخبار، وهى أن الأمم المغلوبة على أمرها. تستطيع أن تسترد مجدها، متى أصلحت من شأن أنفسها، ومتى استقامت على أمر الله - تعالى - فقال - سبحانه -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم، بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم.<br>أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ }.<br>والكَرَّة: المرة من الشئ: وأصلها من الكَرِّ وهو الرجوع، مصدر كريكر - من باب قتل -، يقال: كرَّ الفارس كَرًّا، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال.<br>والمراد بالكرة هنا: الدولة والغلبة على سبيل المجاز.<br>أى: ثم أعدنا لكم - يا بنى إسرائيل - الدولة والغلبة على أعدائكم الذين قهروكم وأذلوكم، بعد أن أحسنتم العمل، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ما جاءكم به رسلكم.<br>والتعبير بثم لإِفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان، وما أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر.<br>قال أبو حيان: وجعل - سبحانه - { رددنا } موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع، عبر عن المستقبل بالماضى.<br>وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }.<br>أى: لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم، بل فضلا عن ذلك، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم.<br>وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى -: { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته، وهو منصوب على التمييز. والمفضل عليه محذوف، والتقدير: وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم..<br>فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم، وأن تحسنوا الاستفادة منها، بأن تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة، فقد نصركم بعد هزيمتكم، وأغناكم بعد فقركم، وكثّركم بعد قتلكم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان عاقبته الفلاح، والعصيان عاقبته الخسران، وأن كل إنسان مسئول عن عمله، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه، فقال - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>أى: إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل، وإن أسأتم أعمالكم، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى -.<br>وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ }.<br>وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن { رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ } على أعدائكم { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>قال صاحب البحر ما ملخصه: وجواب { وإن أسأتم } قوله { فلها } وهو خبر لمبتدأ محذوف أى: فالإِساءة لها. قال الكرمانى: قال - سبحانه -: { فلها } باللام ازدواجا.<br>أى: أنه قابل { لأنفسكم } بقوله { فلها }. وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى: فإليها ترجع الإِساءة.<br>وقيل: اللام بمعنى على. أى: فعليها، كما فى قول الشاعر: فخر صريعا لليدين وللفم.<br>ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار، بعد إفسادهم للمرة الثانية، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }.<br>والكلام أيضا هنا على  حذف مضاف، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ } فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى: ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل.<br>قال الجمل ما ملخصه: وقوله { ليسوءوا } الواو للعباد أولى البأس الشديد.<br>وفى عود الواو على العباد نوع استخدام، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده.<br>وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل \"ليسوء\" والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد، وإما البعث.<br>وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة. أى: لنسوء نحن وهو موافق لما قبله، من قوله: بعثنا، ورددنا، وأمددنا، ولما بعده من قوله: عدنا، وجعلنا، وقرأ الباقون. ليسوءوا، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد، وهو موافق لما بعده من قوله: { وليدخلوا المسجد } { وليتبروا }.<br>وقال الإِمام الرازى: ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه، وإنما عزا - سبحانه - الإِساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب، ظهر الكلوح فى الوجه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - { ليسوءوا وجوهكم }.<br>والمراد بالمسجد: المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس، وقوله { كما دخلوه } صفة لمصدر محذوف.<br>والمعنى: وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة.<br>قال أبو حيان: ومعنى { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أى بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال.<br>أى: أن المراد من التشبيه، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهروهم.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً } يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه. ومنه قول الشاعر:وما الناس إلا عاملان فعامل  يتبر ما يبنى وآخر رافعأى: يخرب ويهد ما يبنى.<br>و\"ما\" فى قوله { ما علوا } اسم موصول مفعول يتبروا: وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها، والعائد محذوف، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله.<br>أى: وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها، وصارت فى حوزتهم، تدميرا تاما لا مزيد عليه.<br>وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل، عقب إفسادهم الثانى فى الأرض، لم يكتفوا بجوس الديار، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف.<br>ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين، قد يكون طريقا لرحمتهم، وسببا فى توبتهم وإنابتهم، إن فتحوا قلوبهم للحق، واعتبروا بالأحداث الماضية، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك.<br>وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير وأحكمه. فقال - تعالى -: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً }.<br>أى: عسى ربكم أن يرحمكم: ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفعه إلا بتوبة.<br>قال: أبو حيان: وهذه الترجية ليست لرجوع دولة، وإنما هى من باب ترحم المطيع منهم، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم.<br>أى: وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى، وانتهاك حرماتى، بعد أن تداركتكم رحمتى، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار.<br>ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بهذا الإِعراض بل هموا بقتله صلى الله عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإِسلام والمسلمين، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل . .<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: \"عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين\".<br>ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } أى: إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة، أما فى الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم { حصيرا } أى: سجنا: حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه، أو الفكاك عنه، أو فراشا تفترشونه، كما قال - تعالى -: {  { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }  }.قال بعض العلماء: \"قوله { حصيرا } فيه وجهان: الأول: أن الحصير المحبس والسجن. من الحصر وهو الحبس: يقال حصره يحصره حصرا، إذا ضيق عليه وأحاط به.<br>والثانى أن الحصير: البساط والفراش، من الحصير الذى يفرش، لأن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا ..\".<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فى بنى إسرائيل، وساقت لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف، والتى من أبرزها أن الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.<br>هذا، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف.<br>ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } فكان أول الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يدعى \"صحابين\" فبعث الجنود، وكانوا من أهل فارس .. فتحصنت بنو إسرائيل .. ودخل فيهم \"بختنصر\" - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم .. الخ.<br>وهذا الأثر من وجوه ضعفه، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحوالى ستة قرون.<br>لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات: الأولى فى سنة 606 ق. م والثانية فى سنة 599 ق. م، والثالة فى سنة 588 ق. م.<br>وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل.<br>أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره: فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى.<br>وإذاً فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا، وأن المسلط عليهم ملك النبط ومع \"بختنصر\" يتنافى مع الحقائق التاريخية.<br>وفضلا عن ذلك، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر، لأن \"صحابين\" ملك النبط، هو الذى يسميه المؤرخون \"سنحاريب\" وكان ملكا للأشوريين، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة 713 ق. م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة، أى: أن بختنصر لم يكن معاصرا له.<br>والرأى الذى نختاره: هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول، هم جالوت وجنوده. ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى أمور من أهمها ما يلى:<br>1- ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة، عند عرضه لقصة القتال الذى دار بين طالوت قائد بنى إسرائيل، وبين \"جالوت\" قائد أعدائهم، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم.<br>ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى -: {  { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. }  }.فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. } يدل دلالة قوية، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم، وإلى مفارقة أبنائهم.<br>2- قوله - تعالى -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } صريح فى أن الله - تعالى - نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم.<br>وهذا المعنى ينطبق على ما قصه القرآن علينا، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده.<br>قال - تعالى -: {  { وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ .. }  }.ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم. ولا شك أن النصر فى هذه الحالة، أدعى لطاعة الله - تعالى - وشكره على آلائه.<br>3- قوله - تعالى -: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت، وداود، وسليمان لهم.<br>ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم، وعز سلطانهم وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة، وبالبنين الكثيرة، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة.<br>أما بعد هذا العهد، بل وقبل هذا العهد، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى والنكبات.<br>فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة 975 ق. م تقريبا، انقسمت مملكتهم إلى قسمين: مملكة يهوذا فى الجنوب، ومملكة إسرائيل فى الشمال، واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنة 721 ق. م على مملكة إسرائيل، وقضى \"بختنصر\" على مملكة يهوذا سنة 588 ق. م.<br>4- ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده.<br>أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: بعث الله عليهم فى الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا، فبعث لهم طالوت، فقاتلوا جالوت، وانتصروا عليه، وقتل داود جالوت، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم. فلما أفسدوا بعث الله عليهم فى المرة الآخرة \"بختنصر\" فخرب المساجد، وتبر ما علوا تتبيرا...<br>هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض، هم جالوت وجنوده.<br>أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى، فيرى كثير من المفسرين أنهم \"بختنصر\" وجنوده.<br>وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق. م.<br>إلا أننا نؤثر على هذا الرأى، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى، هم الرومان بقيادة زعيمهم، تيطس سنة 70 م. لأمور من أهمها:.<br>1- أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل \"تيطس\" بهم، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال \"بختنصر\" لهم. فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليهما السلام -، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم.<br>2- ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى اسرائيل. من ضربات \"بختنصر\" لهم.<br>فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة \"تيطس\" بلغ مليون قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير.<br>بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد \"بختنصر\" كان أقل من هذا العدد بكثير.<br>ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم.<br>يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد \"تيطس\" الرومانى: كان \"تيطس\" فى الثلاثين من عمره، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال الحصار.<br>وبعد أن اقتحم \"تيطس\" وجنوده المدينة، أصدر أمره إليهم: أن احرقوا وانهبوا واقتلوا، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال: ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا، وسيحل الغضب على أهلها، وسيسقطون صرعى على حد السيف، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر، وستطأ أورشليم الأقدام.<br>3- النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التى أنزلها بختنصر بهم. لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى، بمساعدة \"قورش\" ملك الفرس، الذى انتصر على \"بختنصر\" سنة 538 ق. م تقريبا، وبدأوا يتكاثرون من جديد.<br>أما بعد تنكيل \"تيطس\" بهم فلم تقم لهم قائمة، ومزقوا فى الأرض شر ممزق، وانقطع دابرهم كأمة.<br>وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإِسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه \"تيطس\" بهم من ضربات: إلى هنا ينتهى تاريخ الإِسرائيليين كأمة، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد \"تيطس\" تفرقوا فى جميع بلاد الله، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ الممالك التى توطنوها أو نزلوا فيها...<br>ولهذه الأسباب نرجح أن يكون العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الثانى فى الأرض، هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>هذا، ومع ترجيحنا بأن المسلط عليهم فى المرة الأولى، هم جالوت وجنوده وفى المرة الثانية هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>أقول مع ترجيحنا لذلك، إلا أننا نحب فى نهاية حديثنا عن هذه الآيات الكريمة، أن نقرر ما يأتى:<br>1- أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فى بيان المراد بالعباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل عقب مرتى إفسادهم، وإلا لذكره المفسرون.<br>2- أن الإِفساد فى الأرض قد حدث كثيرا من بنى اسرائيل، وأن المقصود من قوله - تعالى - { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } إنما هو أظهر وأبرز مرتين حدث فيهما الإِفساد منهم.<br>ومما يدل على أن هذا الإِفساد قد تكرر منهم قوله - تعالى -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } وقوله - تعالى -: {  { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ }  }.3- أن المقصود من سياق الآيات، إنما هو بيان سنة من سنن الله فى الأمم حال صلاحها وفسادها.<br>وقد ساق القرآن الكريم هذا المعنى بأحكم عبارة، وذلك فى قوله - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>ولا شك أن هذه السنة ماضية فى الأمم دون تبديل أو تحويل فى كل زمان ومكان.<br>وما دام هذا هو المقصود، ففهمه لا يتوقف على تحديد مرتى إفسادهم، وتحديد المسلط عليهم عقب كل مرة.<br>ويعجبنى فى هذا المقام، قول الإِمام ابن كثير: \"وقد وردت فى هذا - أى فى المسلط عليهم فى المرتين - آثار كثيرة إسرائيلية، لم أر تطويل الكتاب بذكرها، لأن منها ما هو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن فى غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله علينا فى كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم وقد أخبر الله - تعالى - أنهم لما بغوا وطغوا سلط عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء\".<br>وقول الإِمام الرازى: \"واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض فى معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصى. سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم\".<br>وقد بسطنا فى تفسير هذه الآيات الكريمة، بصورة أكثر تفصيلا فى غير هذا المكان، فليرجع إليه من شاء الاستزادة.<br>وبعد أن بين - سبحانه - أنه قد آتى موسى - عليه السلام - التوراة لتكون هداية لبنى إسرائيل، وأنه - عز وجل - قد قضى فيهم بقضائه العادل. أتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم، فقال - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ... }."
    },
    {
        "id": "2058",
        "sura_number": "17",
        "ayah_number": "5",
        "aya": "",
        "sura": "الإسراء",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ... } إخبار من الله - تعالى - لهم، بما سيكون منهم، حسب ما وقع فى علمه المحيط بكل شئ، والذى ليس فيه إجبار أو قسر، وإنما هو صفة انكشافية، تنبئ عن مآلهم وأحوالهم.<br>قال أبو حيان: والفعل { قضى } يتعدى بنفسه إلى مفعول، كقوله - تعالى -: { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ .. } ولما ضُمِّن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإلى أى: وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى القضاء المحتوم المثبوت وعن ابن عباس: وأعلمناهم ...<br>والمراد بالكتاب: التوراة، وقيل اللوح المحفوظ.<br>واللام فى قوله { لتفسدن ... } جواب قسم محذوف تقديره: والله لتفسدن.<br>ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى -: { وقضينا ... } لأنه مضمن معنى القسم، كما يقول القائل: قضى الله لأفعلن كذا، فيجرى القضاء والقدر مجرى القسم ...<br>والمقصود بالأرض: عمومها أو أرض الشام.<br>و{ مرتين } منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: { لتفسدن } من غير لفظه، والمراد لتفسدن إفسادتين وقوله - عز وجل -: { ولتعلن .. } من العلو وهو ضد السفل، والمراد به هنا: التكبر والتجبر والبغى والعدوان.<br>والمعنى: وأخبرنا بنى إسرائيل فى كتابهم التوراة خبراً مؤكدا: وأوحينا إليهم بواسطة رسلنا، بأن قلنا لهم: لتفسدن فى الأرض مرتين، ولتستكبرون على الناس بغير حق، استكبارا كبيرا، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار.<br>والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه فى الكتاب، يدل على ثبوته، إذ أصل القضاء - كما يقول القرطبى - الإِحكام للشئ والفراغ منه.<br>وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم، للإِشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغى والعدوان.<br>وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض: تحريفهم للتوراة، وتركهم العمل بما فيها من أحكام، وقتلهم الأنبياء والمصلحين.<br>ثم بين - سبحانه - أنه يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول فى الأرض، من يقهرهم ويستبيح حرماتهم، ويدمرهم تدميرا، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً }.<br>والمراد بالوعد: الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم فى الأرض، فالكلام على حذف مضاف، والضمير فى { أولاهما } يعود على المرتين المعبر عنهما بقول: { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ }.<br>وقوله { فجاسوا } معطوف على { بعثنا } وأصل الجوس: طلب الشئ باستقصاء واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان الطلب.<br>والمعنى: فإذا حان وقت عقابكم - يا بنى إسرائيل - على أولى مرتى إفسادكم بعثنا عليكم ووجهنا إليكم { عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أى أصحاب بطش شديد فى الحروب والقتال، فأذلوكم وقهروكم، وفتشوا عنكم بين المساكن والديار، لقتل من بقى منكم على قيد الحياة، وكان البعث المذكور وما ترتب عليه من قتلكم وسلب أموالكم، وهتك أعراضكم، وتخريب دياركم ... وعدا نافذا لا مرد له، ولا مفر لكم منه.<br>قال الآلوسى: واختلف فى تعيين هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول - فعن ابن عباس وقتادة: هم جالوت وجنوده، وقال ابن جبير وابن إسحاق: هم سنحاريب ملك بابل وجنوده. وقيل: هم العمالقة، وقيل: بختنصر.<br>وسنبين رأينا فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين، بعد تفسيرنا لهذه الآيات الكريمة.<br>فإن قال قائل: وما فائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى التوراة أنهم يفسدون فى الأرض مرتين. وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء وطغيان، بأن يسلط عليهم من يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم؟.<br>فالجواب: أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئا، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير، وأن رحمته مفتوحة للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم.<br>وهناك فائدة أخرى لهذا الإِخبار، وهو تنبيه العقلاء فى جميع الأمم أن يحذروا من مواقعة المعاصى التى تؤدى إلى الهلاك، وأن يحذروا أممهم من ذلك، ويبصروهم بسوء عاقبة السير فى طريق الغى، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله - عز وجل -.<br>ومن فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من المشركين، إلى سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن الإِفساد عاقبته الخسران.<br>فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ثبتت نبوته ثبوتا لا شك فيه، لكى يسعدوا فى دنياهم وآخرتهم.<br>ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإِخبار، وهى أن الأمم المغلوبة على أمرها. تستطيع أن تسترد مجدها، متى أصلحت من شأن أنفسها، ومتى استقامت على أمر الله - تعالى - فقال - سبحانه -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم، بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم.<br>أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ }.<br>والكَرَّة: المرة من الشئ: وأصلها من الكَرِّ وهو الرجوع، مصدر كريكر - من باب قتل -، يقال: كرَّ الفارس كَرًّا، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال.<br>والمراد بالكرة هنا: الدولة والغلبة على سبيل المجاز.<br>أى: ثم أعدنا لكم - يا بنى إسرائيل - الدولة والغلبة على أعدائكم الذين قهروكم وأذلوكم، بعد أن أحسنتم العمل، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ما جاءكم به رسلكم.<br>والتعبير بثم لإِفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان، وما أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر.<br>قال أبو حيان: وجعل - سبحانه - { رددنا } موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع، عبر عن المستقبل بالماضى.<br>وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }.<br>أى: لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم، بل فضلا عن ذلك، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم.<br>وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى -: { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته، وهو منصوب على التمييز. والمفضل عليه محذوف، والتقدير: وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم..<br>فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم، وأن تحسنوا الاستفادة منها، بأن تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة، فقد نصركم بعد هزيمتكم، وأغناكم بعد فقركم، وكثّركم بعد قتلكم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان عاقبته الفلاح، والعصيان عاقبته الخسران، وأن كل إنسان مسئول عن عمله، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه، فقال - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>أى: إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل، وإن أسأتم أعمالكم، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى -.<br>وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ }.<br>وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن { رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ } على أعدائكم { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>قال صاحب البحر ما ملخصه: وجواب { وإن أسأتم } قوله { فلها } وهو خبر لمبتدأ محذوف أى: فالإِساءة لها. قال الكرمانى: قال - سبحانه -: { فلها } باللام ازدواجا.<br>أى: أنه قابل { لأنفسكم } بقوله { فلها }. وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى: فإليها ترجع الإِساءة.<br>وقيل: اللام بمعنى على. أى: فعليها، كما فى قول الشاعر: فخر صريعا لليدين وللفم.<br>ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار، بعد إفسادهم للمرة الثانية، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }.<br>والكلام أيضا هنا على  حذف مضاف، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ } فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى: ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل.<br>قال الجمل ما ملخصه: وقوله { ليسوءوا } الواو للعباد أولى البأس الشديد.<br>وفى عود الواو على العباد نوع استخدام، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده.<br>وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل \"ليسوء\" والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد، وإما البعث.<br>وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة. أى: لنسوء نحن وهو موافق لما قبله، من قوله: بعثنا، ورددنا، وأمددنا، ولما بعده من قوله: عدنا، وجعلنا، وقرأ الباقون. ليسوءوا، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد، وهو موافق لما بعده من قوله: { وليدخلوا المسجد } { وليتبروا }.<br>وقال الإِمام الرازى: ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه، وإنما عزا - سبحانه - الإِساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب، ظهر الكلوح فى الوجه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - { ليسوءوا وجوهكم }.<br>والمراد بالمسجد: المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس، وقوله { كما دخلوه } صفة لمصدر محذوف.<br>والمعنى: وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة.<br>قال أبو حيان: ومعنى { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أى بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال.<br>أى: أن المراد من التشبيه، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهروهم.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً } يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه. ومنه قول الشاعر:وما الناس إلا عاملان فعامل  يتبر ما يبنى وآخر رافعأى: يخرب ويهد ما يبنى.<br>و\"ما\" فى قوله { ما علوا } اسم موصول مفعول يتبروا: وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها، والعائد محذوف، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله.<br>أى: وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها، وصارت فى حوزتهم، تدميرا تاما لا مزيد عليه.<br>وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل، عقب إفسادهم الثانى فى الأرض، لم يكتفوا بجوس الديار، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف.<br>ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين، قد يكون طريقا لرحمتهم، وسببا فى توبتهم وإنابتهم، إن فتحوا قلوبهم للحق، واعتبروا بالأحداث الماضية، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك.<br>وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير وأحكمه. فقال - تعالى -: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً }.<br>أى: عسى ربكم أن يرحمكم: ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفعه إلا بتوبة.<br>قال: أبو حيان: وهذه الترجية ليست لرجوع دولة، وإنما هى من باب ترحم المطيع منهم، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم.<br>أى: وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى، وانتهاك حرماتى، بعد أن تداركتكم رحمتى، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار.<br>ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بهذا الإِعراض بل هموا بقتله صلى الله عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإِسلام والمسلمين، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل . .<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: \"عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين\".<br>ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } أى: إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة، أما فى الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم { حصيرا } أى: سجنا: حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه، أو الفكاك عنه، أو فراشا تفترشونه، كما قال - تعالى -: {  { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }  }.قال بعض العلماء: \"قوله { حصيرا } فيه وجهان: الأول: أن الحصير المحبس والسجن. من الحصر وهو الحبس: يقال حصره يحصره حصرا، إذا ضيق عليه وأحاط به.<br>والثانى أن الحصير: البساط والفراش، من الحصير الذى يفرش، لأن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا ..\".<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فى بنى إسرائيل، وساقت لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف، والتى من أبرزها أن الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.<br>هذا، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف.<br>ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } فكان أول الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يدعى \"صحابين\" فبعث الجنود، وكانوا من أهل فارس .. فتحصنت بنو إسرائيل .. ودخل فيهم \"بختنصر\" - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم .. الخ.<br>وهذا الأثر من وجوه ضعفه، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحوالى ستة قرون.<br>لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات: الأولى فى سنة 606 ق. م والثانية فى سنة 599 ق. م، والثالة فى سنة 588 ق. م.<br>وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل.<br>أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره: فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى.<br>وإذاً فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا، وأن المسلط عليهم ملك النبط ومع \"بختنصر\" يتنافى مع الحقائق التاريخية.<br>وفضلا عن ذلك، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر، لأن \"صحابين\" ملك النبط، هو الذى يسميه المؤرخون \"سنحاريب\" وكان ملكا للأشوريين، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة 713 ق. م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة، أى: أن بختنصر لم يكن معاصرا له.<br>والرأى الذى نختاره: هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول، هم جالوت وجنوده. ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى أمور من أهمها ما يلى:<br>1- ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة، عند عرضه لقصة القتال الذى دار بين طالوت قائد بنى إسرائيل، وبين \"جالوت\" قائد أعدائهم، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم.<br>ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى -: {  { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. }  }.فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. } يدل دلالة قوية، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم، وإلى مفارقة أبنائهم.<br>2- قوله - تعالى -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } صريح فى أن الله - تعالى - نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم.<br>وهذا المعنى ينطبق على ما قصه القرآن علينا، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده.<br>قال - تعالى -: {  { وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ .. }  }.ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم. ولا شك أن النصر فى هذه الحالة، أدعى لطاعة الله - تعالى - وشكره على آلائه.<br>3- قوله - تعالى -: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت، وداود، وسليمان لهم.<br>ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم، وعز سلطانهم وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة، وبالبنين الكثيرة، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة.<br>أما بعد هذا العهد، بل وقبل هذا العهد، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى والنكبات.<br>فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة 975 ق. م تقريبا، انقسمت مملكتهم إلى قسمين: مملكة يهوذا فى الجنوب، ومملكة إسرائيل فى الشمال، واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنة 721 ق. م على مملكة إسرائيل، وقضى \"بختنصر\" على مملكة يهوذا سنة 588 ق. م.<br>4- ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده.<br>أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: بعث الله عليهم فى الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا، فبعث لهم طالوت، فقاتلوا جالوت، وانتصروا عليه، وقتل داود جالوت، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم. فلما أفسدوا بعث الله عليهم فى المرة الآخرة \"بختنصر\" فخرب المساجد، وتبر ما علوا تتبيرا...<br>هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض، هم جالوت وجنوده.<br>أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى، فيرى كثير من المفسرين أنهم \"بختنصر\" وجنوده.<br>وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق. م.<br>إلا أننا نؤثر على هذا الرأى، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى، هم الرومان بقيادة زعيمهم، تيطس سنة 70 م. لأمور من أهمها:.<br>1- أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل \"تيطس\" بهم، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال \"بختنصر\" لهم. فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليهما السلام -، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم.<br>2- ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى اسرائيل. من ضربات \"بختنصر\" لهم.<br>فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة \"تيطس\" بلغ مليون قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير.<br>بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد \"بختنصر\" كان أقل من هذا العدد بكثير.<br>ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم.<br>يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد \"تيطس\" الرومانى: كان \"تيطس\" فى الثلاثين من عمره، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال الحصار.<br>وبعد أن اقتحم \"تيطس\" وجنوده المدينة، أصدر أمره إليهم: أن احرقوا وانهبوا واقتلوا، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال: ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا، وسيحل الغضب على أهلها، وسيسقطون صرعى على حد السيف، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر، وستطأ أورشليم الأقدام.<br>3- النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التى أنزلها بختنصر بهم. لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى، بمساعدة \"قورش\" ملك الفرس، الذى انتصر على \"بختنصر\" سنة 538 ق. م تقريبا، وبدأوا يتكاثرون من جديد.<br>أما بعد تنكيل \"تيطس\" بهم فلم تقم لهم قائمة، ومزقوا فى الأرض شر ممزق، وانقطع دابرهم كأمة.<br>وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإِسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه \"تيطس\" بهم من ضربات: إلى هنا ينتهى تاريخ الإِسرائيليين كأمة، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد \"تيطس\" تفرقوا فى جميع بلاد الله، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ الممالك التى توطنوها أو نزلوا فيها...<br>ولهذه الأسباب نرجح أن يكون العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الثانى فى الأرض، هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>هذا، ومع ترجيحنا بأن المسلط عليهم فى المرة الأولى، هم جالوت وجنوده وفى المرة الثانية هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>أقول مع ترجيحنا لذلك، إلا أننا نحب فى نهاية حديثنا عن هذه الآيات الكريمة، أن نقرر ما يأتى:<br>1- أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فى بيان المراد بالعباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل عقب مرتى إفسادهم، وإلا لذكره المفسرون.<br>2- أن الإِفساد فى الأرض قد حدث كثيرا من بنى اسرائيل، وأن المقصود من قوله - تعالى - { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } إنما هو أظهر وأبرز مرتين حدث فيهما الإِفساد منهم.<br>ومما يدل على أن هذا الإِفساد قد تكرر منهم قوله - تعالى -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } وقوله - تعالى -: {  { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ }  }.3- أن المقصود من سياق الآيات، إنما هو بيان سنة من سنن الله فى الأمم حال صلاحها وفسادها.<br>وقد ساق القرآن الكريم هذا المعنى بأحكم عبارة، وذلك فى قوله - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>ولا شك أن هذه السنة ماضية فى الأمم دون تبديل أو تحويل فى كل زمان ومكان.<br>وما دام هذا هو المقصود، ففهمه لا يتوقف على تحديد مرتى إفسادهم، وتحديد المسلط عليهم عقب كل مرة.<br>ويعجبنى فى هذا المقام، قول الإِمام ابن كثير: \"وقد وردت فى هذا - أى فى المسلط عليهم فى المرتين - آثار كثيرة إسرائيلية، لم أر تطويل الكتاب بذكرها، لأن منها ما هو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن فى غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله علينا فى كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم وقد أخبر الله - تعالى - أنهم لما بغوا وطغوا سلط عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء\".<br>وقول الإِمام الرازى: \"واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض فى معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصى. سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم\".<br>وقد بسطنا فى تفسير هذه الآيات الكريمة، بصورة أكثر تفصيلا فى غير هذا المكان، فليرجع إليه من شاء الاستزادة.<br>وبعد أن بين - سبحانه - أنه قد آتى موسى - عليه السلام - التوراة لتكون هداية لبنى إسرائيل، وأنه - عز وجل - قد قضى فيهم بقضائه العادل. أتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم، فقال - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ... }."
    },
    {
        "id": "2059",
        "sura_number": "17",
        "ayah_number": "6",
        "aya": "",
        "sura": "الإسراء",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ... } إخبار من الله - تعالى - لهم، بما سيكون منهم، حسب ما وقع فى علمه المحيط بكل شئ، والذى ليس فيه إجبار أو قسر، وإنما هو صفة انكشافية، تنبئ عن مآلهم وأحوالهم.<br>قال أبو حيان: والفعل { قضى } يتعدى بنفسه إلى مفعول، كقوله - تعالى -: { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ .. } ولما ضُمِّن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإلى أى: وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى القضاء المحتوم المثبوت وعن ابن عباس: وأعلمناهم ...<br>والمراد بالكتاب: التوراة، وقيل اللوح المحفوظ.<br>واللام فى قوله { لتفسدن ... } جواب قسم محذوف تقديره: والله لتفسدن.<br>ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى -: { وقضينا ... } لأنه مضمن معنى القسم، كما يقول القائل: قضى الله لأفعلن كذا، فيجرى القضاء والقدر مجرى القسم ...<br>والمقصود بالأرض: عمومها أو أرض الشام.<br>و{ مرتين } منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: { لتفسدن } من غير لفظه، والمراد لتفسدن إفسادتين وقوله - عز وجل -: { ولتعلن .. } من العلو وهو ضد السفل، والمراد به هنا: التكبر والتجبر والبغى والعدوان.<br>والمعنى: وأخبرنا بنى إسرائيل فى كتابهم التوراة خبراً مؤكدا: وأوحينا إليهم بواسطة رسلنا، بأن قلنا لهم: لتفسدن فى الأرض مرتين، ولتستكبرون على الناس بغير حق، استكبارا كبيرا، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار.<br>والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه فى الكتاب، يدل على ثبوته، إذ أصل القضاء - كما يقول القرطبى - الإِحكام للشئ والفراغ منه.<br>وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم، للإِشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغى والعدوان.<br>وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض: تحريفهم للتوراة، وتركهم العمل بما فيها من أحكام، وقتلهم الأنبياء والمصلحين.<br>ثم بين - سبحانه - أنه يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول فى الأرض، من يقهرهم ويستبيح حرماتهم، ويدمرهم تدميرا، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً }.<br>والمراد بالوعد: الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم فى الأرض، فالكلام على حذف مضاف، والضمير فى { أولاهما } يعود على المرتين المعبر عنهما بقول: { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ }.<br>وقوله { فجاسوا } معطوف على { بعثنا } وأصل الجوس: طلب الشئ باستقصاء واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان الطلب.<br>والمعنى: فإذا حان وقت عقابكم - يا بنى إسرائيل - على أولى مرتى إفسادكم بعثنا عليكم ووجهنا إليكم { عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أى أصحاب بطش شديد فى الحروب والقتال، فأذلوكم وقهروكم، وفتشوا عنكم بين المساكن والديار، لقتل من بقى منكم على قيد الحياة، وكان البعث المذكور وما ترتب عليه من قتلكم وسلب أموالكم، وهتك أعراضكم، وتخريب دياركم ... وعدا نافذا لا مرد له، ولا مفر لكم منه.<br>قال الآلوسى: واختلف فى تعيين هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول - فعن ابن عباس وقتادة: هم جالوت وجنوده، وقال ابن جبير وابن إسحاق: هم سنحاريب ملك بابل وجنوده. وقيل: هم العمالقة، وقيل: بختنصر.<br>وسنبين رأينا فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين، بعد تفسيرنا لهذه الآيات الكريمة.<br>فإن قال قائل: وما فائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى التوراة أنهم يفسدون فى الأرض مرتين. وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء وطغيان، بأن يسلط عليهم من يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم؟.<br>فالجواب: أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئا، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير، وأن رحمته مفتوحة للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم.<br>وهناك فائدة أخرى لهذا الإِخبار، وهو تنبيه العقلاء فى جميع الأمم أن يحذروا من مواقعة المعاصى التى تؤدى إلى الهلاك، وأن يحذروا أممهم من ذلك، ويبصروهم بسوء عاقبة السير فى طريق الغى، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله - عز وجل -.<br>ومن فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من المشركين، إلى سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن الإِفساد عاقبته الخسران.<br>فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ثبتت نبوته ثبوتا لا شك فيه، لكى يسعدوا فى دنياهم وآخرتهم.<br>ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإِخبار، وهى أن الأمم المغلوبة على أمرها. تستطيع أن تسترد مجدها، متى أصلحت من شأن أنفسها، ومتى استقامت على أمر الله - تعالى - فقال - سبحانه -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم، بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم.<br>أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ }.<br>والكَرَّة: المرة من الشئ: وأصلها من الكَرِّ وهو الرجوع، مصدر كريكر - من باب قتل -، يقال: كرَّ الفارس كَرًّا، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال.<br>والمراد بالكرة هنا: الدولة والغلبة على سبيل المجاز.<br>أى: ثم أعدنا لكم - يا بنى إسرائيل - الدولة والغلبة على أعدائكم الذين قهروكم وأذلوكم، بعد أن أحسنتم العمل، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ما جاءكم به رسلكم.<br>والتعبير بثم لإِفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان، وما أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر.<br>قال أبو حيان: وجعل - سبحانه - { رددنا } موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع، عبر عن المستقبل بالماضى.<br>وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }.<br>أى: لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم، بل فضلا عن ذلك، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم.<br>وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى -: { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته، وهو منصوب على التمييز. والمفضل عليه محذوف، والتقدير: وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم..<br>فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم، وأن تحسنوا الاستفادة منها، بأن تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة، فقد نصركم بعد هزيمتكم، وأغناكم بعد فقركم، وكثّركم بعد قتلكم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان عاقبته الفلاح، والعصيان عاقبته الخسران، وأن كل إنسان مسئول عن عمله، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه، فقال - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>أى: إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل، وإن أسأتم أعمالكم، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى -.<br>وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ }.<br>وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن { رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ } على أعدائكم { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>قال صاحب البحر ما ملخصه: وجواب { وإن أسأتم } قوله { فلها } وهو خبر لمبتدأ محذوف أى: فالإِساءة لها. قال الكرمانى: قال - سبحانه -: { فلها } باللام ازدواجا.<br>أى: أنه قابل { لأنفسكم } بقوله { فلها }. وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى: فإليها ترجع الإِساءة.<br>وقيل: اللام بمعنى على. أى: فعليها، كما فى قول الشاعر: فخر صريعا لليدين وللفم.<br>ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار، بعد إفسادهم للمرة الثانية، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }.<br>والكلام أيضا هنا على  حذف مضاف، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ } فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى: ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل.<br>قال الجمل ما ملخصه: وقوله { ليسوءوا } الواو للعباد أولى البأس الشديد.<br>وفى عود الواو على العباد نوع استخدام، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده.<br>وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل \"ليسوء\" والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد، وإما البعث.<br>وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة. أى: لنسوء نحن وهو موافق لما قبله، من قوله: بعثنا، ورددنا، وأمددنا، ولما بعده من قوله: عدنا، وجعلنا، وقرأ الباقون. ليسوءوا، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد، وهو موافق لما بعده من قوله: { وليدخلوا المسجد } { وليتبروا }.<br>وقال الإِمام الرازى: ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه، وإنما عزا - سبحانه - الإِساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب، ظهر الكلوح فى الوجه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - { ليسوءوا وجوهكم }.<br>والمراد بالمسجد: المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس، وقوله { كما دخلوه } صفة لمصدر محذوف.<br>والمعنى: وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة.<br>قال أبو حيان: ومعنى { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أى بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال.<br>أى: أن المراد من التشبيه، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهروهم.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً } يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه. ومنه قول الشاعر:وما الناس إلا عاملان فعامل  يتبر ما يبنى وآخر رافعأى: يخرب ويهد ما يبنى.<br>و\"ما\" فى قوله { ما علوا } اسم موصول مفعول يتبروا: وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها، والعائد محذوف، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله.<br>أى: وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها، وصارت فى حوزتهم، تدميرا تاما لا مزيد عليه.<br>وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل، عقب إفسادهم الثانى فى الأرض، لم يكتفوا بجوس الديار، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف.<br>ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين، قد يكون طريقا لرحمتهم، وسببا فى توبتهم وإنابتهم، إن فتحوا قلوبهم للحق، واعتبروا بالأحداث الماضية، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك.<br>وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير وأحكمه. فقال - تعالى -: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً }.<br>أى: عسى ربكم أن يرحمكم: ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفعه إلا بتوبة.<br>قال: أبو حيان: وهذه الترجية ليست لرجوع دولة، وإنما هى من باب ترحم المطيع منهم، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم.<br>أى: وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى، وانتهاك حرماتى، بعد أن تداركتكم رحمتى، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار.<br>ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بهذا الإِعراض بل هموا بقتله صلى الله عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإِسلام والمسلمين، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل . .<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: \"عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين\".<br>ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } أى: إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة، أما فى الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم { حصيرا } أى: سجنا: حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه، أو الفكاك عنه، أو فراشا تفترشونه، كما قال - تعالى -: {  { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }  }.قال بعض العلماء: \"قوله { حصيرا } فيه وجهان: الأول: أن الحصير المحبس والسجن. من الحصر وهو الحبس: يقال حصره يحصره حصرا، إذا ضيق عليه وأحاط به.<br>والثانى أن الحصير: البساط والفراش، من الحصير الذى يفرش، لأن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا ..\".<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فى بنى إسرائيل، وساقت لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف، والتى من أبرزها أن الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.<br>هذا، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف.<br>ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } فكان أول الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يدعى \"صحابين\" فبعث الجنود، وكانوا من أهل فارس .. فتحصنت بنو إسرائيل .. ودخل فيهم \"بختنصر\" - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم .. الخ.<br>وهذا الأثر من وجوه ضعفه، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحوالى ستة قرون.<br>لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات: الأولى فى سنة 606 ق. م والثانية فى سنة 599 ق. م، والثالة فى سنة 588 ق. م.<br>وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل.<br>أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره: فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى.<br>وإذاً فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا، وأن المسلط عليهم ملك النبط ومع \"بختنصر\" يتنافى مع الحقائق التاريخية.<br>وفضلا عن ذلك، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر، لأن \"صحابين\" ملك النبط، هو الذى يسميه المؤرخون \"سنحاريب\" وكان ملكا للأشوريين، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة 713 ق. م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة، أى: أن بختنصر لم يكن معاصرا له.<br>والرأى الذى نختاره: هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول، هم جالوت وجنوده. ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى أمور من أهمها ما يلى:<br>1- ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة، عند عرضه لقصة القتال الذى دار بين طالوت قائد بنى إسرائيل، وبين \"جالوت\" قائد أعدائهم، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم.<br>ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى -: {  { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. }  }.فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. } يدل دلالة قوية، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم، وإلى مفارقة أبنائهم.<br>2- قوله - تعالى -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } صريح فى أن الله - تعالى - نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم.<br>وهذا المعنى ينطبق على ما قصه القرآن علينا، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده.<br>قال - تعالى -: {  { وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ .. }  }.ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم. ولا شك أن النصر فى هذه الحالة، أدعى لطاعة الله - تعالى - وشكره على آلائه.<br>3- قوله - تعالى -: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت، وداود، وسليمان لهم.<br>ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم، وعز سلطانهم وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة، وبالبنين الكثيرة، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة.<br>أما بعد هذا العهد، بل وقبل هذا العهد، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى والنكبات.<br>فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة 975 ق. م تقريبا، انقسمت مملكتهم إلى قسمين: مملكة يهوذا فى الجنوب، ومملكة إسرائيل فى الشمال، واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنة 721 ق. م على مملكة إسرائيل، وقضى \"بختنصر\" على مملكة يهوذا سنة 588 ق. م.<br>4- ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده.<br>أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: بعث الله عليهم فى الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا، فبعث لهم طالوت، فقاتلوا جالوت، وانتصروا عليه، وقتل داود جالوت، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم. فلما أفسدوا بعث الله عليهم فى المرة الآخرة \"بختنصر\" فخرب المساجد، وتبر ما علوا تتبيرا...<br>هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض، هم جالوت وجنوده.<br>أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى، فيرى كثير من المفسرين أنهم \"بختنصر\" وجنوده.<br>وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق. م.<br>إلا أننا نؤثر على هذا الرأى، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى، هم الرومان بقيادة زعيمهم، تيطس سنة 70 م. لأمور من أهمها:.<br>1- أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل \"تيطس\" بهم، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال \"بختنصر\" لهم. فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليهما السلام -، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم.<br>2- ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى اسرائيل. من ضربات \"بختنصر\" لهم.<br>فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة \"تيطس\" بلغ مليون قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير.<br>بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد \"بختنصر\" كان أقل من هذا العدد بكثير.<br>ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم.<br>يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد \"تيطس\" الرومانى: كان \"تيطس\" فى الثلاثين من عمره، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال الحصار.<br>وبعد أن اقتحم \"تيطس\" وجنوده المدينة، أصدر أمره إليهم: أن احرقوا وانهبوا واقتلوا، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال: ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا، وسيحل الغضب على أهلها، وسيسقطون صرعى على حد السيف، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر، وستطأ أورشليم الأقدام.<br>3- النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التى أنزلها بختنصر بهم. لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى، بمساعدة \"قورش\" ملك الفرس، الذى انتصر على \"بختنصر\" سنة 538 ق. م تقريبا، وبدأوا يتكاثرون من جديد.<br>أما بعد تنكيل \"تيطس\" بهم فلم تقم لهم قائمة، ومزقوا فى الأرض شر ممزق، وانقطع دابرهم كأمة.<br>وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإِسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه \"تيطس\" بهم من ضربات: إلى هنا ينتهى تاريخ الإِسرائيليين كأمة، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد \"تيطس\" تفرقوا فى جميع بلاد الله، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ الممالك التى توطنوها أو نزلوا فيها...<br>ولهذه الأسباب نرجح أن يكون العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الثانى فى الأرض، هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>هذا، ومع ترجيحنا بأن المسلط عليهم فى المرة الأولى، هم جالوت وجنوده وفى المرة الثانية هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>أقول مع ترجيحنا لذلك، إلا أننا نحب فى نهاية حديثنا عن هذه الآيات الكريمة، أن نقرر ما يأتى:<br>1- أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فى بيان المراد بالعباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل عقب مرتى إفسادهم، وإلا لذكره المفسرون.<br>2- أن الإِفساد فى الأرض قد حدث كثيرا من بنى اسرائيل، وأن المقصود من قوله - تعالى - { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } إنما هو أظهر وأبرز مرتين حدث فيهما الإِفساد منهم.<br>ومما يدل على أن هذا الإِفساد قد تكرر منهم قوله - تعالى -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } وقوله - تعالى -: {  { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ }  }.3- أن المقصود من سياق الآيات، إنما هو بيان سنة من سنن الله فى الأمم حال صلاحها وفسادها.<br>وقد ساق القرآن الكريم هذا المعنى بأحكم عبارة، وذلك فى قوله - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>ولا شك أن هذه السنة ماضية فى الأمم دون تبديل أو تحويل فى كل زمان ومكان.<br>وما دام هذا هو المقصود، ففهمه لا يتوقف على تحديد مرتى إفسادهم، وتحديد المسلط عليهم عقب كل مرة.<br>ويعجبنى فى هذا المقام، قول الإِمام ابن كثير: \"وقد وردت فى هذا - أى فى المسلط عليهم فى المرتين - آثار كثيرة إسرائيلية، لم أر تطويل الكتاب بذكرها، لأن منها ما هو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن فى غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله علينا فى كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم وقد أخبر الله - تعالى - أنهم لما بغوا وطغوا سلط عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء\".<br>وقول الإِمام الرازى: \"واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض فى معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصى. سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم\".<br>وقد بسطنا فى تفسير هذه الآيات الكريمة، بصورة أكثر تفصيلا فى غير هذا المكان، فليرجع إليه من شاء الاستزادة.<br>وبعد أن بين - سبحانه - أنه قد آتى موسى - عليه السلام - التوراة لتكون هداية لبنى إسرائيل، وأنه - عز وجل - قد قضى فيهم بقضائه العادل. أتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم، فقال - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ... }."
    },
    {
        "id": "2060",
        "sura_number": "17",
        "ayah_number": "7",
        "aya": "",
        "sura": "الإسراء",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ... } إخبار من الله - تعالى - لهم، بما سيكون منهم، حسب ما وقع فى علمه المحيط بكل شئ، والذى ليس فيه إجبار أو قسر، وإنما هو صفة انكشافية، تنبئ عن مآلهم وأحوالهم.<br>قال أبو حيان: والفعل { قضى } يتعدى بنفسه إلى مفعول، كقوله - تعالى -: { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ .. } ولما ضُمِّن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإلى أى: وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى القضاء المحتوم المثبوت وعن ابن عباس: وأعلمناهم ...<br>والمراد بالكتاب: التوراة، وقيل اللوح المحفوظ.<br>واللام فى قوله { لتفسدن ... } جواب قسم محذوف تقديره: والله لتفسدن.<br>ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى -: { وقضينا ... } لأنه مضمن معنى القسم، كما يقول القائل: قضى الله لأفعلن كذا، فيجرى القضاء والقدر مجرى القسم ...<br>والمقصود بالأرض: عمومها أو أرض الشام.<br>و{ مرتين } منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: { لتفسدن } من غير لفظه، والمراد لتفسدن إفسادتين وقوله - عز وجل -: { ولتعلن .. } من العلو وهو ضد السفل، والمراد به هنا: التكبر والتجبر والبغى والعدوان.<br>والمعنى: وأخبرنا بنى إسرائيل فى كتابهم التوراة خبراً مؤكدا: وأوحينا إليهم بواسطة رسلنا، بأن قلنا لهم: لتفسدن فى الأرض مرتين، ولتستكبرون على الناس بغير حق، استكبارا كبيرا، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار.<br>والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه فى الكتاب، يدل على ثبوته، إذ أصل القضاء - كما يقول القرطبى - الإِحكام للشئ والفراغ منه.<br>وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم، للإِشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغى والعدوان.<br>وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض: تحريفهم للتوراة، وتركهم العمل بما فيها من أحكام، وقتلهم الأنبياء والمصلحين.<br>ثم بين - سبحانه - أنه يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول فى الأرض، من يقهرهم ويستبيح حرماتهم، ويدمرهم تدميرا، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً }.<br>والمراد بالوعد: الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم فى الأرض، فالكلام على حذف مضاف، والضمير فى { أولاهما } يعود على المرتين المعبر عنهما بقول: { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ }.<br>وقوله { فجاسوا } معطوف على { بعثنا } وأصل الجوس: طلب الشئ باستقصاء واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان الطلب.<br>والمعنى: فإذا حان وقت عقابكم - يا بنى إسرائيل - على أولى مرتى إفسادكم بعثنا عليكم ووجهنا إليكم { عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أى أصحاب بطش شديد فى الحروب والقتال، فأذلوكم وقهروكم، وفتشوا عنكم بين المساكن والديار، لقتل من بقى منكم على قيد الحياة، وكان البعث المذكور وما ترتب عليه من قتلكم وسلب أموالكم، وهتك أعراضكم، وتخريب دياركم ... وعدا نافذا لا مرد له، ولا مفر لكم منه.<br>قال الآلوسى: واختلف فى تعيين هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول - فعن ابن عباس وقتادة: هم جالوت وجنوده، وقال ابن جبير وابن إسحاق: هم سنحاريب ملك بابل وجنوده. وقيل: هم العمالقة، وقيل: بختنصر.<br>وسنبين رأينا فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين، بعد تفسيرنا لهذه الآيات الكريمة.<br>فإن قال قائل: وما فائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى التوراة أنهم يفسدون فى الأرض مرتين. وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء وطغيان، بأن يسلط عليهم من يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم؟.<br>فالجواب: أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئا، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير، وأن رحمته مفتوحة للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم.<br>وهناك فائدة أخرى لهذا الإِخبار، وهو تنبيه العقلاء فى جميع الأمم أن يحذروا من مواقعة المعاصى التى تؤدى إلى الهلاك، وأن يحذروا أممهم من ذلك، ويبصروهم بسوء عاقبة السير فى طريق الغى، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله - عز وجل -.<br>ومن فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من المشركين، إلى سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن الإِفساد عاقبته الخسران.<br>فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ثبتت نبوته ثبوتا لا شك فيه، لكى يسعدوا فى دنياهم وآخرتهم.<br>ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإِخبار، وهى أن الأمم المغلوبة على أمرها. تستطيع أن تسترد مجدها، متى أصلحت من شأن أنفسها، ومتى استقامت على أمر الله - تعالى - فقال - سبحانه -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم، بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم.<br>أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ }.<br>والكَرَّة: المرة من الشئ: وأصلها من الكَرِّ وهو الرجوع، مصدر كريكر - من باب قتل -، يقال: كرَّ الفارس كَرًّا، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال.<br>والمراد بالكرة هنا: الدولة والغلبة على سبيل المجاز.<br>أى: ثم أعدنا لكم - يا بنى إسرائيل - الدولة والغلبة على أعدائكم الذين قهروكم وأذلوكم، بعد أن أحسنتم العمل، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ما جاءكم به رسلكم.<br>والتعبير بثم لإِفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان، وما أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر.<br>قال أبو حيان: وجعل - سبحانه - { رددنا } موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع، عبر عن المستقبل بالماضى.<br>وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }.<br>أى: لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم، بل فضلا عن ذلك، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم.<br>وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى -: { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته، وهو منصوب على التمييز. والمفضل عليه محذوف، والتقدير: وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم..<br>فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم، وأن تحسنوا الاستفادة منها، بأن تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة، فقد نصركم بعد هزيمتكم، وأغناكم بعد فقركم، وكثّركم بعد قتلكم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان عاقبته الفلاح، والعصيان عاقبته الخسران، وأن كل إنسان مسئول عن عمله، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه، فقال - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>أى: إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل، وإن أسأتم أعمالكم، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى -.<br>وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ }.<br>وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن { رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ } على أعدائكم { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>قال صاحب البحر ما ملخصه: وجواب { وإن أسأتم } قوله { فلها } وهو خبر لمبتدأ محذوف أى: فالإِساءة لها. قال الكرمانى: قال - سبحانه -: { فلها } باللام ازدواجا.<br>أى: أنه قابل { لأنفسكم } بقوله { فلها }. وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى: فإليها ترجع الإِساءة.<br>وقيل: اللام بمعنى على. أى: فعليها، كما فى قول الشاعر: فخر صريعا لليدين وللفم.<br>ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار، بعد إفسادهم للمرة الثانية، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }.<br>والكلام أيضا هنا على  حذف مضاف، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ } فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى: ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل.<br>قال الجمل ما ملخصه: وقوله { ليسوءوا } الواو للعباد أولى البأس الشديد.<br>وفى عود الواو على العباد نوع استخدام، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده.<br>وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل \"ليسوء\" والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد، وإما البعث.<br>وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة. أى: لنسوء نحن وهو موافق لما قبله، من قوله: بعثنا، ورددنا، وأمددنا، ولما بعده من قوله: عدنا، وجعلنا، وقرأ الباقون. ليسوءوا، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد، وهو موافق لما بعده من قوله: { وليدخلوا المسجد } { وليتبروا }.<br>وقال الإِمام الرازى: ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه، وإنما عزا - سبحانه - الإِساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب، ظهر الكلوح فى الوجه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - { ليسوءوا وجوهكم }.<br>والمراد بالمسجد: المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس، وقوله { كما دخلوه } صفة لمصدر محذوف.<br>والمعنى: وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة.<br>قال أبو حيان: ومعنى { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أى بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال.<br>أى: أن المراد من التشبيه، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهروهم.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً } يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه. ومنه قول الشاعر:وما الناس إلا عاملان فعامل  يتبر ما يبنى وآخر رافعأى: يخرب ويهد ما يبنى.<br>و\"ما\" فى قوله { ما علوا } اسم موصول مفعول يتبروا: وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها، والعائد محذوف، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله.<br>أى: وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها، وصارت فى حوزتهم، تدميرا تاما لا مزيد عليه.<br>وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل، عقب إفسادهم الثانى فى الأرض، لم يكتفوا بجوس الديار، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف.<br>ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين، قد يكون طريقا لرحمتهم، وسببا فى توبتهم وإنابتهم، إن فتحوا قلوبهم للحق، واعتبروا بالأحداث الماضية، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك.<br>وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير وأحكمه. فقال - تعالى -: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً }.<br>أى: عسى ربكم أن يرحمكم: ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفعه إلا بتوبة.<br>قال: أبو حيان: وهذه الترجية ليست لرجوع دولة، وإنما هى من باب ترحم المطيع منهم، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم.<br>أى: وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى، وانتهاك حرماتى، بعد أن تداركتكم رحمتى، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار.<br>ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بهذا الإِعراض بل هموا بقتله صلى الله عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإِسلام والمسلمين، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل . .<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: \"عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين\".<br>ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } أى: إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة، أما فى الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم { حصيرا } أى: سجنا: حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه، أو الفكاك عنه، أو فراشا تفترشونه، كما قال - تعالى -: {  { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }  }.قال بعض العلماء: \"قوله { حصيرا } فيه وجهان: الأول: أن الحصير المحبس والسجن. من الحصر وهو الحبس: يقال حصره يحصره حصرا، إذا ضيق عليه وأحاط به.<br>والثانى أن الحصير: البساط والفراش، من الحصير الذى يفرش، لأن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا ..\".<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فى بنى إسرائيل، وساقت لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف، والتى من أبرزها أن الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.<br>هذا، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف.<br>ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } فكان أول الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يدعى \"صحابين\" فبعث الجنود، وكانوا من أهل فارس .. فتحصنت بنو إسرائيل .. ودخل فيهم \"بختنصر\" - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم .. الخ.<br>وهذا الأثر من وجوه ضعفه، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحوالى ستة قرون.<br>لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات: الأولى فى سنة 606 ق. م والثانية فى سنة 599 ق. م، والثالة فى سنة 588 ق. م.<br>وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل.<br>أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره: فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى.<br>وإذاً فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا، وأن المسلط عليهم ملك النبط ومع \"بختنصر\" يتنافى مع الحقائق التاريخية.<br>وفضلا عن ذلك، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر، لأن \"صحابين\" ملك النبط، هو الذى يسميه المؤرخون \"سنحاريب\" وكان ملكا للأشوريين، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة 713 ق. م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة، أى: أن بختنصر لم يكن معاصرا له.<br>والرأى الذى نختاره: هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول، هم جالوت وجنوده. ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى أمور من أهمها ما يلى:<br>1- ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة، عند عرضه لقصة القتال الذى دار بين طالوت قائد بنى إسرائيل، وبين \"جالوت\" قائد أعدائهم، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم.<br>ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى -: {  { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. }  }.فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. } يدل دلالة قوية، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم، وإلى مفارقة أبنائهم.<br>2- قوله - تعالى -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } صريح فى أن الله - تعالى - نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم.<br>وهذا المعنى ينطبق على ما قصه القرآن علينا، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده.<br>قال - تعالى -: {  { وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ .. }  }.ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم. ولا شك أن النصر فى هذه الحالة، أدعى لطاعة الله - تعالى - وشكره على آلائه.<br>3- قوله - تعالى -: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت، وداود، وسليمان لهم.<br>ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم، وعز سلطانهم وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة، وبالبنين الكثيرة، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة.<br>أما بعد هذا العهد، بل وقبل هذا العهد، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى والنكبات.<br>فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة 975 ق. م تقريبا، انقسمت مملكتهم إلى قسمين: مملكة يهوذا فى الجنوب، ومملكة إسرائيل فى الشمال، واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنة 721 ق. م على مملكة إسرائيل، وقضى \"بختنصر\" على مملكة يهوذا سنة 588 ق. م.<br>4- ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده.<br>أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: بعث الله عليهم فى الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا، فبعث لهم طالوت، فقاتلوا جالوت، وانتصروا عليه، وقتل داود جالوت، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم. فلما أفسدوا بعث الله عليهم فى المرة الآخرة \"بختنصر\" فخرب المساجد، وتبر ما علوا تتبيرا...<br>هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض، هم جالوت وجنوده.<br>أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى، فيرى كثير من المفسرين أنهم \"بختنصر\" وجنوده.<br>وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق. م.<br>إلا أننا نؤثر على هذا الرأى، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى، هم الرومان بقيادة زعيمهم، تيطس سنة 70 م. لأمور من أهمها:.<br>1- أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل \"تيطس\" بهم، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال \"بختنصر\" لهم. فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليهما السلام -، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم.<br>2- ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى اسرائيل. من ضربات \"بختنصر\" لهم.<br>فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة \"تيطس\" بلغ مليون قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير.<br>بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد \"بختنصر\" كان أقل من هذا العدد بكثير.<br>ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم.<br>يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد \"تيطس\" الرومانى: كان \"تيطس\" فى الثلاثين من عمره، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال الحصار.<br>وبعد أن اقتحم \"تيطس\" وجنوده المدينة، أصدر أمره إليهم: أن احرقوا وانهبوا واقتلوا، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال: ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا، وسيحل الغضب على أهلها، وسيسقطون صرعى على حد السيف، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر، وستطأ أورشليم الأقدام.<br>3- النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التى أنزلها بختنصر بهم. لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى، بمساعدة \"قورش\" ملك الفرس، الذى انتصر على \"بختنصر\" سنة 538 ق. م تقريبا، وبدأوا يتكاثرون من جديد.<br>أما بعد تنكيل \"تيطس\" بهم فلم تقم لهم قائمة، ومزقوا فى الأرض شر ممزق، وانقطع دابرهم كأمة.<br>وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإِسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه \"تيطس\" بهم من ضربات: إلى هنا ينتهى تاريخ الإِسرائيليين كأمة، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد \"تيطس\" تفرقوا فى جميع بلاد الله، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ الممالك التى توطنوها أو نزلوا فيها...<br>ولهذه الأسباب نرجح أن يكون العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الثانى فى الأرض، هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>هذا، ومع ترجيحنا بأن المسلط عليهم فى المرة الأولى، هم جالوت وجنوده وفى المرة الثانية هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>أقول مع ترجيحنا لذلك، إلا أننا نحب فى نهاية حديثنا عن هذه الآيات الكريمة، أن نقرر ما يأتى:<br>1- أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فى بيان المراد بالعباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل عقب مرتى إفسادهم، وإلا لذكره المفسرون.<br>2- أن الإِفساد فى الأرض قد حدث كثيرا من بنى اسرائيل، وأن المقصود من قوله - تعالى - { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } إنما هو أظهر وأبرز مرتين حدث فيهما الإِفساد منهم.<br>ومما يدل على أن هذا الإِفساد قد تكرر منهم قوله - تعالى -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } وقوله - تعالى -: {  { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ }  }.3- أن المقصود من سياق الآيات، إنما هو بيان سنة من سنن الله فى الأمم حال صلاحها وفسادها.<br>وقد ساق القرآن الكريم هذا المعنى بأحكم عبارة، وذلك فى قوله - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>ولا شك أن هذه السنة ماضية فى الأمم دون تبديل أو تحويل فى كل زمان ومكان.<br>وما دام هذا هو المقصود، ففهمه لا يتوقف على تحديد مرتى إفسادهم، وتحديد المسلط عليهم عقب كل مرة.<br>ويعجبنى فى هذا المقام، قول الإِمام ابن كثير: \"وقد وردت فى هذا - أى فى المسلط عليهم فى المرتين - آثار كثيرة إسرائيلية، لم أر تطويل الكتاب بذكرها، لأن منها ما هو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن فى غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله علينا فى كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم وقد أخبر الله - تعالى - أنهم لما بغوا وطغوا سلط عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء\".<br>وقول الإِمام الرازى: \"واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض فى معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصى. سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم\".<br>وقد بسطنا فى تفسير هذه الآيات الكريمة، بصورة أكثر تفصيلا فى غير هذا المكان، فليرجع إليه من شاء الاستزادة.<br>وبعد أن بين - سبحانه - أنه قد آتى موسى - عليه السلام - التوراة لتكون هداية لبنى إسرائيل، وأنه - عز وجل - قد قضى فيهم بقضائه العادل. أتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم، فقال - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ... }."
    },
    {
        "id": "2061",
        "sura_number": "17",
        "ayah_number": "8",
        "aya": "",
        "sura": "الإسراء",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ... } إخبار من الله - تعالى - لهم، بما سيكون منهم، حسب ما وقع فى علمه المحيط بكل شئ، والذى ليس فيه إجبار أو قسر، وإنما هو صفة انكشافية، تنبئ عن مآلهم وأحوالهم.<br>قال أبو حيان: والفعل { قضى } يتعدى بنفسه إلى مفعول، كقوله - تعالى -: { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ .. } ولما ضُمِّن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإلى أى: وأوحينا أو أنفذنا إلى بنى إسرائيل فى القضاء المحتوم المثبوت وعن ابن عباس: وأعلمناهم ...<br>والمراد بالكتاب: التوراة، وقيل اللوح المحفوظ.<br>واللام فى قوله { لتفسدن ... } جواب قسم محذوف تقديره: والله لتفسدن.<br>ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى -: { وقضينا ... } لأنه مضمن معنى القسم، كما يقول القائل: قضى الله لأفعلن كذا، فيجرى القضاء والقدر مجرى القسم ...<br>والمقصود بالأرض: عمومها أو أرض الشام.<br>و{ مرتين } منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: { لتفسدن } من غير لفظه، والمراد لتفسدن إفسادتين وقوله - عز وجل -: { ولتعلن .. } من العلو وهو ضد السفل، والمراد به هنا: التكبر والتجبر والبغى والعدوان.<br>والمعنى: وأخبرنا بنى إسرائيل فى كتابهم التوراة خبراً مؤكدا: وأوحينا إليهم بواسطة رسلنا، بأن قلنا لهم: لتفسدن فى الأرض مرتين، ولتستكبرون على الناس بغير حق، استكبارا كبيرا، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار.<br>والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه فى الكتاب، يدل على ثبوته، إذ أصل القضاء - كما يقول القرطبى - الإِحكام للشئ والفراغ منه.<br>وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم، للإِشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغى والعدوان.<br>وكان من مظاهر إفسادهم فى الأرض: تحريفهم للتوراة، وتركهم العمل بما فيها من أحكام، وقتلهم الأنبياء والمصلحين.<br>ثم بين - سبحانه - أنه يسلط عليهم بعد إفسادهم الأول فى الأرض، من يقهرهم ويستبيح حرماتهم، ويدمرهم تدميرا، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً }.<br>والمراد بالوعد: الموعد المحدد لعقابهم بسبب إفسادهم فى الأرض، فالكلام على حذف مضاف، والضمير فى { أولاهما } يعود على المرتين المعبر عنهما بقول: { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ }.<br>وقوله { فجاسوا } معطوف على { بعثنا } وأصل الجوس: طلب الشئ باستقصاء واهتمام لتنفيذ ما من أجله كان الطلب.<br>والمعنى: فإذا حان وقت عقابكم - يا بنى إسرائيل - على أولى مرتى إفسادكم بعثنا عليكم ووجهنا إليكم { عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أى أصحاب بطش شديد فى الحروب والقتال، فأذلوكم وقهروكم، وفتشوا عنكم بين المساكن والديار، لقتل من بقى منكم على قيد الحياة، وكان البعث المذكور وما ترتب عليه من قتلكم وسلب أموالكم، وهتك أعراضكم، وتخريب دياركم ... وعدا نافذا لا مرد له، ولا مفر لكم منه.<br>قال الآلوسى: واختلف فى تعيين هؤلاء العباد - الذين بعثهم الله لمعاقبة بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول - فعن ابن عباس وقتادة: هم جالوت وجنوده، وقال ابن جبير وابن إسحاق: هم سنحاريب ملك بابل وجنوده. وقيل: هم العمالقة، وقيل: بختنصر.<br>وسنبين رأينا فيمن سلطه الله - تعالى - عليهم فى المرتين، بعد تفسيرنا لهذه الآيات الكريمة.<br>فإن قال قائل: وما فائدة أن يخبر الله - تعالى - بنى إسرائيل فى التوراة أنهم يفسدون فى الأرض مرتين. وأنه يعاقبهم على ما كان منهم من استعلاء وطغيان، بأن يسلط عليهم من يذلهم ويقهرهم ويقضى عليهم؟.<br>فالجواب: أن إخبارهم بذلك يفيد أن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئا، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير، وأن رحمته مفتوحة للعصاة متى تابوا وأنابوا وأصلحوا من شأن أنفسهم.<br>وهناك فائدة أخرى لهذا الإِخبار، وهو تنبيه العقلاء فى جميع الأمم أن يحذروا من مواقعة المعاصى التى تؤدى إلى الهلاك، وأن يحذروا أممهم من ذلك، ويبصروهم بسوء عاقبة السير فى طريق الغى، حتى لا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله - عز وجل -.<br>ومن فوائد إيراد هذا الخبر فى القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم ومن على شاكلتهم فى الفسوق والعصيان من المشركين، إلى سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن الإِفساد عاقبته الخسران.<br>فعلى اليهود وغيرهم من الناس أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذى ثبتت نبوته ثبوتا لا شك فيه، لكى يسعدوا فى دنياهم وآخرتهم.<br>ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإِخبار، وهى أن الأمم المغلوبة على أمرها. تستطيع أن تسترد مجدها، متى أصلحت من شأن أنفسها، ومتى استقامت على أمر الله - تعالى - فقال - سبحانه -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم، بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم.<br>أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ }.<br>والكَرَّة: المرة من الشئ: وأصلها من الكَرِّ وهو الرجوع، مصدر كريكر - من باب قتل -، يقال: كرَّ الفارس كَرًّا، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال.<br>والمراد بالكرة هنا: الدولة والغلبة على سبيل المجاز.<br>أى: ثم أعدنا لكم - يا بنى إسرائيل - الدولة والغلبة على أعدائكم الذين قهروكم وأذلوكم، بعد أن أحسنتم العمل، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ما جاءكم به رسلكم.<br>والتعبير بثم لإِفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان، وما أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر.<br>قال أبو حيان: وجعل - سبحانه - { رددنا } موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع، عبر عن المستقبل بالماضى.<br>وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }.<br>أى: لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم، بل فضلا عن ذلك، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم.<br>وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى -: { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته، وهو منصوب على التمييز. والمفضل عليه محذوف، والتقدير: وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم..<br>فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم، وأن تحسنوا الاستفادة منها، بأن تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة، فقد نصركم بعد هزيمتكم، وأغناكم بعد فقركم، وكثّركم بعد قتلكم.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان عاقبته الفلاح، والعصيان عاقبته الخسران، وأن كل إنسان مسئول عن عمله، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه، فقال - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>أى: إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل، وإن أسأتم أعمالكم، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى -.<br>وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ }.<br>وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن { رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ } على أعدائكم { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }.<br>قال صاحب البحر ما ملخصه: وجواب { وإن أسأتم } قوله { فلها } وهو خبر لمبتدأ محذوف أى: فالإِساءة لها. قال الكرمانى: قال - سبحانه -: { فلها } باللام ازدواجا.<br>أى: أنه قابل { لأنفسكم } بقوله { فلها }. وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى: فإليها ترجع الإِساءة.<br>وقيل: اللام بمعنى على. أى: فعليها، كما فى قول الشاعر: فخر صريعا لليدين وللفم.<br>ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار، بعد إفسادهم للمرة الثانية، فقال - تعالى -: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }.<br>والكلام أيضا هنا على  حذف مضاف، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ } فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى: ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل.<br>قال الجمل ما ملخصه: وقوله { ليسوءوا } الواو للعباد أولى البأس الشديد.<br>وفى عود الواو على العباد نوع استخدام، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده.<br>وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل \"ليسوء\" والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد، وإما البعث.<br>وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة. أى: لنسوء نحن وهو موافق لما قبله، من قوله: بعثنا، ورددنا، وأمددنا، ولما بعده من قوله: عدنا، وجعلنا، وقرأ الباقون. ليسوءوا، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد، وهو موافق لما بعده من قوله: { وليدخلوا المسجد } { وليتبروا }.<br>وقال الإِمام الرازى: ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه، وإنما عزا - سبحانه - الإِساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب، ظهر الكلوح فى الوجه.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - { ليسوءوا وجوهكم }.<br>والمراد بالمسجد: المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس، وقوله { كما دخلوه } صفة لمصدر محذوف.<br>والمعنى: وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة.<br>قال أبو حيان: ومعنى { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أى بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال.<br>أى: أن المراد من التشبيه، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهروهم.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً } يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه. ومنه قول الشاعر:وما الناس إلا عاملان فعامل  يتبر ما يبنى وآخر رافعأى: يخرب ويهد ما يبنى.<br>و\"ما\" فى قوله { ما علوا } اسم موصول مفعول يتبروا: وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها، والعائد محذوف، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله.<br>أى: وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها، وصارت فى حوزتهم، تدميرا تاما لا مزيد عليه.<br>وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل، عقب إفسادهم الثانى فى الأرض، لم يكتفوا بجوس الديار، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف.<br>ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين، قد يكون طريقا لرحمتهم، وسببا فى توبتهم وإنابتهم، إن فتحوا قلوبهم للحق، واعتبروا بالأحداث الماضية، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك.<br>وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير وأحكمه. فقال - تعالى -: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً }.<br>أى: عسى ربكم أن يرحمكم: ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفعه إلا بتوبة.<br>قال: أبو حيان: وهذه الترجية ليست لرجوع دولة، وإنما هى من باب ترحم المطيع منهم، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم.<br>أى: وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى، وانتهاك حرماتى، بعد أن تداركتكم رحمتى، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار.<br>ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بهذا الإِعراض بل هموا بقتله صلى الله عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإِسلام والمسلمين، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل . .<br>قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: \"عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين\".<br>ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } أى: إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة، أما فى الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم { حصيرا } أى: سجنا: حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه، أو الفكاك عنه، أو فراشا تفترشونه، كما قال - تعالى -: {  { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }  }.قال بعض العلماء: \"قوله { حصيرا } فيه وجهان: الأول: أن الحصير المحبس والسجن. من الحصر وهو الحبس: يقال حصره يحصره حصرا، إذا ضيق عليه وأحاط به.<br>والثانى أن الحصير: البساط والفراش، من الحصير الذى يفرش، لأن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا ..\".<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فى بنى إسرائيل، وساقت لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف، والتى من أبرزها أن الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.<br>هذا، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف.<br>ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } فكان أول الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يدعى \"صحابين\" فبعث الجنود، وكانوا من أهل فارس .. فتحصنت بنو إسرائيل .. ودخل فيهم \"بختنصر\" - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم .. الخ.<br>وهذا الأثر من وجوه ضعفه، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحوالى ستة قرون.<br>لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات: الأولى فى سنة 606 ق. م والثانية فى سنة 599 ق. م، والثالة فى سنة 588 ق. م.<br>وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل.<br>أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره: فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى.<br>وإذاً فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا، وأن المسلط عليهم ملك النبط ومع \"بختنصر\" يتنافى مع الحقائق التاريخية.<br>وفضلا عن ذلك، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر، لأن \"صحابين\" ملك النبط، هو الذى يسميه المؤرخون \"سنحاريب\" وكان ملكا للأشوريين، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة 713 ق. م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة، أى: أن بختنصر لم يكن معاصرا له.<br>والرأى الذى نختاره: هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول، هم جالوت وجنوده. ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى أمور من أهمها ما يلى:<br>1- ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة، عند عرضه لقصة القتال الذى دار بين طالوت قائد بنى إسرائيل، وبين \"جالوت\" قائد أعدائهم، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم.<br>ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى -: {  { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. }  }.فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .. } يدل دلالة قوية، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم، وإلى مفارقة أبنائهم.<br>2- قوله - تعالى -: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } صريح فى أن الله - تعالى - نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم.<br>وهذا المعنى ينطبق على ما قصه القرآن علينا، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده.<br>قال - تعالى -: {  { وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ .. }  }.ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم. ولا شك أن النصر فى هذه الحالة، أدعى لطاعة الله - تعالى - وشكره على آلائه.<br>3- قوله - تعالى -: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت، وداود، وسليمان لهم.<br>ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم، وعز سلطانهم وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة، وبالبنين الكثيرة، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة.<br>أما بعد هذا العهد، بل وقبل هذا العهد، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى والنكبات.<br>فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة 975 ق. م تقريبا، انقسمت مملكتهم إلى قسمين: مملكة يهوذا فى الجنوب، ومملكة إسرائيل فى الشمال، واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنة 721 ق. م على مملكة إسرائيل، وقضى \"بختنصر\" على مملكة يهوذا سنة 588 ق. م.<br>4- ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده.<br>أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: بعث الله عليهم فى الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا، فبعث لهم طالوت، فقاتلوا جالوت، وانتصروا عليه، وقتل داود جالوت، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم. فلما أفسدوا بعث الله عليهم فى المرة الآخرة \"بختنصر\" فخرب المساجد، وتبر ما علوا تتبيرا...<br>هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض، هم جالوت وجنوده.<br>أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى، فيرى كثير من المفسرين أنهم \"بختنصر\" وجنوده.<br>وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق. م.<br>إلا أننا نؤثر على هذا الرأى، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى، هم الرومان بقيادة زعيمهم، تيطس سنة 70 م. لأمور من أهمها:.<br>1- أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل \"تيطس\" بهم، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال \"بختنصر\" لهم. فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليهما السلام -، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم.<br>2- ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى اسرائيل. من ضربات \"بختنصر\" لهم.<br>فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة \"تيطس\" بلغ مليون قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير.<br>بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد \"بختنصر\" كان أقل من هذا العدد بكثير.<br>ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم.<br>يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد \"تيطس\" الرومانى: كان \"تيطس\" فى الثلاثين من عمره، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال الحصار.<br>وبعد أن اقتحم \"تيطس\" وجنوده المدينة، أصدر أمره إليهم: أن احرقوا وانهبوا واقتلوا، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال: ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا، وسيحل الغضب على أهلها، وسيسقطون صرعى على حد السيف، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر، وستطأ أورشليم الأقدام.<br>3- النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التى أنزلها بختنصر بهم. لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى، بمساعدة \"قورش\" ملك الفرس، الذى انتصر على \"بختنصر\" سنة 538 ق. م تقريبا، وبدأوا يتكاثرون من جديد.<br>أما بعد تنكيل \"تيطس\" بهم فلم تقم لهم قائمة، ومزقوا فى الأرض شر ممزق، وانقطع دابرهم كأمة.<br>وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإِسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه \"تيطس\" بهم من ضربات: إلى هنا ينتهى تاريخ الإِسرائيليين كأمة، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد \"تيطس\" تفرقوا فى جميع بلاد الله، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ الممالك التى توطنوها أو نزلوا فيها...<br>ولهذه الأسباب نرجح أن يكون العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الثانى فى الأرض، هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>هذا، ومع ترجيحنا بأن المسلط عليهم فى المرة الأولى، هم جالوت وجنوده وفى المرة الثانية هم الرومان بقيادة \"تيطس\".<br>أقول مع ترجيحنا لذلك، إلا أننا نحب فى نهاية حديثنا عن هذه الآيات الكريمة، أن نقرر ما يأتى:<br>1- أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فى بيان المراد بالعباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل عقب مرتى إفسادهم، وإلا لذكره المفسرون.<br>2- أن الإِفساد فى الأرض قد حدث كثيرا من بنى اسرائيل، وأن المقصود من قوله - تعالى - { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } إنما هو أظهر وأبرز مرتين حدث فيهما الإِفساد منهم.<br>ومما يدل على أن هذا الإِفساد قد تكرر منهم قوله - تعالى -: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } وقوله - تعالى -: {  { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ }  }.3- أن المقصود من سياق الآيات، إنما هو بيان سنة من سنن الله فى الأمم حال صلاحها وفسادها.<br>وقد ساق القرآن الكريم هذا المعنى بأحكم عبارة، وذلك فى قوله - تعالى -: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }.<br>ولا شك أن هذه السنة ماضية فى الأمم دون تبديل أو تحويل فى كل زمان ومكان.<br>وما دام هذا هو المقصود، ففهمه لا يتوقف على تحديد مرتى إفسادهم، وتحديد المسلط عليهم عقب كل مرة.<br>ويعجبنى فى هذا المقام، قول الإِمام ابن كثير: \"وقد وردت فى هذا - أى فى المسلط عليهم فى المرتين - آثار كثيرة إسرائيلية، لم أر تطويل الكتاب بذكرها، لأن منها ما هو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن فى غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله علينا فى كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم وقد أخبر الله - تعالى - أنهم لما بغوا وطغوا سلط عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء\".<br>وقول الإِمام الرازى: \"واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض فى معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصى. سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم\".<br>وقد بسطنا فى تفسير هذه الآيات الكريمة، بصورة أكثر تفصيلا فى غير هذا المكان، فليرجع إليه من شاء الاستزادة.<br>وبعد أن بين - سبحانه - أنه قد آتى موسى - عليه السلام - التوراة لتكون هداية لبنى إسرائيل، وأنه - عز وجل - قد قضى فيهم بقضائه العادل. أتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم، فقال - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ... }."
    },
    {
        "id": "2164",
        "sura_number": "17",
        "ayah_number": "110",
        "aya": "",
        "sura": "الإسراء",
        "mediator": "ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ .. } ذكروا روايات منها: ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال:  \"وصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا الله - تعالى - فقال: يا الله، يا رحمن، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فنزلت<br>\" .ومعنى: ادعوا، سموا، و{ أو } للتخيير. و{ أيا } اسم شرط جازم منصوب على المفعولية بقوله: { ادعوا } والمضاف إليه محذوف، أى: أى الاسمين. و{ تدعواْ } مجزوم على أنه فعل الشرط لأيّاً، وجملة { فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ } واقعة موقع جواب الشرط، و{ ما } مزيدة للتأكيد. والحسنى: مؤنث الأحسن الذى هو أفعل تفضيل.<br>والمعنى: قل يا محمد للناس: سموا المعبود بحق بلفظ الله أو بلفظ الرحمن بأى واحد منهما سميتموه فقد أصبتم، فإنه - تعالى - له الأسماء الأحسن من كل ما سواه، وقال - سبحانه -: { فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ } للمبالغة فى كمال أسمائه - تعالى - وللدلالة على أنه ما دامت أسماؤه كلها حسنة، فلفظ الله ولفظ الرحمن كذلك، كل واحد منهما حسن.<br>وقد ذكر الجلالان عند تفسيرهما لهذه الآية، أسماء الله الحسنى، فارجع إليها إن شئت.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } تعليم من الله - تعالى - لنبيه كيفية أفضل طرق القراءة فى الصلاة.<br>فالمراد بالصلاة هنا: القراءة فيها. والجهر بها: رفع الصوت أثناءها، والمخافتة بها: خفضه بحيث لا يسمع. يقال: خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه، والكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: ولا تجهر يا محمد فى قراءتك خلال الصلاة، حتى لا يسمعها المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها، حتى لا يسمعها من يكون خلفك، بل أسلك فى ذلك طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة.<br>ومما يدل على أن المراد بالصلاة هنا: القراءة فيها، ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس.<br>قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله ومن جاء به، فأمره الله بالتوسط.<br>وقيل: المراد بالصلاة هنا: الدعاء. أى: لا ترفع صوتك وأنت تدعو الله، ولا تخافت به. وقد روى ذلك عن عائشة، فقد أخرج الشيخان عنها أنها نزلت فى الدعاء.<br>ويبدو لنا أن التوجيهات التى بالآية الكريمة تتسع للقولين، أى: أن على المسلم أن يكون متوسطاً فى رفع صوته بالقراءة فى الصلاة، وفى رفع صوته حال دعائه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية: { وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ... }.<br>أى: وقل - أيها الرسول الكريم -: الحمد الكامل، والثناء الجميل، لله - تعالى - وحده، الذى لم يتخذ ولداً؛ لأنه هو الغنى، كما قال - تعالى -: {  { قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ .. }  }.ولم يكن له، - سبحانه - { شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ } بل هو المالك لكل شىء ليس له فى هذا الكون من يزاحمه أو يشاركه فى ملكه أو فى عبادته. كما قال - تعالى -: {  { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً }  }.وكما قال - عز وجل -: {  { مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ }  }.{ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ } أى: ولم يكن له - سبحانه - ناصر ينصره من ذل أصابه أو نزل به، لأنه - عز وجل - هو أقوى الأقوياء، وقاهر الجبابرة، ومذل الطغاة، {  { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ }  }.{ وكبره تكبيرا } أى: وعظمه تعظيماً تاماً كاملاً، يليق بجلاله عز وجل.<br>قال الإِمام ابن كثير: عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله كبيرهم وصغيرهم هذه الآية. { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ... }.<br>ثم قال ابن كثير: وقد جاء فى حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها آية العز."
    },
    {
        "id": "2165",
        "sura_number": "17",
        "ayah_number": "111",
        "aya": "",
        "sura": "الإسراء",
        "mediator": "ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ .. } ذكروا روايات منها: ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال:  \"وصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا الله - تعالى - فقال: يا الله، يا رحمن، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فنزلت<br>\" .ومعنى: ادعوا، سموا، و{ أو } للتخيير. و{ أيا } اسم شرط جازم منصوب على المفعولية بقوله: { ادعوا } والمضاف إليه محذوف، أى: أى الاسمين. و{ تدعواْ } مجزوم على أنه فعل الشرط لأيّاً، وجملة { فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ } واقعة موقع جواب الشرط، و{ ما } مزيدة للتأكيد. والحسنى: مؤنث الأحسن الذى هو أفعل تفضيل.<br>والمعنى: قل يا محمد للناس: سموا المعبود بحق بلفظ الله أو بلفظ الرحمن بأى واحد منهما سميتموه فقد أصبتم، فإنه - تعالى - له الأسماء الأحسن من كل ما سواه، وقال - سبحانه -: { فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ } للمبالغة فى كمال أسمائه - تعالى - وللدلالة على أنه ما دامت أسماؤه كلها حسنة، فلفظ الله ولفظ الرحمن كذلك، كل واحد منهما حسن.<br>وقد ذكر الجلالان عند تفسيرهما لهذه الآية، أسماء الله الحسنى، فارجع إليها إن شئت.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } تعليم من الله - تعالى - لنبيه كيفية أفضل طرق القراءة فى الصلاة.<br>فالمراد بالصلاة هنا: القراءة فيها. والجهر بها: رفع الصوت أثناءها، والمخافتة بها: خفضه بحيث لا يسمع. يقال: خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه، والكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: ولا تجهر يا محمد فى قراءتك خلال الصلاة، حتى لا يسمعها المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها، حتى لا يسمعها من يكون خلفك، بل أسلك فى ذلك طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة.<br>ومما يدل على أن المراد بالصلاة هنا: القراءة فيها، ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس.<br>قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله ومن جاء به، فأمره الله بالتوسط.<br>وقيل: المراد بالصلاة هنا: الدعاء. أى: لا ترفع صوتك وأنت تدعو الله، ولا تخافت به. وقد روى ذلك عن عائشة، فقد أخرج الشيخان عنها أنها نزلت فى الدعاء.<br>ويبدو لنا أن التوجيهات التى بالآية الكريمة تتسع للقولين، أى: أن على المسلم أن يكون متوسطاً فى رفع صوته بالقراءة فى الصلاة، وفى رفع صوته حال دعائه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية: { وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ... }.<br>أى: وقل - أيها الرسول الكريم -: الحمد الكامل، والثناء الجميل، لله - تعالى - وحده، الذى لم يتخذ ولداً؛ لأنه هو الغنى، كما قال - تعالى -: {  { قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ .. }  }.ولم يكن له، - سبحانه - { شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ } بل هو المالك لكل شىء ليس له فى هذا الكون من يزاحمه أو يشاركه فى ملكه أو فى عبادته. كما قال - تعالى -: {  { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً }  }.وكما قال - عز وجل -: {  { مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ }  }.{ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ } أى: ولم يكن له - سبحانه - ناصر ينصره من ذل أصابه أو نزل به، لأنه - عز وجل - هو أقوى الأقوياء، وقاهر الجبابرة، ومذل الطغاة، {  { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ }  }.{ وكبره تكبيرا } أى: وعظمه تعظيماً تاماً كاملاً، يليق بجلاله عز وجل.<br>قال الإِمام ابن كثير: عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله كبيرهم وصغيرهم هذه الآية. { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ... }.<br>ثم قال ابن كثير: وقد جاء فى حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها آية العز."
    },
    {
        "id": "2166",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "1",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين.<br>والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: { الحمد لله } هى: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر.<br>وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: \"أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.<br>وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإِنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام، سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.<br>وكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم ..، .<br>وقوله: { ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً .. } بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله.<br>والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.<br>أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج.<br>وقوله: { قيما } أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { قيما } منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما.<br>والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام.<br>وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.<br>وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته \"فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا\".<br>والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب.<br>والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع.<br>وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج. وقوله: { قيما } تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟<br>قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع.<br>وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: {  { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }  }.وقوله - سبحانه -. {  { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. }  }.وقوله - عز وجل: {  { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }  }.وقوله - تعالى -: {  { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }  }.ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام، فقال: { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ... }.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا.<br>واللام فى قوله { لينذر } متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف.<br>والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -.<br>والتعبير بقوله { من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده.<br>أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: { وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً }.<br>أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله { فيه } يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة.<br>قال - تعالى -: {  { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً }  }.ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه، فقال: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }.<br>فقوله - سبحانه - هنا: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً .. } معطوف على قوله قبل ذلك { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد.<br>والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - {  { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }  }.وقال - سبحانه -: {  { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }  }.قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال فى شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين .. للإِيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ } توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى الجهل والبهتان.<br>أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى -، كما قال - عز وجل -: {  { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  }.و\"من\" فى قوله: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } مزيدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و\"لهم\" خبر مقدم، و{ من علم } مبتدأ مؤخر، وقوله { ولا لآبائهم } معطوف على الخبر.<br>أى: ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم.<br>قال الكرخى: فإن قيل: اتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟ } فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -: {  { وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ }  }.وقوله - تعالى -: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم.<br>وكبر: فعل ماض لإِنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله { كلمة } المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف.<br>والتقدير: كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب.<br>وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { كبرت كلمة } قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.<br>وقوله { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوُّراً من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟<br>فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى { كبرت }؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.<br>وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى -: {  { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً }  }.ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة { لعل } تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن { لعل } هنا للإِشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.<br>وقال بعضهم إن { لعل } هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى -: {  { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .. }  }.وقوله { باخع } من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: { على آثارهم } أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله { أسفا } أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله.<br>والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك {  { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ }  }، و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }  }.قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله: { فلعلك باخع ... } وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده لنهاية هذه الدنيا، { صعيدا }، أى: ترابا { جرزا } أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال.<br>ويقال: جُرِزَت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى: {  { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ }  }.والمقصود من الآيتين: الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول له: امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك {  { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً  إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً }  }.وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم.<br>وقوله { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.<br>أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإِيمان والعقيدة الصحيحة.<br>قال تعالى: {  { تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }  }.وفى الحديث الشريف:  \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء\" .<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإِنسان إلى السعادة الباقية الدائمة.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ... }."
    },
    {
        "id": "2167",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "2",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين.<br>والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: { الحمد لله } هى: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر.<br>وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: \"أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.<br>وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإِنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام، سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.<br>وكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم ..، .<br>وقوله: { ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً .. } بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله.<br>والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.<br>أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج.<br>وقوله: { قيما } أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { قيما } منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما.<br>والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام.<br>وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.<br>وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته \"فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا\".<br>والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب.<br>والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع.<br>وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج. وقوله: { قيما } تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟<br>قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع.<br>وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: {  { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }  }.وقوله - سبحانه -. {  { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. }  }.وقوله - عز وجل: {  { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }  }.وقوله - تعالى -: {  { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }  }.ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام، فقال: { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ... }.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا.<br>واللام فى قوله { لينذر } متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف.<br>والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -.<br>والتعبير بقوله { من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده.<br>أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: { وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً }.<br>أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله { فيه } يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة.<br>قال - تعالى -: {  { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً }  }.ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه، فقال: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }.<br>فقوله - سبحانه - هنا: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً .. } معطوف على قوله قبل ذلك { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد.<br>والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - {  { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }  }.وقال - سبحانه -: {  { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }  }.قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال فى شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين .. للإِيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ } توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى الجهل والبهتان.<br>أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى -، كما قال - عز وجل -: {  { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  }.و\"من\" فى قوله: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } مزيدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و\"لهم\" خبر مقدم، و{ من علم } مبتدأ مؤخر، وقوله { ولا لآبائهم } معطوف على الخبر.<br>أى: ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم.<br>قال الكرخى: فإن قيل: اتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟ } فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -: {  { وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ }  }.وقوله - تعالى -: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم.<br>وكبر: فعل ماض لإِنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله { كلمة } المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف.<br>والتقدير: كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب.<br>وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { كبرت كلمة } قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.<br>وقوله { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوُّراً من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟<br>فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى { كبرت }؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.<br>وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى -: {  { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً }  }.ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة { لعل } تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن { لعل } هنا للإِشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.<br>وقال بعضهم إن { لعل } هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى -: {  { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .. }  }.وقوله { باخع } من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: { على آثارهم } أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله { أسفا } أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله.<br>والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك {  { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ }  }، و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }  }.قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله: { فلعلك باخع ... } وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده لنهاية هذه الدنيا، { صعيدا }، أى: ترابا { جرزا } أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال.<br>ويقال: جُرِزَت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى: {  { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ }  }.والمقصود من الآيتين: الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول له: امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك {  { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً  إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً }  }.وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم.<br>وقوله { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.<br>أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإِيمان والعقيدة الصحيحة.<br>قال تعالى: {  { تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }  }.وفى الحديث الشريف:  \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء\" .<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإِنسان إلى السعادة الباقية الدائمة.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ... }."
    },
    {
        "id": "2168",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "3",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين.<br>والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: { الحمد لله } هى: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر.<br>وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: \"أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.<br>وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإِنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام، سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.<br>وكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم ..، .<br>وقوله: { ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً .. } بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله.<br>والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.<br>أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج.<br>وقوله: { قيما } أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { قيما } منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما.<br>والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام.<br>وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.<br>وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته \"فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا\".<br>والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب.<br>والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع.<br>وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج. وقوله: { قيما } تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟<br>قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع.<br>وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: {  { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }  }.وقوله - سبحانه -. {  { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. }  }.وقوله - عز وجل: {  { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }  }.وقوله - تعالى -: {  { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }  }.ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام، فقال: { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ... }.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا.<br>واللام فى قوله { لينذر } متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف.<br>والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -.<br>والتعبير بقوله { من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده.<br>أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: { وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً }.<br>أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله { فيه } يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة.<br>قال - تعالى -: {  { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً }  }.ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه، فقال: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }.<br>فقوله - سبحانه - هنا: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً .. } معطوف على قوله قبل ذلك { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد.<br>والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - {  { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }  }.وقال - سبحانه -: {  { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }  }.قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال فى شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين .. للإِيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ } توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى الجهل والبهتان.<br>أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى -، كما قال - عز وجل -: {  { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  }.و\"من\" فى قوله: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } مزيدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و\"لهم\" خبر مقدم، و{ من علم } مبتدأ مؤخر، وقوله { ولا لآبائهم } معطوف على الخبر.<br>أى: ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم.<br>قال الكرخى: فإن قيل: اتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟ } فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -: {  { وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ }  }.وقوله - تعالى -: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم.<br>وكبر: فعل ماض لإِنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله { كلمة } المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف.<br>والتقدير: كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب.<br>وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { كبرت كلمة } قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.<br>وقوله { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوُّراً من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟<br>فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى { كبرت }؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.<br>وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى -: {  { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً }  }.ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة { لعل } تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن { لعل } هنا للإِشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.<br>وقال بعضهم إن { لعل } هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى -: {  { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .. }  }.وقوله { باخع } من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: { على آثارهم } أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله { أسفا } أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله.<br>والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك {  { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ }  }، و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }  }.قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله: { فلعلك باخع ... } وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده لنهاية هذه الدنيا، { صعيدا }، أى: ترابا { جرزا } أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال.<br>ويقال: جُرِزَت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى: {  { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ }  }.والمقصود من الآيتين: الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول له: امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك {  { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً  إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً }  }.وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم.<br>وقوله { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.<br>أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإِيمان والعقيدة الصحيحة.<br>قال تعالى: {  { تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }  }.وفى الحديث الشريف:  \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء\" .<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإِنسان إلى السعادة الباقية الدائمة.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ... }."
    },
    {
        "id": "2169",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "4",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين.<br>والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: { الحمد لله } هى: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر.<br>وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: \"أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.<br>وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإِنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام، سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.<br>وكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم ..، .<br>وقوله: { ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً .. } بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله.<br>والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.<br>أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج.<br>وقوله: { قيما } أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { قيما } منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما.<br>والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام.<br>وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.<br>وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته \"فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا\".<br>والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب.<br>والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع.<br>وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج. وقوله: { قيما } تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟<br>قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع.<br>وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: {  { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }  }.وقوله - سبحانه -. {  { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. }  }.وقوله - عز وجل: {  { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }  }.وقوله - تعالى -: {  { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }  }.ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام، فقال: { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ... }.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا.<br>واللام فى قوله { لينذر } متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف.<br>والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -.<br>والتعبير بقوله { من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده.<br>أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: { وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً }.<br>أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله { فيه } يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة.<br>قال - تعالى -: {  { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً }  }.ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه، فقال: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }.<br>فقوله - سبحانه - هنا: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً .. } معطوف على قوله قبل ذلك { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد.<br>والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - {  { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }  }.وقال - سبحانه -: {  { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }  }.قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال فى شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين .. للإِيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ } توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى الجهل والبهتان.<br>أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى -، كما قال - عز وجل -: {  { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  }.و\"من\" فى قوله: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } مزيدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و\"لهم\" خبر مقدم، و{ من علم } مبتدأ مؤخر، وقوله { ولا لآبائهم } معطوف على الخبر.<br>أى: ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم.<br>قال الكرخى: فإن قيل: اتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟ } فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -: {  { وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ }  }.وقوله - تعالى -: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم.<br>وكبر: فعل ماض لإِنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله { كلمة } المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف.<br>والتقدير: كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب.<br>وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { كبرت كلمة } قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.<br>وقوله { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوُّراً من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟<br>فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى { كبرت }؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.<br>وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى -: {  { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً }  }.ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة { لعل } تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن { لعل } هنا للإِشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.<br>وقال بعضهم إن { لعل } هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى -: {  { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .. }  }.وقوله { باخع } من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: { على آثارهم } أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله { أسفا } أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله.<br>والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك {  { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ }  }، و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }  }.قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله: { فلعلك باخع ... } وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده لنهاية هذه الدنيا، { صعيدا }، أى: ترابا { جرزا } أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال.<br>ويقال: جُرِزَت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى: {  { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ }  }.والمقصود من الآيتين: الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول له: امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك {  { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً  إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً }  }.وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم.<br>وقوله { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.<br>أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإِيمان والعقيدة الصحيحة.<br>قال تعالى: {  { تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }  }.وفى الحديث الشريف:  \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء\" .<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإِنسان إلى السعادة الباقية الدائمة.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ... }."
    },
    {
        "id": "2170",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "5",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين.<br>والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: { الحمد لله } هى: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر.<br>وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: \"أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.<br>وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإِنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام، سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.<br>وكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم ..، .<br>وقوله: { ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً .. } بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله.<br>والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.<br>أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج.<br>وقوله: { قيما } أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { قيما } منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما.<br>والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام.<br>وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.<br>وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته \"فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا\".<br>والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب.<br>والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع.<br>وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج. وقوله: { قيما } تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟<br>قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع.<br>وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: {  { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }  }.وقوله - سبحانه -. {  { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. }  }.وقوله - عز وجل: {  { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }  }.وقوله - تعالى -: {  { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }  }.ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام، فقال: { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ... }.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا.<br>واللام فى قوله { لينذر } متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف.<br>والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -.<br>والتعبير بقوله { من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده.<br>أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: { وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً }.<br>أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله { فيه } يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة.<br>قال - تعالى -: {  { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً }  }.ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه، فقال: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }.<br>فقوله - سبحانه - هنا: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً .. } معطوف على قوله قبل ذلك { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد.<br>والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - {  { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }  }.وقال - سبحانه -: {  { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }  }.قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال فى شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين .. للإِيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ } توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى الجهل والبهتان.<br>أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى -، كما قال - عز وجل -: {  { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  }.و\"من\" فى قوله: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } مزيدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و\"لهم\" خبر مقدم، و{ من علم } مبتدأ مؤخر، وقوله { ولا لآبائهم } معطوف على الخبر.<br>أى: ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم.<br>قال الكرخى: فإن قيل: اتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟ } فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -: {  { وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ }  }.وقوله - تعالى -: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم.<br>وكبر: فعل ماض لإِنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله { كلمة } المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف.<br>والتقدير: كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب.<br>وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { كبرت كلمة } قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.<br>وقوله { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوُّراً من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟<br>فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى { كبرت }؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.<br>وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى -: {  { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً }  }.ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة { لعل } تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن { لعل } هنا للإِشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.<br>وقال بعضهم إن { لعل } هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى -: {  { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .. }  }.وقوله { باخع } من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: { على آثارهم } أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله { أسفا } أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله.<br>والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك {  { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ }  }، و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }  }.قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله: { فلعلك باخع ... } وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده لنهاية هذه الدنيا، { صعيدا }، أى: ترابا { جرزا } أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال.<br>ويقال: جُرِزَت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى: {  { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ }  }.والمقصود من الآيتين: الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول له: امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك {  { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً  إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً }  }.وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم.<br>وقوله { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.<br>أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإِيمان والعقيدة الصحيحة.<br>قال تعالى: {  { تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }  }.وفى الحديث الشريف:  \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء\" .<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإِنسان إلى السعادة الباقية الدائمة.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ... }."
    },
    {
        "id": "2171",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "6",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين.<br>والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: { الحمد لله } هى: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر.<br>وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: \"أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.<br>وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإِنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام، سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.<br>وكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم ..، .<br>وقوله: { ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً .. } بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله.<br>والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.<br>أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج.<br>وقوله: { قيما } أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { قيما } منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما.<br>والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام.<br>وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.<br>وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته \"فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا\".<br>والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب.<br>والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع.<br>وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج. وقوله: { قيما } تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟<br>قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع.<br>وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: {  { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }  }.وقوله - سبحانه -. {  { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. }  }.وقوله - عز وجل: {  { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }  }.وقوله - تعالى -: {  { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }  }.ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام، فقال: { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ... }.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا.<br>واللام فى قوله { لينذر } متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف.<br>والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -.<br>والتعبير بقوله { من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده.<br>أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: { وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً }.<br>أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله { فيه } يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة.<br>قال - تعالى -: {  { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً }  }.ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه، فقال: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }.<br>فقوله - سبحانه - هنا: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً .. } معطوف على قوله قبل ذلك { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد.<br>والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - {  { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }  }.وقال - سبحانه -: {  { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }  }.قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال فى شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين .. للإِيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ } توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى الجهل والبهتان.<br>أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى -، كما قال - عز وجل -: {  { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  }.و\"من\" فى قوله: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } مزيدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و\"لهم\" خبر مقدم، و{ من علم } مبتدأ مؤخر، وقوله { ولا لآبائهم } معطوف على الخبر.<br>أى: ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم.<br>قال الكرخى: فإن قيل: اتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟ } فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -: {  { وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ }  }.وقوله - تعالى -: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم.<br>وكبر: فعل ماض لإِنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله { كلمة } المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف.<br>والتقدير: كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب.<br>وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { كبرت كلمة } قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.<br>وقوله { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوُّراً من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟<br>فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى { كبرت }؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.<br>وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى -: {  { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً }  }.ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة { لعل } تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن { لعل } هنا للإِشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.<br>وقال بعضهم إن { لعل } هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى -: {  { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .. }  }.وقوله { باخع } من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: { على آثارهم } أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله { أسفا } أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله.<br>والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك {  { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ }  }، و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }  }.قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله: { فلعلك باخع ... } وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده لنهاية هذه الدنيا، { صعيدا }، أى: ترابا { جرزا } أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال.<br>ويقال: جُرِزَت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى: {  { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ }  }.والمقصود من الآيتين: الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول له: امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك {  { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً  إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً }  }.وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم.<br>وقوله { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.<br>أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإِيمان والعقيدة الصحيحة.<br>قال تعالى: {  { تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }  }.وفى الحديث الشريف:  \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء\" .<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإِنسان إلى السعادة الباقية الدائمة.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ... }."
    },
    {
        "id": "2172",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "7",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين.<br>والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: { الحمد لله } هى: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر.<br>وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: \"أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.<br>وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإِنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام، سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.<br>وكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم ..، .<br>وقوله: { ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً .. } بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله.<br>والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.<br>أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج.<br>وقوله: { قيما } أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { قيما } منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما.<br>والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام.<br>وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.<br>وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته \"فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا\".<br>والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب.<br>والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع.<br>وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج. وقوله: { قيما } تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟<br>قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع.<br>وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: {  { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }  }.وقوله - سبحانه -. {  { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. }  }.وقوله - عز وجل: {  { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }  }.وقوله - تعالى -: {  { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }  }.ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام، فقال: { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ... }.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا.<br>واللام فى قوله { لينذر } متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف.<br>والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -.<br>والتعبير بقوله { من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده.<br>أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: { وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً }.<br>أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله { فيه } يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة.<br>قال - تعالى -: {  { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً }  }.ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه، فقال: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }.<br>فقوله - سبحانه - هنا: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً .. } معطوف على قوله قبل ذلك { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد.<br>والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - {  { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }  }.وقال - سبحانه -: {  { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }  }.قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال فى شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين .. للإِيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ } توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى الجهل والبهتان.<br>أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى -، كما قال - عز وجل -: {  { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  }.و\"من\" فى قوله: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } مزيدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و\"لهم\" خبر مقدم، و{ من علم } مبتدأ مؤخر، وقوله { ولا لآبائهم } معطوف على الخبر.<br>أى: ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم.<br>قال الكرخى: فإن قيل: اتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟ } فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -: {  { وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ }  }.وقوله - تعالى -: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم.<br>وكبر: فعل ماض لإِنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله { كلمة } المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف.<br>والتقدير: كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب.<br>وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { كبرت كلمة } قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.<br>وقوله { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوُّراً من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟<br>فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى { كبرت }؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.<br>وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى -: {  { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً }  }.ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة { لعل } تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن { لعل } هنا للإِشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.<br>وقال بعضهم إن { لعل } هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى -: {  { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .. }  }.وقوله { باخع } من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: { على آثارهم } أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله { أسفا } أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله.<br>والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك {  { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ }  }، و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }  }.قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله: { فلعلك باخع ... } وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده لنهاية هذه الدنيا، { صعيدا }، أى: ترابا { جرزا } أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال.<br>ويقال: جُرِزَت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى: {  { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ }  }.والمقصود من الآيتين: الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول له: امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك {  { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً  إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً }  }.وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم.<br>وقوله { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.<br>أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإِيمان والعقيدة الصحيحة.<br>قال تعالى: {  { تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }  }.وفى الحديث الشريف:  \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء\" .<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإِنسان إلى السعادة الباقية الدائمة.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ... }."
    },
    {
        "id": "2173",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "8",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين.<br>والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: { الحمد لله } هى: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر.<br>وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: \"أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.<br>وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإِنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.<br>وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام، سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.<br>وكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم ..، .<br>وقوله: { ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً .. } بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله.<br>والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.<br>أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج.<br>وقوله: { قيما } أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { قيما } منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما.<br>والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام.<br>وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.<br>وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته \"فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا\".<br>والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب.<br>والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع.<br>وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج. وقوله: { قيما } تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟<br>قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع.<br>وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: {  { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }  }.وقوله - سبحانه -. {  { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. }  }.وقوله - عز وجل: {  { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }  }.وقوله - تعالى -: {  { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }  }.ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام، فقال: { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ... }.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا.<br>واللام فى قوله { لينذر } متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف.<br>والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -.<br>والتعبير بقوله { من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده.<br>أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: { وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً }.<br>أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله { فيه } يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة.<br>قال - تعالى -: {  { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً }  }.ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه، فقال: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }.<br>فقوله - سبحانه - هنا: { وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً .. } معطوف على قوله قبل ذلك { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد.<br>والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - {  { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }  }.وقال - سبحانه -: {  { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }  }.قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال فى شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين .. للإِيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ } توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى الجهل والبهتان.<br>أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى -، كما قال - عز وجل -: {  { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  }.و\"من\" فى قوله: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } مزيدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و\"لهم\" خبر مقدم، و{ من علم } مبتدأ مؤخر، وقوله { ولا لآبائهم } معطوف على الخبر.<br>أى: ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم.<br>قال الكرخى: فإن قيل: اتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال: { مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟ } فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -: {  { وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ }  }.وقوله - تعالى -: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم.<br>وكبر: فعل ماض لإِنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله { كلمة } المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف.<br>والتقدير: كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب.<br>وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { كبرت كلمة } قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.<br>وقوله { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوُّراً من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟<br>فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى { كبرت }؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.<br>وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى -: {  { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً }  }.ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة { لعل } تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن { لعل } هنا للإِشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.<br>وقال بعضهم إن { لعل } هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى -: {  { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .. }  }.وقوله { باخع } من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: { على آثارهم } أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله { أسفا } أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله.<br>والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك {  { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ }  }، و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }  }.قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم.<br>وقوله - تعالى -: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله: { فلعلك باخع ... } وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده لنهاية هذه الدنيا، { صعيدا }، أى: ترابا { جرزا } أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال.<br>ويقال: جُرِزَت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى: {  { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ }  }.والمقصود من الآيتين: الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>فكأنه - سبحانه - يقول له: امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك {  { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً  إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً }  }.وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم.<br>وقوله { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.<br>أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإِيمان والعقيدة الصحيحة.<br>قال تعالى: {  { تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }  }.وفى الحديث الشريف:  \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء\" .<br>وقوله - سبحانه -: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإِنسان إلى السعادة الباقية الدائمة.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ... }."
    },
    {
        "id": "2211",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "45",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: \"اعلم أن المقصود: اضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا، وقلة بقائها. والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين ..\".<br>والمعنى. واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - ما يشبه هذه الحياة الدنيا فى حسنها ونضارتها، ثم فى سرعة زوال هذا الحسن والنضارة، لكى لا يركنوا إليها، ولا يجعلوها أكبر همهم، ومنتهى آمالهم.<br>وقوله: { كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ .. } بيان للمثل الذى شبه الله - تعالى - به الحياة الدنيا أى: مثلها فى ازدهارها ثم فى زوال هذا الازدهار، كهيئة أو كصفة ماء أنزلناه بقدرتنا من السماء، فى الوقت الذى نريد إنزاله فيه.<br>{ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } والاختلاط والخلط: امتزاج شيئين فأكثر بعضهما ببعض.<br>أى: كماء أنزلناه من السماء، فاختلط وامتزج بهذا الماء نبات الأرض، فارتوى منه وصار قويا بهيجا يعجب الناظرين إليه.<br>وفى التعبير بقوله: { فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } دون قوله: فاختلط بنبات الأرض إشارة إلى كثرة الماء النازل من السماء، وإلى أنه السبب الأساسى فى ظهور هذا النبات، وفى بلوغه قوته ونضارته.<br>وقوله: { فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ } بيان لما صار إليه هذا النبات من يبوسته وتفتته، بعد اخضراره وشدته وحسنه.<br>قال القرطبى ما ملخصه: { هشيما } أى متكسرا متفتتا، يعنى بانقطاع الماء عنه، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه، والهشم، كسر الشئ اليابس. والهشيم من النبات: اليابس المتكسر .. ورجل هشيم: ضعيف البدن.<br>و{ تذروه الرياح } أى تفرقه وتنسفه .. يقال: ذرت الريح الشئ تذروه ذروا، إذا طارت به وأذهبته\".<br>أى: فأصبح النبات بعد اخضراره، يابسا متفتتا، تفرقه الرياح وتنسفه وتذهب به حيث شاءت وكيف شاءت.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد شبهت حال الدنيا فى حسنها وجمال رونقها، ثم فى سرعة زوالها وفنائها بعد ذلك، بحال النبات الذى نزل عليه الماء فاخضر واستوى على سوقه، ثم صار بعد ذلك يابسا متفتتا تذهب به الرياح حيث شاءت.<br>والتعبير بالفاء فى قوله - سبحانه - فاختلط. فأصبح .. يزيد الأسلوب القرآنى جمالا وبلاغة، لأن فاء التعقيب هنا تدل على قصر المدة التى استمر فيها النبات نضرا جميلا، ثم صار هشيما تذروه الرياح.<br>وهكذا الحياة تبدو للمتشبثين بها، جميلة عزيزة، ولكنها سرعان ما تفارقهم ويفارقونها، حيث ينزل بهم الموت فيجعل آمالهم تحت التراب.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله، { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً } أى: وكان الله - تعالى - وما زال - على كل شئ من الأشياء التى من جملتها الإِنشاء والإِفناء؛ كامل القدرة، لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وقد ذكر - سبحانه - ما يشبه هذه الآية فى سور كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى -: {  { إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }  }.ثم بين - سبحانه - القيمة الحقيقية للمال وللبنين فقال: { ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا }.<br>والمال: اسم لكل ما يتموله الإِنسان ويتملكه من النقود والعقار والحرث والأنعام .. إلخ والبنون: جمع ابن.<br>والزينة: مصدر. والمراد بها هنا، ما فى الشئ من محاسن ترغب الإنسان فى حبه.<br>أى: المال والبنون زينة يتزين بها الإنسان فى هذه الحياة الدنيا، ويتباهى بها على غيره.<br>وإنما كانا كذلك، لأن فى المال - كما يقول القرطبى - جمالا ونفعا، وفى البنين قوة ودفعا.<br>قال الآلوسى: \"وتقديم المال على البنين - مع كونهم أعز منه عند أكثر الناس لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد وغير ذلك .. ولأنه زينة بدونهم من غير عكس فإن من له بنون بغير مال فهو فى أضيق حال ..\".<br>وفى التعبير بقوله - سبحانه - زينة، بيان بديع. وتعبير دقيق لحقيقتهما، فهما زينة وليسا قيمة، فلا يصح أن توزن بهما أقدار الناس، وإنما توزن أقدار الناس بالإِيمان والعمل الصالح، كما قال - تعالى - {  { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ }  }.ولذا جاء التعقيب منه - سبحانه - بقوله: { وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً }.<br>أى: المال والبنون زينة يتزين ويتفاخر بها كثير من الناس فى هذه الحياة الدنيا، وإذا كان الأمر كذلك فى عرف كثير منهم. فإن الأقوال الطيبة، والأعمال الحسنة، هى الباقيات الصالحات، التى تبقى ثمارها للإِنسان، وتكون عند الله - تعالى - { خير } من الأموال والأولاد، ثوابا وجزاء وأجرا { وخير أملا } حيث ينال بها صاحبها فى الآخرة ما كان يؤمله ويرجوه فى الدنيا من فوز بنعيم الجنة، أما المال والبنون فكثيرا ما يكونان فتنة.<br>وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار فى تعيين المراد بالباقيات الصالحات فقال: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: والباقيات الصالحات: الصلوات الخمس.<br>وقال عطاء بن أبى رياح وسعيد بن جبير عن ابن عباس: { والباقيات الصالحات }: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ...<br>ويبدو لنا أن قوله - تعالى -: { والباقيات الصالحات } لفظ عام، يشمل كل قول، أو عمل يرضى الله - عز وجل - ويدخل فى ذلك دخولا أوليا: الصلوات الخمس وغيرها مما ذكره المفسرون من أقوال.<br>وسمى - سبحانه - ما يرضيه. من أقوال، وأعمال بالباقيات الصالحات لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية، بخلاف زينة الحياة الدنيا فإنها زائلة فانية.<br>قال الإمام ابن جرير -رحمه الله  - وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: هن جميع أعمال الخير .. لأن ذلك كله من الصالحات التى تبقى لصاحبها فى الآخرة، وعليها يجازى ويثاب. وإن الله - عز وجل - لم يخصص من قوله { وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ .. } بعضا دون بعض فى كتاب، ولا بخبر عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة، ذلك اليوم الذى تنفع فيه الباقيات الصالحات، وليس الأموال ولا الأولاد، فقال - تعالى -: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ... }."
    },
    {
        "id": "2212",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "46",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: \"اعلم أن المقصود: اضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا، وقلة بقائها. والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين ..\".<br>والمعنى. واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - ما يشبه هذه الحياة الدنيا فى حسنها ونضارتها، ثم فى سرعة زوال هذا الحسن والنضارة، لكى لا يركنوا إليها، ولا يجعلوها أكبر همهم، ومنتهى آمالهم.<br>وقوله: { كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ .. } بيان للمثل الذى شبه الله - تعالى - به الحياة الدنيا أى: مثلها فى ازدهارها ثم فى زوال هذا الازدهار، كهيئة أو كصفة ماء أنزلناه بقدرتنا من السماء، فى الوقت الذى نريد إنزاله فيه.<br>{ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } والاختلاط والخلط: امتزاج شيئين فأكثر بعضهما ببعض.<br>أى: كماء أنزلناه من السماء، فاختلط وامتزج بهذا الماء نبات الأرض، فارتوى منه وصار قويا بهيجا يعجب الناظرين إليه.<br>وفى التعبير بقوله: { فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } دون قوله: فاختلط بنبات الأرض إشارة إلى كثرة الماء النازل من السماء، وإلى أنه السبب الأساسى فى ظهور هذا النبات، وفى بلوغه قوته ونضارته.<br>وقوله: { فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ } بيان لما صار إليه هذا النبات من يبوسته وتفتته، بعد اخضراره وشدته وحسنه.<br>قال القرطبى ما ملخصه: { هشيما } أى متكسرا متفتتا، يعنى بانقطاع الماء عنه، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه، والهشم، كسر الشئ اليابس. والهشيم من النبات: اليابس المتكسر .. ورجل هشيم: ضعيف البدن.<br>و{ تذروه الرياح } أى تفرقه وتنسفه .. يقال: ذرت الريح الشئ تذروه ذروا، إذا طارت به وأذهبته\".<br>أى: فأصبح النبات بعد اخضراره، يابسا متفتتا، تفرقه الرياح وتنسفه وتذهب به حيث شاءت وكيف شاءت.<br>فأنت ترى أن الآية الكريمة قد شبهت حال الدنيا فى حسنها وجمال رونقها، ثم فى سرعة زوالها وفنائها بعد ذلك، بحال النبات الذى نزل عليه الماء فاخضر واستوى على سوقه، ثم صار بعد ذلك يابسا متفتتا تذهب به الرياح حيث شاءت.<br>والتعبير بالفاء فى قوله - سبحانه - فاختلط. فأصبح .. يزيد الأسلوب القرآنى جمالا وبلاغة، لأن فاء التعقيب هنا تدل على قصر المدة التى استمر فيها النبات نضرا جميلا، ثم صار هشيما تذروه الرياح.<br>وهكذا الحياة تبدو للمتشبثين بها، جميلة عزيزة، ولكنها سرعان ما تفارقهم ويفارقونها، حيث ينزل بهم الموت فيجعل آمالهم تحت التراب.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله، { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً } أى: وكان الله - تعالى - وما زال - على كل شئ من الأشياء التى من جملتها الإِنشاء والإِفناء؛ كامل القدرة، لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وقد ذكر - سبحانه - ما يشبه هذه الآية فى سور كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى -: {  { إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }  }.ثم بين - سبحانه - القيمة الحقيقية للمال وللبنين فقال: { ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا }.<br>والمال: اسم لكل ما يتموله الإِنسان ويتملكه من النقود والعقار والحرث والأنعام .. إلخ والبنون: جمع ابن.<br>والزينة: مصدر. والمراد بها هنا، ما فى الشئ من محاسن ترغب الإنسان فى حبه.<br>أى: المال والبنون زينة يتزين بها الإنسان فى هذه الحياة الدنيا، ويتباهى بها على غيره.<br>وإنما كانا كذلك، لأن فى المال - كما يقول القرطبى - جمالا ونفعا، وفى البنين قوة ودفعا.<br>قال الآلوسى: \"وتقديم المال على البنين - مع كونهم أعز منه عند أكثر الناس لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد وغير ذلك .. ولأنه زينة بدونهم من غير عكس فإن من له بنون بغير مال فهو فى أضيق حال ..\".<br>وفى التعبير بقوله - سبحانه - زينة، بيان بديع. وتعبير دقيق لحقيقتهما، فهما زينة وليسا قيمة، فلا يصح أن توزن بهما أقدار الناس، وإنما توزن أقدار الناس بالإِيمان والعمل الصالح، كما قال - تعالى - {  { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ }  }.ولذا جاء التعقيب منه - سبحانه - بقوله: { وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً }.<br>أى: المال والبنون زينة يتزين ويتفاخر بها كثير من الناس فى هذه الحياة الدنيا، وإذا كان الأمر كذلك فى عرف كثير منهم. فإن الأقوال الطيبة، والأعمال الحسنة، هى الباقيات الصالحات، التى تبقى ثمارها للإِنسان، وتكون عند الله - تعالى - { خير } من الأموال والأولاد، ثوابا وجزاء وأجرا { وخير أملا } حيث ينال بها صاحبها فى الآخرة ما كان يؤمله ويرجوه فى الدنيا من فوز بنعيم الجنة، أما المال والبنون فكثيرا ما يكونان فتنة.<br>وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار فى تعيين المراد بالباقيات الصالحات فقال: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: والباقيات الصالحات: الصلوات الخمس.<br>وقال عطاء بن أبى رياح وسعيد بن جبير عن ابن عباس: { والباقيات الصالحات }: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ...<br>ويبدو لنا أن قوله - تعالى -: { والباقيات الصالحات } لفظ عام، يشمل كل قول، أو عمل يرضى الله - عز وجل - ويدخل فى ذلك دخولا أوليا: الصلوات الخمس وغيرها مما ذكره المفسرون من أقوال.<br>وسمى - سبحانه - ما يرضيه. من أقوال، وأعمال بالباقيات الصالحات لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية، بخلاف زينة الحياة الدنيا فإنها زائلة فانية.<br>قال الإمام ابن جرير -رحمه الله  - وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: هن جميع أعمال الخير .. لأن ذلك كله من الصالحات التى تبقى لصاحبها فى الآخرة، وعليها يجازى ويثاب. وإن الله - عز وجل - لم يخصص من قوله { وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ .. } بعضا دون بعض فى كتاب، ولا بخبر عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة، ذلك اليوم الذى تنفع فيه الباقيات الصالحات، وليس الأموال ولا الأولاد، فقال - تعالى -: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ... }."
    },
    {
        "id": "2273",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "107",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "وجنات الفردوس: هى أفضل الجنات وأعلاها. ولفظ الفردوس: لفظ عربى ويجمع على فراديس، ومنه قولهم صدر مفردس، أى: واسع.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: عن مجاهد أن الفردوس هو البستان بالرومية، وعن عكرمة أن الفردوس هو الجنة بالحبشية.<br>ونص الفراء على أن هذا اللفظ عربى ومعناه البستان الذى فيه كرم.<br>وقال المبرد: هى - أى كلمة الفردوس - فيما سمعت من العرب: الشجر الملتف والأغلب عليه العنب.<br>وأخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إذا سألتم الله - تعالى - فأسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة\" .<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بالله - تعالى - وبكل ما يجب الإِيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات بإخلاص واتباع لما جاء به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم كانت لهم عند الله - تعالى - جنات الفردوس، التى هى أفضل الجنات وأرفعها درجة { نزلا } أى: هدية تقدم لهم منه يوم القيامة، ومكانا ينزلون به تكريما وتشريفا لهم.<br>{ خالدين فيها } خلودا أبديا، حالة كونهم { لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } أى: لا يطلبون تحولا أو انتقالا منها إلى مكان آخر، لكونها أطيب المنازل وأعلاها.<br>وفى قوله - تعالى -: { لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } لفتة دقيقة عميقة للإِجابة على ما يعترى النفس البشرية من حب للانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ومن حال إلى حال.<br>فكأنه - سبحانه - يقول: إن ما جبلت عليه النفوس فى الدنيا من حب للتحول والتنقل. قد زال وانتهى بحلولها فى الآخرة فى الجنة، فالنفس الإِنسانية عندما تستقر فى الجنة - ولا سيما جنة الفردوس - لا تريد تحولا أو انتقالا عنها، لأنها المكان الذى لا تشتاق النفوس إلى سواه، لأنها تجد فيه ما تشتهيه وما تبتغيه، نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا جميعا جنات الفردوس.<br>وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته، ختمها - أيضا - بالثناء والحمد، فقد أثبت - عز وجل - أن علمه شامل لكل شئ. وأن قدرته نافذة على كل شئ، وأنه - تعالى - هو المستحق للعبادة والطاعة، فقال: { قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ... }."
    },
    {
        "id": "2274",
        "sura_number": "18",
        "ayah_number": "108",
        "aya": "",
        "sura": "الكهف",
        "mediator": "وجنات الفردوس: هى أفضل الجنات وأعلاها. ولفظ الفردوس: لفظ عربى ويجمع على فراديس، ومنه قولهم صدر مفردس، أى: واسع.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: عن مجاهد أن الفردوس هو البستان بالرومية، وعن عكرمة أن الفردوس هو الجنة بالحبشية.<br>ونص الفراء على أن هذا اللفظ عربى ومعناه البستان الذى فيه كرم.<br>وقال المبرد: هى - أى كلمة الفردوس - فيما سمعت من العرب: الشجر الملتف والأغلب عليه العنب.<br>وأخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إذا سألتم الله - تعالى - فأسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة\" .<br>والمعنى: إن الذين آمنوا بالله - تعالى - وبكل ما يجب الإِيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات بإخلاص واتباع لما جاء به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم كانت لهم عند الله - تعالى - جنات الفردوس، التى هى أفضل الجنات وأرفعها درجة { نزلا } أى: هدية تقدم لهم منه يوم القيامة، ومكانا ينزلون به تكريما وتشريفا لهم.<br>{ خالدين فيها } خلودا أبديا، حالة كونهم { لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } أى: لا يطلبون تحولا أو انتقالا منها إلى مكان آخر، لكونها أطيب المنازل وأعلاها.<br>وفى قوله - تعالى -: { لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } لفتة دقيقة عميقة للإِجابة على ما يعترى النفس البشرية من حب للانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ومن حال إلى حال.<br>فكأنه - سبحانه - يقول: إن ما جبلت عليه النفوس فى الدنيا من حب للتحول والتنقل. قد زال وانتهى بحلولها فى الآخرة فى الجنة، فالنفس الإِنسانية عندما تستقر فى الجنة - ولا سيما جنة الفردوس - لا تريد تحولا أو انتقالا عنها، لأنها المكان الذى لا تشتاق النفوس إلى سواه، لأنها تجد فيه ما تشتهيه وما تبتغيه، نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا جميعا جنات الفردوس.<br>وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته، ختمها - أيضا - بالثناء والحمد، فقد أثبت - عز وجل - أن علمه شامل لكل شئ. وأن قدرته نافذة على كل شئ، وأنه - تعالى - هو المستحق للعبادة والطاعة، فقال: { قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ... }."
    },
    {
        "id": "2856",
        "sura_number": "24",
        "ayah_number": "35",
        "aya": "",
        "sura": "النور",
        "mediator": "قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: \"قوله - تعالى -: { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. النور فى كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر. واستعمل مجازا فيما صح من المعانى ولاح. فيقال: كلام له نور... وفلان نور البلد.<br>فيجوز أن يقال: الله - تعالى - نور، من جهة المدح، لأنه أوجد جميع الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو - سبحانه - ليس من الأضواء المدركة، جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.<br>واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية: فقيل: المعنى: به وبقدرته أنارت أضواؤها. واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما يقال: الملك نور أهل البلد، أى: به قوام أمرها... فهو - أى النور - فى الملك مجاز. وهو فى صفة الله - تعالى - حقيقة محضة.<br>قال ابن عرفة: أى منور السموات والأرض. وقال مجاهد: مدبر الأمور فى السموات والأرض.<br>قال ابن عباس: المعنى: الله هادى السموات والأرض. والأول أعم للمعانى وأصح مع التأويل.<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذى رجحه الإِمام القرطبى فيكون معنى الجملة الكريمة: الله - تعالى - هو نور العالم كله علويه وسفليه، بمعنى منوره بالمخلوقات التكوينية، وبالآيات التنزيلية، وبالرسالات السماوية، الدالة دلالة واضحة على وجوده - سبحانه - وعلى وحدانيته، وقدرته، وسائر صفاته الكريمة، والهادية إلى الحق، وإلى ما به صلاح الناس فى دنياهم وآخرتهم.<br>وقال ابن كثير: \"وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول:  \"اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن\" .<br>وقال صلى الله عليه وسلم فى دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف:  \"أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بى غضبك، أو ينزل بى سخطك، لك العتبى - أى الرجوع عن الذنب - حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك\" .<br>وأضاف - سبحانه - نوره إلى السموات والأرض، للدلالة على سعة إشراق هذا النور، وعموم سنائه، وتمام بهائه فى الكون كله.<br>ثم قرب - عز وجل - نوره إلى الأذهان فقال: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ... }.<br>أى: صفة نوره العجيبة الشأن فى الإِضاءة والسطوع، كصفة مشكاة - وهى الفتحة الصغيرة فى الجدار دون أن تكون نافذة فيه - هذه المشكاة فيها مصباح، أى: سراج ضخم ثاقب تشع منه الأنوار.<br>وقال - سبحانه -: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } لأن وجود المصباح فى هذه المشكاة يكون أجمع لنوره، وأحصر لضيائه، فيبدو قويا متألقا، بخلاف مالو كان المصباح فى مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك.<br>{ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } أى: فى قنديل من الزجاج الصافى النقى، الذى يقيه الريح، ويزيده توهجا وتألقا.<br>هذه { ٱلزُّجَاجَةُ } فى ذاتها { كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } أى شديد الإِنارة، نسبة إلى الدر فى صفائه وسنائه وإشراقه وحسنه.<br>{ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } أى: هذا المصباح يستمد نوره من زيت شجرة مباركة أى: كثيرة المنافع، زيتونة أى: هى شجرة الزيتون.<br>فحرف \"من\" لابتداء الغاية، والكلام، على حذف مضاف، أى: من زيت شجرة، مباركة: صفة لشجرة، وزيتونة: بدل أو عطف بيان من شجرة.<br>ووصف - سبحانه - شجرة الزيتون بالبركة، لطول عمرها، وتعدد فوائدها التى من مظاهرها: الانتفاع بزيتها وخصبها وورقها وثمارها.<br>قال - تعالى -: { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ } وقوله - سبحانه -: { لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } صفة أخرى لشجرة الزيتون.<br>أى: أن هذه الشجرة ليست متميزة إلى مكان معين أو جهة معينة بل هى مستقبلة للشمس طول النهار، تسطع عليها عند شروقها وعند غروبها وما بين ذلك، فترتب على تعرضها للشمس طول النهار، امتداد حياتها، وعظم نمائها وحسن ثمارها.<br>وقوله - تعالى -: { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } صفة ثالثة لتلك الشجرة.<br>أى، أنها يكاد زيتها من شدة صفائه يضىء دون أن تمسه النار، فهو زيت من نوع خاص، بلغ من الشفافية أقصاها، ومن الجودة أعلاها.<br>قال بعض العلماء: وقد شُبِّه فى الآية نورُ الله، بمعنى أدلته، وآياته - سبحانه - من حيث دلالتها على الهدى والحق، وعلى ما ينفع الخلق فى الحياتين شبه ذلك بنور المشكاة التى فيها زجاجة صافية، وفى تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ الغاية فى الصفاء والرقة والإِشراق، حتى يكاد يضىء بنفسه من غير أن تمسه نار\".<br>وقوله - سبحانه -: { نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } أى: هو نور عظيم متضاعف، كائن على نور عظيم مثله، إذ أن نور الله - تعالى - لا حد لتضاعفه، ولا نهاية لعمقه بخلاف الأنوار الأخرى. فإن لتضاعفها حدا محدودا مهما كان إشراقها وضوؤها.<br>فقوله: { نُّورٌ } خبر لمبتدأ محذوف، أى: هو نور. وقوله { عَلَىٰ نُورٍ } متعلق بمحذوف هو صفة له، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة. أى: كائن على نور مثله.<br>ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فقال: { يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } أى: يهدى الله - تعالى - لنوره العظيم من يشاء هدايته من عباده، بأن يوفقهم للإيمان، والعمل بتعاليم الإسلام، وللسير على طريق الحق والرشاد.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ }.<br>أى: ويضرب الله - تعالى - الأمثال للناس، لكى يقرب لهم الأمور وييسر لهم المسائل، ويبرز لهم المعقول فى صورة المحسوس، والله - تعالى - بكل شىء عليم، سواء أكان هذا الشىء ظاهرا أم باطنا، معقولا أم محسوسا.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: هذه الآية الكريمة من الآيات التى صنفت فيها مصنفات، منها \"مشكاة الأنوار\" للإِمام الغزالى ... ومنها ما قاله الإِمام ابن القيم عنها فى كتابه \"الجيوش الإِسلامية\".<br>فقد قال -رحمه الله  -: سمى الله تعالى - نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ورسوله صلى الله عليه وسلم نورا، ودينه نورا، واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ. قال - تعالى - { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وقد فسر بكونه منور السموات والأرض وهادى أهل السموات والأرض فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض. وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذى هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق اسم النور الذى هو أحد الأسماء الحسنى..\".<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره، فقال - تعالى -: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }.<br>وقوله { فِي بُيُوتٍ } متعلق بقوله: { يُسَبِّحُ }. والمراد بهذه البيوت: المساجد كلها، وعلى رأسها المسجد الحرام، والمسجد النبوى، والمسجد الأقصى.<br>و \"أذن\" بمعنى أمر وقضى، وفاعل \"يسبح\" قوله \"رجال\".<br>والغدو والغداة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والآصال جمع أصيل، وهو ما بين العصر وغروب الشمس.<br>أى: هذا هو نور الله - الذى يهدى إليه من يشاء من عباده، وعلى رأس أولئك العباد الذين هداهم الله - سبحانه - إلى ما يحبه ويرضاه، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه فى تلك المساجد التى أمر - سبحانه - بتشييدها وتعظيم قدرها، وصيانتها من كل سوء أو نجس، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات. فى تلك المساجد فى أول النهار وفى آخره، وفى غير ذلك من الأوقات.<br>وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات.<br>وقوله - تعالى -: { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } مدح وتكريم لهؤلاء الرجال.<br>أى: يسبح الله - تعالى - فى تلك المساجد بالغدو والآصال، رجال من شأنهم ومن صفاتهم، أنهم لا يشغلهم، \"تجارة\" مهما عظمت، \"ولا بيع\"، مهما اشتدت حاجتهم إليه \"عن ذكر الله\" أى: عن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده وطاعته.<br>ولا تشغلهم - أيضا - هذه التجارات والبيوع عن \"إقام الصلاة\" فى مواقيتها بخشوع وإخلاص، وعن \"إيتاء الزكاة\" للمستحقين لها. وذلك لأنهم \"يخافون يوما\" هائلا شديدا هو يوم القيامة الذى \"تتقلب فيه القلوب والأبصار\" أى تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من شدة الهول والفزع.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على الإِكثار من هذه الطاعات فقال { لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ }.<br>أى: إنهم يكثرون من تسبيح الله بالغدو والآصال، دون أن يشغلهم عن ذلك أى شاغل، لأنهم يرجون منه - سبحانه - أن يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه، بما يليق بكرمه وامتنانه.<br>\"والله\" - تعالى - \"يرزق من يشاء\" أن يرزقه \"بغير حساب\" أى: بدون حدود، ولا قيود، وبدون حصر لما يعطيه، لأن خزائنه لا تنقص ولا تنفد، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها.<br>فالجملة الكريمة تذييل قصد به التقرير للزيادة التى يتطلع إليها هؤلاء الرجال الصالحون، ووعد منه - عز وجل - بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه.<br>وبذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور الله - عز وجل - ومثلت له بما من شأنه أن يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربه، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار، الذين يكثرون من طاعة الله - تعالى - فى بيوته التى أمر برفعها، دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وبشرتهم بالعطاء الواسع الذى سيعطيهم الله إياه بفضله وكرمه.<br>وبعد تلك الصورة المشرقة التى بينها - سبحانه - لمن هداهم لنوره، أتبع ذلك بضرب مثلين لأعمال الكفار، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "2857",
        "sura_number": "24",
        "ayah_number": "36",
        "aya": "",
        "sura": "النور",
        "mediator": "قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: \"قوله - تعالى -: { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. النور فى كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر. واستعمل مجازا فيما صح من المعانى ولاح. فيقال: كلام له نور... وفلان نور البلد.<br>فيجوز أن يقال: الله - تعالى - نور، من جهة المدح، لأنه أوجد جميع الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو - سبحانه - ليس من الأضواء المدركة، جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.<br>واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية: فقيل: المعنى: به وبقدرته أنارت أضواؤها. واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما يقال: الملك نور أهل البلد، أى: به قوام أمرها... فهو - أى النور - فى الملك مجاز. وهو فى صفة الله - تعالى - حقيقة محضة.<br>قال ابن عرفة: أى منور السموات والأرض. وقال مجاهد: مدبر الأمور فى السموات والأرض.<br>قال ابن عباس: المعنى: الله هادى السموات والأرض. والأول أعم للمعانى وأصح مع التأويل.<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذى رجحه الإِمام القرطبى فيكون معنى الجملة الكريمة: الله - تعالى - هو نور العالم كله علويه وسفليه، بمعنى منوره بالمخلوقات التكوينية، وبالآيات التنزيلية، وبالرسالات السماوية، الدالة دلالة واضحة على وجوده - سبحانه - وعلى وحدانيته، وقدرته، وسائر صفاته الكريمة، والهادية إلى الحق، وإلى ما به صلاح الناس فى دنياهم وآخرتهم.<br>وقال ابن كثير: \"وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول:  \"اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن\" .<br>وقال صلى الله عليه وسلم فى دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف:  \"أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بى غضبك، أو ينزل بى سخطك، لك العتبى - أى الرجوع عن الذنب - حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك\" .<br>وأضاف - سبحانه - نوره إلى السموات والأرض، للدلالة على سعة إشراق هذا النور، وعموم سنائه، وتمام بهائه فى الكون كله.<br>ثم قرب - عز وجل - نوره إلى الأذهان فقال: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ... }.<br>أى: صفة نوره العجيبة الشأن فى الإِضاءة والسطوع، كصفة مشكاة - وهى الفتحة الصغيرة فى الجدار دون أن تكون نافذة فيه - هذه المشكاة فيها مصباح، أى: سراج ضخم ثاقب تشع منه الأنوار.<br>وقال - سبحانه -: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } لأن وجود المصباح فى هذه المشكاة يكون أجمع لنوره، وأحصر لضيائه، فيبدو قويا متألقا، بخلاف مالو كان المصباح فى مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك.<br>{ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } أى: فى قنديل من الزجاج الصافى النقى، الذى يقيه الريح، ويزيده توهجا وتألقا.<br>هذه { ٱلزُّجَاجَةُ } فى ذاتها { كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } أى شديد الإِنارة، نسبة إلى الدر فى صفائه وسنائه وإشراقه وحسنه.<br>{ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } أى: هذا المصباح يستمد نوره من زيت شجرة مباركة أى: كثيرة المنافع، زيتونة أى: هى شجرة الزيتون.<br>فحرف \"من\" لابتداء الغاية، والكلام، على حذف مضاف، أى: من زيت شجرة، مباركة: صفة لشجرة، وزيتونة: بدل أو عطف بيان من شجرة.<br>ووصف - سبحانه - شجرة الزيتون بالبركة، لطول عمرها، وتعدد فوائدها التى من مظاهرها: الانتفاع بزيتها وخصبها وورقها وثمارها.<br>قال - تعالى -: { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ } وقوله - سبحانه -: { لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } صفة أخرى لشجرة الزيتون.<br>أى: أن هذه الشجرة ليست متميزة إلى مكان معين أو جهة معينة بل هى مستقبلة للشمس طول النهار، تسطع عليها عند شروقها وعند غروبها وما بين ذلك، فترتب على تعرضها للشمس طول النهار، امتداد حياتها، وعظم نمائها وحسن ثمارها.<br>وقوله - تعالى -: { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } صفة ثالثة لتلك الشجرة.<br>أى، أنها يكاد زيتها من شدة صفائه يضىء دون أن تمسه النار، فهو زيت من نوع خاص، بلغ من الشفافية أقصاها، ومن الجودة أعلاها.<br>قال بعض العلماء: وقد شُبِّه فى الآية نورُ الله، بمعنى أدلته، وآياته - سبحانه - من حيث دلالتها على الهدى والحق، وعلى ما ينفع الخلق فى الحياتين شبه ذلك بنور المشكاة التى فيها زجاجة صافية، وفى تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ الغاية فى الصفاء والرقة والإِشراق، حتى يكاد يضىء بنفسه من غير أن تمسه نار\".<br>وقوله - سبحانه -: { نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } أى: هو نور عظيم متضاعف، كائن على نور عظيم مثله، إذ أن نور الله - تعالى - لا حد لتضاعفه، ولا نهاية لعمقه بخلاف الأنوار الأخرى. فإن لتضاعفها حدا محدودا مهما كان إشراقها وضوؤها.<br>فقوله: { نُّورٌ } خبر لمبتدأ محذوف، أى: هو نور. وقوله { عَلَىٰ نُورٍ } متعلق بمحذوف هو صفة له، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة. أى: كائن على نور مثله.<br>ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فقال: { يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } أى: يهدى الله - تعالى - لنوره العظيم من يشاء هدايته من عباده، بأن يوفقهم للإيمان، والعمل بتعاليم الإسلام، وللسير على طريق الحق والرشاد.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ }.<br>أى: ويضرب الله - تعالى - الأمثال للناس، لكى يقرب لهم الأمور وييسر لهم المسائل، ويبرز لهم المعقول فى صورة المحسوس، والله - تعالى - بكل شىء عليم، سواء أكان هذا الشىء ظاهرا أم باطنا، معقولا أم محسوسا.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: هذه الآية الكريمة من الآيات التى صنفت فيها مصنفات، منها \"مشكاة الأنوار\" للإِمام الغزالى ... ومنها ما قاله الإِمام ابن القيم عنها فى كتابه \"الجيوش الإِسلامية\".<br>فقد قال -رحمه الله  -: سمى الله تعالى - نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ورسوله صلى الله عليه وسلم نورا، ودينه نورا، واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ. قال - تعالى - { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وقد فسر بكونه منور السموات والأرض وهادى أهل السموات والأرض فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض. وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذى هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق اسم النور الذى هو أحد الأسماء الحسنى..\".<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره، فقال - تعالى -: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }.<br>وقوله { فِي بُيُوتٍ } متعلق بقوله: { يُسَبِّحُ }. والمراد بهذه البيوت: المساجد كلها، وعلى رأسها المسجد الحرام، والمسجد النبوى، والمسجد الأقصى.<br>و \"أذن\" بمعنى أمر وقضى، وفاعل \"يسبح\" قوله \"رجال\".<br>والغدو والغداة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والآصال جمع أصيل، وهو ما بين العصر وغروب الشمس.<br>أى: هذا هو نور الله - الذى يهدى إليه من يشاء من عباده، وعلى رأس أولئك العباد الذين هداهم الله - سبحانه - إلى ما يحبه ويرضاه، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه فى تلك المساجد التى أمر - سبحانه - بتشييدها وتعظيم قدرها، وصيانتها من كل سوء أو نجس، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات. فى تلك المساجد فى أول النهار وفى آخره، وفى غير ذلك من الأوقات.<br>وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات.<br>وقوله - تعالى -: { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } مدح وتكريم لهؤلاء الرجال.<br>أى: يسبح الله - تعالى - فى تلك المساجد بالغدو والآصال، رجال من شأنهم ومن صفاتهم، أنهم لا يشغلهم، \"تجارة\" مهما عظمت، \"ولا بيع\"، مهما اشتدت حاجتهم إليه \"عن ذكر الله\" أى: عن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده وطاعته.<br>ولا تشغلهم - أيضا - هذه التجارات والبيوع عن \"إقام الصلاة\" فى مواقيتها بخشوع وإخلاص، وعن \"إيتاء الزكاة\" للمستحقين لها. وذلك لأنهم \"يخافون يوما\" هائلا شديدا هو يوم القيامة الذى \"تتقلب فيه القلوب والأبصار\" أى تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من شدة الهول والفزع.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على الإِكثار من هذه الطاعات فقال { لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ }.<br>أى: إنهم يكثرون من تسبيح الله بالغدو والآصال، دون أن يشغلهم عن ذلك أى شاغل، لأنهم يرجون منه - سبحانه - أن يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه، بما يليق بكرمه وامتنانه.<br>\"والله\" - تعالى - \"يرزق من يشاء\" أن يرزقه \"بغير حساب\" أى: بدون حدود، ولا قيود، وبدون حصر لما يعطيه، لأن خزائنه لا تنقص ولا تنفد، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها.<br>فالجملة الكريمة تذييل قصد به التقرير للزيادة التى يتطلع إليها هؤلاء الرجال الصالحون، ووعد منه - عز وجل - بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه.<br>وبذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور الله - عز وجل - ومثلت له بما من شأنه أن يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربه، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار، الذين يكثرون من طاعة الله - تعالى - فى بيوته التى أمر برفعها، دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وبشرتهم بالعطاء الواسع الذى سيعطيهم الله إياه بفضله وكرمه.<br>وبعد تلك الصورة المشرقة التى بينها - سبحانه - لمن هداهم لنوره، أتبع ذلك بضرب مثلين لأعمال الكفار، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "2858",
        "sura_number": "24",
        "ayah_number": "37",
        "aya": "",
        "sura": "النور",
        "mediator": "قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: \"قوله - تعالى -: { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. النور فى كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر. واستعمل مجازا فيما صح من المعانى ولاح. فيقال: كلام له نور... وفلان نور البلد.<br>فيجوز أن يقال: الله - تعالى - نور، من جهة المدح، لأنه أوجد جميع الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو - سبحانه - ليس من الأضواء المدركة، جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.<br>واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية: فقيل: المعنى: به وبقدرته أنارت أضواؤها. واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما يقال: الملك نور أهل البلد، أى: به قوام أمرها... فهو - أى النور - فى الملك مجاز. وهو فى صفة الله - تعالى - حقيقة محضة.<br>قال ابن عرفة: أى منور السموات والأرض. وقال مجاهد: مدبر الأمور فى السموات والأرض.<br>قال ابن عباس: المعنى: الله هادى السموات والأرض. والأول أعم للمعانى وأصح مع التأويل.<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذى رجحه الإِمام القرطبى فيكون معنى الجملة الكريمة: الله - تعالى - هو نور العالم كله علويه وسفليه، بمعنى منوره بالمخلوقات التكوينية، وبالآيات التنزيلية، وبالرسالات السماوية، الدالة دلالة واضحة على وجوده - سبحانه - وعلى وحدانيته، وقدرته، وسائر صفاته الكريمة، والهادية إلى الحق، وإلى ما به صلاح الناس فى دنياهم وآخرتهم.<br>وقال ابن كثير: \"وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول:  \"اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن\" .<br>وقال صلى الله عليه وسلم فى دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف:  \"أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بى غضبك، أو ينزل بى سخطك، لك العتبى - أى الرجوع عن الذنب - حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك\" .<br>وأضاف - سبحانه - نوره إلى السموات والأرض، للدلالة على سعة إشراق هذا النور، وعموم سنائه، وتمام بهائه فى الكون كله.<br>ثم قرب - عز وجل - نوره إلى الأذهان فقال: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ... }.<br>أى: صفة نوره العجيبة الشأن فى الإِضاءة والسطوع، كصفة مشكاة - وهى الفتحة الصغيرة فى الجدار دون أن تكون نافذة فيه - هذه المشكاة فيها مصباح، أى: سراج ضخم ثاقب تشع منه الأنوار.<br>وقال - سبحانه -: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } لأن وجود المصباح فى هذه المشكاة يكون أجمع لنوره، وأحصر لضيائه، فيبدو قويا متألقا، بخلاف مالو كان المصباح فى مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك.<br>{ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } أى: فى قنديل من الزجاج الصافى النقى، الذى يقيه الريح، ويزيده توهجا وتألقا.<br>هذه { ٱلزُّجَاجَةُ } فى ذاتها { كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } أى شديد الإِنارة، نسبة إلى الدر فى صفائه وسنائه وإشراقه وحسنه.<br>{ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } أى: هذا المصباح يستمد نوره من زيت شجرة مباركة أى: كثيرة المنافع، زيتونة أى: هى شجرة الزيتون.<br>فحرف \"من\" لابتداء الغاية، والكلام، على حذف مضاف، أى: من زيت شجرة، مباركة: صفة لشجرة، وزيتونة: بدل أو عطف بيان من شجرة.<br>ووصف - سبحانه - شجرة الزيتون بالبركة، لطول عمرها، وتعدد فوائدها التى من مظاهرها: الانتفاع بزيتها وخصبها وورقها وثمارها.<br>قال - تعالى -: { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ } وقوله - سبحانه -: { لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } صفة أخرى لشجرة الزيتون.<br>أى: أن هذه الشجرة ليست متميزة إلى مكان معين أو جهة معينة بل هى مستقبلة للشمس طول النهار، تسطع عليها عند شروقها وعند غروبها وما بين ذلك، فترتب على تعرضها للشمس طول النهار، امتداد حياتها، وعظم نمائها وحسن ثمارها.<br>وقوله - تعالى -: { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } صفة ثالثة لتلك الشجرة.<br>أى، أنها يكاد زيتها من شدة صفائه يضىء دون أن تمسه النار، فهو زيت من نوع خاص، بلغ من الشفافية أقصاها، ومن الجودة أعلاها.<br>قال بعض العلماء: وقد شُبِّه فى الآية نورُ الله، بمعنى أدلته، وآياته - سبحانه - من حيث دلالتها على الهدى والحق، وعلى ما ينفع الخلق فى الحياتين شبه ذلك بنور المشكاة التى فيها زجاجة صافية، وفى تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ الغاية فى الصفاء والرقة والإِشراق، حتى يكاد يضىء بنفسه من غير أن تمسه نار\".<br>وقوله - سبحانه -: { نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } أى: هو نور عظيم متضاعف، كائن على نور عظيم مثله، إذ أن نور الله - تعالى - لا حد لتضاعفه، ولا نهاية لعمقه بخلاف الأنوار الأخرى. فإن لتضاعفها حدا محدودا مهما كان إشراقها وضوؤها.<br>فقوله: { نُّورٌ } خبر لمبتدأ محذوف، أى: هو نور. وقوله { عَلَىٰ نُورٍ } متعلق بمحذوف هو صفة له، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة. أى: كائن على نور مثله.<br>ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فقال: { يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } أى: يهدى الله - تعالى - لنوره العظيم من يشاء هدايته من عباده، بأن يوفقهم للإيمان، والعمل بتعاليم الإسلام، وللسير على طريق الحق والرشاد.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ }.<br>أى: ويضرب الله - تعالى - الأمثال للناس، لكى يقرب لهم الأمور وييسر لهم المسائل، ويبرز لهم المعقول فى صورة المحسوس، والله - تعالى - بكل شىء عليم، سواء أكان هذا الشىء ظاهرا أم باطنا، معقولا أم محسوسا.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: هذه الآية الكريمة من الآيات التى صنفت فيها مصنفات، منها \"مشكاة الأنوار\" للإِمام الغزالى ... ومنها ما قاله الإِمام ابن القيم عنها فى كتابه \"الجيوش الإِسلامية\".<br>فقد قال -رحمه الله  -: سمى الله تعالى - نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ورسوله صلى الله عليه وسلم نورا، ودينه نورا، واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ. قال - تعالى - { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وقد فسر بكونه منور السموات والأرض وهادى أهل السموات والأرض فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض. وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذى هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق اسم النور الذى هو أحد الأسماء الحسنى..\".<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره، فقال - تعالى -: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }.<br>وقوله { فِي بُيُوتٍ } متعلق بقوله: { يُسَبِّحُ }. والمراد بهذه البيوت: المساجد كلها، وعلى رأسها المسجد الحرام، والمسجد النبوى، والمسجد الأقصى.<br>و \"أذن\" بمعنى أمر وقضى، وفاعل \"يسبح\" قوله \"رجال\".<br>والغدو والغداة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والآصال جمع أصيل، وهو ما بين العصر وغروب الشمس.<br>أى: هذا هو نور الله - الذى يهدى إليه من يشاء من عباده، وعلى رأس أولئك العباد الذين هداهم الله - سبحانه - إلى ما يحبه ويرضاه، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه فى تلك المساجد التى أمر - سبحانه - بتشييدها وتعظيم قدرها، وصيانتها من كل سوء أو نجس، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات. فى تلك المساجد فى أول النهار وفى آخره، وفى غير ذلك من الأوقات.<br>وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات.<br>وقوله - تعالى -: { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } مدح وتكريم لهؤلاء الرجال.<br>أى: يسبح الله - تعالى - فى تلك المساجد بالغدو والآصال، رجال من شأنهم ومن صفاتهم، أنهم لا يشغلهم، \"تجارة\" مهما عظمت، \"ولا بيع\"، مهما اشتدت حاجتهم إليه \"عن ذكر الله\" أى: عن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده وطاعته.<br>ولا تشغلهم - أيضا - هذه التجارات والبيوع عن \"إقام الصلاة\" فى مواقيتها بخشوع وإخلاص، وعن \"إيتاء الزكاة\" للمستحقين لها. وذلك لأنهم \"يخافون يوما\" هائلا شديدا هو يوم القيامة الذى \"تتقلب فيه القلوب والأبصار\" أى تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من شدة الهول والفزع.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على الإِكثار من هذه الطاعات فقال { لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ }.<br>أى: إنهم يكثرون من تسبيح الله بالغدو والآصال، دون أن يشغلهم عن ذلك أى شاغل، لأنهم يرجون منه - سبحانه - أن يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه، بما يليق بكرمه وامتنانه.<br>\"والله\" - تعالى - \"يرزق من يشاء\" أن يرزقه \"بغير حساب\" أى: بدون حدود، ولا قيود، وبدون حصر لما يعطيه، لأن خزائنه لا تنقص ولا تنفد، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها.<br>فالجملة الكريمة تذييل قصد به التقرير للزيادة التى يتطلع إليها هؤلاء الرجال الصالحون، ووعد منه - عز وجل - بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه.<br>وبذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور الله - عز وجل - ومثلت له بما من شأنه أن يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربه، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار، الذين يكثرون من طاعة الله - تعالى - فى بيوته التى أمر برفعها، دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وبشرتهم بالعطاء الواسع الذى سيعطيهم الله إياه بفضله وكرمه.<br>وبعد تلك الصورة المشرقة التى بينها - سبحانه - لمن هداهم لنوره، أتبع ذلك بضرب مثلين لأعمال الكفار، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "2859",
        "sura_number": "24",
        "ayah_number": "38",
        "aya": "",
        "sura": "النور",
        "mediator": "قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: \"قوله - تعالى -: { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. النور فى كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر. واستعمل مجازا فيما صح من المعانى ولاح. فيقال: كلام له نور... وفلان نور البلد.<br>فيجوز أن يقال: الله - تعالى - نور، من جهة المدح، لأنه أوجد جميع الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو - سبحانه - ليس من الأضواء المدركة، جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.<br>واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية: فقيل: المعنى: به وبقدرته أنارت أضواؤها. واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما يقال: الملك نور أهل البلد، أى: به قوام أمرها... فهو - أى النور - فى الملك مجاز. وهو فى صفة الله - تعالى - حقيقة محضة.<br>قال ابن عرفة: أى منور السموات والأرض. وقال مجاهد: مدبر الأمور فى السموات والأرض.<br>قال ابن عباس: المعنى: الله هادى السموات والأرض. والأول أعم للمعانى وأصح مع التأويل.<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذى رجحه الإِمام القرطبى فيكون معنى الجملة الكريمة: الله - تعالى - هو نور العالم كله علويه وسفليه، بمعنى منوره بالمخلوقات التكوينية، وبالآيات التنزيلية، وبالرسالات السماوية، الدالة دلالة واضحة على وجوده - سبحانه - وعلى وحدانيته، وقدرته، وسائر صفاته الكريمة، والهادية إلى الحق، وإلى ما به صلاح الناس فى دنياهم وآخرتهم.<br>وقال ابن كثير: \"وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول:  \"اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن\" .<br>وقال صلى الله عليه وسلم فى دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف:  \"أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بى غضبك، أو ينزل بى سخطك، لك العتبى - أى الرجوع عن الذنب - حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك\" .<br>وأضاف - سبحانه - نوره إلى السموات والأرض، للدلالة على سعة إشراق هذا النور، وعموم سنائه، وتمام بهائه فى الكون كله.<br>ثم قرب - عز وجل - نوره إلى الأذهان فقال: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ... }.<br>أى: صفة نوره العجيبة الشأن فى الإِضاءة والسطوع، كصفة مشكاة - وهى الفتحة الصغيرة فى الجدار دون أن تكون نافذة فيه - هذه المشكاة فيها مصباح، أى: سراج ضخم ثاقب تشع منه الأنوار.<br>وقال - سبحانه -: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } لأن وجود المصباح فى هذه المشكاة يكون أجمع لنوره، وأحصر لضيائه، فيبدو قويا متألقا، بخلاف مالو كان المصباح فى مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك.<br>{ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } أى: فى قنديل من الزجاج الصافى النقى، الذى يقيه الريح، ويزيده توهجا وتألقا.<br>هذه { ٱلزُّجَاجَةُ } فى ذاتها { كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } أى شديد الإِنارة، نسبة إلى الدر فى صفائه وسنائه وإشراقه وحسنه.<br>{ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } أى: هذا المصباح يستمد نوره من زيت شجرة مباركة أى: كثيرة المنافع، زيتونة أى: هى شجرة الزيتون.<br>فحرف \"من\" لابتداء الغاية، والكلام، على حذف مضاف، أى: من زيت شجرة، مباركة: صفة لشجرة، وزيتونة: بدل أو عطف بيان من شجرة.<br>ووصف - سبحانه - شجرة الزيتون بالبركة، لطول عمرها، وتعدد فوائدها التى من مظاهرها: الانتفاع بزيتها وخصبها وورقها وثمارها.<br>قال - تعالى -: { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ } وقوله - سبحانه -: { لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } صفة أخرى لشجرة الزيتون.<br>أى: أن هذه الشجرة ليست متميزة إلى مكان معين أو جهة معينة بل هى مستقبلة للشمس طول النهار، تسطع عليها عند شروقها وعند غروبها وما بين ذلك، فترتب على تعرضها للشمس طول النهار، امتداد حياتها، وعظم نمائها وحسن ثمارها.<br>وقوله - تعالى -: { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } صفة ثالثة لتلك الشجرة.<br>أى، أنها يكاد زيتها من شدة صفائه يضىء دون أن تمسه النار، فهو زيت من نوع خاص، بلغ من الشفافية أقصاها، ومن الجودة أعلاها.<br>قال بعض العلماء: وقد شُبِّه فى الآية نورُ الله، بمعنى أدلته، وآياته - سبحانه - من حيث دلالتها على الهدى والحق، وعلى ما ينفع الخلق فى الحياتين شبه ذلك بنور المشكاة التى فيها زجاجة صافية، وفى تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ الغاية فى الصفاء والرقة والإِشراق، حتى يكاد يضىء بنفسه من غير أن تمسه نار\".<br>وقوله - سبحانه -: { نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } أى: هو نور عظيم متضاعف، كائن على نور عظيم مثله، إذ أن نور الله - تعالى - لا حد لتضاعفه، ولا نهاية لعمقه بخلاف الأنوار الأخرى. فإن لتضاعفها حدا محدودا مهما كان إشراقها وضوؤها.<br>فقوله: { نُّورٌ } خبر لمبتدأ محذوف، أى: هو نور. وقوله { عَلَىٰ نُورٍ } متعلق بمحذوف هو صفة له، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة. أى: كائن على نور مثله.<br>ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فقال: { يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } أى: يهدى الله - تعالى - لنوره العظيم من يشاء هدايته من عباده، بأن يوفقهم للإيمان، والعمل بتعاليم الإسلام، وللسير على طريق الحق والرشاد.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ }.<br>أى: ويضرب الله - تعالى - الأمثال للناس، لكى يقرب لهم الأمور وييسر لهم المسائل، ويبرز لهم المعقول فى صورة المحسوس، والله - تعالى - بكل شىء عليم، سواء أكان هذا الشىء ظاهرا أم باطنا، معقولا أم محسوسا.<br>قال بعض العلماء ما ملخصه: هذه الآية الكريمة من الآيات التى صنفت فيها مصنفات، منها \"مشكاة الأنوار\" للإِمام الغزالى ... ومنها ما قاله الإِمام ابن القيم عنها فى كتابه \"الجيوش الإِسلامية\".<br>فقد قال -رحمه الله  -: سمى الله تعالى - نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ورسوله صلى الله عليه وسلم نورا، ودينه نورا، واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ. قال - تعالى - { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وقد فسر بكونه منور السموات والأرض وهادى أهل السموات والأرض فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض. وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذى هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق اسم النور الذى هو أحد الأسماء الحسنى..\".<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره، فقال - تعالى -: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }.<br>وقوله { فِي بُيُوتٍ } متعلق بقوله: { يُسَبِّحُ }. والمراد بهذه البيوت: المساجد كلها، وعلى رأسها المسجد الحرام، والمسجد النبوى، والمسجد الأقصى.<br>و \"أذن\" بمعنى أمر وقضى، وفاعل \"يسبح\" قوله \"رجال\".<br>والغدو والغداة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والآصال جمع أصيل، وهو ما بين العصر وغروب الشمس.<br>أى: هذا هو نور الله - الذى يهدى إليه من يشاء من عباده، وعلى رأس أولئك العباد الذين هداهم الله - سبحانه - إلى ما يحبه ويرضاه، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه فى تلك المساجد التى أمر - سبحانه - بتشييدها وتعظيم قدرها، وصيانتها من كل سوء أو نجس، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات. فى تلك المساجد فى أول النهار وفى آخره، وفى غير ذلك من الأوقات.<br>وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات.<br>وقوله - تعالى -: { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } مدح وتكريم لهؤلاء الرجال.<br>أى: يسبح الله - تعالى - فى تلك المساجد بالغدو والآصال، رجال من شأنهم ومن صفاتهم، أنهم لا يشغلهم، \"تجارة\" مهما عظمت، \"ولا بيع\"، مهما اشتدت حاجتهم إليه \"عن ذكر الله\" أى: عن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده وطاعته.<br>ولا تشغلهم - أيضا - هذه التجارات والبيوع عن \"إقام الصلاة\" فى مواقيتها بخشوع وإخلاص، وعن \"إيتاء الزكاة\" للمستحقين لها. وذلك لأنهم \"يخافون يوما\" هائلا شديدا هو يوم القيامة الذى \"تتقلب فيه القلوب والأبصار\" أى تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من شدة الهول والفزع.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على الإِكثار من هذه الطاعات فقال { لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ }.<br>أى: إنهم يكثرون من تسبيح الله بالغدو والآصال، دون أن يشغلهم عن ذلك أى شاغل، لأنهم يرجون منه - سبحانه - أن يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه، بما يليق بكرمه وامتنانه.<br>\"والله\" - تعالى - \"يرزق من يشاء\" أن يرزقه \"بغير حساب\" أى: بدون حدود، ولا قيود، وبدون حصر لما يعطيه، لأن خزائنه لا تنقص ولا تنفد، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها.<br>فالجملة الكريمة تذييل قصد به التقرير للزيادة التى يتطلع إليها هؤلاء الرجال الصالحون، ووعد منه - عز وجل - بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه.<br>وبذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور الله - عز وجل - ومثلت له بما من شأنه أن يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربه، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار، الذين يكثرون من طاعة الله - تعالى - فى بيوته التى أمر برفعها، دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وبشرتهم بالعطاء الواسع الذى سيعطيهم الله إياه بفضله وكرمه.<br>وبعد تلك الصورة المشرقة التى بينها - سبحانه - لمن هداهم لنوره، أتبع ذلك بضرب مثلين لأعمال الكفار، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3204",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "15",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } كلام مستأنف مسوق لتقرير قوله - تعالى -: { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } إذ القرآن الكريم هو الذى قص الله - تعالى - فيه أخبار السابقين، بالصدق والحق.<br>وداود هو ابن يسى، من سبط يهوذا من بنى إسرائيل، وكانت ولادته فى بيت لحم سنة 1085 ق.م - تقريباً -، وهو الذى قتل جالوت، كما قال - تعالى -: { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ.. } وكانت وفاته سنة 1000 ق م تقريباً.<br>وسليمان هو ابن داود - عليهما السلام - ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق م وتوفى سنة 975 ق م.<br>وقد جاء ذكرهما فى سورتى الأنبياء وسبأ وغيرهما.<br>ويعتبر عهدهما أزهى عهود بنى إسرائيل، فقد أعطاهما الله - تعالى - نعما جليلة.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا داود وابنه سليمان علما واسعا من عندنا، ومنحناهما بفضلنا وإحساننا معرفة غزيرة بعلوم الدين والدنيا.<br>أما داود فقد أعطاه - سبحانه - علم الزبور، فكان يقرؤه بصوت جميل، كما علمه صناعة الدروع.. قال - تعالى -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وأما سليمان فقد آتاه - سبحانه - ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، وعلمه منطق الطير، ورزق الحكم السديد بين الناس. قال - تعالى -: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } وقوله - سبحانه - { وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بيان لموقفهما من نعم الله - تعالى - عليهما، وهو موقف يدل على حسن شكرهما لخالقهما.<br>والواو فى قوله { وَقَالاَ } للعطف على محذوف، أى: آتيناهما علما غزيراً فعملا بمقتضاه وشكرا الله عليه، وقالا: الحمد لله الذى فضلنا بسبب ما آتانا من علم ونعم، على كثير من عباده المؤمنين، الذين لم ينالوا ما نلنا من خيره وبره - سبحانه -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وفى الآية دليل على شرف العلم، وإنافة محله. وتقدم حَمَلَتهِ وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلاً على كثير من عباد الله..\".<br>وفى التعبير بقوله - تعالى -: { فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ .. } دلالة على حسن أدبهما، وتواضعهما، حيث لم يقولا فضلنا على جميع عباده.<br>والمراد بالوراثة فى قوله - تعالى -: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ... } وراثة العلم والنبوة والملك. أى: وورث سليمان داود فى نبوته وعلمه وملكه.<br>قال ابن كثير: \"وقوله: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ }: أى: فى الملك والنبوة وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك، لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود... ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\" .<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه، فقال - تعالى -: { وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ.. }.<br>أى: وقال سليمان - عليه السلام - على سبيل الشكر لله - تعالى -: يأيها الناس: علمنا الله - تعالى - بفضله وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت أو صاح، وأعطانا - سبحانه - من كل شىء نحتاجه وننتفع به فى ديننا أو دنيانا.<br>وقدم نعمة تعليمه منطق الطير، لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره، وتعتبر من معجزاته - عليه السلام -.<br>وقيل: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه أظهر فى النعمة، ولأن الطير كان جندا من جنده، يسير معه لتظليله من الشمس.<br>قال الآلوسى: \"والجملتان - علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شىء - كالشرح للميراث.<br>وعن مقاتل: أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإِنس والشياطين والريح.<br>وعن ابن عباس: هو ما يريده من أمر الدنيا والآخرة\".<br>وعبر عن نعم الله - تعالى - عليه بنون العظمة فقال { أُوتِينَا } ولم يقل أوتيت، للإِشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين، الذين سخر لهم جنوداً من الجن والإِنس والطير، ليكونوا فى خدمته، وليستعملهم فى وجوه الخير لا فى وجوه الشر، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهى والتعالى، وإنما قاله على سبيل التحدث بنعمة الله.<br>وإسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } يعود إلى ما أعطاه الله - تعالى - إياه من العلم والملك وغيرهما.<br>أى: إن هذا الذى أعطانا إياه من العلم والملك، وكل شىء تدعو إليه الحاجة، لهو الفضل الواضح، والإِحسان الظاهر منه - عز وجل -.<br>ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر ملك سليمان - عليه السلام - فتقول: { وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ }.<br>والحشر: الجمع. يقال: حشر القائد جنده إذا جمعهم لأمر من الأمور التى تهمه.<br>وقوله: { يُوزَعُونَ } من الوزع بمعنى الكف والمنع. يقال: وزعه عن الظلم وزعا، إذا كفه عنه.<br>ومنه قول عثمان بن عفان - رضى الله عنه -: \"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآ،\".<br>ومنه قول الشاعر:ولا يزَعُ النفسَ اللجوجَ عن الهوىمن الناس، إلا وافرُ العقل كامِلهُوالمعنى: وجمع لسليمان - عليه السلام - عساكره وجنوده من الجن والإنس والطير { فَهُمْ يُوزَعُونَ } أى: فهم محبوسون ومجموعون بنظام وترتيب، بحيث لا يتجاوز أحدهم مكانه أو منزلته أو وظيفته المسئول عنها.<br>فالتعبير بقوله { يُوزَعُونَ } يشعر بأن هؤلاء الجنود مع كثرتهم، لهم من يزعهم عن الفوضى والاضطراب، إذ الوازع فى الحرب، هو من يدير أمور الجيش، وينظم صفوفه، ويرد من شذ من أفراده إلى جادة الصواب.<br>ولقد ذكر بعض المفسرين هنا أقوالاً فى عدد جيش سليمان، رأينا أن نضرب عنها صفحا، لضعفها ويكفينا أن نعلم أن الله - تعالى - قد سخر لسليمان جندا من الجن والإِنس والطير، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد علمه إلى الله - تعالى- وحده، وإن كان التعبير القرآنى يشعر بأن هؤلاء الجند المجموعين، يمثلون موكبا عظيما، وحشدا كبيرا.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قالته نملة عندما رأت هذا الجيش العظيم المنظم، فقال - تعالى -: { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }.<br>و { حَتَّىٰ } هنا ابتدائية. أى: يبتدأ بها الكلام، وقوله { قَالَتْ نَمْلَةٌ } جواب إذا.<br>وقوله: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } من الحطم، وأصله: كسر الشىء.. يقال: حطم فلان الشىء إذا كسره، والمراد به هنا: الإِهلاك والقتل.<br>والمعنى: وحشر لسليمان جنوده، فسار هؤلاء الجنود فى قوة ونظام، { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ } أى: على مكان يعيش فيه النمل فى مملكة سليمان { قَالَتْ نَمْلَةٌ } على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } أى: ادخلوا أماكن سكناكم، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش الكبير، وانجوا بأنفسكم، كى لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم عدى { أَتَوْا } بعلى؟ قلت: يتوجه على معنين: أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء... والثانى: أن يراد قطع الوادى وبلوغ آخره، من قولهم أتى على الشىء إذا أنفذه وبلغ آخره...<br>فإن قلت: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكون نهيا بدلاً من الأمر. والذى جوز أن يكون بدلاً منه: أنه فى معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لاأرينك ههنا\".<br>أى: لا تحضر ها هنا بحيث أراك.<br>ثم بين - سبحانه - ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته النملة لأفراد جنسها، فقال - تعالى -: { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا } أى: فسمع قولها السابق فاهتزت نفسه، وتبسم ضاحكاً من قولها، لفظنتها إلى تحذير أبناء جنسها، ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك النمل، إلا بسبب عدم شعورهم بهم.<br>وقوله { ضَاحِكاً } حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل: هو حال مقدرة؛ لأن التبسم أول الضحك.<br>ثم حكى - سبحانه - ما نطق به سليمان بعد ذلك فقال: { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ... }.<br>أى: وقال سليمان: يا رب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جحود نعمك، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التى أفضتها على وعلى والدى.<br>ووفقنى كذلك لأن { أَعْمَلَ } عملاً { صَالِحاً تَرْضَاهُ } عنى وتقبله منى { وَأَدْخِلْنِي } يا إلهى { بِرَحْمَتِكَ } وإحسانك { فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ } الذين رضيت عنهم ورضوا عنك.<br>وهكذا جمع سليمان - عليه السلام - فى هذا الدعاء البليغ المؤثر، أسمى ألوان الخشية من الله - تعالى - والشكر له - سبحانه - على نعمه، والرجاء فى رضاه وعطائه الجزيل.<br>ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك ما دار بين سليمان - عليه السلام - وبين جندى من جنود مملكته وهو الهدهد، فقال - تعالى -: { وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ.... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3205",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "16",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } كلام مستأنف مسوق لتقرير قوله - تعالى -: { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } إذ القرآن الكريم هو الذى قص الله - تعالى - فيه أخبار السابقين، بالصدق والحق.<br>وداود هو ابن يسى، من سبط يهوذا من بنى إسرائيل، وكانت ولادته فى بيت لحم سنة 1085 ق.م - تقريباً -، وهو الذى قتل جالوت، كما قال - تعالى -: { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ.. } وكانت وفاته سنة 1000 ق م تقريباً.<br>وسليمان هو ابن داود - عليهما السلام - ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق م وتوفى سنة 975 ق م.<br>وقد جاء ذكرهما فى سورتى الأنبياء وسبأ وغيرهما.<br>ويعتبر عهدهما أزهى عهود بنى إسرائيل، فقد أعطاهما الله - تعالى - نعما جليلة.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا داود وابنه سليمان علما واسعا من عندنا، ومنحناهما بفضلنا وإحساننا معرفة غزيرة بعلوم الدين والدنيا.<br>أما داود فقد أعطاه - سبحانه - علم الزبور، فكان يقرؤه بصوت جميل، كما علمه صناعة الدروع.. قال - تعالى -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وأما سليمان فقد آتاه - سبحانه - ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، وعلمه منطق الطير، ورزق الحكم السديد بين الناس. قال - تعالى -: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } وقوله - سبحانه - { وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بيان لموقفهما من نعم الله - تعالى - عليهما، وهو موقف يدل على حسن شكرهما لخالقهما.<br>والواو فى قوله { وَقَالاَ } للعطف على محذوف، أى: آتيناهما علما غزيراً فعملا بمقتضاه وشكرا الله عليه، وقالا: الحمد لله الذى فضلنا بسبب ما آتانا من علم ونعم، على كثير من عباده المؤمنين، الذين لم ينالوا ما نلنا من خيره وبره - سبحانه -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وفى الآية دليل على شرف العلم، وإنافة محله. وتقدم حَمَلَتهِ وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلاً على كثير من عباد الله..\".<br>وفى التعبير بقوله - تعالى -: { فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ .. } دلالة على حسن أدبهما، وتواضعهما، حيث لم يقولا فضلنا على جميع عباده.<br>والمراد بالوراثة فى قوله - تعالى -: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ... } وراثة العلم والنبوة والملك. أى: وورث سليمان داود فى نبوته وعلمه وملكه.<br>قال ابن كثير: \"وقوله: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ }: أى: فى الملك والنبوة وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك، لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود... ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\" .<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه، فقال - تعالى -: { وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ.. }.<br>أى: وقال سليمان - عليه السلام - على سبيل الشكر لله - تعالى -: يأيها الناس: علمنا الله - تعالى - بفضله وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت أو صاح، وأعطانا - سبحانه - من كل شىء نحتاجه وننتفع به فى ديننا أو دنيانا.<br>وقدم نعمة تعليمه منطق الطير، لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره، وتعتبر من معجزاته - عليه السلام -.<br>وقيل: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه أظهر فى النعمة، ولأن الطير كان جندا من جنده، يسير معه لتظليله من الشمس.<br>قال الآلوسى: \"والجملتان - علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شىء - كالشرح للميراث.<br>وعن مقاتل: أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإِنس والشياطين والريح.<br>وعن ابن عباس: هو ما يريده من أمر الدنيا والآخرة\".<br>وعبر عن نعم الله - تعالى - عليه بنون العظمة فقال { أُوتِينَا } ولم يقل أوتيت، للإِشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين، الذين سخر لهم جنوداً من الجن والإِنس والطير، ليكونوا فى خدمته، وليستعملهم فى وجوه الخير لا فى وجوه الشر، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهى والتعالى، وإنما قاله على سبيل التحدث بنعمة الله.<br>وإسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } يعود إلى ما أعطاه الله - تعالى - إياه من العلم والملك وغيرهما.<br>أى: إن هذا الذى أعطانا إياه من العلم والملك، وكل شىء تدعو إليه الحاجة، لهو الفضل الواضح، والإِحسان الظاهر منه - عز وجل -.<br>ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر ملك سليمان - عليه السلام - فتقول: { وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ }.<br>والحشر: الجمع. يقال: حشر القائد جنده إذا جمعهم لأمر من الأمور التى تهمه.<br>وقوله: { يُوزَعُونَ } من الوزع بمعنى الكف والمنع. يقال: وزعه عن الظلم وزعا، إذا كفه عنه.<br>ومنه قول عثمان بن عفان - رضى الله عنه -: \"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآ،\".<br>ومنه قول الشاعر:ولا يزَعُ النفسَ اللجوجَ عن الهوىمن الناس، إلا وافرُ العقل كامِلهُوالمعنى: وجمع لسليمان - عليه السلام - عساكره وجنوده من الجن والإنس والطير { فَهُمْ يُوزَعُونَ } أى: فهم محبوسون ومجموعون بنظام وترتيب، بحيث لا يتجاوز أحدهم مكانه أو منزلته أو وظيفته المسئول عنها.<br>فالتعبير بقوله { يُوزَعُونَ } يشعر بأن هؤلاء الجنود مع كثرتهم، لهم من يزعهم عن الفوضى والاضطراب، إذ الوازع فى الحرب، هو من يدير أمور الجيش، وينظم صفوفه، ويرد من شذ من أفراده إلى جادة الصواب.<br>ولقد ذكر بعض المفسرين هنا أقوالاً فى عدد جيش سليمان، رأينا أن نضرب عنها صفحا، لضعفها ويكفينا أن نعلم أن الله - تعالى - قد سخر لسليمان جندا من الجن والإِنس والطير، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد علمه إلى الله - تعالى- وحده، وإن كان التعبير القرآنى يشعر بأن هؤلاء الجند المجموعين، يمثلون موكبا عظيما، وحشدا كبيرا.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قالته نملة عندما رأت هذا الجيش العظيم المنظم، فقال - تعالى -: { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }.<br>و { حَتَّىٰ } هنا ابتدائية. أى: يبتدأ بها الكلام، وقوله { قَالَتْ نَمْلَةٌ } جواب إذا.<br>وقوله: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } من الحطم، وأصله: كسر الشىء.. يقال: حطم فلان الشىء إذا كسره، والمراد به هنا: الإِهلاك والقتل.<br>والمعنى: وحشر لسليمان جنوده، فسار هؤلاء الجنود فى قوة ونظام، { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ } أى: على مكان يعيش فيه النمل فى مملكة سليمان { قَالَتْ نَمْلَةٌ } على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } أى: ادخلوا أماكن سكناكم، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش الكبير، وانجوا بأنفسكم، كى لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم عدى { أَتَوْا } بعلى؟ قلت: يتوجه على معنين: أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء... والثانى: أن يراد قطع الوادى وبلوغ آخره، من قولهم أتى على الشىء إذا أنفذه وبلغ آخره...<br>فإن قلت: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكون نهيا بدلاً من الأمر. والذى جوز أن يكون بدلاً منه: أنه فى معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لاأرينك ههنا\".<br>أى: لا تحضر ها هنا بحيث أراك.<br>ثم بين - سبحانه - ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته النملة لأفراد جنسها، فقال - تعالى -: { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا } أى: فسمع قولها السابق فاهتزت نفسه، وتبسم ضاحكاً من قولها، لفظنتها إلى تحذير أبناء جنسها، ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك النمل، إلا بسبب عدم شعورهم بهم.<br>وقوله { ضَاحِكاً } حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل: هو حال مقدرة؛ لأن التبسم أول الضحك.<br>ثم حكى - سبحانه - ما نطق به سليمان بعد ذلك فقال: { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ... }.<br>أى: وقال سليمان: يا رب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جحود نعمك، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التى أفضتها على وعلى والدى.<br>ووفقنى كذلك لأن { أَعْمَلَ } عملاً { صَالِحاً تَرْضَاهُ } عنى وتقبله منى { وَأَدْخِلْنِي } يا إلهى { بِرَحْمَتِكَ } وإحسانك { فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ } الذين رضيت عنهم ورضوا عنك.<br>وهكذا جمع سليمان - عليه السلام - فى هذا الدعاء البليغ المؤثر، أسمى ألوان الخشية من الله - تعالى - والشكر له - سبحانه - على نعمه، والرجاء فى رضاه وعطائه الجزيل.<br>ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك ما دار بين سليمان - عليه السلام - وبين جندى من جنود مملكته وهو الهدهد، فقال - تعالى -: { وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ.... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3206",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "17",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } كلام مستأنف مسوق لتقرير قوله - تعالى -: { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } إذ القرآن الكريم هو الذى قص الله - تعالى - فيه أخبار السابقين، بالصدق والحق.<br>وداود هو ابن يسى، من سبط يهوذا من بنى إسرائيل، وكانت ولادته فى بيت لحم سنة 1085 ق.م - تقريباً -، وهو الذى قتل جالوت، كما قال - تعالى -: { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ.. } وكانت وفاته سنة 1000 ق م تقريباً.<br>وسليمان هو ابن داود - عليهما السلام - ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق م وتوفى سنة 975 ق م.<br>وقد جاء ذكرهما فى سورتى الأنبياء وسبأ وغيرهما.<br>ويعتبر عهدهما أزهى عهود بنى إسرائيل، فقد أعطاهما الله - تعالى - نعما جليلة.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا داود وابنه سليمان علما واسعا من عندنا، ومنحناهما بفضلنا وإحساننا معرفة غزيرة بعلوم الدين والدنيا.<br>أما داود فقد أعطاه - سبحانه - علم الزبور، فكان يقرؤه بصوت جميل، كما علمه صناعة الدروع.. قال - تعالى -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وأما سليمان فقد آتاه - سبحانه - ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، وعلمه منطق الطير، ورزق الحكم السديد بين الناس. قال - تعالى -: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } وقوله - سبحانه - { وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بيان لموقفهما من نعم الله - تعالى - عليهما، وهو موقف يدل على حسن شكرهما لخالقهما.<br>والواو فى قوله { وَقَالاَ } للعطف على محذوف، أى: آتيناهما علما غزيراً فعملا بمقتضاه وشكرا الله عليه، وقالا: الحمد لله الذى فضلنا بسبب ما آتانا من علم ونعم، على كثير من عباده المؤمنين، الذين لم ينالوا ما نلنا من خيره وبره - سبحانه -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وفى الآية دليل على شرف العلم، وإنافة محله. وتقدم حَمَلَتهِ وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلاً على كثير من عباد الله..\".<br>وفى التعبير بقوله - تعالى -: { فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ .. } دلالة على حسن أدبهما، وتواضعهما، حيث لم يقولا فضلنا على جميع عباده.<br>والمراد بالوراثة فى قوله - تعالى -: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ... } وراثة العلم والنبوة والملك. أى: وورث سليمان داود فى نبوته وعلمه وملكه.<br>قال ابن كثير: \"وقوله: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ }: أى: فى الملك والنبوة وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك، لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود... ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\" .<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه، فقال - تعالى -: { وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ.. }.<br>أى: وقال سليمان - عليه السلام - على سبيل الشكر لله - تعالى -: يأيها الناس: علمنا الله - تعالى - بفضله وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت أو صاح، وأعطانا - سبحانه - من كل شىء نحتاجه وننتفع به فى ديننا أو دنيانا.<br>وقدم نعمة تعليمه منطق الطير، لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره، وتعتبر من معجزاته - عليه السلام -.<br>وقيل: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه أظهر فى النعمة، ولأن الطير كان جندا من جنده، يسير معه لتظليله من الشمس.<br>قال الآلوسى: \"والجملتان - علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شىء - كالشرح للميراث.<br>وعن مقاتل: أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإِنس والشياطين والريح.<br>وعن ابن عباس: هو ما يريده من أمر الدنيا والآخرة\".<br>وعبر عن نعم الله - تعالى - عليه بنون العظمة فقال { أُوتِينَا } ولم يقل أوتيت، للإِشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين، الذين سخر لهم جنوداً من الجن والإِنس والطير، ليكونوا فى خدمته، وليستعملهم فى وجوه الخير لا فى وجوه الشر، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهى والتعالى، وإنما قاله على سبيل التحدث بنعمة الله.<br>وإسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } يعود إلى ما أعطاه الله - تعالى - إياه من العلم والملك وغيرهما.<br>أى: إن هذا الذى أعطانا إياه من العلم والملك، وكل شىء تدعو إليه الحاجة، لهو الفضل الواضح، والإِحسان الظاهر منه - عز وجل -.<br>ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر ملك سليمان - عليه السلام - فتقول: { وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ }.<br>والحشر: الجمع. يقال: حشر القائد جنده إذا جمعهم لأمر من الأمور التى تهمه.<br>وقوله: { يُوزَعُونَ } من الوزع بمعنى الكف والمنع. يقال: وزعه عن الظلم وزعا، إذا كفه عنه.<br>ومنه قول عثمان بن عفان - رضى الله عنه -: \"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآ،\".<br>ومنه قول الشاعر:ولا يزَعُ النفسَ اللجوجَ عن الهوىمن الناس، إلا وافرُ العقل كامِلهُوالمعنى: وجمع لسليمان - عليه السلام - عساكره وجنوده من الجن والإنس والطير { فَهُمْ يُوزَعُونَ } أى: فهم محبوسون ومجموعون بنظام وترتيب، بحيث لا يتجاوز أحدهم مكانه أو منزلته أو وظيفته المسئول عنها.<br>فالتعبير بقوله { يُوزَعُونَ } يشعر بأن هؤلاء الجنود مع كثرتهم، لهم من يزعهم عن الفوضى والاضطراب، إذ الوازع فى الحرب، هو من يدير أمور الجيش، وينظم صفوفه، ويرد من شذ من أفراده إلى جادة الصواب.<br>ولقد ذكر بعض المفسرين هنا أقوالاً فى عدد جيش سليمان، رأينا أن نضرب عنها صفحا، لضعفها ويكفينا أن نعلم أن الله - تعالى - قد سخر لسليمان جندا من الجن والإِنس والطير، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد علمه إلى الله - تعالى- وحده، وإن كان التعبير القرآنى يشعر بأن هؤلاء الجند المجموعين، يمثلون موكبا عظيما، وحشدا كبيرا.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قالته نملة عندما رأت هذا الجيش العظيم المنظم، فقال - تعالى -: { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }.<br>و { حَتَّىٰ } هنا ابتدائية. أى: يبتدأ بها الكلام، وقوله { قَالَتْ نَمْلَةٌ } جواب إذا.<br>وقوله: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } من الحطم، وأصله: كسر الشىء.. يقال: حطم فلان الشىء إذا كسره، والمراد به هنا: الإِهلاك والقتل.<br>والمعنى: وحشر لسليمان جنوده، فسار هؤلاء الجنود فى قوة ونظام، { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ } أى: على مكان يعيش فيه النمل فى مملكة سليمان { قَالَتْ نَمْلَةٌ } على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } أى: ادخلوا أماكن سكناكم، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش الكبير، وانجوا بأنفسكم، كى لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم عدى { أَتَوْا } بعلى؟ قلت: يتوجه على معنين: أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء... والثانى: أن يراد قطع الوادى وبلوغ آخره، من قولهم أتى على الشىء إذا أنفذه وبلغ آخره...<br>فإن قلت: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكون نهيا بدلاً من الأمر. والذى جوز أن يكون بدلاً منه: أنه فى معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لاأرينك ههنا\".<br>أى: لا تحضر ها هنا بحيث أراك.<br>ثم بين - سبحانه - ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته النملة لأفراد جنسها، فقال - تعالى -: { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا } أى: فسمع قولها السابق فاهتزت نفسه، وتبسم ضاحكاً من قولها، لفظنتها إلى تحذير أبناء جنسها، ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك النمل، إلا بسبب عدم شعورهم بهم.<br>وقوله { ضَاحِكاً } حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل: هو حال مقدرة؛ لأن التبسم أول الضحك.<br>ثم حكى - سبحانه - ما نطق به سليمان بعد ذلك فقال: { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ... }.<br>أى: وقال سليمان: يا رب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جحود نعمك، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التى أفضتها على وعلى والدى.<br>ووفقنى كذلك لأن { أَعْمَلَ } عملاً { صَالِحاً تَرْضَاهُ } عنى وتقبله منى { وَأَدْخِلْنِي } يا إلهى { بِرَحْمَتِكَ } وإحسانك { فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ } الذين رضيت عنهم ورضوا عنك.<br>وهكذا جمع سليمان - عليه السلام - فى هذا الدعاء البليغ المؤثر، أسمى ألوان الخشية من الله - تعالى - والشكر له - سبحانه - على نعمه، والرجاء فى رضاه وعطائه الجزيل.<br>ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك ما دار بين سليمان - عليه السلام - وبين جندى من جنود مملكته وهو الهدهد، فقال - تعالى -: { وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ.... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3207",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "18",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } كلام مستأنف مسوق لتقرير قوله - تعالى -: { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } إذ القرآن الكريم هو الذى قص الله - تعالى - فيه أخبار السابقين، بالصدق والحق.<br>وداود هو ابن يسى، من سبط يهوذا من بنى إسرائيل، وكانت ولادته فى بيت لحم سنة 1085 ق.م - تقريباً -، وهو الذى قتل جالوت، كما قال - تعالى -: { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ.. } وكانت وفاته سنة 1000 ق م تقريباً.<br>وسليمان هو ابن داود - عليهما السلام - ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق م وتوفى سنة 975 ق م.<br>وقد جاء ذكرهما فى سورتى الأنبياء وسبأ وغيرهما.<br>ويعتبر عهدهما أزهى عهود بنى إسرائيل، فقد أعطاهما الله - تعالى - نعما جليلة.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا داود وابنه سليمان علما واسعا من عندنا، ومنحناهما بفضلنا وإحساننا معرفة غزيرة بعلوم الدين والدنيا.<br>أما داود فقد أعطاه - سبحانه - علم الزبور، فكان يقرؤه بصوت جميل، كما علمه صناعة الدروع.. قال - تعالى -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وأما سليمان فقد آتاه - سبحانه - ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، وعلمه منطق الطير، ورزق الحكم السديد بين الناس. قال - تعالى -: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } وقوله - سبحانه - { وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بيان لموقفهما من نعم الله - تعالى - عليهما، وهو موقف يدل على حسن شكرهما لخالقهما.<br>والواو فى قوله { وَقَالاَ } للعطف على محذوف، أى: آتيناهما علما غزيراً فعملا بمقتضاه وشكرا الله عليه، وقالا: الحمد لله الذى فضلنا بسبب ما آتانا من علم ونعم، على كثير من عباده المؤمنين، الذين لم ينالوا ما نلنا من خيره وبره - سبحانه -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وفى الآية دليل على شرف العلم، وإنافة محله. وتقدم حَمَلَتهِ وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلاً على كثير من عباد الله..\".<br>وفى التعبير بقوله - تعالى -: { فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ .. } دلالة على حسن أدبهما، وتواضعهما، حيث لم يقولا فضلنا على جميع عباده.<br>والمراد بالوراثة فى قوله - تعالى -: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ... } وراثة العلم والنبوة والملك. أى: وورث سليمان داود فى نبوته وعلمه وملكه.<br>قال ابن كثير: \"وقوله: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ }: أى: فى الملك والنبوة وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك، لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود... ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\" .<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه، فقال - تعالى -: { وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ.. }.<br>أى: وقال سليمان - عليه السلام - على سبيل الشكر لله - تعالى -: يأيها الناس: علمنا الله - تعالى - بفضله وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت أو صاح، وأعطانا - سبحانه - من كل شىء نحتاجه وننتفع به فى ديننا أو دنيانا.<br>وقدم نعمة تعليمه منطق الطير، لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره، وتعتبر من معجزاته - عليه السلام -.<br>وقيل: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه أظهر فى النعمة، ولأن الطير كان جندا من جنده، يسير معه لتظليله من الشمس.<br>قال الآلوسى: \"والجملتان - علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شىء - كالشرح للميراث.<br>وعن مقاتل: أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإِنس والشياطين والريح.<br>وعن ابن عباس: هو ما يريده من أمر الدنيا والآخرة\".<br>وعبر عن نعم الله - تعالى - عليه بنون العظمة فقال { أُوتِينَا } ولم يقل أوتيت، للإِشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين، الذين سخر لهم جنوداً من الجن والإِنس والطير، ليكونوا فى خدمته، وليستعملهم فى وجوه الخير لا فى وجوه الشر، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهى والتعالى، وإنما قاله على سبيل التحدث بنعمة الله.<br>وإسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } يعود إلى ما أعطاه الله - تعالى - إياه من العلم والملك وغيرهما.<br>أى: إن هذا الذى أعطانا إياه من العلم والملك، وكل شىء تدعو إليه الحاجة، لهو الفضل الواضح، والإِحسان الظاهر منه - عز وجل -.<br>ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر ملك سليمان - عليه السلام - فتقول: { وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ }.<br>والحشر: الجمع. يقال: حشر القائد جنده إذا جمعهم لأمر من الأمور التى تهمه.<br>وقوله: { يُوزَعُونَ } من الوزع بمعنى الكف والمنع. يقال: وزعه عن الظلم وزعا، إذا كفه عنه.<br>ومنه قول عثمان بن عفان - رضى الله عنه -: \"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآ،\".<br>ومنه قول الشاعر:ولا يزَعُ النفسَ اللجوجَ عن الهوىمن الناس، إلا وافرُ العقل كامِلهُوالمعنى: وجمع لسليمان - عليه السلام - عساكره وجنوده من الجن والإنس والطير { فَهُمْ يُوزَعُونَ } أى: فهم محبوسون ومجموعون بنظام وترتيب، بحيث لا يتجاوز أحدهم مكانه أو منزلته أو وظيفته المسئول عنها.<br>فالتعبير بقوله { يُوزَعُونَ } يشعر بأن هؤلاء الجنود مع كثرتهم، لهم من يزعهم عن الفوضى والاضطراب، إذ الوازع فى الحرب، هو من يدير أمور الجيش، وينظم صفوفه، ويرد من شذ من أفراده إلى جادة الصواب.<br>ولقد ذكر بعض المفسرين هنا أقوالاً فى عدد جيش سليمان، رأينا أن نضرب عنها صفحا، لضعفها ويكفينا أن نعلم أن الله - تعالى - قد سخر لسليمان جندا من الجن والإِنس والطير، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد علمه إلى الله - تعالى- وحده، وإن كان التعبير القرآنى يشعر بأن هؤلاء الجند المجموعين، يمثلون موكبا عظيما، وحشدا كبيرا.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قالته نملة عندما رأت هذا الجيش العظيم المنظم، فقال - تعالى -: { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }.<br>و { حَتَّىٰ } هنا ابتدائية. أى: يبتدأ بها الكلام، وقوله { قَالَتْ نَمْلَةٌ } جواب إذا.<br>وقوله: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } من الحطم، وأصله: كسر الشىء.. يقال: حطم فلان الشىء إذا كسره، والمراد به هنا: الإِهلاك والقتل.<br>والمعنى: وحشر لسليمان جنوده، فسار هؤلاء الجنود فى قوة ونظام، { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ } أى: على مكان يعيش فيه النمل فى مملكة سليمان { قَالَتْ نَمْلَةٌ } على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } أى: ادخلوا أماكن سكناكم، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش الكبير، وانجوا بأنفسكم، كى لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم عدى { أَتَوْا } بعلى؟ قلت: يتوجه على معنين: أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء... والثانى: أن يراد قطع الوادى وبلوغ آخره، من قولهم أتى على الشىء إذا أنفذه وبلغ آخره...<br>فإن قلت: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكون نهيا بدلاً من الأمر. والذى جوز أن يكون بدلاً منه: أنه فى معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لاأرينك ههنا\".<br>أى: لا تحضر ها هنا بحيث أراك.<br>ثم بين - سبحانه - ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته النملة لأفراد جنسها، فقال - تعالى -: { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا } أى: فسمع قولها السابق فاهتزت نفسه، وتبسم ضاحكاً من قولها، لفظنتها إلى تحذير أبناء جنسها، ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك النمل، إلا بسبب عدم شعورهم بهم.<br>وقوله { ضَاحِكاً } حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل: هو حال مقدرة؛ لأن التبسم أول الضحك.<br>ثم حكى - سبحانه - ما نطق به سليمان بعد ذلك فقال: { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ... }.<br>أى: وقال سليمان: يا رب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جحود نعمك، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التى أفضتها على وعلى والدى.<br>ووفقنى كذلك لأن { أَعْمَلَ } عملاً { صَالِحاً تَرْضَاهُ } عنى وتقبله منى { وَأَدْخِلْنِي } يا إلهى { بِرَحْمَتِكَ } وإحسانك { فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ } الذين رضيت عنهم ورضوا عنك.<br>وهكذا جمع سليمان - عليه السلام - فى هذا الدعاء البليغ المؤثر، أسمى ألوان الخشية من الله - تعالى - والشكر له - سبحانه - على نعمه، والرجاء فى رضاه وعطائه الجزيل.<br>ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك ما دار بين سليمان - عليه السلام - وبين جندى من جنود مملكته وهو الهدهد، فقال - تعالى -: { وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ.... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3208",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "19",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } كلام مستأنف مسوق لتقرير قوله - تعالى -: { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } إذ القرآن الكريم هو الذى قص الله - تعالى - فيه أخبار السابقين، بالصدق والحق.<br>وداود هو ابن يسى، من سبط يهوذا من بنى إسرائيل، وكانت ولادته فى بيت لحم سنة 1085 ق.م - تقريباً -، وهو الذى قتل جالوت، كما قال - تعالى -: { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ.. } وكانت وفاته سنة 1000 ق م تقريباً.<br>وسليمان هو ابن داود - عليهما السلام - ولد بأورشليم حوالى سنة 1043 ق م وتوفى سنة 975 ق م.<br>وقد جاء ذكرهما فى سورتى الأنبياء وسبأ وغيرهما.<br>ويعتبر عهدهما أزهى عهود بنى إسرائيل، فقد أعطاهما الله - تعالى - نعما جليلة.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا داود وابنه سليمان علما واسعا من عندنا، ومنحناهما بفضلنا وإحساننا معرفة غزيرة بعلوم الدين والدنيا.<br>أما داود فقد أعطاه - سبحانه - علم الزبور، فكان يقرؤه بصوت جميل، كما علمه صناعة الدروع.. قال - تعالى -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وأما سليمان فقد آتاه - سبحانه - ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، وعلمه منطق الطير، ورزق الحكم السديد بين الناس. قال - تعالى -: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } وقوله - سبحانه - { وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بيان لموقفهما من نعم الله - تعالى - عليهما، وهو موقف يدل على حسن شكرهما لخالقهما.<br>والواو فى قوله { وَقَالاَ } للعطف على محذوف، أى: آتيناهما علما غزيراً فعملا بمقتضاه وشكرا الله عليه، وقالا: الحمد لله الذى فضلنا بسبب ما آتانا من علم ونعم، على كثير من عباده المؤمنين، الذين لم ينالوا ما نلنا من خيره وبره - سبحانه -.<br>قال صاحب الكشاف: \"وفى الآية دليل على شرف العلم، وإنافة محله. وتقدم حَمَلَتهِ وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلاً على كثير من عباد الله..\".<br>وفى التعبير بقوله - تعالى -: { فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ .. } دلالة على حسن أدبهما، وتواضعهما، حيث لم يقولا فضلنا على جميع عباده.<br>والمراد بالوراثة فى قوله - تعالى -: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ... } وراثة العلم والنبوة والملك. أى: وورث سليمان داود فى نبوته وعلمه وملكه.<br>قال ابن كثير: \"وقوله: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ }: أى: فى الملك والنبوة وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك، لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود... ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\" .<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه، فقال - تعالى -: { وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ.. }.<br>أى: وقال سليمان - عليه السلام - على سبيل الشكر لله - تعالى -: يأيها الناس: علمنا الله - تعالى - بفضله وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت أو صاح، وأعطانا - سبحانه - من كل شىء نحتاجه وننتفع به فى ديننا أو دنيانا.<br>وقدم نعمة تعليمه منطق الطير، لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره، وتعتبر من معجزاته - عليه السلام -.<br>وقيل: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه أظهر فى النعمة، ولأن الطير كان جندا من جنده، يسير معه لتظليله من الشمس.<br>قال الآلوسى: \"والجملتان - علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شىء - كالشرح للميراث.<br>وعن مقاتل: أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإِنس والشياطين والريح.<br>وعن ابن عباس: هو ما يريده من أمر الدنيا والآخرة\".<br>وعبر عن نعم الله - تعالى - عليه بنون العظمة فقال { أُوتِينَا } ولم يقل أوتيت، للإِشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين، الذين سخر لهم جنوداً من الجن والإِنس والطير، ليكونوا فى خدمته، وليستعملهم فى وجوه الخير لا فى وجوه الشر، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهى والتعالى، وإنما قاله على سبيل التحدث بنعمة الله.<br>وإسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } يعود إلى ما أعطاه الله - تعالى - إياه من العلم والملك وغيرهما.<br>أى: إن هذا الذى أعطانا إياه من العلم والملك، وكل شىء تدعو إليه الحاجة، لهو الفضل الواضح، والإِحسان الظاهر منه - عز وجل -.<br>ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر ملك سليمان - عليه السلام - فتقول: { وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ }.<br>والحشر: الجمع. يقال: حشر القائد جنده إذا جمعهم لأمر من الأمور التى تهمه.<br>وقوله: { يُوزَعُونَ } من الوزع بمعنى الكف والمنع. يقال: وزعه عن الظلم وزعا، إذا كفه عنه.<br>ومنه قول عثمان بن عفان - رضى الله عنه -: \"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآ،\".<br>ومنه قول الشاعر:ولا يزَعُ النفسَ اللجوجَ عن الهوىمن الناس، إلا وافرُ العقل كامِلهُوالمعنى: وجمع لسليمان - عليه السلام - عساكره وجنوده من الجن والإنس والطير { فَهُمْ يُوزَعُونَ } أى: فهم محبوسون ومجموعون بنظام وترتيب، بحيث لا يتجاوز أحدهم مكانه أو منزلته أو وظيفته المسئول عنها.<br>فالتعبير بقوله { يُوزَعُونَ } يشعر بأن هؤلاء الجنود مع كثرتهم، لهم من يزعهم عن الفوضى والاضطراب، إذ الوازع فى الحرب، هو من يدير أمور الجيش، وينظم صفوفه، ويرد من شذ من أفراده إلى جادة الصواب.<br>ولقد ذكر بعض المفسرين هنا أقوالاً فى عدد جيش سليمان، رأينا أن نضرب عنها صفحا، لضعفها ويكفينا أن نعلم أن الله - تعالى - قد سخر لسليمان جندا من الجن والإِنس والطير، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد علمه إلى الله - تعالى- وحده، وإن كان التعبير القرآنى يشعر بأن هؤلاء الجند المجموعين، يمثلون موكبا عظيما، وحشدا كبيرا.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قالته نملة عندما رأت هذا الجيش العظيم المنظم، فقال - تعالى -: { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }.<br>و { حَتَّىٰ } هنا ابتدائية. أى: يبتدأ بها الكلام، وقوله { قَالَتْ نَمْلَةٌ } جواب إذا.<br>وقوله: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } من الحطم، وأصله: كسر الشىء.. يقال: حطم فلان الشىء إذا كسره، والمراد به هنا: الإِهلاك والقتل.<br>والمعنى: وحشر لسليمان جنوده، فسار هؤلاء الجنود فى قوة ونظام، { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ } أى: على مكان يعيش فيه النمل فى مملكة سليمان { قَالَتْ نَمْلَةٌ } على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } أى: ادخلوا أماكن سكناكم، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش الكبير، وانجوا بأنفسكم، كى لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم عدى { أَتَوْا } بعلى؟ قلت: يتوجه على معنين: أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء... والثانى: أن يراد قطع الوادى وبلوغ آخره، من قولهم أتى على الشىء إذا أنفذه وبلغ آخره...<br>فإن قلت: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكون نهيا بدلاً من الأمر. والذى جوز أن يكون بدلاً منه: أنه فى معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لاأرينك ههنا\".<br>أى: لا تحضر ها هنا بحيث أراك.<br>ثم بين - سبحانه - ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته النملة لأفراد جنسها، فقال - تعالى -: { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا } أى: فسمع قولها السابق فاهتزت نفسه، وتبسم ضاحكاً من قولها، لفظنتها إلى تحذير أبناء جنسها، ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك النمل، إلا بسبب عدم شعورهم بهم.<br>وقوله { ضَاحِكاً } حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل: هو حال مقدرة؛ لأن التبسم أول الضحك.<br>ثم حكى - سبحانه - ما نطق به سليمان بعد ذلك فقال: { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ... }.<br>أى: وقال سليمان: يا رب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جحود نعمك، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التى أفضتها على وعلى والدى.<br>ووفقنى كذلك لأن { أَعْمَلَ } عملاً { صَالِحاً تَرْضَاهُ } عنى وتقبله منى { وَأَدْخِلْنِي } يا إلهى { بِرَحْمَتِكَ } وإحسانك { فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ } الذين رضيت عنهم ورضوا عنك.<br>وهكذا جمع سليمان - عليه السلام - فى هذا الدعاء البليغ المؤثر، أسمى ألوان الخشية من الله - تعالى - والشكر له - سبحانه - على نعمه، والرجاء فى رضاه وعطائه الجزيل.<br>ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك ما دار بين سليمان - عليه السلام - وبين جندى من جنود مملكته وهو الهدهد، فقال - تعالى -: { وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ.... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3248",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "59",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قال صاحب البحر المحيط: لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بحمده - تعالى - والسلام على المصطفين، وأخذ فى مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى - ومباينة الأصنام والأديان التى أشركوها مع الله وعبدوها، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد لله، وكأنها صدر خطبة، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة. وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم، وخطبهم، ووعظهم، فافتتحوا بتحميد الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وتبعهم المتراسلون فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن.<br>والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } - تعالى - وحده، فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده، وهو - عز وجل - الذى له الخلق والأمر وليس لأحد سواه.<br>وقل - أيضا - { وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ } أى: أمان وتحية لعباده الذين اصطفاهم واختارهم - سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته، والاستجابة لأمره ونهيه، والطاعة له فى السر والعلن.<br>والاستفهام فى قوله { ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } للإنكار والتقريع، والألف منقلبة عن همزة الاستفهام.<br>أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - آلله الذى له الخلق والأمر، والذى أنعم عليكم بالنعم التى لا تحصى، خير، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا تضر، والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى -. إن كل من عنده عقل، لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة، هو الله رب العالمين.<br>ولفظ { خَيْرٌ } ليس للتفضيل، وإنما هو من باب التهكم بهم، إذ لا خير فى عبادة الأصنام أصلا. وقد حكى عن العرب أنهم يقولون: السعادة أحب إليك أم الشقاوة، مع أنه لا خير فى الشقاوة إطلاقا.<br>قال الآلوسى: وقوله { ءَآللَّهُ } بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا، والأصل أألله؟ { خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } والظاهر أن { ما } موصولة، والعائد محذوف أى: آلله الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذى يشركونه من الأصنام و { خَيْرٌ } أفعل تفضيل، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته - عز وجل - وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذا من البين أنه ليس فيما أشركوه به - سبحانه - شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض..<br>ثم ساق - سبحانه - خمس آيات، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه، وختم كل آية بقوله: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ }؟ فقال - تعالى - { أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. } و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل الإِضرابية والاستفهام للإِنكار والتوبيخ.<br>أى: بل قالوا لنا - إن كنتم تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق السموات والأرض، وأوجدهما على هذا النحو البديع، والتركيب المحكم.<br>{ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } وهو المطر، الذى لا غنى لكم عنه فى شئون حياتكم.<br>{ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } والحدائق: جمع حديقة، وهى فى الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار، من أحدق بالشىء إذا أحاط به، ثم توسع فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان مسورا بسور أم لا.<br>أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا، فأنبتنا لكم بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن، يشرح الصدور، ويدخل السرور على النفوس.<br>وقال - سبحانه -: { فَأَنبَتْنَا .. } بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله - تعالى - وحده، وللإِيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها، وأشجارها، وطعومها. لا يقدر عليه إلا هو - سبحانه -.<br>ولذا أتبع - عز وجل - هذه الجملة بقوله: { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } أى: ما كان فى إمكانكم - أيها الناس - بحال من الأحوال، أن تنبتوا أشجار هذه الحدائق، فضلا عن إيجاد ثمارها، وإخراجها من العدم إلى الوجود.<br>قال الإِمام الرازى: يقال: ما حكمة الالتفات فى قوله: { فَأَنبَتْنَا.. } والجواب: أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض، ومنزل الماء من السماء، ليس إلا الله - تعالى -.<br>ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن منبت الشجرة هو الإِنسان، فإن الإِنسان قد يقول: أنا الذى ألقى البذر فى الأرض، وأسقيها الماء... وفاعل السبب، فاعل للمسبب، فأنا المنبت للشجرة..<br>فلما كان هذا الاحتمال قائما. لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال. لأن الإِنسان قد يأتى بالبذر والسقى... ولا يأتى الزرع على وفق مراده ... فلهذه النكتة جاء الالتفات...<br>وقوله - تعالى -: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } أى: أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء... كلا. لا شريك مع الله - تعالى - فى خلقه وقدرته، وإيجاده لهذه الكائنات { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ }.<br>أى: بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد، إلى الباطل البين وهو الشرك.<br>فقوله: { يَعْدِلُونَ } مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل. أو من العدل والمساواة، فيكون المعنى: بل هم قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم.<br>والجملة الكريمة: انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب، إلى توبيخهم، وتجهيلهم، وبيان سوء تفكيرهم، وانطماس بصائرهم.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى -: { أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً } والقرار: المكان الذى يستقر فيه الإِنسان، ويصلح لبناء حياته عليه.<br>أى: بل قولوا لنا - أيها المشركون: من الذى جعل هذه الأرض التى تعيشون عليها، مكانا صالحا لاستقراركم، ولحرثكم، ولتبادل المنافع فيما بينكم، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة.<br>ومن الذى { وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ } أى: جعل فيما بينها { أَنْهَاراً } تجرى بين أجزائها، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم، وفى غير ذلك من شئون حياتكم. ومن الذى { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أى: جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت، تحفظها من أن تضطرب بكم.<br>ومن الذى: { جَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أى: جعل بين البحر العذب والبحر الملح { حَاجِزاً } يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان.<br>ثم يأتى الاستفهام الإِنكارى { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله }؟ أى: أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك؟ كلا، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك.<br>{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء المشركين، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح، لجهلهم، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر.<br>وعبر بأكثرهم، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق، لكنها تنكره جحودا وعنادا.<br>ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى هم يحسونها فى خاصة أنفسهم، وفى حنايا قلوبهم فتقول: { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ }.<br>والمضطر: اسم مفعول من الاضطرار الذى هو افتعال من الضرورة.<br>والمراد به: الإِنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون -: من الذين يجيب دعوة الداعى المكروب الذى نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذى يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه الله وحده، هو الذى يجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.<br>وقولوا لنا - أيضا -: من الذى { يَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ } أى: من الذى يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك.<br>كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر، وهو الذى يكشف السوء، وهو الذى يجعلكم خلفاء الأرض، ولكنكم { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أى: ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله - تعالى - عليكم، ورحمته بكم.<br>وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة، لأن الإِنسان من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى - عند الشدائد، وينساه عند الرخاء.<br>وصدق الله إذ يقول: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال - تعالى -: { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ }.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون-: من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى المكان الذى تريدون الذهاب إليه، عندما تلتبس عليكم الطرق، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه، أو وأنتم فى متاهات الأرض وفجاجها.<br>وقولوا لنا: { وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أى: ومن الذى يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر، الذى هو رحمة من الله - تعالى - لكم، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك، كلا، فما فعل ذلك أحد سواه.<br>وقوله - سبحانه -: { تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له - تعالى - عن الشرك والشركاء.<br>أى: تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين، فهو الواحد الأحد فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية، فقال - تعالى -: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } أى: قولوا لنا - أيها المشركون - من الذى فى قدرته أن يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة، ثم يحولها إلى علقة، ثم إلى مضغة... ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها، إلى الحياة مرة أخرى؟ لا شك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله - تعالى -.<br>ثم قولوا لنا { وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ } بالمطر والنبات والأموال، وبغير ذلك من ألوان النعم التى لا تحصى؟.<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله - تعالى - وحده ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا، على أن الله - تعالى - شريكا فى ملكه، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل -.<br>قال الإِمام الرازى ما ملخصه: اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ }، لأن نعم الله بالثواب لا تتم إلا بالإِعادة بعد الابتداء. فإن قيل: كيف قيل لهم: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } وهم منكرون للإِعادة؟.<br>فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإِعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر فى الإِنكار..<br>وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى -. وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، وانفراده بالخلق والتدبير..<br>ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذى غيبه عن عباده، وعن أقوال المشركين فى شأن البعث والحساب، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه فى الرد عليهم... فقال - تعالى -: { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3249",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "60",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قال صاحب البحر المحيط: لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بحمده - تعالى - والسلام على المصطفين، وأخذ فى مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى - ومباينة الأصنام والأديان التى أشركوها مع الله وعبدوها، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد لله، وكأنها صدر خطبة، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة. وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم، وخطبهم، ووعظهم، فافتتحوا بتحميد الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وتبعهم المتراسلون فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن.<br>والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } - تعالى - وحده، فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده، وهو - عز وجل - الذى له الخلق والأمر وليس لأحد سواه.<br>وقل - أيضا - { وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ } أى: أمان وتحية لعباده الذين اصطفاهم واختارهم - سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته، والاستجابة لأمره ونهيه، والطاعة له فى السر والعلن.<br>والاستفهام فى قوله { ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } للإنكار والتقريع، والألف منقلبة عن همزة الاستفهام.<br>أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - آلله الذى له الخلق والأمر، والذى أنعم عليكم بالنعم التى لا تحصى، خير، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا تضر، والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى -. إن كل من عنده عقل، لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة، هو الله رب العالمين.<br>ولفظ { خَيْرٌ } ليس للتفضيل، وإنما هو من باب التهكم بهم، إذ لا خير فى عبادة الأصنام أصلا. وقد حكى عن العرب أنهم يقولون: السعادة أحب إليك أم الشقاوة، مع أنه لا خير فى الشقاوة إطلاقا.<br>قال الآلوسى: وقوله { ءَآللَّهُ } بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا، والأصل أألله؟ { خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } والظاهر أن { ما } موصولة، والعائد محذوف أى: آلله الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذى يشركونه من الأصنام و { خَيْرٌ } أفعل تفضيل، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته - عز وجل - وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذا من البين أنه ليس فيما أشركوه به - سبحانه - شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض..<br>ثم ساق - سبحانه - خمس آيات، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه، وختم كل آية بقوله: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ }؟ فقال - تعالى - { أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. } و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل الإِضرابية والاستفهام للإِنكار والتوبيخ.<br>أى: بل قالوا لنا - إن كنتم تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق السموات والأرض، وأوجدهما على هذا النحو البديع، والتركيب المحكم.<br>{ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } وهو المطر، الذى لا غنى لكم عنه فى شئون حياتكم.<br>{ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } والحدائق: جمع حديقة، وهى فى الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار، من أحدق بالشىء إذا أحاط به، ثم توسع فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان مسورا بسور أم لا.<br>أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا، فأنبتنا لكم بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن، يشرح الصدور، ويدخل السرور على النفوس.<br>وقال - سبحانه -: { فَأَنبَتْنَا .. } بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله - تعالى - وحده، وللإِيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها، وأشجارها، وطعومها. لا يقدر عليه إلا هو - سبحانه -.<br>ولذا أتبع - عز وجل - هذه الجملة بقوله: { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } أى: ما كان فى إمكانكم - أيها الناس - بحال من الأحوال، أن تنبتوا أشجار هذه الحدائق، فضلا عن إيجاد ثمارها، وإخراجها من العدم إلى الوجود.<br>قال الإِمام الرازى: يقال: ما حكمة الالتفات فى قوله: { فَأَنبَتْنَا.. } والجواب: أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض، ومنزل الماء من السماء، ليس إلا الله - تعالى -.<br>ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن منبت الشجرة هو الإِنسان، فإن الإِنسان قد يقول: أنا الذى ألقى البذر فى الأرض، وأسقيها الماء... وفاعل السبب، فاعل للمسبب، فأنا المنبت للشجرة..<br>فلما كان هذا الاحتمال قائما. لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال. لأن الإِنسان قد يأتى بالبذر والسقى... ولا يأتى الزرع على وفق مراده ... فلهذه النكتة جاء الالتفات...<br>وقوله - تعالى -: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } أى: أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء... كلا. لا شريك مع الله - تعالى - فى خلقه وقدرته، وإيجاده لهذه الكائنات { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ }.<br>أى: بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد، إلى الباطل البين وهو الشرك.<br>فقوله: { يَعْدِلُونَ } مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل. أو من العدل والمساواة، فيكون المعنى: بل هم قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم.<br>والجملة الكريمة: انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب، إلى توبيخهم، وتجهيلهم، وبيان سوء تفكيرهم، وانطماس بصائرهم.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى -: { أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً } والقرار: المكان الذى يستقر فيه الإِنسان، ويصلح لبناء حياته عليه.<br>أى: بل قولوا لنا - أيها المشركون: من الذى جعل هذه الأرض التى تعيشون عليها، مكانا صالحا لاستقراركم، ولحرثكم، ولتبادل المنافع فيما بينكم، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة.<br>ومن الذى { وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ } أى: جعل فيما بينها { أَنْهَاراً } تجرى بين أجزائها، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم، وفى غير ذلك من شئون حياتكم. ومن الذى { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أى: جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت، تحفظها من أن تضطرب بكم.<br>ومن الذى: { جَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أى: جعل بين البحر العذب والبحر الملح { حَاجِزاً } يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان.<br>ثم يأتى الاستفهام الإِنكارى { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله }؟ أى: أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك؟ كلا، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك.<br>{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء المشركين، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح، لجهلهم، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر.<br>وعبر بأكثرهم، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق، لكنها تنكره جحودا وعنادا.<br>ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى هم يحسونها فى خاصة أنفسهم، وفى حنايا قلوبهم فتقول: { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ }.<br>والمضطر: اسم مفعول من الاضطرار الذى هو افتعال من الضرورة.<br>والمراد به: الإِنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون -: من الذين يجيب دعوة الداعى المكروب الذى نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذى يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه الله وحده، هو الذى يجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.<br>وقولوا لنا - أيضا -: من الذى { يَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ } أى: من الذى يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك.<br>كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر، وهو الذى يكشف السوء، وهو الذى يجعلكم خلفاء الأرض، ولكنكم { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أى: ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله - تعالى - عليكم، ورحمته بكم.<br>وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة، لأن الإِنسان من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى - عند الشدائد، وينساه عند الرخاء.<br>وصدق الله إذ يقول: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال - تعالى -: { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ }.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون-: من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى المكان الذى تريدون الذهاب إليه، عندما تلتبس عليكم الطرق، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه، أو وأنتم فى متاهات الأرض وفجاجها.<br>وقولوا لنا: { وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أى: ومن الذى يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر، الذى هو رحمة من الله - تعالى - لكم، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك، كلا، فما فعل ذلك أحد سواه.<br>وقوله - سبحانه -: { تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له - تعالى - عن الشرك والشركاء.<br>أى: تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين، فهو الواحد الأحد فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية، فقال - تعالى -: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } أى: قولوا لنا - أيها المشركون - من الذى فى قدرته أن يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة، ثم يحولها إلى علقة، ثم إلى مضغة... ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها، إلى الحياة مرة أخرى؟ لا شك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله - تعالى -.<br>ثم قولوا لنا { وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ } بالمطر والنبات والأموال، وبغير ذلك من ألوان النعم التى لا تحصى؟.<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله - تعالى - وحده ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا، على أن الله - تعالى - شريكا فى ملكه، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل -.<br>قال الإِمام الرازى ما ملخصه: اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ }، لأن نعم الله بالثواب لا تتم إلا بالإِعادة بعد الابتداء. فإن قيل: كيف قيل لهم: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } وهم منكرون للإِعادة؟.<br>فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإِعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر فى الإِنكار..<br>وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى -. وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، وانفراده بالخلق والتدبير..<br>ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذى غيبه عن عباده، وعن أقوال المشركين فى شأن البعث والحساب، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه فى الرد عليهم... فقال - تعالى -: { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3250",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "61",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قال صاحب البحر المحيط: لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بحمده - تعالى - والسلام على المصطفين، وأخذ فى مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى - ومباينة الأصنام والأديان التى أشركوها مع الله وعبدوها، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد لله، وكأنها صدر خطبة، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة. وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم، وخطبهم، ووعظهم، فافتتحوا بتحميد الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وتبعهم المتراسلون فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن.<br>والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } - تعالى - وحده، فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده، وهو - عز وجل - الذى له الخلق والأمر وليس لأحد سواه.<br>وقل - أيضا - { وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ } أى: أمان وتحية لعباده الذين اصطفاهم واختارهم - سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته، والاستجابة لأمره ونهيه، والطاعة له فى السر والعلن.<br>والاستفهام فى قوله { ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } للإنكار والتقريع، والألف منقلبة عن همزة الاستفهام.<br>أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - آلله الذى له الخلق والأمر، والذى أنعم عليكم بالنعم التى لا تحصى، خير، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا تضر، والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى -. إن كل من عنده عقل، لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة، هو الله رب العالمين.<br>ولفظ { خَيْرٌ } ليس للتفضيل، وإنما هو من باب التهكم بهم، إذ لا خير فى عبادة الأصنام أصلا. وقد حكى عن العرب أنهم يقولون: السعادة أحب إليك أم الشقاوة، مع أنه لا خير فى الشقاوة إطلاقا.<br>قال الآلوسى: وقوله { ءَآللَّهُ } بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا، والأصل أألله؟ { خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } والظاهر أن { ما } موصولة، والعائد محذوف أى: آلله الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذى يشركونه من الأصنام و { خَيْرٌ } أفعل تفضيل، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته - عز وجل - وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذا من البين أنه ليس فيما أشركوه به - سبحانه - شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض..<br>ثم ساق - سبحانه - خمس آيات، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه، وختم كل آية بقوله: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ }؟ فقال - تعالى - { أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. } و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل الإِضرابية والاستفهام للإِنكار والتوبيخ.<br>أى: بل قالوا لنا - إن كنتم تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق السموات والأرض، وأوجدهما على هذا النحو البديع، والتركيب المحكم.<br>{ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } وهو المطر، الذى لا غنى لكم عنه فى شئون حياتكم.<br>{ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } والحدائق: جمع حديقة، وهى فى الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار، من أحدق بالشىء إذا أحاط به، ثم توسع فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان مسورا بسور أم لا.<br>أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا، فأنبتنا لكم بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن، يشرح الصدور، ويدخل السرور على النفوس.<br>وقال - سبحانه -: { فَأَنبَتْنَا .. } بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله - تعالى - وحده، وللإِيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها، وأشجارها، وطعومها. لا يقدر عليه إلا هو - سبحانه -.<br>ولذا أتبع - عز وجل - هذه الجملة بقوله: { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } أى: ما كان فى إمكانكم - أيها الناس - بحال من الأحوال، أن تنبتوا أشجار هذه الحدائق، فضلا عن إيجاد ثمارها، وإخراجها من العدم إلى الوجود.<br>قال الإِمام الرازى: يقال: ما حكمة الالتفات فى قوله: { فَأَنبَتْنَا.. } والجواب: أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض، ومنزل الماء من السماء، ليس إلا الله - تعالى -.<br>ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن منبت الشجرة هو الإِنسان، فإن الإِنسان قد يقول: أنا الذى ألقى البذر فى الأرض، وأسقيها الماء... وفاعل السبب، فاعل للمسبب، فأنا المنبت للشجرة..<br>فلما كان هذا الاحتمال قائما. لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال. لأن الإِنسان قد يأتى بالبذر والسقى... ولا يأتى الزرع على وفق مراده ... فلهذه النكتة جاء الالتفات...<br>وقوله - تعالى -: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } أى: أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء... كلا. لا شريك مع الله - تعالى - فى خلقه وقدرته، وإيجاده لهذه الكائنات { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ }.<br>أى: بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد، إلى الباطل البين وهو الشرك.<br>فقوله: { يَعْدِلُونَ } مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل. أو من العدل والمساواة، فيكون المعنى: بل هم قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم.<br>والجملة الكريمة: انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب، إلى توبيخهم، وتجهيلهم، وبيان سوء تفكيرهم، وانطماس بصائرهم.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى -: { أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً } والقرار: المكان الذى يستقر فيه الإِنسان، ويصلح لبناء حياته عليه.<br>أى: بل قولوا لنا - أيها المشركون: من الذى جعل هذه الأرض التى تعيشون عليها، مكانا صالحا لاستقراركم، ولحرثكم، ولتبادل المنافع فيما بينكم، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة.<br>ومن الذى { وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ } أى: جعل فيما بينها { أَنْهَاراً } تجرى بين أجزائها، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم، وفى غير ذلك من شئون حياتكم. ومن الذى { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أى: جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت، تحفظها من أن تضطرب بكم.<br>ومن الذى: { جَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أى: جعل بين البحر العذب والبحر الملح { حَاجِزاً } يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان.<br>ثم يأتى الاستفهام الإِنكارى { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله }؟ أى: أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك؟ كلا، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك.<br>{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء المشركين، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح، لجهلهم، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر.<br>وعبر بأكثرهم، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق، لكنها تنكره جحودا وعنادا.<br>ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى هم يحسونها فى خاصة أنفسهم، وفى حنايا قلوبهم فتقول: { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ }.<br>والمضطر: اسم مفعول من الاضطرار الذى هو افتعال من الضرورة.<br>والمراد به: الإِنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون -: من الذين يجيب دعوة الداعى المكروب الذى نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذى يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه الله وحده، هو الذى يجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.<br>وقولوا لنا - أيضا -: من الذى { يَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ } أى: من الذى يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك.<br>كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر، وهو الذى يكشف السوء، وهو الذى يجعلكم خلفاء الأرض، ولكنكم { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أى: ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله - تعالى - عليكم، ورحمته بكم.<br>وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة، لأن الإِنسان من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى - عند الشدائد، وينساه عند الرخاء.<br>وصدق الله إذ يقول: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال - تعالى -: { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ }.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون-: من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى المكان الذى تريدون الذهاب إليه، عندما تلتبس عليكم الطرق، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه، أو وأنتم فى متاهات الأرض وفجاجها.<br>وقولوا لنا: { وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أى: ومن الذى يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر، الذى هو رحمة من الله - تعالى - لكم، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك، كلا، فما فعل ذلك أحد سواه.<br>وقوله - سبحانه -: { تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له - تعالى - عن الشرك والشركاء.<br>أى: تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين، فهو الواحد الأحد فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية، فقال - تعالى -: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } أى: قولوا لنا - أيها المشركون - من الذى فى قدرته أن يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة، ثم يحولها إلى علقة، ثم إلى مضغة... ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها، إلى الحياة مرة أخرى؟ لا شك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله - تعالى -.<br>ثم قولوا لنا { وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ } بالمطر والنبات والأموال، وبغير ذلك من ألوان النعم التى لا تحصى؟.<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله - تعالى - وحده ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا، على أن الله - تعالى - شريكا فى ملكه، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل -.<br>قال الإِمام الرازى ما ملخصه: اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ }، لأن نعم الله بالثواب لا تتم إلا بالإِعادة بعد الابتداء. فإن قيل: كيف قيل لهم: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } وهم منكرون للإِعادة؟.<br>فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإِعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر فى الإِنكار..<br>وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى -. وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، وانفراده بالخلق والتدبير..<br>ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذى غيبه عن عباده، وعن أقوال المشركين فى شأن البعث والحساب، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه فى الرد عليهم... فقال - تعالى -: { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3251",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "62",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قال صاحب البحر المحيط: لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بحمده - تعالى - والسلام على المصطفين، وأخذ فى مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى - ومباينة الأصنام والأديان التى أشركوها مع الله وعبدوها، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد لله، وكأنها صدر خطبة، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة. وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم، وخطبهم، ووعظهم، فافتتحوا بتحميد الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وتبعهم المتراسلون فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن.<br>والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } - تعالى - وحده، فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده، وهو - عز وجل - الذى له الخلق والأمر وليس لأحد سواه.<br>وقل - أيضا - { وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ } أى: أمان وتحية لعباده الذين اصطفاهم واختارهم - سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته، والاستجابة لأمره ونهيه، والطاعة له فى السر والعلن.<br>والاستفهام فى قوله { ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } للإنكار والتقريع، والألف منقلبة عن همزة الاستفهام.<br>أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - آلله الذى له الخلق والأمر، والذى أنعم عليكم بالنعم التى لا تحصى، خير، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا تضر، والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى -. إن كل من عنده عقل، لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة، هو الله رب العالمين.<br>ولفظ { خَيْرٌ } ليس للتفضيل، وإنما هو من باب التهكم بهم، إذ لا خير فى عبادة الأصنام أصلا. وقد حكى عن العرب أنهم يقولون: السعادة أحب إليك أم الشقاوة، مع أنه لا خير فى الشقاوة إطلاقا.<br>قال الآلوسى: وقوله { ءَآللَّهُ } بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا، والأصل أألله؟ { خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } والظاهر أن { ما } موصولة، والعائد محذوف أى: آلله الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذى يشركونه من الأصنام و { خَيْرٌ } أفعل تفضيل، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته - عز وجل - وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذا من البين أنه ليس فيما أشركوه به - سبحانه - شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض..<br>ثم ساق - سبحانه - خمس آيات، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه، وختم كل آية بقوله: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ }؟ فقال - تعالى - { أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. } و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل الإِضرابية والاستفهام للإِنكار والتوبيخ.<br>أى: بل قالوا لنا - إن كنتم تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق السموات والأرض، وأوجدهما على هذا النحو البديع، والتركيب المحكم.<br>{ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } وهو المطر، الذى لا غنى لكم عنه فى شئون حياتكم.<br>{ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } والحدائق: جمع حديقة، وهى فى الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار، من أحدق بالشىء إذا أحاط به، ثم توسع فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان مسورا بسور أم لا.<br>أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا، فأنبتنا لكم بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن، يشرح الصدور، ويدخل السرور على النفوس.<br>وقال - سبحانه -: { فَأَنبَتْنَا .. } بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله - تعالى - وحده، وللإِيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها، وأشجارها، وطعومها. لا يقدر عليه إلا هو - سبحانه -.<br>ولذا أتبع - عز وجل - هذه الجملة بقوله: { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } أى: ما كان فى إمكانكم - أيها الناس - بحال من الأحوال، أن تنبتوا أشجار هذه الحدائق، فضلا عن إيجاد ثمارها، وإخراجها من العدم إلى الوجود.<br>قال الإِمام الرازى: يقال: ما حكمة الالتفات فى قوله: { فَأَنبَتْنَا.. } والجواب: أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض، ومنزل الماء من السماء، ليس إلا الله - تعالى -.<br>ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن منبت الشجرة هو الإِنسان، فإن الإِنسان قد يقول: أنا الذى ألقى البذر فى الأرض، وأسقيها الماء... وفاعل السبب، فاعل للمسبب، فأنا المنبت للشجرة..<br>فلما كان هذا الاحتمال قائما. لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال. لأن الإِنسان قد يأتى بالبذر والسقى... ولا يأتى الزرع على وفق مراده ... فلهذه النكتة جاء الالتفات...<br>وقوله - تعالى -: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } أى: أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء... كلا. لا شريك مع الله - تعالى - فى خلقه وقدرته، وإيجاده لهذه الكائنات { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ }.<br>أى: بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد، إلى الباطل البين وهو الشرك.<br>فقوله: { يَعْدِلُونَ } مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل. أو من العدل والمساواة، فيكون المعنى: بل هم قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم.<br>والجملة الكريمة: انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب، إلى توبيخهم، وتجهيلهم، وبيان سوء تفكيرهم، وانطماس بصائرهم.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى -: { أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً } والقرار: المكان الذى يستقر فيه الإِنسان، ويصلح لبناء حياته عليه.<br>أى: بل قولوا لنا - أيها المشركون: من الذى جعل هذه الأرض التى تعيشون عليها، مكانا صالحا لاستقراركم، ولحرثكم، ولتبادل المنافع فيما بينكم، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة.<br>ومن الذى { وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ } أى: جعل فيما بينها { أَنْهَاراً } تجرى بين أجزائها، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم، وفى غير ذلك من شئون حياتكم. ومن الذى { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أى: جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت، تحفظها من أن تضطرب بكم.<br>ومن الذى: { جَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أى: جعل بين البحر العذب والبحر الملح { حَاجِزاً } يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان.<br>ثم يأتى الاستفهام الإِنكارى { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله }؟ أى: أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك؟ كلا، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك.<br>{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء المشركين، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح، لجهلهم، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر.<br>وعبر بأكثرهم، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق، لكنها تنكره جحودا وعنادا.<br>ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى هم يحسونها فى خاصة أنفسهم، وفى حنايا قلوبهم فتقول: { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ }.<br>والمضطر: اسم مفعول من الاضطرار الذى هو افتعال من الضرورة.<br>والمراد به: الإِنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون -: من الذين يجيب دعوة الداعى المكروب الذى نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذى يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه الله وحده، هو الذى يجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.<br>وقولوا لنا - أيضا -: من الذى { يَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ } أى: من الذى يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك.<br>كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر، وهو الذى يكشف السوء، وهو الذى يجعلكم خلفاء الأرض، ولكنكم { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أى: ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله - تعالى - عليكم، ورحمته بكم.<br>وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة، لأن الإِنسان من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى - عند الشدائد، وينساه عند الرخاء.<br>وصدق الله إذ يقول: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال - تعالى -: { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ }.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون-: من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى المكان الذى تريدون الذهاب إليه، عندما تلتبس عليكم الطرق، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه، أو وأنتم فى متاهات الأرض وفجاجها.<br>وقولوا لنا: { وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أى: ومن الذى يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر، الذى هو رحمة من الله - تعالى - لكم، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك، كلا، فما فعل ذلك أحد سواه.<br>وقوله - سبحانه -: { تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له - تعالى - عن الشرك والشركاء.<br>أى: تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين، فهو الواحد الأحد فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية، فقال - تعالى -: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } أى: قولوا لنا - أيها المشركون - من الذى فى قدرته أن يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة، ثم يحولها إلى علقة، ثم إلى مضغة... ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها، إلى الحياة مرة أخرى؟ لا شك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله - تعالى -.<br>ثم قولوا لنا { وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ } بالمطر والنبات والأموال، وبغير ذلك من ألوان النعم التى لا تحصى؟.<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله - تعالى - وحده ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا، على أن الله - تعالى - شريكا فى ملكه، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل -.<br>قال الإِمام الرازى ما ملخصه: اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ }، لأن نعم الله بالثواب لا تتم إلا بالإِعادة بعد الابتداء. فإن قيل: كيف قيل لهم: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } وهم منكرون للإِعادة؟.<br>فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإِعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر فى الإِنكار..<br>وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى -. وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، وانفراده بالخلق والتدبير..<br>ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذى غيبه عن عباده، وعن أقوال المشركين فى شأن البعث والحساب، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه فى الرد عليهم... فقال - تعالى -: { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3252",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "63",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قال صاحب البحر المحيط: لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بحمده - تعالى - والسلام على المصطفين، وأخذ فى مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى - ومباينة الأصنام والأديان التى أشركوها مع الله وعبدوها، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد لله، وكأنها صدر خطبة، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة. وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم، وخطبهم، ووعظهم، فافتتحوا بتحميد الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وتبعهم المتراسلون فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن.<br>والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } - تعالى - وحده، فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده، وهو - عز وجل - الذى له الخلق والأمر وليس لأحد سواه.<br>وقل - أيضا - { وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ } أى: أمان وتحية لعباده الذين اصطفاهم واختارهم - سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته، والاستجابة لأمره ونهيه، والطاعة له فى السر والعلن.<br>والاستفهام فى قوله { ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } للإنكار والتقريع، والألف منقلبة عن همزة الاستفهام.<br>أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - آلله الذى له الخلق والأمر، والذى أنعم عليكم بالنعم التى لا تحصى، خير، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا تضر، والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى -. إن كل من عنده عقل، لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة، هو الله رب العالمين.<br>ولفظ { خَيْرٌ } ليس للتفضيل، وإنما هو من باب التهكم بهم، إذ لا خير فى عبادة الأصنام أصلا. وقد حكى عن العرب أنهم يقولون: السعادة أحب إليك أم الشقاوة، مع أنه لا خير فى الشقاوة إطلاقا.<br>قال الآلوسى: وقوله { ءَآللَّهُ } بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا، والأصل أألله؟ { خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } والظاهر أن { ما } موصولة، والعائد محذوف أى: آلله الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذى يشركونه من الأصنام و { خَيْرٌ } أفعل تفضيل، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته - عز وجل - وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذا من البين أنه ليس فيما أشركوه به - سبحانه - شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض..<br>ثم ساق - سبحانه - خمس آيات، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه، وختم كل آية بقوله: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ }؟ فقال - تعالى - { أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. } و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل الإِضرابية والاستفهام للإِنكار والتوبيخ.<br>أى: بل قالوا لنا - إن كنتم تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق السموات والأرض، وأوجدهما على هذا النحو البديع، والتركيب المحكم.<br>{ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } وهو المطر، الذى لا غنى لكم عنه فى شئون حياتكم.<br>{ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } والحدائق: جمع حديقة، وهى فى الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار، من أحدق بالشىء إذا أحاط به، ثم توسع فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان مسورا بسور أم لا.<br>أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا، فأنبتنا لكم بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن، يشرح الصدور، ويدخل السرور على النفوس.<br>وقال - سبحانه -: { فَأَنبَتْنَا .. } بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله - تعالى - وحده، وللإِيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها، وأشجارها، وطعومها. لا يقدر عليه إلا هو - سبحانه -.<br>ولذا أتبع - عز وجل - هذه الجملة بقوله: { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } أى: ما كان فى إمكانكم - أيها الناس - بحال من الأحوال، أن تنبتوا أشجار هذه الحدائق، فضلا عن إيجاد ثمارها، وإخراجها من العدم إلى الوجود.<br>قال الإِمام الرازى: يقال: ما حكمة الالتفات فى قوله: { فَأَنبَتْنَا.. } والجواب: أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض، ومنزل الماء من السماء، ليس إلا الله - تعالى -.<br>ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن منبت الشجرة هو الإِنسان، فإن الإِنسان قد يقول: أنا الذى ألقى البذر فى الأرض، وأسقيها الماء... وفاعل السبب، فاعل للمسبب، فأنا المنبت للشجرة..<br>فلما كان هذا الاحتمال قائما. لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال. لأن الإِنسان قد يأتى بالبذر والسقى... ولا يأتى الزرع على وفق مراده ... فلهذه النكتة جاء الالتفات...<br>وقوله - تعالى -: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } أى: أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء... كلا. لا شريك مع الله - تعالى - فى خلقه وقدرته، وإيجاده لهذه الكائنات { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ }.<br>أى: بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد، إلى الباطل البين وهو الشرك.<br>فقوله: { يَعْدِلُونَ } مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل. أو من العدل والمساواة، فيكون المعنى: بل هم قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم.<br>والجملة الكريمة: انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب، إلى توبيخهم، وتجهيلهم، وبيان سوء تفكيرهم، وانطماس بصائرهم.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى -: { أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً } والقرار: المكان الذى يستقر فيه الإِنسان، ويصلح لبناء حياته عليه.<br>أى: بل قولوا لنا - أيها المشركون: من الذى جعل هذه الأرض التى تعيشون عليها، مكانا صالحا لاستقراركم، ولحرثكم، ولتبادل المنافع فيما بينكم، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة.<br>ومن الذى { وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ } أى: جعل فيما بينها { أَنْهَاراً } تجرى بين أجزائها، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم، وفى غير ذلك من شئون حياتكم. ومن الذى { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أى: جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت، تحفظها من أن تضطرب بكم.<br>ومن الذى: { جَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أى: جعل بين البحر العذب والبحر الملح { حَاجِزاً } يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان.<br>ثم يأتى الاستفهام الإِنكارى { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله }؟ أى: أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك؟ كلا، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك.<br>{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء المشركين، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح، لجهلهم، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر.<br>وعبر بأكثرهم، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق، لكنها تنكره جحودا وعنادا.<br>ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى هم يحسونها فى خاصة أنفسهم، وفى حنايا قلوبهم فتقول: { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ }.<br>والمضطر: اسم مفعول من الاضطرار الذى هو افتعال من الضرورة.<br>والمراد به: الإِنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون -: من الذين يجيب دعوة الداعى المكروب الذى نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذى يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه الله وحده، هو الذى يجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.<br>وقولوا لنا - أيضا -: من الذى { يَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ } أى: من الذى يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك.<br>كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر، وهو الذى يكشف السوء، وهو الذى يجعلكم خلفاء الأرض، ولكنكم { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أى: ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله - تعالى - عليكم، ورحمته بكم.<br>وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة، لأن الإِنسان من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى - عند الشدائد، وينساه عند الرخاء.<br>وصدق الله إذ يقول: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال - تعالى -: { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ }.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون-: من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى المكان الذى تريدون الذهاب إليه، عندما تلتبس عليكم الطرق، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه، أو وأنتم فى متاهات الأرض وفجاجها.<br>وقولوا لنا: { وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أى: ومن الذى يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر، الذى هو رحمة من الله - تعالى - لكم، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك، كلا، فما فعل ذلك أحد سواه.<br>وقوله - سبحانه -: { تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له - تعالى - عن الشرك والشركاء.<br>أى: تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين، فهو الواحد الأحد فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية، فقال - تعالى -: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } أى: قولوا لنا - أيها المشركون - من الذى فى قدرته أن يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة، ثم يحولها إلى علقة، ثم إلى مضغة... ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها، إلى الحياة مرة أخرى؟ لا شك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله - تعالى -.<br>ثم قولوا لنا { وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ } بالمطر والنبات والأموال، وبغير ذلك من ألوان النعم التى لا تحصى؟.<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله - تعالى - وحده ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا، على أن الله - تعالى - شريكا فى ملكه، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل -.<br>قال الإِمام الرازى ما ملخصه: اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ }، لأن نعم الله بالثواب لا تتم إلا بالإِعادة بعد الابتداء. فإن قيل: كيف قيل لهم: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } وهم منكرون للإِعادة؟.<br>فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإِعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر فى الإِنكار..<br>وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى -. وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، وانفراده بالخلق والتدبير..<br>ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذى غيبه عن عباده، وعن أقوال المشركين فى شأن البعث والحساب، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه فى الرد عليهم... فقال - تعالى -: { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3253",
        "sura_number": "27",
        "ayah_number": "64",
        "aya": "",
        "sura": "النمل",
        "mediator": "قال صاحب البحر المحيط: لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بحمده - تعالى - والسلام على المصطفين، وأخذ فى مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى - ومباينة الأصنام والأديان التى أشركوها مع الله وعبدوها، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد لله، وكأنها صدر خطبة، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة. وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم، وخطبهم، ووعظهم، فافتتحوا بتحميد الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وتبعهم المتراسلون فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن.<br>والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } - تعالى - وحده، فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده، وهو - عز وجل - الذى له الخلق والأمر وليس لأحد سواه.<br>وقل - أيضا - { وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ } أى: أمان وتحية لعباده الذين اصطفاهم واختارهم - سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته، والاستجابة لأمره ونهيه، والطاعة له فى السر والعلن.<br>والاستفهام فى قوله { ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } للإنكار والتقريع، والألف منقلبة عن همزة الاستفهام.<br>أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - آلله الذى له الخلق والأمر، والذى أنعم عليكم بالنعم التى لا تحصى، خير، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا تضر، والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى -. إن كل من عنده عقل، لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة، هو الله رب العالمين.<br>ولفظ { خَيْرٌ } ليس للتفضيل، وإنما هو من باب التهكم بهم، إذ لا خير فى عبادة الأصنام أصلا. وقد حكى عن العرب أنهم يقولون: السعادة أحب إليك أم الشقاوة، مع أنه لا خير فى الشقاوة إطلاقا.<br>قال الآلوسى: وقوله { ءَآللَّهُ } بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا، والأصل أألله؟ { خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } والظاهر أن { ما } موصولة، والعائد محذوف أى: آلله الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذى يشركونه من الأصنام و { خَيْرٌ } أفعل تفضيل، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته - عز وجل - وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذا من البين أنه ليس فيما أشركوه به - سبحانه - شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض..<br>ثم ساق - سبحانه - خمس آيات، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه، وختم كل آية بقوله: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ }؟ فقال - تعالى - { أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ.. } و { أم } هنا منقطعة بمعنى بل الإِضرابية والاستفهام للإِنكار والتوبيخ.<br>أى: بل قالوا لنا - إن كنتم تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق السموات والأرض، وأوجدهما على هذا النحو البديع، والتركيب المحكم.<br>{ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } وهو المطر، الذى لا غنى لكم عنه فى شئون حياتكم.<br>{ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } والحدائق: جمع حديقة، وهى فى الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار، من أحدق بالشىء إذا أحاط به، ثم توسع فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان مسورا بسور أم لا.<br>أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا، فأنبتنا لكم بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن، يشرح الصدور، ويدخل السرور على النفوس.<br>وقال - سبحانه -: { فَأَنبَتْنَا .. } بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله - تعالى - وحده، وللإِيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها، وأشجارها، وطعومها. لا يقدر عليه إلا هو - سبحانه -.<br>ولذا أتبع - عز وجل - هذه الجملة بقوله: { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } أى: ما كان فى إمكانكم - أيها الناس - بحال من الأحوال، أن تنبتوا أشجار هذه الحدائق، فضلا عن إيجاد ثمارها، وإخراجها من العدم إلى الوجود.<br>قال الإِمام الرازى: يقال: ما حكمة الالتفات فى قوله: { فَأَنبَتْنَا.. } والجواب: أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض، ومنزل الماء من السماء، ليس إلا الله - تعالى -.<br>ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن منبت الشجرة هو الإِنسان، فإن الإِنسان قد يقول: أنا الذى ألقى البذر فى الأرض، وأسقيها الماء... وفاعل السبب، فاعل للمسبب، فأنا المنبت للشجرة..<br>فلما كان هذا الاحتمال قائما. لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال. لأن الإِنسان قد يأتى بالبذر والسقى... ولا يأتى الزرع على وفق مراده ... فلهذه النكتة جاء الالتفات...<br>وقوله - تعالى -: { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } أى: أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء... كلا. لا شريك مع الله - تعالى - فى خلقه وقدرته، وإيجاده لهذه الكائنات { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ }.<br>أى: بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد، إلى الباطل البين وهو الشرك.<br>فقوله: { يَعْدِلُونَ } مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل. أو من العدل والمساواة، فيكون المعنى: بل هم قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم.<br>والجملة الكريمة: انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب، إلى توبيخهم، وتجهيلهم، وبيان سوء تفكيرهم، وانطماس بصائرهم.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى -: { أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً } والقرار: المكان الذى يستقر فيه الإِنسان، ويصلح لبناء حياته عليه.<br>أى: بل قولوا لنا - أيها المشركون: من الذى جعل هذه الأرض التى تعيشون عليها، مكانا صالحا لاستقراركم، ولحرثكم، ولتبادل المنافع فيما بينكم، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة.<br>ومن الذى { وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ } أى: جعل فيما بينها { أَنْهَاراً } تجرى بين أجزائها، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم، وفى غير ذلك من شئون حياتكم. ومن الذى { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أى: جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت، تحفظها من أن تضطرب بكم.<br>ومن الذى: { جَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أى: جعل بين البحر العذب والبحر الملح { حَاجِزاً } يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان.<br>ثم يأتى الاستفهام الإِنكارى { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله }؟ أى: أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك؟ كلا، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك.<br>{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: بل أكثر هؤلاء المشركين، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح، لجهلهم، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر.<br>وعبر بأكثرهم، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق، لكنها تنكره جحودا وعنادا.<br>ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى هم يحسونها فى خاصة أنفسهم، وفى حنايا قلوبهم فتقول: { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ }.<br>والمضطر: اسم مفعول من الاضطرار الذى هو افتعال من الضرورة.<br>والمراد به: الإِنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون -: من الذين يجيب دعوة الداعى المكروب الذى نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذى يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه الله وحده، هو الذى يجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.<br>وقولوا لنا - أيضا -: من الذى { يَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ } أى: من الذى يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل { أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك.<br>كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر، وهو الذى يكشف السوء، وهو الذى يجعلكم خلفاء الأرض، ولكنكم { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أى: ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله - تعالى - عليكم، ورحمته بكم.<br>وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة، لأن الإِنسان من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى - عند الشدائد، وينساه عند الرخاء.<br>وصدق الله إذ يقول: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال - تعالى -: { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ }.<br>أى: وقولوا لنا - أيها المشركون-: من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى المكان الذى تريدون الذهاب إليه، عندما تلتبس عليكم الطرق، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه، أو وأنتم فى متاهات الأرض وفجاجها.<br>وقولوا لنا: { وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أى: ومن الذى يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر، الذى هو رحمة من الله - تعالى - لكم، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك، كلا، فما فعل ذلك أحد سواه.<br>وقوله - سبحانه -: { تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له - تعالى - عن الشرك والشركاء.<br>أى: تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين، فهو الواحد الأحد فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية، فقال - تعالى -: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } أى: قولوا لنا - أيها المشركون - من الذى فى قدرته أن يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة، ثم يحولها إلى علقة، ثم إلى مضغة... ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها، إلى الحياة مرة أخرى؟ لا شك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله - تعالى -.<br>ثم قولوا لنا { وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ } بالمطر والنبات والأموال، وبغير ذلك من ألوان النعم التى لا تحصى؟.<br>{ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ } هو الذى فعل ذلك؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله - تعالى - وحده ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }.<br>أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا، على أن الله - تعالى - شريكا فى ملكه، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل -.<br>قال الإِمام الرازى ما ملخصه: اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ }، لأن نعم الله بالثواب لا تتم إلا بالإِعادة بعد الابتداء. فإن قيل: كيف قيل لهم: { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } وهم منكرون للإِعادة؟.<br>فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإِعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر فى الإِنكار..<br>وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله - تعالى -. وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، وانفراده بالخلق والتدبير..<br>ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذى غيبه عن عباده، وعن أقوال المشركين فى شأن البعث والحساب، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه فى الرد عليهم... فقال - تعالى -: { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3344",
        "sura_number": "28",
        "ayah_number": "62",
        "aya": "",
        "sura": "القصص",
        "mediator": "الظرف فى قوله - سبحانه -: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -.<br>أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - تعالى - فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى: أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.<br>فمفعولا { تَزْعُمُونَ } محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } الخزى والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته.<br>والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: { قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال.<br>أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.<br>{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.<br>{ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: { هَـٰؤُلاۤءِ } مبتدأ، و { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و { أَغْوَيْنَاهُمْ } الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء \"فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..\".<br>وقوله - سبحانه - { تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.<br>أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.<br>فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. } وقوله - سبحانه -: { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ }.<br>أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولم يلتفتوا إليهم.<br>{ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.<br>و { لَوْ } فى قوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.<br>ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا.<br>ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى -: ويوم يناديهم فيقول: { مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإِشراك والكفر؟<br>فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ }.<br>أى: فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإِجابة.<br>وعدى { فَعَمِيَتْ } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.<br>والتعبير بقوله - سبحانه - { فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا فى حالة من الإِبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل.<br>وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ } هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة { أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أى من الفائزين بالمطلوب.<br>قال ابن كثير: و { عَسَىٰ }  من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة.<br>ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } و { مَا } فى قوله - تعالى { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.<br>أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإِرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.<br>وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قوله { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أى: ليس يرسل من اختاروه هم.<br>وقيل: يجوز أن تكون { مَا } فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.<br>والصحيح الأول لإِطباقهم الوقف على قوله { وَيَخْتَارُ }، و { مَا } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.<br>وقال الثعلبى: و { مَا } نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. } وقوله - تعالى -: { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.<br>أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.<br>ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.<br>{ وَهُوَ ٱللَّهُ } - سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ }.<br>أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، وله وحده { ٱلْحُكْمُ } النافذ { وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } للحساب لا إلى غيره.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإِيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3345",
        "sura_number": "28",
        "ayah_number": "63",
        "aya": "",
        "sura": "القصص",
        "mediator": "الظرف فى قوله - سبحانه -: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -.<br>أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - تعالى - فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى: أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.<br>فمفعولا { تَزْعُمُونَ } محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } الخزى والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته.<br>والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: { قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال.<br>أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.<br>{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.<br>{ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: { هَـٰؤُلاۤءِ } مبتدأ، و { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و { أَغْوَيْنَاهُمْ } الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء \"فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..\".<br>وقوله - سبحانه - { تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.<br>أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.<br>فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. } وقوله - سبحانه -: { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ }.<br>أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولم يلتفتوا إليهم.<br>{ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.<br>و { لَوْ } فى قوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.<br>ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا.<br>ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى -: ويوم يناديهم فيقول: { مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإِشراك والكفر؟<br>فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ }.<br>أى: فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإِجابة.<br>وعدى { فَعَمِيَتْ } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.<br>والتعبير بقوله - سبحانه - { فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا فى حالة من الإِبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل.<br>وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ } هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة { أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أى من الفائزين بالمطلوب.<br>قال ابن كثير: و { عَسَىٰ }  من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة.<br>ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } و { مَا } فى قوله - تعالى { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.<br>أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإِرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.<br>وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قوله { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أى: ليس يرسل من اختاروه هم.<br>وقيل: يجوز أن تكون { مَا } فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.<br>والصحيح الأول لإِطباقهم الوقف على قوله { وَيَخْتَارُ }، و { مَا } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.<br>وقال الثعلبى: و { مَا } نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. } وقوله - تعالى -: { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.<br>أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.<br>ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.<br>{ وَهُوَ ٱللَّهُ } - سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ }.<br>أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، وله وحده { ٱلْحُكْمُ } النافذ { وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } للحساب لا إلى غيره.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإِيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3346",
        "sura_number": "28",
        "ayah_number": "64",
        "aya": "",
        "sura": "القصص",
        "mediator": "الظرف فى قوله - سبحانه -: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -.<br>أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - تعالى - فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى: أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.<br>فمفعولا { تَزْعُمُونَ } محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } الخزى والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته.<br>والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: { قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال.<br>أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.<br>{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.<br>{ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: { هَـٰؤُلاۤءِ } مبتدأ، و { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و { أَغْوَيْنَاهُمْ } الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء \"فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..\".<br>وقوله - سبحانه - { تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.<br>أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.<br>فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. } وقوله - سبحانه -: { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ }.<br>أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولم يلتفتوا إليهم.<br>{ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.<br>و { لَوْ } فى قوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.<br>ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا.<br>ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى -: ويوم يناديهم فيقول: { مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإِشراك والكفر؟<br>فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ }.<br>أى: فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإِجابة.<br>وعدى { فَعَمِيَتْ } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.<br>والتعبير بقوله - سبحانه - { فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا فى حالة من الإِبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل.<br>وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ } هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة { أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أى من الفائزين بالمطلوب.<br>قال ابن كثير: و { عَسَىٰ }  من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة.<br>ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } و { مَا } فى قوله - تعالى { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.<br>أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإِرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.<br>وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قوله { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أى: ليس يرسل من اختاروه هم.<br>وقيل: يجوز أن تكون { مَا } فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.<br>والصحيح الأول لإِطباقهم الوقف على قوله { وَيَخْتَارُ }، و { مَا } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.<br>وقال الثعلبى: و { مَا } نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. } وقوله - تعالى -: { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.<br>أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.<br>ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.<br>{ وَهُوَ ٱللَّهُ } - سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ }.<br>أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، وله وحده { ٱلْحُكْمُ } النافذ { وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } للحساب لا إلى غيره.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإِيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3347",
        "sura_number": "28",
        "ayah_number": "65",
        "aya": "",
        "sura": "القصص",
        "mediator": "الظرف فى قوله - سبحانه -: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -.<br>أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - تعالى - فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى: أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.<br>فمفعولا { تَزْعُمُونَ } محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } الخزى والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته.<br>والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: { قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال.<br>أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.<br>{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.<br>{ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: { هَـٰؤُلاۤءِ } مبتدأ، و { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و { أَغْوَيْنَاهُمْ } الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء \"فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..\".<br>وقوله - سبحانه - { تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.<br>أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.<br>فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. } وقوله - سبحانه -: { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ }.<br>أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولم يلتفتوا إليهم.<br>{ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.<br>و { لَوْ } فى قوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.<br>ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا.<br>ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى -: ويوم يناديهم فيقول: { مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإِشراك والكفر؟<br>فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ }.<br>أى: فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإِجابة.<br>وعدى { فَعَمِيَتْ } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.<br>والتعبير بقوله - سبحانه - { فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا فى حالة من الإِبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل.<br>وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ } هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة { أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أى من الفائزين بالمطلوب.<br>قال ابن كثير: و { عَسَىٰ }  من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة.<br>ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } و { مَا } فى قوله - تعالى { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.<br>أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإِرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.<br>وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قوله { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أى: ليس يرسل من اختاروه هم.<br>وقيل: يجوز أن تكون { مَا } فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.<br>والصحيح الأول لإِطباقهم الوقف على قوله { وَيَخْتَارُ }، و { مَا } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.<br>وقال الثعلبى: و { مَا } نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. } وقوله - تعالى -: { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.<br>أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.<br>ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.<br>{ وَهُوَ ٱللَّهُ } - سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ }.<br>أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، وله وحده { ٱلْحُكْمُ } النافذ { وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } للحساب لا إلى غيره.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإِيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3348",
        "sura_number": "28",
        "ayah_number": "66",
        "aya": "",
        "sura": "القصص",
        "mediator": "الظرف فى قوله - سبحانه -: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -.<br>أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - تعالى - فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى: أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.<br>فمفعولا { تَزْعُمُونَ } محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } الخزى والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته.<br>والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: { قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال.<br>أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.<br>{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.<br>{ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: { هَـٰؤُلاۤءِ } مبتدأ، و { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و { أَغْوَيْنَاهُمْ } الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء \"فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..\".<br>وقوله - سبحانه - { تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.<br>أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.<br>فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. } وقوله - سبحانه -: { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ }.<br>أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولم يلتفتوا إليهم.<br>{ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.<br>و { لَوْ } فى قوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.<br>ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا.<br>ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى -: ويوم يناديهم فيقول: { مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإِشراك والكفر؟<br>فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ }.<br>أى: فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإِجابة.<br>وعدى { فَعَمِيَتْ } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.<br>والتعبير بقوله - سبحانه - { فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا فى حالة من الإِبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل.<br>وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ } هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة { أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أى من الفائزين بالمطلوب.<br>قال ابن كثير: و { عَسَىٰ }  من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة.<br>ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } و { مَا } فى قوله - تعالى { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.<br>أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإِرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.<br>وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قوله { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أى: ليس يرسل من اختاروه هم.<br>وقيل: يجوز أن تكون { مَا } فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.<br>والصحيح الأول لإِطباقهم الوقف على قوله { وَيَخْتَارُ }، و { مَا } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.<br>وقال الثعلبى: و { مَا } نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. } وقوله - تعالى -: { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.<br>أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.<br>ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.<br>{ وَهُوَ ٱللَّهُ } - سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ }.<br>أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، وله وحده { ٱلْحُكْمُ } النافذ { وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } للحساب لا إلى غيره.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإِيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3349",
        "sura_number": "28",
        "ayah_number": "67",
        "aya": "",
        "sura": "القصص",
        "mediator": "الظرف فى قوله - سبحانه -: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -.<br>أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - تعالى - فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى: أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.<br>فمفعولا { تَزْعُمُونَ } محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } الخزى والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته.<br>والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: { قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال.<br>أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.<br>{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.<br>{ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: { هَـٰؤُلاۤءِ } مبتدأ، و { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و { أَغْوَيْنَاهُمْ } الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء \"فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..\".<br>وقوله - سبحانه - { تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.<br>أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.<br>فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. } وقوله - سبحانه -: { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ }.<br>أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولم يلتفتوا إليهم.<br>{ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.<br>و { لَوْ } فى قوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.<br>ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا.<br>ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى -: ويوم يناديهم فيقول: { مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإِشراك والكفر؟<br>فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ }.<br>أى: فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإِجابة.<br>وعدى { فَعَمِيَتْ } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.<br>والتعبير بقوله - سبحانه - { فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا فى حالة من الإِبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل.<br>وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ } هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة { أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أى من الفائزين بالمطلوب.<br>قال ابن كثير: و { عَسَىٰ }  من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة.<br>ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } و { مَا } فى قوله - تعالى { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.<br>أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإِرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.<br>وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قوله { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أى: ليس يرسل من اختاروه هم.<br>وقيل: يجوز أن تكون { مَا } فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.<br>والصحيح الأول لإِطباقهم الوقف على قوله { وَيَخْتَارُ }، و { مَا } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.<br>وقال الثعلبى: و { مَا } نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. } وقوله - تعالى -: { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.<br>أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.<br>ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.<br>{ وَهُوَ ٱللَّهُ } - سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ }.<br>أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، وله وحده { ٱلْحُكْمُ } النافذ { وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } للحساب لا إلى غيره.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإِيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3350",
        "sura_number": "28",
        "ayah_number": "68",
        "aya": "",
        "sura": "القصص",
        "mediator": "الظرف فى قوله - سبحانه -: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -.<br>أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - تعالى - فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى: أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.<br>فمفعولا { تَزْعُمُونَ } محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } الخزى والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته.<br>والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: { قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال.<br>أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.<br>{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.<br>{ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: { هَـٰؤُلاۤءِ } مبتدأ، و { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و { أَغْوَيْنَاهُمْ } الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء \"فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..\".<br>وقوله - سبحانه - { تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.<br>أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.<br>فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. } وقوله - سبحانه -: { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ }.<br>أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولم يلتفتوا إليهم.<br>{ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.<br>و { لَوْ } فى قوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.<br>ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا.<br>ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى -: ويوم يناديهم فيقول: { مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإِشراك والكفر؟<br>فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ }.<br>أى: فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإِجابة.<br>وعدى { فَعَمِيَتْ } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.<br>والتعبير بقوله - سبحانه - { فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا فى حالة من الإِبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل.<br>وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ } هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة { أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أى من الفائزين بالمطلوب.<br>قال ابن كثير: و { عَسَىٰ }  من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة.<br>ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } و { مَا } فى قوله - تعالى { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.<br>أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإِرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.<br>وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قوله { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أى: ليس يرسل من اختاروه هم.<br>وقيل: يجوز أن تكون { مَا } فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.<br>والصحيح الأول لإِطباقهم الوقف على قوله { وَيَخْتَارُ }، و { مَا } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.<br>وقال الثعلبى: و { مَا } نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. } وقوله - تعالى -: { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.<br>أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.<br>ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.<br>{ وَهُوَ ٱللَّهُ } - سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ }.<br>أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، وله وحده { ٱلْحُكْمُ } النافذ { وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } للحساب لا إلى غيره.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإِيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3351",
        "sura_number": "28",
        "ayah_number": "69",
        "aya": "",
        "sura": "القصص",
        "mediator": "الظرف فى قوله - سبحانه -: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -.<br>أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - تعالى - فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى: أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.<br>فمفعولا { تَزْعُمُونَ } محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } الخزى والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته.<br>والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: { قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال.<br>أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.<br>{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.<br>{ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: { هَـٰؤُلاۤءِ } مبتدأ، و { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و { أَغْوَيْنَاهُمْ } الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء \"فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..\".<br>وقوله - سبحانه - { تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.<br>أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.<br>فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. } وقوله - سبحانه -: { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ }.<br>أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولم يلتفتوا إليهم.<br>{ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.<br>و { لَوْ } فى قوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.<br>ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا.<br>ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى -: ويوم يناديهم فيقول: { مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإِشراك والكفر؟<br>فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ }.<br>أى: فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإِجابة.<br>وعدى { فَعَمِيَتْ } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.<br>والتعبير بقوله - سبحانه - { فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا فى حالة من الإِبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل.<br>وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ } هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة { أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أى من الفائزين بالمطلوب.<br>قال ابن كثير: و { عَسَىٰ }  من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة.<br>ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } و { مَا } فى قوله - تعالى { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.<br>أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإِرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.<br>وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قوله { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أى: ليس يرسل من اختاروه هم.<br>وقيل: يجوز أن تكون { مَا } فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.<br>والصحيح الأول لإِطباقهم الوقف على قوله { وَيَخْتَارُ }، و { مَا } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.<br>وقال الثعلبى: و { مَا } نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. } وقوله - تعالى -: { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.<br>أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.<br>ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.<br>{ وَهُوَ ٱللَّهُ } - سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ }.<br>أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، وله وحده { ٱلْحُكْمُ } النافذ { وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } للحساب لا إلى غيره.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإِيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3352",
        "sura_number": "28",
        "ayah_number": "70",
        "aya": "",
        "sura": "القصص",
        "mediator": "الظرف فى قوله - سبحانه -: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله - تعالى -.<br>أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله - تعالى - فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أى: أين شركائى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركائى، لكى ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.<br>فمفعولا { تَزْعُمُونَ } محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } الخزى والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله - تعالى - لا فى ذاته ولا فى صفاته.<br>والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: { قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ... } رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم فى التحريض على الضلال.<br>أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.<br>{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.<br>{ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: { هَـٰؤُلاۤءِ } مبتدأ، و { ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ } صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و { أَغْوَيْنَاهُمْ } الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء \"فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..\".<br>وقوله - سبحانه - { تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.<br>أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.<br>فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. } وقوله - سبحانه -: { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: { وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ }.<br>أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } ولم يلتفتوا إليهم.<br>{ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.<br>و { لَوْ } فى قوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.<br>ويجوز أن تكون للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا.<br>ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم وتقريعهم فقال - تعالى -: ويوم يناديهم فيقول: { مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عندما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإِشراك والكفر؟<br>فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ }.<br>أى: فخفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإِجابة.<br>وعدى { فَعَمِيَتْ } بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال - سبحانه - { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهولهم وصمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.<br>والتعبير بقوله - سبحانه - { فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ } يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا فى حالة من الإِبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل.<br>وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ } هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة { أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ } أى من الفائزين بالمطلوب.<br>قال ابن كثير: و { عَسَىٰ }  من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه - أى وعطائه - لا محالة.<br>ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } و { مَا } فى قوله - تعالى { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.<br>أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإِرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.<br>وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قوله { مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أى: ليس يرسل من اختاروه هم.<br>وقيل: يجوز أن تكون { مَا } فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.<br>والصحيح الأول لإِطباقهم الوقف على قوله { وَيَخْتَارُ }، و { مَا } نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.<br>وقال الثعلبى: و { مَا } نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. } وقوله - تعالى -: { سُبْحَانَ ٱللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.<br>أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.<br>ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }.<br>أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.<br>{ وَهُوَ ٱللَّهُ } - سبحانه - لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ }.<br>أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا - فى الآخرة، وله وحده { ٱلْحُكْمُ } النافذ { وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } للحساب لا إلى غيره.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإِيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن... }.<br>"
    },
    {
        "id": "3426",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "56",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى -: { يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ... }: هذا أمر من الله - تعالى - لعباده المؤمنين، بالهجرة من البلد الذى لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم...<br>روى الإِمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراًً فأقم\" .<br>ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك.. ثم بعد ذلك، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة....\"<br>وفى ندائهم بقوله: { يٰعِبَادِيَ } وفى وصفهم بالإِيمان، تكريم وتشريف لهم، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ذاته، ونعتهم بالنعت المحبب إلى قلوبهم.<br>وقوله: { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ } تحريض لهم على الهجرة من الأرض التى لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم، فكانه - سبحانه - يقول لهم: ليس هناك ما يجبركم على الإِقامة فى تلك الأرض التى لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم، بل أخرجوا منها فإن أرضى واسعة، ومن خرج من أجل كلمة الله، رزقه الله - تعالى - من حيث لا يحتسب.<br>ومن المفسرين الذين أجادوا فى شرح هذا المعنى، صاحب الكشاف -رحمه الله  - فقد قال: ومعنى الآية: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة فى بلد هو فيه، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلباً، وأصح دينا، وأكثر عبادة...<br>ولعمرى إن البقاع تتفاوت فى ذلك التفاوت الكير، ولقد جربنا وجرب أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا: أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد عن الفتن... من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله، فلله الحمد على سهل من ذلك وقرب....\"<br>والفاء فى قوله - تعالى - { فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ } بمعنى الشرط، وإياى منصوب بفعل مضمر، قد استغنى عنه بما يشبه. أى: فاعبدو إياى فاعبدون.<br>والمعنى: إن ضاق بكم مكان، فإياى فاعبدوا، لأن أرضى واسعة، ولن تضيق بكم.<br>ثم رغبهم بأسلوب آخر فى الهجرة من الأرض الظالم أهلها، بأن بين لهم بأن الموت سيدركهم فى كل مكان، فقال - تعالى -: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }.<br>أى: كل نفس سواء أكانت فى وطنها الذى عاشت فيه أم فى غيره، ذائقة لمرارة الموت، ومتجرعة لكأسه، ثم إلينا بعد ترجعون جميعاً لنحاسبكم على اعمالكم.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً... }.<br>أى: والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، لننزلنهم من الجنة غرفا عالية فخمة. هذه الغرف من صفاتها أنها { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } زيادة فى إكرام أصحابها، وفضلاً عن ذلك فقد جعلناهم { خَالِدِينَ فِيهَا } خلوداً أبدياً.<br>والمخصوص بالمدح فى قوله: { نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } محذوف. أى: نعم أجر العاملين، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.<br>وقوله: { ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } صفة لهؤلاء العاملين.<br>أى: من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة الله، وعلى كل ما يحسن معه الصبر، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره.<br>ثم رغبهم - سبحانه - فى الهجرة لإِعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث، حيث بين لهم أن هجرتهم لن تضيع شياً من رزقهم الذى كتبه الله لهم، فقال - سبحانه -: { وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }.<br>روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عندما أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة قالوا: كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة، فنزلت هذه الآية.<br>وكلمة \"كأين\": مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير. ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. وهى مبتدأ. و \"من دابة\" تمييز لها.<br>وجملة { لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } صفة لها، وجملة \"الله يرزقها\" هى الخبر.<br>والدابة: اسم لكل نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من غير العقلاء. أى: وكثير من الدواب التى خلقها الله - تعالى - بقدرته، لا تستطيع تحصيل رزقها، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، لضعفها أو عجزها... ومع هذا فالله - تعالى - رحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعاً، ويرزقكم أنتم - أيضاً، لأنه لا يوجد مخلوق - مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه.<br>{ وَهُوَ } - سبحانه - { ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْعَلِيمُ } بما تسرون وما تعلنون.<br>وقدم - سبحانه - رزق الدابة التى لا تستطيع تحصيله، على رزقهم فقال: { ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } لينفى من قلوب الناس القلب على الرزق، وليشعرهم بأن الأسباب ليست هى كل شئ، فإن واهب الأسباب، لا يترك أحداً بدون رزق، ولإِزالة ما قد يخطر فى النفوس من أن الهجرة من أجل إعلاء كملة الله قد تنقص الرزق..<br>وهكذا يسوق - سبحانه - من المرغبات فى الهجرة فى سبيله، ما يقنع النفوس، ويهدى القلوب، ويجعل المؤمنين يقبلون على تلبية ندائه، وهم آمنون مطمئنون على أرواحهم، وعلى أرزاقهم، وعلى حاضرهم ومستقبلهم، فسبحان من هذا كلامه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما عليه المشركون من تناقض فى أفكارهم وفى تصوراتهم، وبببيان حال هذه الحياة الدنيا. وببيان جانب من النعم التى أنعم بها على أهل مكة، وببيان ما أعده للمجاهدين فى سبيله من ثواب، فقال - تعالى -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ...لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3427",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "57",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى -: { يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ... }: هذا أمر من الله - تعالى - لعباده المؤمنين، بالهجرة من البلد الذى لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم...<br>روى الإِمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراًً فأقم\" .<br>ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك.. ثم بعد ذلك، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة....\"<br>وفى ندائهم بقوله: { يٰعِبَادِيَ } وفى وصفهم بالإِيمان، تكريم وتشريف لهم، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ذاته، ونعتهم بالنعت المحبب إلى قلوبهم.<br>وقوله: { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ } تحريض لهم على الهجرة من الأرض التى لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم، فكانه - سبحانه - يقول لهم: ليس هناك ما يجبركم على الإِقامة فى تلك الأرض التى لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم، بل أخرجوا منها فإن أرضى واسعة، ومن خرج من أجل كلمة الله، رزقه الله - تعالى - من حيث لا يحتسب.<br>ومن المفسرين الذين أجادوا فى شرح هذا المعنى، صاحب الكشاف -رحمه الله  - فقد قال: ومعنى الآية: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة فى بلد هو فيه، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلباً، وأصح دينا، وأكثر عبادة...<br>ولعمرى إن البقاع تتفاوت فى ذلك التفاوت الكير، ولقد جربنا وجرب أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا: أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد عن الفتن... من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله، فلله الحمد على سهل من ذلك وقرب....\"<br>والفاء فى قوله - تعالى - { فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ } بمعنى الشرط، وإياى منصوب بفعل مضمر، قد استغنى عنه بما يشبه. أى: فاعبدو إياى فاعبدون.<br>والمعنى: إن ضاق بكم مكان، فإياى فاعبدوا، لأن أرضى واسعة، ولن تضيق بكم.<br>ثم رغبهم بأسلوب آخر فى الهجرة من الأرض الظالم أهلها، بأن بين لهم بأن الموت سيدركهم فى كل مكان، فقال - تعالى -: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }.<br>أى: كل نفس سواء أكانت فى وطنها الذى عاشت فيه أم فى غيره، ذائقة لمرارة الموت، ومتجرعة لكأسه، ثم إلينا بعد ترجعون جميعاً لنحاسبكم على اعمالكم.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً... }.<br>أى: والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، لننزلنهم من الجنة غرفا عالية فخمة. هذه الغرف من صفاتها أنها { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } زيادة فى إكرام أصحابها، وفضلاً عن ذلك فقد جعلناهم { خَالِدِينَ فِيهَا } خلوداً أبدياً.<br>والمخصوص بالمدح فى قوله: { نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } محذوف. أى: نعم أجر العاملين، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.<br>وقوله: { ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } صفة لهؤلاء العاملين.<br>أى: من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة الله، وعلى كل ما يحسن معه الصبر، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره.<br>ثم رغبهم - سبحانه - فى الهجرة لإِعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث، حيث بين لهم أن هجرتهم لن تضيع شياً من رزقهم الذى كتبه الله لهم، فقال - سبحانه -: { وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }.<br>روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عندما أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة قالوا: كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة، فنزلت هذه الآية.<br>وكلمة \"كأين\": مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير. ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. وهى مبتدأ. و \"من دابة\" تمييز لها.<br>وجملة { لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } صفة لها، وجملة \"الله يرزقها\" هى الخبر.<br>والدابة: اسم لكل نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من غير العقلاء. أى: وكثير من الدواب التى خلقها الله - تعالى - بقدرته، لا تستطيع تحصيل رزقها، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، لضعفها أو عجزها... ومع هذا فالله - تعالى - رحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعاً، ويرزقكم أنتم - أيضاً، لأنه لا يوجد مخلوق - مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه.<br>{ وَهُوَ } - سبحانه - { ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْعَلِيمُ } بما تسرون وما تعلنون.<br>وقدم - سبحانه - رزق الدابة التى لا تستطيع تحصيله، على رزقهم فقال: { ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } لينفى من قلوب الناس القلب على الرزق، وليشعرهم بأن الأسباب ليست هى كل شئ، فإن واهب الأسباب، لا يترك أحداً بدون رزق، ولإِزالة ما قد يخطر فى النفوس من أن الهجرة من أجل إعلاء كملة الله قد تنقص الرزق..<br>وهكذا يسوق - سبحانه - من المرغبات فى الهجرة فى سبيله، ما يقنع النفوس، ويهدى القلوب، ويجعل المؤمنين يقبلون على تلبية ندائه، وهم آمنون مطمئنون على أرواحهم، وعلى أرزاقهم، وعلى حاضرهم ومستقبلهم، فسبحان من هذا كلامه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما عليه المشركون من تناقض فى أفكارهم وفى تصوراتهم، وبببيان حال هذه الحياة الدنيا. وببيان جانب من النعم التى أنعم بها على أهل مكة، وببيان ما أعده للمجاهدين فى سبيله من ثواب، فقال - تعالى -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ...لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3428",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "58",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى -: { يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ... }: هذا أمر من الله - تعالى - لعباده المؤمنين، بالهجرة من البلد الذى لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم...<br>روى الإِمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراًً فأقم\" .<br>ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك.. ثم بعد ذلك، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة....\"<br>وفى ندائهم بقوله: { يٰعِبَادِيَ } وفى وصفهم بالإِيمان، تكريم وتشريف لهم، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ذاته، ونعتهم بالنعت المحبب إلى قلوبهم.<br>وقوله: { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ } تحريض لهم على الهجرة من الأرض التى لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم، فكانه - سبحانه - يقول لهم: ليس هناك ما يجبركم على الإِقامة فى تلك الأرض التى لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم، بل أخرجوا منها فإن أرضى واسعة، ومن خرج من أجل كلمة الله، رزقه الله - تعالى - من حيث لا يحتسب.<br>ومن المفسرين الذين أجادوا فى شرح هذا المعنى، صاحب الكشاف -رحمه الله  - فقد قال: ومعنى الآية: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة فى بلد هو فيه، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلباً، وأصح دينا، وأكثر عبادة...<br>ولعمرى إن البقاع تتفاوت فى ذلك التفاوت الكير، ولقد جربنا وجرب أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا: أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد عن الفتن... من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله، فلله الحمد على سهل من ذلك وقرب....\"<br>والفاء فى قوله - تعالى - { فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ } بمعنى الشرط، وإياى منصوب بفعل مضمر، قد استغنى عنه بما يشبه. أى: فاعبدو إياى فاعبدون.<br>والمعنى: إن ضاق بكم مكان، فإياى فاعبدوا، لأن أرضى واسعة، ولن تضيق بكم.<br>ثم رغبهم بأسلوب آخر فى الهجرة من الأرض الظالم أهلها، بأن بين لهم بأن الموت سيدركهم فى كل مكان، فقال - تعالى -: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }.<br>أى: كل نفس سواء أكانت فى وطنها الذى عاشت فيه أم فى غيره، ذائقة لمرارة الموت، ومتجرعة لكأسه، ثم إلينا بعد ترجعون جميعاً لنحاسبكم على اعمالكم.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً... }.<br>أى: والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، لننزلنهم من الجنة غرفا عالية فخمة. هذه الغرف من صفاتها أنها { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } زيادة فى إكرام أصحابها، وفضلاً عن ذلك فقد جعلناهم { خَالِدِينَ فِيهَا } خلوداً أبدياً.<br>والمخصوص بالمدح فى قوله: { نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } محذوف. أى: نعم أجر العاملين، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.<br>وقوله: { ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } صفة لهؤلاء العاملين.<br>أى: من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة الله، وعلى كل ما يحسن معه الصبر، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره.<br>ثم رغبهم - سبحانه - فى الهجرة لإِعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث، حيث بين لهم أن هجرتهم لن تضيع شياً من رزقهم الذى كتبه الله لهم، فقال - سبحانه -: { وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }.<br>روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عندما أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة قالوا: كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة، فنزلت هذه الآية.<br>وكلمة \"كأين\": مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير. ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. وهى مبتدأ. و \"من دابة\" تمييز لها.<br>وجملة { لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } صفة لها، وجملة \"الله يرزقها\" هى الخبر.<br>والدابة: اسم لكل نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من غير العقلاء. أى: وكثير من الدواب التى خلقها الله - تعالى - بقدرته، لا تستطيع تحصيل رزقها، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، لضعفها أو عجزها... ومع هذا فالله - تعالى - رحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعاً، ويرزقكم أنتم - أيضاً، لأنه لا يوجد مخلوق - مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه.<br>{ وَهُوَ } - سبحانه - { ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْعَلِيمُ } بما تسرون وما تعلنون.<br>وقدم - سبحانه - رزق الدابة التى لا تستطيع تحصيله، على رزقهم فقال: { ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } لينفى من قلوب الناس القلب على الرزق، وليشعرهم بأن الأسباب ليست هى كل شئ، فإن واهب الأسباب، لا يترك أحداً بدون رزق، ولإِزالة ما قد يخطر فى النفوس من أن الهجرة من أجل إعلاء كملة الله قد تنقص الرزق..<br>وهكذا يسوق - سبحانه - من المرغبات فى الهجرة فى سبيله، ما يقنع النفوس، ويهدى القلوب، ويجعل المؤمنين يقبلون على تلبية ندائه، وهم آمنون مطمئنون على أرواحهم، وعلى أرزاقهم، وعلى حاضرهم ومستقبلهم، فسبحان من هذا كلامه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما عليه المشركون من تناقض فى أفكارهم وفى تصوراتهم، وبببيان حال هذه الحياة الدنيا. وببيان جانب من النعم التى أنعم بها على أهل مكة، وببيان ما أعده للمجاهدين فى سبيله من ثواب، فقال - تعالى -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ...لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3429",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "59",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى -: { يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ... }: هذا أمر من الله - تعالى - لعباده المؤمنين، بالهجرة من البلد الذى لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم...<br>روى الإِمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراًً فأقم\" .<br>ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك.. ثم بعد ذلك، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة....\"<br>وفى ندائهم بقوله: { يٰعِبَادِيَ } وفى وصفهم بالإِيمان، تكريم وتشريف لهم، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ذاته، ونعتهم بالنعت المحبب إلى قلوبهم.<br>وقوله: { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ } تحريض لهم على الهجرة من الأرض التى لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم، فكانه - سبحانه - يقول لهم: ليس هناك ما يجبركم على الإِقامة فى تلك الأرض التى لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم، بل أخرجوا منها فإن أرضى واسعة، ومن خرج من أجل كلمة الله، رزقه الله - تعالى - من حيث لا يحتسب.<br>ومن المفسرين الذين أجادوا فى شرح هذا المعنى، صاحب الكشاف -رحمه الله  - فقد قال: ومعنى الآية: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة فى بلد هو فيه، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلباً، وأصح دينا، وأكثر عبادة...<br>ولعمرى إن البقاع تتفاوت فى ذلك التفاوت الكير، ولقد جربنا وجرب أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا: أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد عن الفتن... من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله، فلله الحمد على سهل من ذلك وقرب....\"<br>والفاء فى قوله - تعالى - { فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ } بمعنى الشرط، وإياى منصوب بفعل مضمر، قد استغنى عنه بما يشبه. أى: فاعبدو إياى فاعبدون.<br>والمعنى: إن ضاق بكم مكان، فإياى فاعبدوا، لأن أرضى واسعة، ولن تضيق بكم.<br>ثم رغبهم بأسلوب آخر فى الهجرة من الأرض الظالم أهلها، بأن بين لهم بأن الموت سيدركهم فى كل مكان، فقال - تعالى -: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }.<br>أى: كل نفس سواء أكانت فى وطنها الذى عاشت فيه أم فى غيره، ذائقة لمرارة الموت، ومتجرعة لكأسه، ثم إلينا بعد ترجعون جميعاً لنحاسبكم على اعمالكم.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً... }.<br>أى: والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، لننزلنهم من الجنة غرفا عالية فخمة. هذه الغرف من صفاتها أنها { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } زيادة فى إكرام أصحابها، وفضلاً عن ذلك فقد جعلناهم { خَالِدِينَ فِيهَا } خلوداً أبدياً.<br>والمخصوص بالمدح فى قوله: { نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } محذوف. أى: نعم أجر العاملين، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.<br>وقوله: { ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } صفة لهؤلاء العاملين.<br>أى: من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة الله، وعلى كل ما يحسن معه الصبر، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره.<br>ثم رغبهم - سبحانه - فى الهجرة لإِعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث، حيث بين لهم أن هجرتهم لن تضيع شياً من رزقهم الذى كتبه الله لهم، فقال - سبحانه -: { وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }.<br>روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عندما أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة قالوا: كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة، فنزلت هذه الآية.<br>وكلمة \"كأين\": مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير. ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. وهى مبتدأ. و \"من دابة\" تمييز لها.<br>وجملة { لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } صفة لها، وجملة \"الله يرزقها\" هى الخبر.<br>والدابة: اسم لكل نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من غير العقلاء. أى: وكثير من الدواب التى خلقها الله - تعالى - بقدرته، لا تستطيع تحصيل رزقها، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، لضعفها أو عجزها... ومع هذا فالله - تعالى - رحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعاً، ويرزقكم أنتم - أيضاً، لأنه لا يوجد مخلوق - مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه.<br>{ وَهُوَ } - سبحانه - { ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْعَلِيمُ } بما تسرون وما تعلنون.<br>وقدم - سبحانه - رزق الدابة التى لا تستطيع تحصيله، على رزقهم فقال: { ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } لينفى من قلوب الناس القلب على الرزق، وليشعرهم بأن الأسباب ليست هى كل شئ، فإن واهب الأسباب، لا يترك أحداً بدون رزق، ولإِزالة ما قد يخطر فى النفوس من أن الهجرة من أجل إعلاء كملة الله قد تنقص الرزق..<br>وهكذا يسوق - سبحانه - من المرغبات فى الهجرة فى سبيله، ما يقنع النفوس، ويهدى القلوب، ويجعل المؤمنين يقبلون على تلبية ندائه، وهم آمنون مطمئنون على أرواحهم، وعلى أرزاقهم، وعلى حاضرهم ومستقبلهم، فسبحان من هذا كلامه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما عليه المشركون من تناقض فى أفكارهم وفى تصوراتهم، وبببيان حال هذه الحياة الدنيا. وببيان جانب من النعم التى أنعم بها على أهل مكة، وببيان ما أعده للمجاهدين فى سبيله من ثواب، فقال - تعالى -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ...لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3430",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "60",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى -: { يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ... }: هذا أمر من الله - تعالى - لعباده المؤمنين، بالهجرة من البلد الذى لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم...<br>روى الإِمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراًً فأقم\" .<br>ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك.. ثم بعد ذلك، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة....\"<br>وفى ندائهم بقوله: { يٰعِبَادِيَ } وفى وصفهم بالإِيمان، تكريم وتشريف لهم، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ذاته، ونعتهم بالنعت المحبب إلى قلوبهم.<br>وقوله: { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ } تحريض لهم على الهجرة من الأرض التى لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم، فكانه - سبحانه - يقول لهم: ليس هناك ما يجبركم على الإِقامة فى تلك الأرض التى لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم، بل أخرجوا منها فإن أرضى واسعة، ومن خرج من أجل كلمة الله، رزقه الله - تعالى - من حيث لا يحتسب.<br>ومن المفسرين الذين أجادوا فى شرح هذا المعنى، صاحب الكشاف -رحمه الله  - فقد قال: ومعنى الآية: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة فى بلد هو فيه، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلباً، وأصح دينا، وأكثر عبادة...<br>ولعمرى إن البقاع تتفاوت فى ذلك التفاوت الكير، ولقد جربنا وجرب أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا: أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد عن الفتن... من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله، فلله الحمد على سهل من ذلك وقرب....\"<br>والفاء فى قوله - تعالى - { فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ } بمعنى الشرط، وإياى منصوب بفعل مضمر، قد استغنى عنه بما يشبه. أى: فاعبدو إياى فاعبدون.<br>والمعنى: إن ضاق بكم مكان، فإياى فاعبدوا، لأن أرضى واسعة، ولن تضيق بكم.<br>ثم رغبهم بأسلوب آخر فى الهجرة من الأرض الظالم أهلها، بأن بين لهم بأن الموت سيدركهم فى كل مكان، فقال - تعالى -: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }.<br>أى: كل نفس سواء أكانت فى وطنها الذى عاشت فيه أم فى غيره، ذائقة لمرارة الموت، ومتجرعة لكأسه، ثم إلينا بعد ترجعون جميعاً لنحاسبكم على اعمالكم.<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً... }.<br>أى: والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، لننزلنهم من الجنة غرفا عالية فخمة. هذه الغرف من صفاتها أنها { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } زيادة فى إكرام أصحابها، وفضلاً عن ذلك فقد جعلناهم { خَالِدِينَ فِيهَا } خلوداً أبدياً.<br>والمخصوص بالمدح فى قوله: { نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } محذوف. أى: نعم أجر العاملين، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.<br>وقوله: { ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } صفة لهؤلاء العاملين.<br>أى: من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة الله، وعلى كل ما يحسن معه الصبر، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره.<br>ثم رغبهم - سبحانه - فى الهجرة لإِعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث، حيث بين لهم أن هجرتهم لن تضيع شياً من رزقهم الذى كتبه الله لهم، فقال - سبحانه -: { وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }.<br>روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عندما أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة قالوا: كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة، فنزلت هذه الآية.<br>وكلمة \"كأين\": مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير. ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. وهى مبتدأ. و \"من دابة\" تمييز لها.<br>وجملة { لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } صفة لها، وجملة \"الله يرزقها\" هى الخبر.<br>والدابة: اسم لكل نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من غير العقلاء. أى: وكثير من الدواب التى خلقها الله - تعالى - بقدرته، لا تستطيع تحصيل رزقها، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، لضعفها أو عجزها... ومع هذا فالله - تعالى - رحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعاً، ويرزقكم أنتم - أيضاً، لأنه لا يوجد مخلوق - مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه.<br>{ وَهُوَ } - سبحانه - { ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْعَلِيمُ } بما تسرون وما تعلنون.<br>وقدم - سبحانه - رزق الدابة التى لا تستطيع تحصيله، على رزقهم فقال: { ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } لينفى من قلوب الناس القلب على الرزق، وليشعرهم بأن الأسباب ليست هى كل شئ، فإن واهب الأسباب، لا يترك أحداً بدون رزق، ولإِزالة ما قد يخطر فى النفوس من أن الهجرة من أجل إعلاء كملة الله قد تنقص الرزق..<br>وهكذا يسوق - سبحانه - من المرغبات فى الهجرة فى سبيله، ما يقنع النفوس، ويهدى القلوب، ويجعل المؤمنين يقبلون على تلبية ندائه، وهم آمنون مطمئنون على أرواحهم، وعلى أرزاقهم، وعلى حاضرهم ومستقبلهم، فسبحان من هذا كلامه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما عليه المشركون من تناقض فى أفكارهم وفى تصوراتهم، وبببيان حال هذه الحياة الدنيا. وببيان جانب من النعم التى أنعم بها على أهل مكة، وببيان ما أعده للمجاهدين فى سبيله من ثواب، فقال - تعالى -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ...لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3431",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "61",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... } بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله - تعالى -.<br>أى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.<br>وقوله - سبحانه -: { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.<br>أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإِقرار بوحدانيته - عز وجل -؟<br>ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. }.<br>والضمير فى قوله: { لَهُ } يعود على { مِنْ } على حد قولك: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>أى: الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار.<br>ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.<br>فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى أوقات مختلفة.<br>والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه.<br>ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } أى: ماء كثيراً { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.<br>لئن سألتهم من فعل ذلك { لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } هو الذى فعل ذلك.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى -: الحمد لله الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.<br>وقوله - سبحانه -: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن.<br>أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.<br>وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.<br>واللهو: اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.<br>واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.<br>أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتاً، ثم ينفضون عنها.<br>أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.<br>ولفظ \"الحيوان\" مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.<br>وقوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.<br>ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى -: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ.. } أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة والدعاء.<br>{ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ } بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.<br>وقد فعلوا ذلك: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.<br>{ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئاً ينفعهم فى أخراهم.<br>قال الآلوسى: قوله: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ }: الظاهر أن اللام فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام العاقبة فى الحقيقة.<br>وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: \"افعل ما شئت\".<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }.<br>أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرماً آمناً، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.<br>قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم\".<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.<br>فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ } أى: لا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكاً، أو كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } للتقرير، والمثوى: المكان الذى يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.<br>أى: أليس فى جهنم مأوى ومكاناً يستقر فيه هؤلاء الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكاناً لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.<br>ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>أى: هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل.<br>وبعد فهذا تفسير لسروة \"العنكبوت\" نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3432",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "62",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... } بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله - تعالى -.<br>أى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.<br>وقوله - سبحانه -: { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.<br>أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإِقرار بوحدانيته - عز وجل -؟<br>ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. }.<br>والضمير فى قوله: { لَهُ } يعود على { مِنْ } على حد قولك: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>أى: الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار.<br>ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.<br>فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى أوقات مختلفة.<br>والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه.<br>ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } أى: ماء كثيراً { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.<br>لئن سألتهم من فعل ذلك { لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } هو الذى فعل ذلك.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى -: الحمد لله الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.<br>وقوله - سبحانه -: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن.<br>أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.<br>وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.<br>واللهو: اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.<br>واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.<br>أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتاً، ثم ينفضون عنها.<br>أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.<br>ولفظ \"الحيوان\" مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.<br>وقوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.<br>ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى -: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ.. } أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة والدعاء.<br>{ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ } بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.<br>وقد فعلوا ذلك: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.<br>{ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئاً ينفعهم فى أخراهم.<br>قال الآلوسى: قوله: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ }: الظاهر أن اللام فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام العاقبة فى الحقيقة.<br>وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: \"افعل ما شئت\".<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }.<br>أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرماً آمناً، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.<br>قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم\".<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.<br>فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ } أى: لا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكاً، أو كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } للتقرير، والمثوى: المكان الذى يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.<br>أى: أليس فى جهنم مأوى ومكاناً يستقر فيه هؤلاء الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكاناً لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.<br>ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>أى: هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل.<br>وبعد فهذا تفسير لسروة \"العنكبوت\" نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3433",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "63",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... } بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله - تعالى -.<br>أى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.<br>وقوله - سبحانه -: { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.<br>أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإِقرار بوحدانيته - عز وجل -؟<br>ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. }.<br>والضمير فى قوله: { لَهُ } يعود على { مِنْ } على حد قولك: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>أى: الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار.<br>ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.<br>فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى أوقات مختلفة.<br>والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه.<br>ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } أى: ماء كثيراً { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.<br>لئن سألتهم من فعل ذلك { لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } هو الذى فعل ذلك.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى -: الحمد لله الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.<br>وقوله - سبحانه -: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن.<br>أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.<br>وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.<br>واللهو: اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.<br>واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.<br>أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتاً، ثم ينفضون عنها.<br>أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.<br>ولفظ \"الحيوان\" مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.<br>وقوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.<br>ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى -: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ.. } أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة والدعاء.<br>{ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ } بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.<br>وقد فعلوا ذلك: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.<br>{ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئاً ينفعهم فى أخراهم.<br>قال الآلوسى: قوله: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ }: الظاهر أن اللام فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام العاقبة فى الحقيقة.<br>وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: \"افعل ما شئت\".<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }.<br>أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرماً آمناً، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.<br>قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم\".<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.<br>فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ } أى: لا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكاً، أو كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } للتقرير، والمثوى: المكان الذى يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.<br>أى: أليس فى جهنم مأوى ومكاناً يستقر فيه هؤلاء الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكاناً لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.<br>ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>أى: هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل.<br>وبعد فهذا تفسير لسروة \"العنكبوت\" نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3434",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "64",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... } بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله - تعالى -.<br>أى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.<br>وقوله - سبحانه -: { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.<br>أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإِقرار بوحدانيته - عز وجل -؟<br>ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. }.<br>والضمير فى قوله: { لَهُ } يعود على { مِنْ } على حد قولك: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>أى: الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار.<br>ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.<br>فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى أوقات مختلفة.<br>والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه.<br>ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } أى: ماء كثيراً { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.<br>لئن سألتهم من فعل ذلك { لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } هو الذى فعل ذلك.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى -: الحمد لله الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.<br>وقوله - سبحانه -: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن.<br>أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.<br>وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.<br>واللهو: اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.<br>واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.<br>أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتاً، ثم ينفضون عنها.<br>أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.<br>ولفظ \"الحيوان\" مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.<br>وقوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.<br>ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى -: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ.. } أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة والدعاء.<br>{ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ } بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.<br>وقد فعلوا ذلك: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.<br>{ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئاً ينفعهم فى أخراهم.<br>قال الآلوسى: قوله: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ }: الظاهر أن اللام فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام العاقبة فى الحقيقة.<br>وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: \"افعل ما شئت\".<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }.<br>أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرماً آمناً، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.<br>قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم\".<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.<br>فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ } أى: لا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكاً، أو كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } للتقرير، والمثوى: المكان الذى يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.<br>أى: أليس فى جهنم مأوى ومكاناً يستقر فيه هؤلاء الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكاناً لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.<br>ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>أى: هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل.<br>وبعد فهذا تفسير لسروة \"العنكبوت\" نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3435",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "65",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... } بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله - تعالى -.<br>أى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.<br>وقوله - سبحانه -: { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.<br>أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإِقرار بوحدانيته - عز وجل -؟<br>ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. }.<br>والضمير فى قوله: { لَهُ } يعود على { مِنْ } على حد قولك: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>أى: الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار.<br>ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.<br>فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى أوقات مختلفة.<br>والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه.<br>ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } أى: ماء كثيراً { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.<br>لئن سألتهم من فعل ذلك { لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } هو الذى فعل ذلك.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى -: الحمد لله الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.<br>وقوله - سبحانه -: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن.<br>أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.<br>وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.<br>واللهو: اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.<br>واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.<br>أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتاً، ثم ينفضون عنها.<br>أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.<br>ولفظ \"الحيوان\" مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.<br>وقوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.<br>ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى -: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ.. } أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة والدعاء.<br>{ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ } بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.<br>وقد فعلوا ذلك: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.<br>{ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئاً ينفعهم فى أخراهم.<br>قال الآلوسى: قوله: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ }: الظاهر أن اللام فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام العاقبة فى الحقيقة.<br>وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: \"افعل ما شئت\".<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }.<br>أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرماً آمناً، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.<br>قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم\".<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.<br>فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ } أى: لا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكاً، أو كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } للتقرير، والمثوى: المكان الذى يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.<br>أى: أليس فى جهنم مأوى ومكاناً يستقر فيه هؤلاء الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكاناً لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.<br>ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>أى: هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل.<br>وبعد فهذا تفسير لسروة \"العنكبوت\" نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3436",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "66",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... } بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله - تعالى -.<br>أى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.<br>وقوله - سبحانه -: { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.<br>أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإِقرار بوحدانيته - عز وجل -؟<br>ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. }.<br>والضمير فى قوله: { لَهُ } يعود على { مِنْ } على حد قولك: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>أى: الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار.<br>ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.<br>فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى أوقات مختلفة.<br>والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه.<br>ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } أى: ماء كثيراً { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.<br>لئن سألتهم من فعل ذلك { لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } هو الذى فعل ذلك.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى -: الحمد لله الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.<br>وقوله - سبحانه -: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن.<br>أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.<br>وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.<br>واللهو: اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.<br>واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.<br>أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتاً، ثم ينفضون عنها.<br>أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.<br>ولفظ \"الحيوان\" مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.<br>وقوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.<br>ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى -: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ.. } أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة والدعاء.<br>{ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ } بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.<br>وقد فعلوا ذلك: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.<br>{ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئاً ينفعهم فى أخراهم.<br>قال الآلوسى: قوله: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ }: الظاهر أن اللام فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام العاقبة فى الحقيقة.<br>وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: \"افعل ما شئت\".<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }.<br>أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرماً آمناً، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.<br>قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم\".<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.<br>فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ } أى: لا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكاً، أو كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } للتقرير، والمثوى: المكان الذى يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.<br>أى: أليس فى جهنم مأوى ومكاناً يستقر فيه هؤلاء الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكاناً لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.<br>ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>أى: هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل.<br>وبعد فهذا تفسير لسروة \"العنكبوت\" نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3437",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "67",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... } بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله - تعالى -.<br>أى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.<br>وقوله - سبحانه -: { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.<br>أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإِقرار بوحدانيته - عز وجل -؟<br>ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. }.<br>والضمير فى قوله: { لَهُ } يعود على { مِنْ } على حد قولك: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>أى: الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار.<br>ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.<br>فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى أوقات مختلفة.<br>والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه.<br>ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } أى: ماء كثيراً { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.<br>لئن سألتهم من فعل ذلك { لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } هو الذى فعل ذلك.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى -: الحمد لله الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.<br>وقوله - سبحانه -: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن.<br>أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.<br>وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.<br>واللهو: اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.<br>واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.<br>أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتاً، ثم ينفضون عنها.<br>أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.<br>ولفظ \"الحيوان\" مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.<br>وقوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.<br>ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى -: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ.. } أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة والدعاء.<br>{ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ } بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.<br>وقد فعلوا ذلك: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.<br>{ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئاً ينفعهم فى أخراهم.<br>قال الآلوسى: قوله: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ }: الظاهر أن اللام فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام العاقبة فى الحقيقة.<br>وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: \"افعل ما شئت\".<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }.<br>أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرماً آمناً، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.<br>قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم\".<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.<br>فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ } أى: لا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكاً، أو كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } للتقرير، والمثوى: المكان الذى يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.<br>أى: أليس فى جهنم مأوى ومكاناً يستقر فيه هؤلاء الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكاناً لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.<br>ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>أى: هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل.<br>وبعد فهذا تفسير لسروة \"العنكبوت\" نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3438",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "68",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... } بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله - تعالى -.<br>أى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.<br>وقوله - سبحانه -: { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.<br>أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإِقرار بوحدانيته - عز وجل -؟<br>ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. }.<br>والضمير فى قوله: { لَهُ } يعود على { مِنْ } على حد قولك: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>أى: الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار.<br>ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.<br>فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى أوقات مختلفة.<br>والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه.<br>ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } أى: ماء كثيراً { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.<br>لئن سألتهم من فعل ذلك { لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } هو الذى فعل ذلك.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى -: الحمد لله الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.<br>وقوله - سبحانه -: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن.<br>أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.<br>وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.<br>واللهو: اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.<br>واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.<br>أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتاً، ثم ينفضون عنها.<br>أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.<br>ولفظ \"الحيوان\" مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.<br>وقوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.<br>ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى -: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ.. } أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة والدعاء.<br>{ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ } بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.<br>وقد فعلوا ذلك: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.<br>{ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئاً ينفعهم فى أخراهم.<br>قال الآلوسى: قوله: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ }: الظاهر أن اللام فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام العاقبة فى الحقيقة.<br>وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: \"افعل ما شئت\".<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }.<br>أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرماً آمناً، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.<br>قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم\".<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.<br>فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ } أى: لا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكاً، أو كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } للتقرير، والمثوى: المكان الذى يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.<br>أى: أليس فى جهنم مأوى ومكاناً يستقر فيه هؤلاء الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكاناً لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.<br>ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>أى: هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل.<br>وبعد فهذا تفسير لسروة \"العنكبوت\" نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3439",
        "sura_number": "29",
        "ayah_number": "69",
        "aya": "",
        "sura": "العنكبوت",
        "mediator": "وقوله - سبحانه -: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... } بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله - تعالى -.<br>أى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى أوجد هذه السماوات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.<br>وقوله - سبحانه -: { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تعجيب من تناقضهم فى أفعالهم، ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.<br>أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض. المسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة آخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإِقرار بوحدانيته - عز وجل -؟<br>ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. }.<br>والضمير فى قوله: { لَهُ } يعود على { مِنْ } على حد قولك: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>أى: الله - تعالى - وحده وهو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذى يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شئ عنده بمقدار.<br>ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.<br>فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن فى أوقات مختلفة.<br>والله - تعالى - قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له فى رزقه، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه.<br>ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } أى: ماء كثيراً { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.<br>لئن سألتهم من فعل ذلك { لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } هو الذى فعل ذلك.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى -: الحمد لله الذى أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.<br>وقوله - سبحانه -: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن.<br>أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.<br>وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }.<br>واللهو: اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.<br>واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.<br>أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التى يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتاً، ثم ينفضون عنها.<br>أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمة الباقية، التى لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.<br>ولفظ \"الحيوان\" مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.<br>وقوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.<br>ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى -: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ.. } أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا ان الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة والدعاء.<br>{ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ } بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.<br>وقد فعلوا ذلك: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.<br>{ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين { فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعلموا شيئاً ينفعهم فى أخراهم.<br>قال الآلوسى: قوله: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ }: الظاهر أن اللام فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهى لام العاقبة فى الحقيقة.<br>وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: \"افعل ما شئت\".<br>ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن، الذى يعيشون فى جواره مطمئنين، فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }.<br>أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التى هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرماً آمناً، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.<br>قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم\".<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله - تعالى - أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.<br>فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ } أى: لا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله - تعالى - شريكاً، أو كذب بالحق الذى جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } للتقرير، والمثوى: المكان الذى يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.<br>أى: أليس فى جهنم مأوى ومكاناً يستقر فيه هؤلاء الكافرين لنعم الله - تعالى -؟ بل إن فيها مكاناً لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.<br>ثم ختم - سبحانه - السروة الكريمة بقوله - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.<br>أى: هذا الذى ذكرناه سابقاً من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم، وتلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل.<br>وبعد فهذا تفسير لسروة \"العنكبوت\" نسأل - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3511",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "12",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "قال ابن كثير -رحمه الله  -: اختلف السلف فى لقمان، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا.<br>وعن ابن عباس وغيره: كان لقمان عبدا حبشا نجارا..<br>قال له مولاه: اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية: اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا.<br>وقال له رجل: ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا يعنينى.<br>ومن أقواله لابنه: يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة. يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، با بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.<br>يا بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة.<br>يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل...<br>وقال الآلوسى ما ملخصه: ولقمان: اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء. قيل: كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل: كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام -.<br>ثم قال الآلوسى: وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ... } كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: {  { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ... }  }.والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. و هى: العقل والفهم. أو هى الإِصابة فى القول والعمل.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به.<br>وقوله - سبحانه - { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى: أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها.<br>قال الشوكانى: قوله: { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أن هى المفسرة: لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لى.. وقيل: بأن اشكر لى فشكر، فكان حكيما بشكره.<br>والشكر لله: الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له -، وطاعته فيما أمر به.<br>ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.<br>أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان، فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى: فحميد بمعنى محمود.<br>فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى -، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره.<br>وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله فى خبر كان.<br>وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله - تعالى - غنى حميد.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.<br>وقوله { يَعِظُهُ } من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.<br>قالوا: واسم ابنه \"ثاران\" أو \"ماثان\" أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة، يا نبى { لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك، ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل -.<br>وفى ندائه بلفظ { يٰبُنَيَّ } إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته.<br>قيل: وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين.<br>وجملة { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تعليل للنهى. أى: يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>وقوله - تعالى -: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. } كلام مستأنف، جئ به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين.<br>ومن ذلك قوله - تعالى : {  { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }  }.وقوله - عز وجل -: {  { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. } أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع أمرهما فى المعروف.<br>ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليها فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أى: حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف، بسبب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه.<br>والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا: إذا ضعف. ولفظ \"وهنا\" حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى: تهن وهنا. وقوله: { عَلَىٰ وَهْنٍ } متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن.<br>وقوله: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع. أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال - تعالى -:  { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ... }  }.وهاتان الجملتان { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟<br>قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك\" .<br>وقوله - سبحانه -: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى: وصينا الإِنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقكم فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }..<br>والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وَوَصَّيْنَا... } بإضمار القول. أى: ووصينا الإِنسان بوالديه. وقلنا له: { وَإِن جَاهَدَاكَ } أى: وإن حملاك { عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي } فى العبادة أو الطاعة، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.<br>وجملة { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -.<br>ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }.<br>أى: إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، وتقضيها مكارم الأخلاق.<br>وقوله { مَعْرُوفاً } صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى: بالمعروف.<br>ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: { وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ.. }. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص.<br>{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعا يوم القيامة - أيها الناس - { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فى الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: {  { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }  }.قال القرطبى ما ملخصه: وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين..  \"وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل: أمها من الراضعة: يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها؟ قال: نعم\"  وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال: { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }..<br>والضمير فى قوله: { إِنَّهَآ } يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و { تَكُ } مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: { يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } والمثقال: أقل ما يوزن به الشئ. والخردل: فى غاية الصغر الدقة.<br>والمعنى: يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشئ القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاد الأرض، أم كان فى السماوات أم فى الأرض، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه { إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها.<br>فالمقصود من الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }  }.ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى، فقال: { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ } أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين.<br>{ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله.<br>{ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ } من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله.<br>وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان.<br>قال صاحب الكشاف: { إِنَّ ذَلِكَ } مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث:  \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه\"  ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة فى تركه.<br>وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها.<br>ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.. }.<br>والصعر فى الأصل: مرض يصب البعير فيجعله معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر:وكنا إذا الجبَّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبهأى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء..<br>{ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً } أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم. و { مَرَحاً } مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى: تمرح مرحا. والجملة فى موضع الحال. أو مفعول لأجله. أى: من أجل المرح.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل لنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال فى مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه.<br>والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.. يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول عليهم، والتنقيص من شأنهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه.<br>ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أى وكن معتدلا فى مشيك، بحيث لا تطبئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط فى الأمور.<br>{ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته.<br>وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }  }.وقوله - تعالى - { إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب.<br>أى: إن أقبح الأصوت وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها.<br>وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل -، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك. وبتفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال - تعالى -: { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ...عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3512",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "13",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "قال ابن كثير -رحمه الله  -: اختلف السلف فى لقمان، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا.<br>وعن ابن عباس وغيره: كان لقمان عبدا حبشا نجارا..<br>قال له مولاه: اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية: اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا.<br>وقال له رجل: ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا يعنينى.<br>ومن أقواله لابنه: يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة. يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، با بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.<br>يا بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة.<br>يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل...<br>وقال الآلوسى ما ملخصه: ولقمان: اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء. قيل: كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل: كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام -.<br>ثم قال الآلوسى: وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ... } كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: {  { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ... }  }.والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. و هى: العقل والفهم. أو هى الإِصابة فى القول والعمل.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به.<br>وقوله - سبحانه - { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى: أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها.<br>قال الشوكانى: قوله: { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أن هى المفسرة: لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لى.. وقيل: بأن اشكر لى فشكر، فكان حكيما بشكره.<br>والشكر لله: الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له -، وطاعته فيما أمر به.<br>ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.<br>أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان، فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى: فحميد بمعنى محمود.<br>فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى -، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره.<br>وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله فى خبر كان.<br>وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله - تعالى - غنى حميد.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.<br>وقوله { يَعِظُهُ } من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.<br>قالوا: واسم ابنه \"ثاران\" أو \"ماثان\" أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة، يا نبى { لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك، ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل -.<br>وفى ندائه بلفظ { يٰبُنَيَّ } إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته.<br>قيل: وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين.<br>وجملة { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تعليل للنهى. أى: يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>وقوله - تعالى -: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. } كلام مستأنف، جئ به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين.<br>ومن ذلك قوله - تعالى : {  { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }  }.وقوله - عز وجل -: {  { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. } أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع أمرهما فى المعروف.<br>ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليها فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أى: حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف، بسبب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه.<br>والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا: إذا ضعف. ولفظ \"وهنا\" حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى: تهن وهنا. وقوله: { عَلَىٰ وَهْنٍ } متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن.<br>وقوله: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع. أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال - تعالى -:  { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ... }  }.وهاتان الجملتان { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟<br>قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك\" .<br>وقوله - سبحانه -: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى: وصينا الإِنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقكم فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }..<br>والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وَوَصَّيْنَا... } بإضمار القول. أى: ووصينا الإِنسان بوالديه. وقلنا له: { وَإِن جَاهَدَاكَ } أى: وإن حملاك { عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي } فى العبادة أو الطاعة، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.<br>وجملة { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -.<br>ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }.<br>أى: إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، وتقضيها مكارم الأخلاق.<br>وقوله { مَعْرُوفاً } صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى: بالمعروف.<br>ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: { وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ.. }. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص.<br>{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعا يوم القيامة - أيها الناس - { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فى الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: {  { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }  }.قال القرطبى ما ملخصه: وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين..  \"وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل: أمها من الراضعة: يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها؟ قال: نعم\"  وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال: { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }..<br>والضمير فى قوله: { إِنَّهَآ } يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و { تَكُ } مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: { يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } والمثقال: أقل ما يوزن به الشئ. والخردل: فى غاية الصغر الدقة.<br>والمعنى: يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشئ القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاد الأرض، أم كان فى السماوات أم فى الأرض، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه { إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها.<br>فالمقصود من الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }  }.ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى، فقال: { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ } أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين.<br>{ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله.<br>{ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ } من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله.<br>وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان.<br>قال صاحب الكشاف: { إِنَّ ذَلِكَ } مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث:  \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه\"  ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة فى تركه.<br>وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها.<br>ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.. }.<br>والصعر فى الأصل: مرض يصب البعير فيجعله معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر:وكنا إذا الجبَّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبهأى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء..<br>{ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً } أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم. و { مَرَحاً } مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى: تمرح مرحا. والجملة فى موضع الحال. أو مفعول لأجله. أى: من أجل المرح.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل لنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال فى مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه.<br>والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.. يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول عليهم، والتنقيص من شأنهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه.<br>ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أى وكن معتدلا فى مشيك، بحيث لا تطبئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط فى الأمور.<br>{ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته.<br>وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }  }.وقوله - تعالى - { إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب.<br>أى: إن أقبح الأصوت وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها.<br>وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل -، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك. وبتفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال - تعالى -: { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ...عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3513",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "14",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "قال ابن كثير -رحمه الله  -: اختلف السلف فى لقمان، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا.<br>وعن ابن عباس وغيره: كان لقمان عبدا حبشا نجارا..<br>قال له مولاه: اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية: اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا.<br>وقال له رجل: ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا يعنينى.<br>ومن أقواله لابنه: يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة. يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، با بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.<br>يا بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة.<br>يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل...<br>وقال الآلوسى ما ملخصه: ولقمان: اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء. قيل: كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل: كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام -.<br>ثم قال الآلوسى: وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ... } كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: {  { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ... }  }.والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. و هى: العقل والفهم. أو هى الإِصابة فى القول والعمل.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به.<br>وقوله - سبحانه - { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى: أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها.<br>قال الشوكانى: قوله: { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أن هى المفسرة: لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لى.. وقيل: بأن اشكر لى فشكر، فكان حكيما بشكره.<br>والشكر لله: الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له -، وطاعته فيما أمر به.<br>ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.<br>أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان، فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى: فحميد بمعنى محمود.<br>فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى -، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره.<br>وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله فى خبر كان.<br>وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله - تعالى - غنى حميد.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.<br>وقوله { يَعِظُهُ } من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.<br>قالوا: واسم ابنه \"ثاران\" أو \"ماثان\" أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة، يا نبى { لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك، ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل -.<br>وفى ندائه بلفظ { يٰبُنَيَّ } إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته.<br>قيل: وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين.<br>وجملة { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تعليل للنهى. أى: يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>وقوله - تعالى -: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. } كلام مستأنف، جئ به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين.<br>ومن ذلك قوله - تعالى : {  { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }  }.وقوله - عز وجل -: {  { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. } أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع أمرهما فى المعروف.<br>ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليها فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أى: حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف، بسبب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه.<br>والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا: إذا ضعف. ولفظ \"وهنا\" حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى: تهن وهنا. وقوله: { عَلَىٰ وَهْنٍ } متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن.<br>وقوله: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع. أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال - تعالى -:  { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ... }  }.وهاتان الجملتان { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟<br>قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك\" .<br>وقوله - سبحانه -: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى: وصينا الإِنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقكم فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }..<br>والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وَوَصَّيْنَا... } بإضمار القول. أى: ووصينا الإِنسان بوالديه. وقلنا له: { وَإِن جَاهَدَاكَ } أى: وإن حملاك { عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي } فى العبادة أو الطاعة، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.<br>وجملة { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -.<br>ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }.<br>أى: إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، وتقضيها مكارم الأخلاق.<br>وقوله { مَعْرُوفاً } صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى: بالمعروف.<br>ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: { وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ.. }. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص.<br>{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعا يوم القيامة - أيها الناس - { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فى الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: {  { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }  }.قال القرطبى ما ملخصه: وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين..  \"وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل: أمها من الراضعة: يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها؟ قال: نعم\"  وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال: { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }..<br>والضمير فى قوله: { إِنَّهَآ } يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و { تَكُ } مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: { يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } والمثقال: أقل ما يوزن به الشئ. والخردل: فى غاية الصغر الدقة.<br>والمعنى: يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشئ القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاد الأرض، أم كان فى السماوات أم فى الأرض، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه { إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها.<br>فالمقصود من الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }  }.ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى، فقال: { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ } أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين.<br>{ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله.<br>{ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ } من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله.<br>وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان.<br>قال صاحب الكشاف: { إِنَّ ذَلِكَ } مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث:  \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه\"  ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة فى تركه.<br>وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها.<br>ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.. }.<br>والصعر فى الأصل: مرض يصب البعير فيجعله معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر:وكنا إذا الجبَّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبهأى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء..<br>{ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً } أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم. و { مَرَحاً } مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى: تمرح مرحا. والجملة فى موضع الحال. أو مفعول لأجله. أى: من أجل المرح.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل لنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال فى مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه.<br>والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.. يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول عليهم، والتنقيص من شأنهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه.<br>ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أى وكن معتدلا فى مشيك، بحيث لا تطبئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط فى الأمور.<br>{ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته.<br>وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }  }.وقوله - تعالى - { إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب.<br>أى: إن أقبح الأصوت وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها.<br>وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل -، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك. وبتفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال - تعالى -: { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ...عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3514",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "15",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "قال ابن كثير -رحمه الله  -: اختلف السلف فى لقمان، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا.<br>وعن ابن عباس وغيره: كان لقمان عبدا حبشا نجارا..<br>قال له مولاه: اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية: اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا.<br>وقال له رجل: ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا يعنينى.<br>ومن أقواله لابنه: يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة. يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، با بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.<br>يا بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة.<br>يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل...<br>وقال الآلوسى ما ملخصه: ولقمان: اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء. قيل: كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل: كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام -.<br>ثم قال الآلوسى: وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ... } كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: {  { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ... }  }.والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. و هى: العقل والفهم. أو هى الإِصابة فى القول والعمل.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به.<br>وقوله - سبحانه - { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى: أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها.<br>قال الشوكانى: قوله: { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أن هى المفسرة: لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لى.. وقيل: بأن اشكر لى فشكر، فكان حكيما بشكره.<br>والشكر لله: الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له -، وطاعته فيما أمر به.<br>ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.<br>أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان، فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى: فحميد بمعنى محمود.<br>فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى -، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره.<br>وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله فى خبر كان.<br>وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله - تعالى - غنى حميد.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.<br>وقوله { يَعِظُهُ } من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.<br>قالوا: واسم ابنه \"ثاران\" أو \"ماثان\" أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة، يا نبى { لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك، ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل -.<br>وفى ندائه بلفظ { يٰبُنَيَّ } إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته.<br>قيل: وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين.<br>وجملة { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تعليل للنهى. أى: يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>وقوله - تعالى -: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. } كلام مستأنف، جئ به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين.<br>ومن ذلك قوله - تعالى : {  { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }  }.وقوله - عز وجل -: {  { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. } أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع أمرهما فى المعروف.<br>ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليها فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أى: حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف، بسبب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه.<br>والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا: إذا ضعف. ولفظ \"وهنا\" حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى: تهن وهنا. وقوله: { عَلَىٰ وَهْنٍ } متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن.<br>وقوله: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع. أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال - تعالى -:  { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ... }  }.وهاتان الجملتان { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟<br>قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك\" .<br>وقوله - سبحانه -: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى: وصينا الإِنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقكم فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }..<br>والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وَوَصَّيْنَا... } بإضمار القول. أى: ووصينا الإِنسان بوالديه. وقلنا له: { وَإِن جَاهَدَاكَ } أى: وإن حملاك { عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي } فى العبادة أو الطاعة، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.<br>وجملة { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -.<br>ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }.<br>أى: إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، وتقضيها مكارم الأخلاق.<br>وقوله { مَعْرُوفاً } صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى: بالمعروف.<br>ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: { وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ.. }. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص.<br>{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعا يوم القيامة - أيها الناس - { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فى الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: {  { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }  }.قال القرطبى ما ملخصه: وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين..  \"وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل: أمها من الراضعة: يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها؟ قال: نعم\"  وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال: { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }..<br>والضمير فى قوله: { إِنَّهَآ } يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و { تَكُ } مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: { يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } والمثقال: أقل ما يوزن به الشئ. والخردل: فى غاية الصغر الدقة.<br>والمعنى: يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشئ القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاد الأرض، أم كان فى السماوات أم فى الأرض، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه { إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها.<br>فالمقصود من الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }  }.ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى، فقال: { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ } أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين.<br>{ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله.<br>{ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ } من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله.<br>وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان.<br>قال صاحب الكشاف: { إِنَّ ذَلِكَ } مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث:  \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه\"  ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة فى تركه.<br>وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها.<br>ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.. }.<br>والصعر فى الأصل: مرض يصب البعير فيجعله معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر:وكنا إذا الجبَّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبهأى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء..<br>{ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً } أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم. و { مَرَحاً } مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى: تمرح مرحا. والجملة فى موضع الحال. أو مفعول لأجله. أى: من أجل المرح.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل لنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال فى مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه.<br>والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.. يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول عليهم، والتنقيص من شأنهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه.<br>ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أى وكن معتدلا فى مشيك، بحيث لا تطبئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط فى الأمور.<br>{ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته.<br>وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }  }.وقوله - تعالى - { إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب.<br>أى: إن أقبح الأصوت وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها.<br>وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل -، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك. وبتفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال - تعالى -: { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ...عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3515",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "16",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "قال ابن كثير -رحمه الله  -: اختلف السلف فى لقمان، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا.<br>وعن ابن عباس وغيره: كان لقمان عبدا حبشا نجارا..<br>قال له مولاه: اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية: اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا.<br>وقال له رجل: ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا يعنينى.<br>ومن أقواله لابنه: يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة. يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، با بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.<br>يا بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة.<br>يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل...<br>وقال الآلوسى ما ملخصه: ولقمان: اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء. قيل: كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل: كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام -.<br>ثم قال الآلوسى: وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ... } كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: {  { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ... }  }.والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. و هى: العقل والفهم. أو هى الإِصابة فى القول والعمل.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به.<br>وقوله - سبحانه - { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى: أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها.<br>قال الشوكانى: قوله: { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أن هى المفسرة: لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لى.. وقيل: بأن اشكر لى فشكر، فكان حكيما بشكره.<br>والشكر لله: الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له -، وطاعته فيما أمر به.<br>ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.<br>أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان، فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى: فحميد بمعنى محمود.<br>فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى -، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره.<br>وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله فى خبر كان.<br>وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله - تعالى - غنى حميد.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.<br>وقوله { يَعِظُهُ } من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.<br>قالوا: واسم ابنه \"ثاران\" أو \"ماثان\" أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة، يا نبى { لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك، ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل -.<br>وفى ندائه بلفظ { يٰبُنَيَّ } إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته.<br>قيل: وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين.<br>وجملة { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تعليل للنهى. أى: يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>وقوله - تعالى -: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. } كلام مستأنف، جئ به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين.<br>ومن ذلك قوله - تعالى : {  { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }  }.وقوله - عز وجل -: {  { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. } أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع أمرهما فى المعروف.<br>ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليها فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أى: حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف، بسبب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه.<br>والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا: إذا ضعف. ولفظ \"وهنا\" حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى: تهن وهنا. وقوله: { عَلَىٰ وَهْنٍ } متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن.<br>وقوله: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع. أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال - تعالى -:  { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ... }  }.وهاتان الجملتان { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟<br>قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك\" .<br>وقوله - سبحانه -: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى: وصينا الإِنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقكم فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }..<br>والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وَوَصَّيْنَا... } بإضمار القول. أى: ووصينا الإِنسان بوالديه. وقلنا له: { وَإِن جَاهَدَاكَ } أى: وإن حملاك { عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي } فى العبادة أو الطاعة، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.<br>وجملة { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -.<br>ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }.<br>أى: إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، وتقضيها مكارم الأخلاق.<br>وقوله { مَعْرُوفاً } صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى: بالمعروف.<br>ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: { وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ.. }. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص.<br>{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعا يوم القيامة - أيها الناس - { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فى الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: {  { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }  }.قال القرطبى ما ملخصه: وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين..  \"وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل: أمها من الراضعة: يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها؟ قال: نعم\"  وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال: { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }..<br>والضمير فى قوله: { إِنَّهَآ } يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و { تَكُ } مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: { يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } والمثقال: أقل ما يوزن به الشئ. والخردل: فى غاية الصغر الدقة.<br>والمعنى: يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشئ القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاد الأرض، أم كان فى السماوات أم فى الأرض، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه { إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها.<br>فالمقصود من الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }  }.ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى، فقال: { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ } أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين.<br>{ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله.<br>{ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ } من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله.<br>وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان.<br>قال صاحب الكشاف: { إِنَّ ذَلِكَ } مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث:  \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه\"  ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة فى تركه.<br>وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها.<br>ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.. }.<br>والصعر فى الأصل: مرض يصب البعير فيجعله معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر:وكنا إذا الجبَّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبهأى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء..<br>{ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً } أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم. و { مَرَحاً } مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى: تمرح مرحا. والجملة فى موضع الحال. أو مفعول لأجله. أى: من أجل المرح.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل لنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال فى مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه.<br>والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.. يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول عليهم، والتنقيص من شأنهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه.<br>ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أى وكن معتدلا فى مشيك، بحيث لا تطبئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط فى الأمور.<br>{ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته.<br>وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }  }.وقوله - تعالى - { إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب.<br>أى: إن أقبح الأصوت وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها.<br>وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل -، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك. وبتفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال - تعالى -: { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ...عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3516",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "17",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "قال ابن كثير -رحمه الله  -: اختلف السلف فى لقمان، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا.<br>وعن ابن عباس وغيره: كان لقمان عبدا حبشا نجارا..<br>قال له مولاه: اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية: اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا.<br>وقال له رجل: ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا يعنينى.<br>ومن أقواله لابنه: يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة. يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، با بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.<br>يا بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة.<br>يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل...<br>وقال الآلوسى ما ملخصه: ولقمان: اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء. قيل: كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل: كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام -.<br>ثم قال الآلوسى: وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ... } كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: {  { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ... }  }.والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. و هى: العقل والفهم. أو هى الإِصابة فى القول والعمل.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به.<br>وقوله - سبحانه - { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى: أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها.<br>قال الشوكانى: قوله: { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أن هى المفسرة: لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لى.. وقيل: بأن اشكر لى فشكر، فكان حكيما بشكره.<br>والشكر لله: الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له -، وطاعته فيما أمر به.<br>ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.<br>أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان، فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى: فحميد بمعنى محمود.<br>فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى -، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره.<br>وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله فى خبر كان.<br>وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله - تعالى - غنى حميد.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.<br>وقوله { يَعِظُهُ } من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.<br>قالوا: واسم ابنه \"ثاران\" أو \"ماثان\" أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة، يا نبى { لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك، ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل -.<br>وفى ندائه بلفظ { يٰبُنَيَّ } إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته.<br>قيل: وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين.<br>وجملة { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تعليل للنهى. أى: يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>وقوله - تعالى -: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. } كلام مستأنف، جئ به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين.<br>ومن ذلك قوله - تعالى : {  { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }  }.وقوله - عز وجل -: {  { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. } أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع أمرهما فى المعروف.<br>ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليها فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أى: حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف، بسبب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه.<br>والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا: إذا ضعف. ولفظ \"وهنا\" حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى: تهن وهنا. وقوله: { عَلَىٰ وَهْنٍ } متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن.<br>وقوله: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع. أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال - تعالى -:  { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ... }  }.وهاتان الجملتان { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟<br>قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك\" .<br>وقوله - سبحانه -: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى: وصينا الإِنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقكم فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }..<br>والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وَوَصَّيْنَا... } بإضمار القول. أى: ووصينا الإِنسان بوالديه. وقلنا له: { وَإِن جَاهَدَاكَ } أى: وإن حملاك { عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي } فى العبادة أو الطاعة، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.<br>وجملة { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -.<br>ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }.<br>أى: إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، وتقضيها مكارم الأخلاق.<br>وقوله { مَعْرُوفاً } صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى: بالمعروف.<br>ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: { وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ.. }. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص.<br>{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعا يوم القيامة - أيها الناس - { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فى الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: {  { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }  }.قال القرطبى ما ملخصه: وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين..  \"وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل: أمها من الراضعة: يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها؟ قال: نعم\"  وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال: { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }..<br>والضمير فى قوله: { إِنَّهَآ } يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و { تَكُ } مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: { يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } والمثقال: أقل ما يوزن به الشئ. والخردل: فى غاية الصغر الدقة.<br>والمعنى: يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشئ القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاد الأرض، أم كان فى السماوات أم فى الأرض، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه { إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها.<br>فالمقصود من الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }  }.ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى، فقال: { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ } أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين.<br>{ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله.<br>{ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ } من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله.<br>وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان.<br>قال صاحب الكشاف: { إِنَّ ذَلِكَ } مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث:  \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه\"  ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة فى تركه.<br>وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها.<br>ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.. }.<br>والصعر فى الأصل: مرض يصب البعير فيجعله معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر:وكنا إذا الجبَّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبهأى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء..<br>{ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً } أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم. و { مَرَحاً } مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى: تمرح مرحا. والجملة فى موضع الحال. أو مفعول لأجله. أى: من أجل المرح.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل لنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال فى مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه.<br>والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.. يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول عليهم، والتنقيص من شأنهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه.<br>ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أى وكن معتدلا فى مشيك، بحيث لا تطبئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط فى الأمور.<br>{ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته.<br>وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }  }.وقوله - تعالى - { إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب.<br>أى: إن أقبح الأصوت وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها.<br>وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل -، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك. وبتفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال - تعالى -: { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ...عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3517",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "18",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "قال ابن كثير -رحمه الله  -: اختلف السلف فى لقمان، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا.<br>وعن ابن عباس وغيره: كان لقمان عبدا حبشا نجارا..<br>قال له مولاه: اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية: اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا.<br>وقال له رجل: ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا يعنينى.<br>ومن أقواله لابنه: يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة. يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، با بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.<br>يا بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة.<br>يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل...<br>وقال الآلوسى ما ملخصه: ولقمان: اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء. قيل: كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل: كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام -.<br>ثم قال الآلوسى: وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ... } كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: {  { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ... }  }.والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. و هى: العقل والفهم. أو هى الإِصابة فى القول والعمل.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به.<br>وقوله - سبحانه - { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى: أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها.<br>قال الشوكانى: قوله: { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أن هى المفسرة: لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لى.. وقيل: بأن اشكر لى فشكر، فكان حكيما بشكره.<br>والشكر لله: الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له -، وطاعته فيما أمر به.<br>ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.<br>أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان، فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى: فحميد بمعنى محمود.<br>فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى -، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره.<br>وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله فى خبر كان.<br>وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله - تعالى - غنى حميد.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.<br>وقوله { يَعِظُهُ } من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.<br>قالوا: واسم ابنه \"ثاران\" أو \"ماثان\" أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة، يا نبى { لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك، ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل -.<br>وفى ندائه بلفظ { يٰبُنَيَّ } إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته.<br>قيل: وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين.<br>وجملة { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تعليل للنهى. أى: يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>وقوله - تعالى -: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. } كلام مستأنف، جئ به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين.<br>ومن ذلك قوله - تعالى : {  { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }  }.وقوله - عز وجل -: {  { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. } أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع أمرهما فى المعروف.<br>ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليها فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أى: حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف، بسبب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه.<br>والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا: إذا ضعف. ولفظ \"وهنا\" حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى: تهن وهنا. وقوله: { عَلَىٰ وَهْنٍ } متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن.<br>وقوله: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع. أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال - تعالى -:  { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ... }  }.وهاتان الجملتان { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟<br>قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك\" .<br>وقوله - سبحانه -: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى: وصينا الإِنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقكم فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }..<br>والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وَوَصَّيْنَا... } بإضمار القول. أى: ووصينا الإِنسان بوالديه. وقلنا له: { وَإِن جَاهَدَاكَ } أى: وإن حملاك { عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي } فى العبادة أو الطاعة، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.<br>وجملة { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -.<br>ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }.<br>أى: إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، وتقضيها مكارم الأخلاق.<br>وقوله { مَعْرُوفاً } صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى: بالمعروف.<br>ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: { وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ.. }. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص.<br>{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعا يوم القيامة - أيها الناس - { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فى الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: {  { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }  }.قال القرطبى ما ملخصه: وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين..  \"وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل: أمها من الراضعة: يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها؟ قال: نعم\"  وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال: { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }..<br>والضمير فى قوله: { إِنَّهَآ } يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و { تَكُ } مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: { يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } والمثقال: أقل ما يوزن به الشئ. والخردل: فى غاية الصغر الدقة.<br>والمعنى: يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشئ القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاد الأرض، أم كان فى السماوات أم فى الأرض، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه { إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها.<br>فالمقصود من الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }  }.ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى، فقال: { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ } أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين.<br>{ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله.<br>{ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ } من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله.<br>وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان.<br>قال صاحب الكشاف: { إِنَّ ذَلِكَ } مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث:  \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه\"  ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة فى تركه.<br>وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها.<br>ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.. }.<br>والصعر فى الأصل: مرض يصب البعير فيجعله معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر:وكنا إذا الجبَّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبهأى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء..<br>{ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً } أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم. و { مَرَحاً } مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى: تمرح مرحا. والجملة فى موضع الحال. أو مفعول لأجله. أى: من أجل المرح.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل لنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال فى مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه.<br>والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.. يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول عليهم، والتنقيص من شأنهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه.<br>ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أى وكن معتدلا فى مشيك، بحيث لا تطبئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط فى الأمور.<br>{ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته.<br>وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }  }.وقوله - تعالى - { إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب.<br>أى: إن أقبح الأصوت وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها.<br>وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل -، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك. وبتفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال - تعالى -: { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ...عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3518",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "19",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "قال ابن كثير -رحمه الله  -: اختلف السلف فى لقمان، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا.<br>وعن ابن عباس وغيره: كان لقمان عبدا حبشا نجارا..<br>قال له مولاه: اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية: اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا.<br>وقال له رجل: ألست عبد فلان؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا يعنينى.<br>ومن أقواله لابنه: يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة. يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، با بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.<br>يا بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة.<br>يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل...<br>وقال الآلوسى ما ملخصه: ولقمان: اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء. قيل: كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل: كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام -.<br>ثم قال الآلوسى: وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيا.<br>وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ... } كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك: {  { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ... }  }.والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. و هى: العقل والفهم. أو هى الإِصابة فى القول والعمل.<br>والمعنى: والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به.<br>وقوله - سبحانه - { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى: أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها.<br>قال الشوكانى: قوله: { أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ } أن هى المفسرة: لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لى.. وقيل: بأن اشكر لى فشكر، فكان حكيما بشكره.<br>والشكر لله: الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له -، وطاعته فيما أمر به.<br>ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.<br>أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان، فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى: فحميد بمعنى محمود.<br>فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود عليهم. وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى -، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره.<br>وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله فى خبر كان.<br>وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله - تعالى - غنى حميد.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.<br>وقوله { يَعِظُهُ } من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.<br>قالوا: واسم ابنه \"ثاران\" أو \"ماثان\" أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة، يا نبى { لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك، ولا فى عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل -.<br>وفى ندائه بلفظ { يٰبُنَيَّ } إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته.<br>قيل: وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين.<br>وجملة { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تعليل للنهى. أى: يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق.<br>وقوله - تعالى -: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. } كلام مستأنف، جئ به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين.<br>ومن ذلك قوله - تعالى : {  { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }  }.وقوله - عز وجل -: {  { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. } أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع أمرهما فى المعروف.<br>ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليها فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ } أى: حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف، بسبب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه.<br>والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا: إذا ضعف. ولفظ \"وهنا\" حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى: تهن وهنا. وقوله: { عَلَىٰ وَهْنٍ } متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن.<br>وقوله: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع. أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال - تعالى -:  { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ... }  }.وهاتان الجملتان { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟<br>قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: ثم أباك\" .<br>وقوله - سبحانه -: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى: وصينا الإِنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقكم فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا }..<br>والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وَوَصَّيْنَا... } بإضمار القول. أى: ووصينا الإِنسان بوالديه. وقلنا له: { وَإِن جَاهَدَاكَ } أى: وإن حملاك { عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي } فى العبادة أو الطاعة، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.<br>وجملة { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل -.<br>ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }.<br>أى: إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، وتقضيها مكارم الأخلاق.<br>وقوله { مَعْرُوفاً } صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى: بالمعروف.<br>ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: { وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ.. }. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص.<br>{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعا يوم القيامة - أيها الناس - { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فى الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: {  { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }  }.قال القرطبى ما ملخصه: وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين..  \"وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل: أمها من الراضعة: يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها؟ قال: نعم\"  وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة.<br>ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التى أوصى بها لقمان ابنه فقال: { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }..<br>والضمير فى قوله: { إِنَّهَآ } يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و { تَكُ } مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: { يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } والمثقال: أقل ما يوزن به الشئ. والخردل: فى غاية الصغر الدقة.<br>والمعنى: يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشئ القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاد الأرض، أم كان فى السماوات أم فى الأرض، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه { إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها.<br>فالمقصود من الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى - سبحانه - لا يخفى عليه شئ فى هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }  }.ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى، فقال: { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ } أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين.<br>{ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله.<br>{ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ } من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يعود إلى الطاعات المذكورة قبله.<br>وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان.<br>قال صاحب الكشاف: { إِنَّ ذَلِكَ } مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث:  \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه\"  ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة فى تركه.<br>وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها.<br>ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.. }.<br>والصعر فى الأصل: مرض يصب البعير فيجعله معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر:وكنا إذا الجبَّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبهأى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء..<br>{ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً } أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم. و { مَرَحاً } مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى: تمرح مرحا. والجملة فى موضع الحال. أو مفعول لأجله. أى: من أجل المرح.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تعليل لنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال فى مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه.<br>والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.. يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول عليهم، والتنقيص من شأنهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه.<br>ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أى وكن معتدلا فى مشيك، بحيث لا تطبئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط فى الأمور.<br>{ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته.<br>وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {  { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }  }.وقوله - تعالى - { إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب.<br>أى: إن أقبح الأصوت وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده، حيث شبه - سبحانه الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها.<br>وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل -، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك. وبتفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات.<br>ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال - تعالى -: { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ...عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3521",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "22",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } أى: ومن يتجه إلى الله - تعالى - ويذعن لأمره، ويخلص له العبادة، وهو محسن فى أقواله وأفعاله.<br>من يفعل ذلك { فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } والعروة فى أصل معناها: تطلق على ما يتعلق بالشئ من عراه، أى من الجهة التى يجب تعليقه منها. وتجمع على عرا.<br>والعروة من الدلو مقبضه، ومن الثوب: مدخل زره.<br>والوثقى: تأنيث الأوثق، وهو الشئ المحكم الموثق. يقال: وثق - بالضم - وثاقه، أى: قوى وثبت فهو وثيق، أى: ثابت محكم.<br>والمعنى: ومن يستسلم لأمر الله - تعالى - ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه حسن، فقد ثبت أمره، واستقام على الطريقة المثلى، وأمسك من الدين بأقوى سبب، وأحكم رباط.<br>فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه فى جميع أموره، المحسن فى أفعاله، بمن ترقى فى حبل شاهق، وتدلى منه، فاستمسك بأوثق عروة، من حبل متين مأمون انقطاعه.<br>وخص - سبحانه - الوجه بالذكر، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم الأعضاء، فغيره أكثر خضوعا.<br>وقوله: { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ } أى: وإلى الله - تعالى - وحده تصير الأمور، وترجع إليه، وتخضع لحكمه وإرادته.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ... } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: ومن استمر أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب، وإنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدى من يشاء.<br>وقوله - سبحانه -: { إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ... } بيان لسوء مصيرهم.<br>أى: إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين، فنخبرهم بما عملوه فى الدنيا من أعمال سيئة، ونجازيهم عليها بما يستحقونه من عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { عَلِيمٌ } علما تاما { بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أى: بمكنونات الصدور وخفاياها..<br>{ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً } فى هذه الحياة الدنيا. أن نمتعهم تمتيعا قليلا فى دنياهم، بأن نعطيهم الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج.<br>{ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أى نعطيهم فى حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال وصحة... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع، لضخامة ثقله، وشدة وقعه.<br>والمراد بالاضطرار: الإِلجاء والقسر والإِلزام، أى: أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذى أعد لهم.<br>ووصف - سبحانه - العذاب بالغلظ، لزيادة تهويله وشدته. فهو ثقيل عليهم ثقل الأجرام الضخمة التى تهوى على رأس الإِنسان، فتشل حركته وتهلكه.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال:<br>{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أيها الرسول الكريم - { مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وأوجدهما على هذا النظام البديع.. { لَيَقُولُنَّ } فى الجواب { ٱللَّهُ } أى: الله - تعالى - هو الذى خلقهما، وهو الذى أوجدهما.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } قل - أيها الرسول الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده، حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله، وما دام الأمر كذلك، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره؟ إن قولكم هذا الذى تؤيده الفطرة، ليتنافى مع ما أنتم عليه من كفر وضلال.<br>وقوله - سبحانه - { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم، أى: بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما، وإنما هم يقولون بألسنتهم، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم، وهذا شأن الجاهلين، الذين انطمست بصائرهم..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على عظم قدرته، وشمول ملكه فقال: { لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. أى: لله - تعالى - وحده، ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا، وملكا، وتصرفا..<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } عن كل ما سواه { ٱلْحَمِيدُ } أى: المحمود من أهل الأرض والسماء، لأنه هو الخالق لكل شئ، والرازق لكل شئ.<br>ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه، ونفاذ قدرته، فقال - سبحانه - { وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ....سَمِيعٌ بَصِيرٌ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3522",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "23",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } أى: ومن يتجه إلى الله - تعالى - ويذعن لأمره، ويخلص له العبادة، وهو محسن فى أقواله وأفعاله.<br>من يفعل ذلك { فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } والعروة فى أصل معناها: تطلق على ما يتعلق بالشئ من عراه، أى من الجهة التى يجب تعليقه منها. وتجمع على عرا.<br>والعروة من الدلو مقبضه، ومن الثوب: مدخل زره.<br>والوثقى: تأنيث الأوثق، وهو الشئ المحكم الموثق. يقال: وثق - بالضم - وثاقه، أى: قوى وثبت فهو وثيق، أى: ثابت محكم.<br>والمعنى: ومن يستسلم لأمر الله - تعالى - ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه حسن، فقد ثبت أمره، واستقام على الطريقة المثلى، وأمسك من الدين بأقوى سبب، وأحكم رباط.<br>فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه فى جميع أموره، المحسن فى أفعاله، بمن ترقى فى حبل شاهق، وتدلى منه، فاستمسك بأوثق عروة، من حبل متين مأمون انقطاعه.<br>وخص - سبحانه - الوجه بالذكر، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم الأعضاء، فغيره أكثر خضوعا.<br>وقوله: { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ } أى: وإلى الله - تعالى - وحده تصير الأمور، وترجع إليه، وتخضع لحكمه وإرادته.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ... } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: ومن استمر أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب، وإنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدى من يشاء.<br>وقوله - سبحانه -: { إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ... } بيان لسوء مصيرهم.<br>أى: إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين، فنخبرهم بما عملوه فى الدنيا من أعمال سيئة، ونجازيهم عليها بما يستحقونه من عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { عَلِيمٌ } علما تاما { بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أى: بمكنونات الصدور وخفاياها..<br>{ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً } فى هذه الحياة الدنيا. أن نمتعهم تمتيعا قليلا فى دنياهم، بأن نعطيهم الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج.<br>{ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أى نعطيهم فى حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال وصحة... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع، لضخامة ثقله، وشدة وقعه.<br>والمراد بالاضطرار: الإِلجاء والقسر والإِلزام، أى: أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذى أعد لهم.<br>ووصف - سبحانه - العذاب بالغلظ، لزيادة تهويله وشدته. فهو ثقيل عليهم ثقل الأجرام الضخمة التى تهوى على رأس الإِنسان، فتشل حركته وتهلكه.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال:<br>{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أيها الرسول الكريم - { مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وأوجدهما على هذا النظام البديع.. { لَيَقُولُنَّ } فى الجواب { ٱللَّهُ } أى: الله - تعالى - هو الذى خلقهما، وهو الذى أوجدهما.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } قل - أيها الرسول الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده، حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله، وما دام الأمر كذلك، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره؟ إن قولكم هذا الذى تؤيده الفطرة، ليتنافى مع ما أنتم عليه من كفر وضلال.<br>وقوله - سبحانه - { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم، أى: بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما، وإنما هم يقولون بألسنتهم، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم، وهذا شأن الجاهلين، الذين انطمست بصائرهم..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على عظم قدرته، وشمول ملكه فقال: { لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. أى: لله - تعالى - وحده، ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا، وملكا، وتصرفا..<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } عن كل ما سواه { ٱلْحَمِيدُ } أى: المحمود من أهل الأرض والسماء، لأنه هو الخالق لكل شئ، والرازق لكل شئ.<br>ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه، ونفاذ قدرته، فقال - سبحانه - { وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ....سَمِيعٌ بَصِيرٌ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3523",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "24",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } أى: ومن يتجه إلى الله - تعالى - ويذعن لأمره، ويخلص له العبادة، وهو محسن فى أقواله وأفعاله.<br>من يفعل ذلك { فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } والعروة فى أصل معناها: تطلق على ما يتعلق بالشئ من عراه، أى من الجهة التى يجب تعليقه منها. وتجمع على عرا.<br>والعروة من الدلو مقبضه، ومن الثوب: مدخل زره.<br>والوثقى: تأنيث الأوثق، وهو الشئ المحكم الموثق. يقال: وثق - بالضم - وثاقه، أى: قوى وثبت فهو وثيق، أى: ثابت محكم.<br>والمعنى: ومن يستسلم لأمر الله - تعالى - ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه حسن، فقد ثبت أمره، واستقام على الطريقة المثلى، وأمسك من الدين بأقوى سبب، وأحكم رباط.<br>فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه فى جميع أموره، المحسن فى أفعاله، بمن ترقى فى حبل شاهق، وتدلى منه، فاستمسك بأوثق عروة، من حبل متين مأمون انقطاعه.<br>وخص - سبحانه - الوجه بالذكر، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم الأعضاء، فغيره أكثر خضوعا.<br>وقوله: { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ } أى: وإلى الله - تعالى - وحده تصير الأمور، وترجع إليه، وتخضع لحكمه وإرادته.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ... } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: ومن استمر أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب، وإنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدى من يشاء.<br>وقوله - سبحانه -: { إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ... } بيان لسوء مصيرهم.<br>أى: إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين، فنخبرهم بما عملوه فى الدنيا من أعمال سيئة، ونجازيهم عليها بما يستحقونه من عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { عَلِيمٌ } علما تاما { بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أى: بمكنونات الصدور وخفاياها..<br>{ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً } فى هذه الحياة الدنيا. أن نمتعهم تمتيعا قليلا فى دنياهم، بأن نعطيهم الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج.<br>{ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أى نعطيهم فى حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال وصحة... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع، لضخامة ثقله، وشدة وقعه.<br>والمراد بالاضطرار: الإِلجاء والقسر والإِلزام، أى: أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذى أعد لهم.<br>ووصف - سبحانه - العذاب بالغلظ، لزيادة تهويله وشدته. فهو ثقيل عليهم ثقل الأجرام الضخمة التى تهوى على رأس الإِنسان، فتشل حركته وتهلكه.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال:<br>{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أيها الرسول الكريم - { مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وأوجدهما على هذا النظام البديع.. { لَيَقُولُنَّ } فى الجواب { ٱللَّهُ } أى: الله - تعالى - هو الذى خلقهما، وهو الذى أوجدهما.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } قل - أيها الرسول الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده، حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله، وما دام الأمر كذلك، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره؟ إن قولكم هذا الذى تؤيده الفطرة، ليتنافى مع ما أنتم عليه من كفر وضلال.<br>وقوله - سبحانه - { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم، أى: بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما، وإنما هم يقولون بألسنتهم، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم، وهذا شأن الجاهلين، الذين انطمست بصائرهم..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على عظم قدرته، وشمول ملكه فقال: { لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. أى: لله - تعالى - وحده، ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا، وملكا، وتصرفا..<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } عن كل ما سواه { ٱلْحَمِيدُ } أى: المحمود من أهل الأرض والسماء، لأنه هو الخالق لكل شئ، والرازق لكل شئ.<br>ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه، ونفاذ قدرته، فقال - سبحانه - { وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ....سَمِيعٌ بَصِيرٌ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3524",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "25",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } أى: ومن يتجه إلى الله - تعالى - ويذعن لأمره، ويخلص له العبادة، وهو محسن فى أقواله وأفعاله.<br>من يفعل ذلك { فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } والعروة فى أصل معناها: تطلق على ما يتعلق بالشئ من عراه، أى من الجهة التى يجب تعليقه منها. وتجمع على عرا.<br>والعروة من الدلو مقبضه، ومن الثوب: مدخل زره.<br>والوثقى: تأنيث الأوثق، وهو الشئ المحكم الموثق. يقال: وثق - بالضم - وثاقه، أى: قوى وثبت فهو وثيق، أى: ثابت محكم.<br>والمعنى: ومن يستسلم لأمر الله - تعالى - ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه حسن، فقد ثبت أمره، واستقام على الطريقة المثلى، وأمسك من الدين بأقوى سبب، وأحكم رباط.<br>فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه فى جميع أموره، المحسن فى أفعاله، بمن ترقى فى حبل شاهق، وتدلى منه، فاستمسك بأوثق عروة، من حبل متين مأمون انقطاعه.<br>وخص - سبحانه - الوجه بالذكر، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم الأعضاء، فغيره أكثر خضوعا.<br>وقوله: { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ } أى: وإلى الله - تعالى - وحده تصير الأمور، وترجع إليه، وتخضع لحكمه وإرادته.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ... } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: ومن استمر أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب، وإنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدى من يشاء.<br>وقوله - سبحانه -: { إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ... } بيان لسوء مصيرهم.<br>أى: إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين، فنخبرهم بما عملوه فى الدنيا من أعمال سيئة، ونجازيهم عليها بما يستحقونه من عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { عَلِيمٌ } علما تاما { بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أى: بمكنونات الصدور وخفاياها..<br>{ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً } فى هذه الحياة الدنيا. أن نمتعهم تمتيعا قليلا فى دنياهم، بأن نعطيهم الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج.<br>{ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أى نعطيهم فى حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال وصحة... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع، لضخامة ثقله، وشدة وقعه.<br>والمراد بالاضطرار: الإِلجاء والقسر والإِلزام، أى: أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذى أعد لهم.<br>ووصف - سبحانه - العذاب بالغلظ، لزيادة تهويله وشدته. فهو ثقيل عليهم ثقل الأجرام الضخمة التى تهوى على رأس الإِنسان، فتشل حركته وتهلكه.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال:<br>{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أيها الرسول الكريم - { مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وأوجدهما على هذا النظام البديع.. { لَيَقُولُنَّ } فى الجواب { ٱللَّهُ } أى: الله - تعالى - هو الذى خلقهما، وهو الذى أوجدهما.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } قل - أيها الرسول الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده، حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله، وما دام الأمر كذلك، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره؟ إن قولكم هذا الذى تؤيده الفطرة، ليتنافى مع ما أنتم عليه من كفر وضلال.<br>وقوله - سبحانه - { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم، أى: بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما، وإنما هم يقولون بألسنتهم، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم، وهذا شأن الجاهلين، الذين انطمست بصائرهم..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على عظم قدرته، وشمول ملكه فقال: { لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. أى: لله - تعالى - وحده، ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا، وملكا، وتصرفا..<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } عن كل ما سواه { ٱلْحَمِيدُ } أى: المحمود من أهل الأرض والسماء، لأنه هو الخالق لكل شئ، والرازق لكل شئ.<br>ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه، ونفاذ قدرته، فقال - سبحانه - { وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ....سَمِيعٌ بَصِيرٌ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3525",
        "sura_number": "31",
        "ayah_number": "26",
        "aya": "",
        "sura": "لقمان",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } أى: ومن يتجه إلى الله - تعالى - ويذعن لأمره، ويخلص له العبادة، وهو محسن فى أقواله وأفعاله.<br>من يفعل ذلك { فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } والعروة فى أصل معناها: تطلق على ما يتعلق بالشئ من عراه، أى من الجهة التى يجب تعليقه منها. وتجمع على عرا.<br>والعروة من الدلو مقبضه، ومن الثوب: مدخل زره.<br>والوثقى: تأنيث الأوثق، وهو الشئ المحكم الموثق. يقال: وثق - بالضم - وثاقه، أى: قوى وثبت فهو وثيق، أى: ثابت محكم.<br>والمعنى: ومن يستسلم لأمر الله - تعالى - ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه حسن، فقد ثبت أمره، واستقام على الطريقة المثلى، وأمسك من الدين بأقوى سبب، وأحكم رباط.<br>فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه فى جميع أموره، المحسن فى أفعاله، بمن ترقى فى حبل شاهق، وتدلى منه، فاستمسك بأوثق عروة، من حبل متين مأمون انقطاعه.<br>وخص - سبحانه - الوجه بالذكر، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم الأعضاء، فغيره أكثر خضوعا.<br>وقوله: { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ } أى: وإلى الله - تعالى - وحده تصير الأمور، وترجع إليه، وتخضع لحكمه وإرادته.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ... } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.<br>أى: ومن استمر أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب، وإنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدى من يشاء.<br>وقوله - سبحانه -: { إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ... } بيان لسوء مصيرهم.<br>أى: إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين، فنخبرهم بما عملوه فى الدنيا من أعمال سيئة، ونجازيهم عليها بما يستحقونه من عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { عَلِيمٌ } علما تاما { بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أى: بمكنونات الصدور وخفاياها..<br>{ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً } فى هذه الحياة الدنيا. أن نمتعهم تمتيعا قليلا فى دنياهم، بأن نعطيهم الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج.<br>{ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أى نعطيهم فى حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال وصحة... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع، لضخامة ثقله، وشدة وقعه.<br>والمراد بالاضطرار: الإِلجاء والقسر والإِلزام، أى: أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذى أعد لهم.<br>ووصف - سبحانه - العذاب بالغلظ، لزيادة تهويله وشدته. فهو ثقيل عليهم ثقل الأجرام الضخمة التى تهوى على رأس الإِنسان، فتشل حركته وتهلكه.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال:<br>{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أيها الرسول الكريم - { مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وأوجدهما على هذا النظام البديع.. { لَيَقُولُنَّ } فى الجواب { ٱللَّهُ } أى: الله - تعالى - هو الذى خلقهما، وهو الذى أوجدهما.<br>{ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } قل - أيها الرسول الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده، حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله، وما دام الأمر كذلك، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره؟ إن قولكم هذا الذى تؤيده الفطرة، ليتنافى مع ما أنتم عليه من كفر وضلال.<br>وقوله - سبحانه - { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم، أى: بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما، وإنما هم يقولون بألسنتهم، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم، وهذا شأن الجاهلين، الذين انطمست بصائرهم..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على عظم قدرته، وشمول ملكه فقال: { لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. أى: لله - تعالى - وحده، ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا، وملكا، وتصرفا..<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } عن كل ما سواه { ٱلْحَمِيدُ } أى: المحمود من أهل الأرض والسماء، لأنه هو الخالق لكل شئ، والرازق لكل شئ.<br>ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه، ونفاذ قدرته، فقال - سبحانه - { وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ....سَمِيعٌ بَصِيرٌ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3632",
        "sura_number": "33",
        "ayah_number": "69",
        "aya": "",
        "sura": "الأحزاب",
        "mediator": "والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - فى قوله - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... } قومه الذين أرسله الله إليهم.<br>فقد حكى القرآن الكريم ألوانا من إيذائهم له، ومن ذلك قولهم له: {  { يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ... } وقولهم: {  { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }  }.ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإِمام البخارى والترمذى عن أبى هريرة قال:  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شئ، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما آفة. وإن الله - تعالى - أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبى حجر، ثوبى حجر حتى انتهى إلا ملأ بنى إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله - تعالى -، وأبرأه الله - تعالى مما يقولون..\"  فذلك قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... }.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، التزموا الأدب والطاعة والاحترام لنبيكم صلى الله عليه وسلم واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذى سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى.<br>وقولهم: {  { لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ... } واتخاذهم العجل إلها من دون الله فى غيبة نبيهم موسى - عليه السلام -..<br>{ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } أى: فأظهر الله - تعالى - براءته من كل ما نسبوه إليه من سوء.<br>{ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } أى: وكان عند الله - تعالى - ذا جاه عظيم، ومكانه سامية، ومنزلة عالية، حيث نصره - سبحانه - عليهم، واصطفاه لحمل رسالته..<br>يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر..<br>ثم أمرهم - سبحانه - بمراقبته وبالخوف منه، بعد أن نهاهم عن التشبه ببنى إسرائيل فى إيذائهم لنبيهم فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً.. }.<br>والقول السديد: هو القول الصادق الصحيح الخالى من كل انحراف عن الحق والصواب، مأخوذ من قولك: سدد فلان سهمه يسدده، إذا وجهه بإحكام إلى المرمى الذى يقصده فأصابه. ومنه قولهم: سهم قاصد. إذا أصاب الهدف.<br>أى: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه فى كل ما تأتون وما تذرون، وفى كل ما تقولون وما تفعلون، وقولوا قولا كله الصدق والصواب.<br>فإنكم إن فعلتم ذلك { يُصْلِحْ } الله - تعالى - { لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } بأن يجعلها مقبولة عنده { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } التى فرطت منكم، بأن بمحوها عنكم ببركة استقامتكم فى أقوالكم وأفعالكم.<br>{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فى كل الأقوال والأعمال { فَقَدْ فَازَ } فى الدارين { فَوْزاً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يعلم أحد كنهه وعلو منزلته.<br>ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التى حملها الإِنسان فقال: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ.. }.<br>وأرجح الأقوال وأجمعها فى المراد بالأمانة هنا: أنها التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله - تعالى - بها عباده، من إخلاص فى العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه.<br>وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا - سبحانه - بها، وائتمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشئ منها.<br>والمراد بالإِنسان: آدم - عليه السلام - أو جنس الإِنسان.<br>والمراد بحمله إياها: تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهى مع ثقلها وضخامتها.<br>وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهات، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته، وأن الله - تعالى - قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة، على السماوات والأرض والجبال { فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } لثقلها وضخامتها { وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } أى: وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير فى أداء ما كلفن بأدائه.<br>{ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ } أى: وقبل الإِنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها.<br>{ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: إنه كان مفرطا فى ظلمه لنفسه، ومبالغة فى الجهل، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما كلفهم الله - تعالى - بأدائه. وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون -، ومنهم من لم يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه، وخان الأمانة التى التزم بأدائها.<br>فالضمير فى قوله { إِنَّهُ } يعود على بعض أفراد جنس الإِنسان، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التى التزموا بحملها.<br>قال الآلوسى: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله ويكفى فى صدق الحكم على الجنس بشئ، وجوده فى بعض أفراده، فضلا عن وجوده فى غالبها...<br>وقال بعض العلماء: ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلى معروف فى اللغة التى نزل بها القرآن.<br>وقد جاء فعلا فى آية من كتاب الله، وهى قوله - تعالى -: {  { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ... } لأن الضمير فى قوله: {  { وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلى، كما هو ظاهر.<br>وهذه المسألة هى المعروفة عند علماء العربية بمسألة: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>وأصحاب هذا الاتجاه يقولون: لا مانع إطلاقا من أن يخلق الله - تعالى - إدراكا ونطقا للسماوات والأرض والجبال، ولكن هذا الإِدراك والنطق لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>ومما يشهد لذلك قوله - تعالى -: {  { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }  }.قال الجمل: وكان هذا العرض عليهن - أى على السماوات والأرض والجبال تخييرا لا إلزاما، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها. والجمادات كلها خاضعة لله - تعالى - مطيعة لأمره، ساجدة له.<br>قال بعض أهل العلم: ركب الله - تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن.<br>ويرى بعضهم أن العرض فى الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل، أو من قبيل المجاز.<br>قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: لما بين - تعالى - فى هذه السورة من الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره، والأمانة تعم جميع وظائف الدين، على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور..<br>ويصح أن يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة..<br>وقال القفال وغيره: العرض فى هذه الآية ضرب مثل، أى: أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها، لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب.<br>أى: أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد حمله الإِنسان وهو ظلوم جهول لو عقل. وهذا كقوله: {  { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ... }  }.وقال قوم: إن الآية من المجاز: أى: أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فَعُبِّر عن هذا بعرض الأمانة. كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد: قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه..<br>وقيل: { عَرَضْنَا } يعنى عارضنا الأمانة بالسماوات والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة. ورجحت الأمانة بثقلها عليها...<br>ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه، فلا داعى لصرفه عن ذلك.<br>ومما لا شك أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تخلق فى السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>واللام فى قوله - سبحانه -: { لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ... } متعلقة بقوله: { وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ... }.<br>أى: وحملها الإِنسان ليعذب الله - تعالى - بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات { وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ } أى: ويقبل الله - تعالى - توبة المؤمنين والمؤمنات، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم.<br>{ وَكَانَ ٱللَّهُ } - تعالى - ما زال { غَفُوراً رَّحِيماً } أى: واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.<br>أما بعد: فهذا تفسير لسورة (الأحزاب) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده..<br>والحمد الله الذى بنعمته تتم الصحالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3633",
        "sura_number": "33",
        "ayah_number": "70",
        "aya": "",
        "sura": "الأحزاب",
        "mediator": "والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - فى قوله - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... } قومه الذين أرسله الله إليهم.<br>فقد حكى القرآن الكريم ألوانا من إيذائهم له، ومن ذلك قولهم له: {  { يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ... } وقولهم: {  { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }  }.ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإِمام البخارى والترمذى عن أبى هريرة قال:  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شئ، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما آفة. وإن الله - تعالى - أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبى حجر، ثوبى حجر حتى انتهى إلا ملأ بنى إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله - تعالى -، وأبرأه الله - تعالى مما يقولون..\"  فذلك قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... }.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، التزموا الأدب والطاعة والاحترام لنبيكم صلى الله عليه وسلم واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذى سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى.<br>وقولهم: {  { لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ... } واتخاذهم العجل إلها من دون الله فى غيبة نبيهم موسى - عليه السلام -..<br>{ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } أى: فأظهر الله - تعالى - براءته من كل ما نسبوه إليه من سوء.<br>{ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } أى: وكان عند الله - تعالى - ذا جاه عظيم، ومكانه سامية، ومنزلة عالية، حيث نصره - سبحانه - عليهم، واصطفاه لحمل رسالته..<br>يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر..<br>ثم أمرهم - سبحانه - بمراقبته وبالخوف منه، بعد أن نهاهم عن التشبه ببنى إسرائيل فى إيذائهم لنبيهم فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً.. }.<br>والقول السديد: هو القول الصادق الصحيح الخالى من كل انحراف عن الحق والصواب، مأخوذ من قولك: سدد فلان سهمه يسدده، إذا وجهه بإحكام إلى المرمى الذى يقصده فأصابه. ومنه قولهم: سهم قاصد. إذا أصاب الهدف.<br>أى: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه فى كل ما تأتون وما تذرون، وفى كل ما تقولون وما تفعلون، وقولوا قولا كله الصدق والصواب.<br>فإنكم إن فعلتم ذلك { يُصْلِحْ } الله - تعالى - { لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } بأن يجعلها مقبولة عنده { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } التى فرطت منكم، بأن بمحوها عنكم ببركة استقامتكم فى أقوالكم وأفعالكم.<br>{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فى كل الأقوال والأعمال { فَقَدْ فَازَ } فى الدارين { فَوْزاً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يعلم أحد كنهه وعلو منزلته.<br>ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التى حملها الإِنسان فقال: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ.. }.<br>وأرجح الأقوال وأجمعها فى المراد بالأمانة هنا: أنها التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله - تعالى - بها عباده، من إخلاص فى العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه.<br>وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا - سبحانه - بها، وائتمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشئ منها.<br>والمراد بالإِنسان: آدم - عليه السلام - أو جنس الإِنسان.<br>والمراد بحمله إياها: تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهى مع ثقلها وضخامتها.<br>وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهات، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته، وأن الله - تعالى - قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة، على السماوات والأرض والجبال { فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } لثقلها وضخامتها { وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } أى: وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير فى أداء ما كلفن بأدائه.<br>{ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ } أى: وقبل الإِنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها.<br>{ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: إنه كان مفرطا فى ظلمه لنفسه، ومبالغة فى الجهل، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما كلفهم الله - تعالى - بأدائه. وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون -، ومنهم من لم يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه، وخان الأمانة التى التزم بأدائها.<br>فالضمير فى قوله { إِنَّهُ } يعود على بعض أفراد جنس الإِنسان، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التى التزموا بحملها.<br>قال الآلوسى: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله ويكفى فى صدق الحكم على الجنس بشئ، وجوده فى بعض أفراده، فضلا عن وجوده فى غالبها...<br>وقال بعض العلماء: ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلى معروف فى اللغة التى نزل بها القرآن.<br>وقد جاء فعلا فى آية من كتاب الله، وهى قوله - تعالى -: {  { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ... } لأن الضمير فى قوله: {  { وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلى، كما هو ظاهر.<br>وهذه المسألة هى المعروفة عند علماء العربية بمسألة: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>وأصحاب هذا الاتجاه يقولون: لا مانع إطلاقا من أن يخلق الله - تعالى - إدراكا ونطقا للسماوات والأرض والجبال، ولكن هذا الإِدراك والنطق لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>ومما يشهد لذلك قوله - تعالى -: {  { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }  }.قال الجمل: وكان هذا العرض عليهن - أى على السماوات والأرض والجبال تخييرا لا إلزاما، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها. والجمادات كلها خاضعة لله - تعالى - مطيعة لأمره، ساجدة له.<br>قال بعض أهل العلم: ركب الله - تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن.<br>ويرى بعضهم أن العرض فى الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل، أو من قبيل المجاز.<br>قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: لما بين - تعالى - فى هذه السورة من الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره، والأمانة تعم جميع وظائف الدين، على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور..<br>ويصح أن يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة..<br>وقال القفال وغيره: العرض فى هذه الآية ضرب مثل، أى: أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها، لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب.<br>أى: أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد حمله الإِنسان وهو ظلوم جهول لو عقل. وهذا كقوله: {  { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ... }  }.وقال قوم: إن الآية من المجاز: أى: أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فَعُبِّر عن هذا بعرض الأمانة. كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد: قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه..<br>وقيل: { عَرَضْنَا } يعنى عارضنا الأمانة بالسماوات والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة. ورجحت الأمانة بثقلها عليها...<br>ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه، فلا داعى لصرفه عن ذلك.<br>ومما لا شك أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تخلق فى السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>واللام فى قوله - سبحانه -: { لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ... } متعلقة بقوله: { وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ... }.<br>أى: وحملها الإِنسان ليعذب الله - تعالى - بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات { وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ } أى: ويقبل الله - تعالى - توبة المؤمنين والمؤمنات، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم.<br>{ وَكَانَ ٱللَّهُ } - تعالى - ما زال { غَفُوراً رَّحِيماً } أى: واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.<br>أما بعد: فهذا تفسير لسورة (الأحزاب) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده..<br>والحمد الله الذى بنعمته تتم الصحالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3634",
        "sura_number": "33",
        "ayah_number": "71",
        "aya": "",
        "sura": "الأحزاب",
        "mediator": "والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - فى قوله - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... } قومه الذين أرسله الله إليهم.<br>فقد حكى القرآن الكريم ألوانا من إيذائهم له، ومن ذلك قولهم له: {  { يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ... } وقولهم: {  { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }  }.ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإِمام البخارى والترمذى عن أبى هريرة قال:  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شئ، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما آفة. وإن الله - تعالى - أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبى حجر، ثوبى حجر حتى انتهى إلا ملأ بنى إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله - تعالى -، وأبرأه الله - تعالى مما يقولون..\"  فذلك قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... }.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، التزموا الأدب والطاعة والاحترام لنبيكم صلى الله عليه وسلم واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذى سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى.<br>وقولهم: {  { لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ... } واتخاذهم العجل إلها من دون الله فى غيبة نبيهم موسى - عليه السلام -..<br>{ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } أى: فأظهر الله - تعالى - براءته من كل ما نسبوه إليه من سوء.<br>{ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } أى: وكان عند الله - تعالى - ذا جاه عظيم، ومكانه سامية، ومنزلة عالية، حيث نصره - سبحانه - عليهم، واصطفاه لحمل رسالته..<br>يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر..<br>ثم أمرهم - سبحانه - بمراقبته وبالخوف منه، بعد أن نهاهم عن التشبه ببنى إسرائيل فى إيذائهم لنبيهم فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً.. }.<br>والقول السديد: هو القول الصادق الصحيح الخالى من كل انحراف عن الحق والصواب، مأخوذ من قولك: سدد فلان سهمه يسدده، إذا وجهه بإحكام إلى المرمى الذى يقصده فأصابه. ومنه قولهم: سهم قاصد. إذا أصاب الهدف.<br>أى: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه فى كل ما تأتون وما تذرون، وفى كل ما تقولون وما تفعلون، وقولوا قولا كله الصدق والصواب.<br>فإنكم إن فعلتم ذلك { يُصْلِحْ } الله - تعالى - { لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } بأن يجعلها مقبولة عنده { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } التى فرطت منكم، بأن بمحوها عنكم ببركة استقامتكم فى أقوالكم وأفعالكم.<br>{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فى كل الأقوال والأعمال { فَقَدْ فَازَ } فى الدارين { فَوْزاً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يعلم أحد كنهه وعلو منزلته.<br>ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التى حملها الإِنسان فقال: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ.. }.<br>وأرجح الأقوال وأجمعها فى المراد بالأمانة هنا: أنها التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله - تعالى - بها عباده، من إخلاص فى العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه.<br>وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا - سبحانه - بها، وائتمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشئ منها.<br>والمراد بالإِنسان: آدم - عليه السلام - أو جنس الإِنسان.<br>والمراد بحمله إياها: تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهى مع ثقلها وضخامتها.<br>وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهات، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته، وأن الله - تعالى - قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة، على السماوات والأرض والجبال { فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } لثقلها وضخامتها { وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } أى: وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير فى أداء ما كلفن بأدائه.<br>{ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ } أى: وقبل الإِنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها.<br>{ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: إنه كان مفرطا فى ظلمه لنفسه، ومبالغة فى الجهل، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما كلفهم الله - تعالى - بأدائه. وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون -، ومنهم من لم يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه، وخان الأمانة التى التزم بأدائها.<br>فالضمير فى قوله { إِنَّهُ } يعود على بعض أفراد جنس الإِنسان، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التى التزموا بحملها.<br>قال الآلوسى: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله ويكفى فى صدق الحكم على الجنس بشئ، وجوده فى بعض أفراده، فضلا عن وجوده فى غالبها...<br>وقال بعض العلماء: ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلى معروف فى اللغة التى نزل بها القرآن.<br>وقد جاء فعلا فى آية من كتاب الله، وهى قوله - تعالى -: {  { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ... } لأن الضمير فى قوله: {  { وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلى، كما هو ظاهر.<br>وهذه المسألة هى المعروفة عند علماء العربية بمسألة: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>وأصحاب هذا الاتجاه يقولون: لا مانع إطلاقا من أن يخلق الله - تعالى - إدراكا ونطقا للسماوات والأرض والجبال، ولكن هذا الإِدراك والنطق لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>ومما يشهد لذلك قوله - تعالى -: {  { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }  }.قال الجمل: وكان هذا العرض عليهن - أى على السماوات والأرض والجبال تخييرا لا إلزاما، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها. والجمادات كلها خاضعة لله - تعالى - مطيعة لأمره، ساجدة له.<br>قال بعض أهل العلم: ركب الله - تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن.<br>ويرى بعضهم أن العرض فى الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل، أو من قبيل المجاز.<br>قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: لما بين - تعالى - فى هذه السورة من الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره، والأمانة تعم جميع وظائف الدين، على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور..<br>ويصح أن يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة..<br>وقال القفال وغيره: العرض فى هذه الآية ضرب مثل، أى: أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها، لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب.<br>أى: أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد حمله الإِنسان وهو ظلوم جهول لو عقل. وهذا كقوله: {  { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ... }  }.وقال قوم: إن الآية من المجاز: أى: أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فَعُبِّر عن هذا بعرض الأمانة. كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد: قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه..<br>وقيل: { عَرَضْنَا } يعنى عارضنا الأمانة بالسماوات والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة. ورجحت الأمانة بثقلها عليها...<br>ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه، فلا داعى لصرفه عن ذلك.<br>ومما لا شك أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تخلق فى السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>واللام فى قوله - سبحانه -: { لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ... } متعلقة بقوله: { وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ... }.<br>أى: وحملها الإِنسان ليعذب الله - تعالى - بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات { وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ } أى: ويقبل الله - تعالى - توبة المؤمنين والمؤمنات، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم.<br>{ وَكَانَ ٱللَّهُ } - تعالى - ما زال { غَفُوراً رَّحِيماً } أى: واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.<br>أما بعد: فهذا تفسير لسورة (الأحزاب) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده..<br>والحمد الله الذى بنعمته تتم الصحالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3635",
        "sura_number": "33",
        "ayah_number": "72",
        "aya": "",
        "sura": "الأحزاب",
        "mediator": "والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - فى قوله - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... } قومه الذين أرسله الله إليهم.<br>فقد حكى القرآن الكريم ألوانا من إيذائهم له، ومن ذلك قولهم له: {  { يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ... } وقولهم: {  { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }  }.ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإِمام البخارى والترمذى عن أبى هريرة قال:  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شئ، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما آفة. وإن الله - تعالى - أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبى حجر، ثوبى حجر حتى انتهى إلا ملأ بنى إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله - تعالى -، وأبرأه الله - تعالى مما يقولون..\"  فذلك قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... }.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، التزموا الأدب والطاعة والاحترام لنبيكم صلى الله عليه وسلم واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذى سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى.<br>وقولهم: {  { لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ... } واتخاذهم العجل إلها من دون الله فى غيبة نبيهم موسى - عليه السلام -..<br>{ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } أى: فأظهر الله - تعالى - براءته من كل ما نسبوه إليه من سوء.<br>{ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } أى: وكان عند الله - تعالى - ذا جاه عظيم، ومكانه سامية، ومنزلة عالية، حيث نصره - سبحانه - عليهم، واصطفاه لحمل رسالته..<br>يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر..<br>ثم أمرهم - سبحانه - بمراقبته وبالخوف منه، بعد أن نهاهم عن التشبه ببنى إسرائيل فى إيذائهم لنبيهم فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً.. }.<br>والقول السديد: هو القول الصادق الصحيح الخالى من كل انحراف عن الحق والصواب، مأخوذ من قولك: سدد فلان سهمه يسدده، إذا وجهه بإحكام إلى المرمى الذى يقصده فأصابه. ومنه قولهم: سهم قاصد. إذا أصاب الهدف.<br>أى: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه فى كل ما تأتون وما تذرون، وفى كل ما تقولون وما تفعلون، وقولوا قولا كله الصدق والصواب.<br>فإنكم إن فعلتم ذلك { يُصْلِحْ } الله - تعالى - { لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } بأن يجعلها مقبولة عنده { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } التى فرطت منكم، بأن بمحوها عنكم ببركة استقامتكم فى أقوالكم وأفعالكم.<br>{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فى كل الأقوال والأعمال { فَقَدْ فَازَ } فى الدارين { فَوْزاً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يعلم أحد كنهه وعلو منزلته.<br>ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التى حملها الإِنسان فقال: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ.. }.<br>وأرجح الأقوال وأجمعها فى المراد بالأمانة هنا: أنها التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله - تعالى - بها عباده، من إخلاص فى العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه.<br>وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا - سبحانه - بها، وائتمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشئ منها.<br>والمراد بالإِنسان: آدم - عليه السلام - أو جنس الإِنسان.<br>والمراد بحمله إياها: تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهى مع ثقلها وضخامتها.<br>وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهات، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته، وأن الله - تعالى - قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة، على السماوات والأرض والجبال { فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } لثقلها وضخامتها { وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } أى: وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير فى أداء ما كلفن بأدائه.<br>{ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ } أى: وقبل الإِنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها.<br>{ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: إنه كان مفرطا فى ظلمه لنفسه، ومبالغة فى الجهل، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما كلفهم الله - تعالى - بأدائه. وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون -، ومنهم من لم يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه، وخان الأمانة التى التزم بأدائها.<br>فالضمير فى قوله { إِنَّهُ } يعود على بعض أفراد جنس الإِنسان، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التى التزموا بحملها.<br>قال الآلوسى: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله ويكفى فى صدق الحكم على الجنس بشئ، وجوده فى بعض أفراده، فضلا عن وجوده فى غالبها...<br>وقال بعض العلماء: ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلى معروف فى اللغة التى نزل بها القرآن.<br>وقد جاء فعلا فى آية من كتاب الله، وهى قوله - تعالى -: {  { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ... } لأن الضمير فى قوله: {  { وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلى، كما هو ظاهر.<br>وهذه المسألة هى المعروفة عند علماء العربية بمسألة: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>وأصحاب هذا الاتجاه يقولون: لا مانع إطلاقا من أن يخلق الله - تعالى - إدراكا ونطقا للسماوات والأرض والجبال، ولكن هذا الإِدراك والنطق لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>ومما يشهد لذلك قوله - تعالى -: {  { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }  }.قال الجمل: وكان هذا العرض عليهن - أى على السماوات والأرض والجبال تخييرا لا إلزاما، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها. والجمادات كلها خاضعة لله - تعالى - مطيعة لأمره، ساجدة له.<br>قال بعض أهل العلم: ركب الله - تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن.<br>ويرى بعضهم أن العرض فى الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل، أو من قبيل المجاز.<br>قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: لما بين - تعالى - فى هذه السورة من الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره، والأمانة تعم جميع وظائف الدين، على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور..<br>ويصح أن يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة..<br>وقال القفال وغيره: العرض فى هذه الآية ضرب مثل، أى: أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها، لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب.<br>أى: أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد حمله الإِنسان وهو ظلوم جهول لو عقل. وهذا كقوله: {  { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ... }  }.وقال قوم: إن الآية من المجاز: أى: أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فَعُبِّر عن هذا بعرض الأمانة. كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد: قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه..<br>وقيل: { عَرَضْنَا } يعنى عارضنا الأمانة بالسماوات والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة. ورجحت الأمانة بثقلها عليها...<br>ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه، فلا داعى لصرفه عن ذلك.<br>ومما لا شك أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تخلق فى السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>واللام فى قوله - سبحانه -: { لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ... } متعلقة بقوله: { وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ... }.<br>أى: وحملها الإِنسان ليعذب الله - تعالى - بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات { وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ } أى: ويقبل الله - تعالى - توبة المؤمنين والمؤمنات، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم.<br>{ وَكَانَ ٱللَّهُ } - تعالى - ما زال { غَفُوراً رَّحِيماً } أى: واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.<br>أما بعد: فهذا تفسير لسورة (الأحزاب) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده..<br>والحمد الله الذى بنعمته تتم الصحالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3636",
        "sura_number": "33",
        "ayah_number": "73",
        "aya": "",
        "sura": "الأحزاب",
        "mediator": "والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - فى قوله - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... } قومه الذين أرسله الله إليهم.<br>فقد حكى القرآن الكريم ألوانا من إيذائهم له، ومن ذلك قولهم له: {  { يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ... } وقولهم: {  { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }  }.ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإِمام البخارى والترمذى عن أبى هريرة قال:  \"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شئ، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما آفة. وإن الله - تعالى - أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبى حجر، ثوبى حجر حتى انتهى إلا ملأ بنى إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله - تعالى -، وأبرأه الله - تعالى مما يقولون..\"  فذلك قوله - تعالى - { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ... }.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، التزموا الأدب والطاعة والاحترام لنبيكم صلى الله عليه وسلم واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذى سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى.<br>وقولهم: {  { لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ... } واتخاذهم العجل إلها من دون الله فى غيبة نبيهم موسى - عليه السلام -..<br>{ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } أى: فأظهر الله - تعالى - براءته من كل ما نسبوه إليه من سوء.<br>{ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } أى: وكان عند الله - تعالى - ذا جاه عظيم، ومكانه سامية، ومنزلة عالية، حيث نصره - سبحانه - عليهم، واصطفاه لحمل رسالته..<br>يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر..<br>ثم أمرهم - سبحانه - بمراقبته وبالخوف منه، بعد أن نهاهم عن التشبه ببنى إسرائيل فى إيذائهم لنبيهم فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً.. }.<br>والقول السديد: هو القول الصادق الصحيح الخالى من كل انحراف عن الحق والصواب، مأخوذ من قولك: سدد فلان سهمه يسدده، إذا وجهه بإحكام إلى المرمى الذى يقصده فأصابه. ومنه قولهم: سهم قاصد. إذا أصاب الهدف.<br>أى: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه فى كل ما تأتون وما تذرون، وفى كل ما تقولون وما تفعلون، وقولوا قولا كله الصدق والصواب.<br>فإنكم إن فعلتم ذلك { يُصْلِحْ } الله - تعالى - { لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } بأن يجعلها مقبولة عنده { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } التى فرطت منكم، بأن بمحوها عنكم ببركة استقامتكم فى أقوالكم وأفعالكم.<br>{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فى كل الأقوال والأعمال { فَقَدْ فَازَ } فى الدارين { فَوْزاً عَظِيماً } لا يقادر قدره، ولا يعلم أحد كنهه وعلو منزلته.<br>ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التى حملها الإِنسان فقال: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ.. }.<br>وأرجح الأقوال وأجمعها فى المراد بالأمانة هنا: أنها التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله - تعالى - بها عباده، من إخلاص فى العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه.<br>وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا - سبحانه - بها، وائتمننا عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها، وأداءها بدون إخلال بشئ منها.<br>والمراد بالإِنسان: آدم - عليه السلام - أو جنس الإِنسان.<br>والمراد بحمله إياها: تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهى مع ثقلها وضخامتها.<br>وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهات، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته، وأن الله - تعالى - قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة، على السماوات والأرض والجبال { فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } لثقلها وضخامتها { وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } أى: وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير فى أداء ما كلفن بأدائه.<br>{ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ } أى: وقبل الإِنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها.<br>{ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: إنه كان مفرطا فى ظلمه لنفسه، ومبالغة فى الجهل، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما كلفهم الله - تعالى - بأدائه. وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون -، ومنهم من لم يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه، وخان الأمانة التى التزم بأدائها.<br>فالضمير فى قوله { إِنَّهُ } يعود على بعض أفراد جنس الإِنسان، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التى التزموا بحملها.<br>قال الآلوسى: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } أى: بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله ويكفى فى صدق الحكم على الجنس بشئ، وجوده فى بعض أفراده، فضلا عن وجوده فى غالبها...<br>وقال بعض العلماء: ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلى معروف فى اللغة التى نزل بها القرآن.<br>وقد جاء فعلا فى آية من كتاب الله، وهى قوله - تعالى -: {  { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ... } لأن الضمير فى قوله: {  { وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلى، كما هو ظاهر.<br>وهذه المسألة هى المعروفة عند علماء العربية بمسألة: عندى درهم ونصفه. أى: ونصف درهم آخر.<br>وأصحاب هذا الاتجاه يقولون: لا مانع إطلاقا من أن يخلق الله - تعالى - إدراكا ونطقا للسماوات والأرض والجبال، ولكن هذا الإِدراك والنطق لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>ومما يشهد لذلك قوله - تعالى -: {  { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }  }.قال الجمل: وكان هذا العرض عليهن - أى على السماوات والأرض والجبال تخييرا لا إلزاما، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها. والجمادات كلها خاضعة لله - تعالى - مطيعة لأمره، ساجدة له.<br>قال بعض أهل العلم: ركب الله - تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن.<br>ويرى بعضهم أن العرض فى الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل، أو من قبيل المجاز.<br>قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: لما بين - تعالى - فى هذه السورة من الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره، والأمانة تعم جميع وظائف الدين، على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور..<br>ويصح أن يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة..<br>وقال القفال وغيره: العرض فى هذه الآية ضرب مثل، أى: أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها، لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب.<br>أى: أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد حمله الإِنسان وهو ظلوم جهول لو عقل. وهذا كقوله: {  { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ... }  }.وقال قوم: إن الآية من المجاز: أى: أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فَعُبِّر عن هذا بعرض الأمانة. كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد: قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه..<br>وقيل: { عَرَضْنَا } يعنى عارضنا الأمانة بالسماوات والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة. ورجحت الأمانة بثقلها عليها...<br>ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه، فلا داعى لصرفه عن ذلك.<br>ومما لا شك أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تخلق فى السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه -.<br>واللام فى قوله - سبحانه -: { لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ... } متعلقة بقوله: { وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ... }.<br>أى: وحملها الإِنسان ليعذب الله - تعالى - بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات { وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ } أى: ويقبل الله - تعالى - توبة المؤمنين والمؤمنات، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم.<br>{ وَكَانَ ٱللَّهُ } - تعالى - ما زال { غَفُوراً رَّحِيماً } أى: واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.<br>أما بعد: فهذا تفسير لسورة (الأحزاب) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده..<br>والحمد الله الذى بنعمته تتم الصحالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3637",
        "sura_number": "34",
        "ayah_number": "1",
        "aya": "",
        "sura": "سبأ",
        "mediator": "افتتحت سورة (سبأ) بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصدر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>و (أل) فى الحمد للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء، هو الله - تعالى -.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء، فهو صادر عنه، ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، هو فى الحقيقة حمد له - لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد اختار - سبحانه - افتتاح هذه السورة بصفة الحمد، دون المدح أو الشكر، لأنه وسط بينهما، إذ المدح أعم من الحمد، لأن المدح يكون للعاقل وغيره، فقد يمدح الإِنسان لعقله، وتمدح اللؤلؤة لجماها، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان.<br>والحمد أخص من الشكر، لأن الشكر يكون من أجل نعمه وصلت إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك.<br>وفى القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ.. } وهى سورة الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.<br>ولكن لكل سورة من هذه السور، منهج خاص فى بيان أسباب الحمد لله - تعالى - وحده.<br>وقد أحسن القرطبى -رحمه الله  - عندما قال: فإن قيل: قد افتتح غيرها أى: سورة الأنعام - بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟ فالجواب أن لكل واحد منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره، من أجل عقده بالنعم المختلفة، و - أيضا - فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون.<br>والمعنى: الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده، لأنه هو، الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا وملكا وتصرفا، بحيث لا يخرج شئ فيهما عن إرادته ومشيئته.<br>قوله: وله الحمد فى الآخرة، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا، بل يشمل الدنيا والآخرة.<br>فالمؤمنون فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإِيمان والإِحسان، ويحمدونه فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض، ويقولون: {  { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }  }.قال صاحب الكشاف: ولما قال - سبحانه -: الحمد لله، ثم وصف ذاته بالإِنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، تقول: احمد أخاك الذى كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه.<br>ولما قال: { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ } علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب.<br>وقال الآلوسى: والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل، أن الأول على نهج العبادة، والثانى على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس.<br>وقال الجمل: فإن قلت: الحمد مدح للنفس، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق، فما وجه ذلك؟<br>فالجواب: ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى - بخلاف حال الخلق، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه - تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله، على افعال العباد.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } أى: وهو - تعالى - الذى أحكم أمور الدارين، ودبرها بحكمته، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم.<br>ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر علمه فقال: { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ } والولوج الدخول، يقال: ولج فلان منزله، فهو يلجه ولجا وولوجا، إذا دخله.<br>أى: أنه - سبحانه - يعلم ما يلج فى الأرض وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء، ومن جواهر دفنت فى طياتها، ومن بذور ومعادن فى جوفها.<br>ويعلم - أيضا - { مَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من نبات وحبوب وكنوز، وغير ذلك من أنواع الخيرات.<br>ويعلم كذلك { وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ } من أمطار، وثلوج، وبرد، وصواعق، وبركات، من عنده - تعالى - لأهل الأرض.<br>{ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } أى: ويعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة، كما قال - تعالى -: {  { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }  }.وعدى العروج بفى لتضمنه معنى الاستقرار، وهو فى الأصل يعد بإلى قال - تعالى -: {  { تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }  }.وقوله: { يَعْرُجُ } من العروج، وهو الذهاب فى صعود. والسماء جهة العلو مطلقا.<br>{ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ } أى: وهو - سبحانه - صاحب الرحمة الواسعة، والمغفرة العظيمة، لمن يشاء من عباده.<br>وهذه الآية الكريمة - مع وجازة ألفاظها - تصور تصويرا بديعا معجزا، مظاهر علم الله - تعالى -، ولو أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء { مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } لما استطاعوا أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود الهائلة من خلق الله - تعالى - فى أرضه أو سمائه.<br>ولكن هذه الحشود العجيبة فى حركاتها، وأحجامها، وأنواعها، وأجناسها، وصورها، وأحوالها.. قد أحصاها علم الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله الكافرون فى شأن يوم القيامة، فقال - تعالى - { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ }.<br>أى: وقال الذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، لا تأتينا الساعة بحال من الأحوال، وإنما نحن ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادنا، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى.<br>وعبروا عن إنكارهم لها بقولهم: { لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } مبالغة فى نفيها نفيا كليا، فكأنهم يقولون: لا تأتينا الساعة فى حال من الأحوال، لأننا ننكر وجودها أصلا، فضلا عن إتيانها.<br>وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يؤكد وجودها وإتيانها تأكيدا قاطعا فقال: { قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ }.<br>و \"بلى\" حرف جواب لرد النفى، فتفيد إثبات المنفى قبلها، ثم أكد - سبحانه - ذلك بجملة القسم.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: ليس الأمر كما زعمتم، بل هى ستأتيكم بغتة، وحق ربى الذى أوجدنى وأوجدكم.<br>فالجملة الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التى تثبت أن الساعة آتية لا ريب فيها، ومن ذلك التعبير بـ { بَلَىٰ } بالجملة القسمية.<br>قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذه إحدى الآيات الثلاث التى لا رابع لهن، مما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد: فإحداهن فى سورة يونس، وهى قوله - تعالى -: {  { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ }  }.والثانية: هذه الآية التى معنا. والثالثة: فى سورة التغابن وهى قوله - تعالى -: {  { زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.. }  }.وقوله - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } تقوية لتأكيد إتيان الساعة.<br>قالوا لأن تأكيد القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه، وقوة إثباته، وصحته، لما أن ذلك فى حكم الاستشهاد على الأمر.<br>وقوله { يَعْزُبُ } بمعنى يغيب ويخفى، وفعله من باب \"قتل وضرب\". يقال: عزب الشئ يعزب - بضم الزاى وكسرها - إذا غاب وبعد.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: كذبتم فى إنكاركم وحق الله - تعالى - لتأتينكم، والذى أخبرنى بذلك هو الله - تعالى - { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } أى: عالم ما غاب وخفى عن حسكم، وهو - سبحانه - لا يغيب عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض، ولا أصغر من ذلك المثقال، ولا أكبر منه، إلا وهو مثبت وكائن فى علمه - تعالى - الذى لا يغيب عنه شئ، أو فى اللوح المحفوظ الذى فيه تسجل أحوال الخلائق وأقوالهم وأفعالهم.<br>وقوله - سبحانه -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } قرأ بعضهم بكسر الميم على أنه نعت لقوله { رَبِّي }.<br>أى: قل بلى وربى عالم الغيب لتأتينكم الساعة.<br>وقرأه آخرون بضم الميم على أنه مبتدأ، وخبر جملة: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ }، أو هو خبر لمبتدأ محذوف. أى: هو عالم الغيب.<br>وقوله: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشئ، ودقته، والمراد انه لا يغيب عن علمه شئ ما، مهما دق أو صغر، إذ المثقال: مفعال من الثقل، ويطلق على الشئ البالغ النهاية فى الصغر، والذرة تطلق على النملة، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ.<br>وفى قوله - سبحانه -: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } إعجاز علمى بليغ للقرآن الكريم، إذ كان من المعروف إلى عهد قريب، أن الذرة أصغر الأجسام، فأشار القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر منها، وهذا ما اكتشفه العلم الحديث بعد تحطيم الذرة، وتقسيمها إلى جزئيات.<br>قال الجمل: وقوله: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } العامة على رفع أصغر وأكبر، وفيه وجهان:<br>أحدهما: الابتداء، والخبر إلا فى كتاب، والثانى: العطف على { مِثْقَالُ }، وعلى هذا فيكون قوله: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } تأكيد للنفى فى { لاَ يَعْزُبُ } كأنه قال: لكنه فى كتاب مبين.<br>فإن قيل: فأى حاجة إلى ذكر الأكبر، فإن من علم ما هو أصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب: لما كان الله - تعالى - أراد بيان إثبات الأمور فى الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، فقال: الإِثبات فى الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر مكتوب أيضا.<br>واللام فى قوله - تعالى - { لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. } متعلقة بقوله { لَتَأْتِيَنَّكُمْ } وهى للتعليل ولبيان الحكمة فى إتيانها.<br>أى: لتأتينكم الساعة أيها الكافرون، والحكمة فى ذلك ليجزى - سبحانه - الذى آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذى يستحقونه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بصفتى الإِيمان والعمل الصالح { لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } عظيمة من ربهم لذنوبهم { وَ } لهم كذلك { رِزْقٌ كَرِيمٌ } تنشرح له صدورهم، وتقرّ به عيونهم.<br>{ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } أى: والذين سعوا فى إبطال آياتنا، وفى تكذيب رسلنا { مُعَاجِزِينَ } أى مسابقين لنا، لتوهمهم أننا لا نقدر عليهم، وأنهم يستطيعون الإِفلات من عقابنا. يقال: عاجز فلان فلانا وأعجزه إذا غالبه وسبقه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الذين يفعلون ذلك { لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } أى: لهم عذاب من أسوأ أنواع العذاب وأشده ألما وإهانة.<br>وهكذا نرى الآيات الكريمة بعد ثنائها على الله - تعالى - بما هو أهله، وبعد إثباتها لعلمه الذى لا يعزب عنه شئ، وبعد حكايتها لأقوال المشركين وردها عليهم.<br>بعد كل ذلك تصرح بأن الحكمة من إتيان الساعة. مجازاة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما يستحقون من ثواب، ومجازاة الذين كفروا وسعوا فى آيات الله بالقدح فيها وصد الناس عنها. بما يستحقون من عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - موقف أهل العلم النافع مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه، وموقف الكافرين من ذلك، ورد - سبحانه - على هؤلاء الكافرين بما يثبت ضلالهم وجهلهم، فقال - تعالى -: { وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ...لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3638",
        "sura_number": "34",
        "ayah_number": "2",
        "aya": "",
        "sura": "سبأ",
        "mediator": "افتتحت سورة (سبأ) بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصدر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>و (أل) فى الحمد للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء، هو الله - تعالى -.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء، فهو صادر عنه، ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، هو فى الحقيقة حمد له - لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد اختار - سبحانه - افتتاح هذه السورة بصفة الحمد، دون المدح أو الشكر، لأنه وسط بينهما، إذ المدح أعم من الحمد، لأن المدح يكون للعاقل وغيره، فقد يمدح الإِنسان لعقله، وتمدح اللؤلؤة لجماها، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان.<br>والحمد أخص من الشكر، لأن الشكر يكون من أجل نعمه وصلت إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك.<br>وفى القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ.. } وهى سورة الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.<br>ولكن لكل سورة من هذه السور، منهج خاص فى بيان أسباب الحمد لله - تعالى - وحده.<br>وقد أحسن القرطبى -رحمه الله  - عندما قال: فإن قيل: قد افتتح غيرها أى: سورة الأنعام - بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟ فالجواب أن لكل واحد منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره، من أجل عقده بالنعم المختلفة، و - أيضا - فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون.<br>والمعنى: الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده، لأنه هو، الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا وملكا وتصرفا، بحيث لا يخرج شئ فيهما عن إرادته ومشيئته.<br>قوله: وله الحمد فى الآخرة، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا، بل يشمل الدنيا والآخرة.<br>فالمؤمنون فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإِيمان والإِحسان، ويحمدونه فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض، ويقولون: {  { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }  }.قال صاحب الكشاف: ولما قال - سبحانه -: الحمد لله، ثم وصف ذاته بالإِنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، تقول: احمد أخاك الذى كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه.<br>ولما قال: { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ } علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب.<br>وقال الآلوسى: والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل، أن الأول على نهج العبادة، والثانى على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس.<br>وقال الجمل: فإن قلت: الحمد مدح للنفس، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق، فما وجه ذلك؟<br>فالجواب: ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى - بخلاف حال الخلق، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه - تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله، على افعال العباد.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } أى: وهو - تعالى - الذى أحكم أمور الدارين، ودبرها بحكمته، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم.<br>ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر علمه فقال: { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ } والولوج الدخول، يقال: ولج فلان منزله، فهو يلجه ولجا وولوجا، إذا دخله.<br>أى: أنه - سبحانه - يعلم ما يلج فى الأرض وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء، ومن جواهر دفنت فى طياتها، ومن بذور ومعادن فى جوفها.<br>ويعلم - أيضا - { مَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من نبات وحبوب وكنوز، وغير ذلك من أنواع الخيرات.<br>ويعلم كذلك { وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ } من أمطار، وثلوج، وبرد، وصواعق، وبركات، من عنده - تعالى - لأهل الأرض.<br>{ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } أى: ويعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة، كما قال - تعالى -: {  { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }  }.وعدى العروج بفى لتضمنه معنى الاستقرار، وهو فى الأصل يعد بإلى قال - تعالى -: {  { تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }  }.وقوله: { يَعْرُجُ } من العروج، وهو الذهاب فى صعود. والسماء جهة العلو مطلقا.<br>{ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ } أى: وهو - سبحانه - صاحب الرحمة الواسعة، والمغفرة العظيمة، لمن يشاء من عباده.<br>وهذه الآية الكريمة - مع وجازة ألفاظها - تصور تصويرا بديعا معجزا، مظاهر علم الله - تعالى -، ولو أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء { مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } لما استطاعوا أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود الهائلة من خلق الله - تعالى - فى أرضه أو سمائه.<br>ولكن هذه الحشود العجيبة فى حركاتها، وأحجامها، وأنواعها، وأجناسها، وصورها، وأحوالها.. قد أحصاها علم الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله الكافرون فى شأن يوم القيامة، فقال - تعالى - { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ }.<br>أى: وقال الذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، لا تأتينا الساعة بحال من الأحوال، وإنما نحن ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادنا، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى.<br>وعبروا عن إنكارهم لها بقولهم: { لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } مبالغة فى نفيها نفيا كليا، فكأنهم يقولون: لا تأتينا الساعة فى حال من الأحوال، لأننا ننكر وجودها أصلا، فضلا عن إتيانها.<br>وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يؤكد وجودها وإتيانها تأكيدا قاطعا فقال: { قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ }.<br>و \"بلى\" حرف جواب لرد النفى، فتفيد إثبات المنفى قبلها، ثم أكد - سبحانه - ذلك بجملة القسم.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: ليس الأمر كما زعمتم، بل هى ستأتيكم بغتة، وحق ربى الذى أوجدنى وأوجدكم.<br>فالجملة الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التى تثبت أن الساعة آتية لا ريب فيها، ومن ذلك التعبير بـ { بَلَىٰ } بالجملة القسمية.<br>قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذه إحدى الآيات الثلاث التى لا رابع لهن، مما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد: فإحداهن فى سورة يونس، وهى قوله - تعالى -: {  { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ }  }.والثانية: هذه الآية التى معنا. والثالثة: فى سورة التغابن وهى قوله - تعالى -: {  { زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.. }  }.وقوله - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } تقوية لتأكيد إتيان الساعة.<br>قالوا لأن تأكيد القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه، وقوة إثباته، وصحته، لما أن ذلك فى حكم الاستشهاد على الأمر.<br>وقوله { يَعْزُبُ } بمعنى يغيب ويخفى، وفعله من باب \"قتل وضرب\". يقال: عزب الشئ يعزب - بضم الزاى وكسرها - إذا غاب وبعد.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: كذبتم فى إنكاركم وحق الله - تعالى - لتأتينكم، والذى أخبرنى بذلك هو الله - تعالى - { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } أى: عالم ما غاب وخفى عن حسكم، وهو - سبحانه - لا يغيب عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض، ولا أصغر من ذلك المثقال، ولا أكبر منه، إلا وهو مثبت وكائن فى علمه - تعالى - الذى لا يغيب عنه شئ، أو فى اللوح المحفوظ الذى فيه تسجل أحوال الخلائق وأقوالهم وأفعالهم.<br>وقوله - سبحانه -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } قرأ بعضهم بكسر الميم على أنه نعت لقوله { رَبِّي }.<br>أى: قل بلى وربى عالم الغيب لتأتينكم الساعة.<br>وقرأه آخرون بضم الميم على أنه مبتدأ، وخبر جملة: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ }، أو هو خبر لمبتدأ محذوف. أى: هو عالم الغيب.<br>وقوله: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشئ، ودقته، والمراد انه لا يغيب عن علمه شئ ما، مهما دق أو صغر، إذ المثقال: مفعال من الثقل، ويطلق على الشئ البالغ النهاية فى الصغر، والذرة تطلق على النملة، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ.<br>وفى قوله - سبحانه -: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } إعجاز علمى بليغ للقرآن الكريم، إذ كان من المعروف إلى عهد قريب، أن الذرة أصغر الأجسام، فأشار القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر منها، وهذا ما اكتشفه العلم الحديث بعد تحطيم الذرة، وتقسيمها إلى جزئيات.<br>قال الجمل: وقوله: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } العامة على رفع أصغر وأكبر، وفيه وجهان:<br>أحدهما: الابتداء، والخبر إلا فى كتاب، والثانى: العطف على { مِثْقَالُ }، وعلى هذا فيكون قوله: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } تأكيد للنفى فى { لاَ يَعْزُبُ } كأنه قال: لكنه فى كتاب مبين.<br>فإن قيل: فأى حاجة إلى ذكر الأكبر، فإن من علم ما هو أصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب: لما كان الله - تعالى - أراد بيان إثبات الأمور فى الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، فقال: الإِثبات فى الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر مكتوب أيضا.<br>واللام فى قوله - تعالى - { لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. } متعلقة بقوله { لَتَأْتِيَنَّكُمْ } وهى للتعليل ولبيان الحكمة فى إتيانها.<br>أى: لتأتينكم الساعة أيها الكافرون، والحكمة فى ذلك ليجزى - سبحانه - الذى آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذى يستحقونه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بصفتى الإِيمان والعمل الصالح { لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } عظيمة من ربهم لذنوبهم { وَ } لهم كذلك { رِزْقٌ كَرِيمٌ } تنشرح له صدورهم، وتقرّ به عيونهم.<br>{ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } أى: والذين سعوا فى إبطال آياتنا، وفى تكذيب رسلنا { مُعَاجِزِينَ } أى مسابقين لنا، لتوهمهم أننا لا نقدر عليهم، وأنهم يستطيعون الإِفلات من عقابنا. يقال: عاجز فلان فلانا وأعجزه إذا غالبه وسبقه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الذين يفعلون ذلك { لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } أى: لهم عذاب من أسوأ أنواع العذاب وأشده ألما وإهانة.<br>وهكذا نرى الآيات الكريمة بعد ثنائها على الله - تعالى - بما هو أهله، وبعد إثباتها لعلمه الذى لا يعزب عنه شئ، وبعد حكايتها لأقوال المشركين وردها عليهم.<br>بعد كل ذلك تصرح بأن الحكمة من إتيان الساعة. مجازاة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما يستحقون من ثواب، ومجازاة الذين كفروا وسعوا فى آيات الله بالقدح فيها وصد الناس عنها. بما يستحقون من عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - موقف أهل العلم النافع مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه، وموقف الكافرين من ذلك، ورد - سبحانه - على هؤلاء الكافرين بما يثبت ضلالهم وجهلهم، فقال - تعالى -: { وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ...لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3639",
        "sura_number": "34",
        "ayah_number": "3",
        "aya": "",
        "sura": "سبأ",
        "mediator": "افتتحت سورة (سبأ) بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصدر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>و (أل) فى الحمد للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء، هو الله - تعالى -.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء، فهو صادر عنه، ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، هو فى الحقيقة حمد له - لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد اختار - سبحانه - افتتاح هذه السورة بصفة الحمد، دون المدح أو الشكر، لأنه وسط بينهما، إذ المدح أعم من الحمد، لأن المدح يكون للعاقل وغيره، فقد يمدح الإِنسان لعقله، وتمدح اللؤلؤة لجماها، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان.<br>والحمد أخص من الشكر، لأن الشكر يكون من أجل نعمه وصلت إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك.<br>وفى القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ.. } وهى سورة الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.<br>ولكن لكل سورة من هذه السور، منهج خاص فى بيان أسباب الحمد لله - تعالى - وحده.<br>وقد أحسن القرطبى -رحمه الله  - عندما قال: فإن قيل: قد افتتح غيرها أى: سورة الأنعام - بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟ فالجواب أن لكل واحد منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره، من أجل عقده بالنعم المختلفة، و - أيضا - فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون.<br>والمعنى: الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده، لأنه هو، الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا وملكا وتصرفا، بحيث لا يخرج شئ فيهما عن إرادته ومشيئته.<br>قوله: وله الحمد فى الآخرة، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا، بل يشمل الدنيا والآخرة.<br>فالمؤمنون فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإِيمان والإِحسان، ويحمدونه فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض، ويقولون: {  { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }  }.قال صاحب الكشاف: ولما قال - سبحانه -: الحمد لله، ثم وصف ذاته بالإِنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، تقول: احمد أخاك الذى كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه.<br>ولما قال: { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ } علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب.<br>وقال الآلوسى: والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل، أن الأول على نهج العبادة، والثانى على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس.<br>وقال الجمل: فإن قلت: الحمد مدح للنفس، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق، فما وجه ذلك؟<br>فالجواب: ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى - بخلاف حال الخلق، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه - تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله، على افعال العباد.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } أى: وهو - تعالى - الذى أحكم أمور الدارين، ودبرها بحكمته، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم.<br>ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر علمه فقال: { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ } والولوج الدخول، يقال: ولج فلان منزله، فهو يلجه ولجا وولوجا، إذا دخله.<br>أى: أنه - سبحانه - يعلم ما يلج فى الأرض وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء، ومن جواهر دفنت فى طياتها، ومن بذور ومعادن فى جوفها.<br>ويعلم - أيضا - { مَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من نبات وحبوب وكنوز، وغير ذلك من أنواع الخيرات.<br>ويعلم كذلك { وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ } من أمطار، وثلوج، وبرد، وصواعق، وبركات، من عنده - تعالى - لأهل الأرض.<br>{ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } أى: ويعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة، كما قال - تعالى -: {  { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }  }.وعدى العروج بفى لتضمنه معنى الاستقرار، وهو فى الأصل يعد بإلى قال - تعالى -: {  { تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }  }.وقوله: { يَعْرُجُ } من العروج، وهو الذهاب فى صعود. والسماء جهة العلو مطلقا.<br>{ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ } أى: وهو - سبحانه - صاحب الرحمة الواسعة، والمغفرة العظيمة، لمن يشاء من عباده.<br>وهذه الآية الكريمة - مع وجازة ألفاظها - تصور تصويرا بديعا معجزا، مظاهر علم الله - تعالى -، ولو أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء { مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } لما استطاعوا أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود الهائلة من خلق الله - تعالى - فى أرضه أو سمائه.<br>ولكن هذه الحشود العجيبة فى حركاتها، وأحجامها، وأنواعها، وأجناسها، وصورها، وأحوالها.. قد أحصاها علم الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله الكافرون فى شأن يوم القيامة، فقال - تعالى - { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ }.<br>أى: وقال الذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، لا تأتينا الساعة بحال من الأحوال، وإنما نحن ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادنا، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى.<br>وعبروا عن إنكارهم لها بقولهم: { لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } مبالغة فى نفيها نفيا كليا، فكأنهم يقولون: لا تأتينا الساعة فى حال من الأحوال، لأننا ننكر وجودها أصلا، فضلا عن إتيانها.<br>وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يؤكد وجودها وإتيانها تأكيدا قاطعا فقال: { قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ }.<br>و \"بلى\" حرف جواب لرد النفى، فتفيد إثبات المنفى قبلها، ثم أكد - سبحانه - ذلك بجملة القسم.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: ليس الأمر كما زعمتم، بل هى ستأتيكم بغتة، وحق ربى الذى أوجدنى وأوجدكم.<br>فالجملة الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التى تثبت أن الساعة آتية لا ريب فيها، ومن ذلك التعبير بـ { بَلَىٰ } بالجملة القسمية.<br>قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذه إحدى الآيات الثلاث التى لا رابع لهن، مما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد: فإحداهن فى سورة يونس، وهى قوله - تعالى -: {  { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ }  }.والثانية: هذه الآية التى معنا. والثالثة: فى سورة التغابن وهى قوله - تعالى -: {  { زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.. }  }.وقوله - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } تقوية لتأكيد إتيان الساعة.<br>قالوا لأن تأكيد القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه، وقوة إثباته، وصحته، لما أن ذلك فى حكم الاستشهاد على الأمر.<br>وقوله { يَعْزُبُ } بمعنى يغيب ويخفى، وفعله من باب \"قتل وضرب\". يقال: عزب الشئ يعزب - بضم الزاى وكسرها - إذا غاب وبعد.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: كذبتم فى إنكاركم وحق الله - تعالى - لتأتينكم، والذى أخبرنى بذلك هو الله - تعالى - { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } أى: عالم ما غاب وخفى عن حسكم، وهو - سبحانه - لا يغيب عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض، ولا أصغر من ذلك المثقال، ولا أكبر منه، إلا وهو مثبت وكائن فى علمه - تعالى - الذى لا يغيب عنه شئ، أو فى اللوح المحفوظ الذى فيه تسجل أحوال الخلائق وأقوالهم وأفعالهم.<br>وقوله - سبحانه -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } قرأ بعضهم بكسر الميم على أنه نعت لقوله { رَبِّي }.<br>أى: قل بلى وربى عالم الغيب لتأتينكم الساعة.<br>وقرأه آخرون بضم الميم على أنه مبتدأ، وخبر جملة: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ }، أو هو خبر لمبتدأ محذوف. أى: هو عالم الغيب.<br>وقوله: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشئ، ودقته، والمراد انه لا يغيب عن علمه شئ ما، مهما دق أو صغر، إذ المثقال: مفعال من الثقل، ويطلق على الشئ البالغ النهاية فى الصغر، والذرة تطلق على النملة، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ.<br>وفى قوله - سبحانه -: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } إعجاز علمى بليغ للقرآن الكريم، إذ كان من المعروف إلى عهد قريب، أن الذرة أصغر الأجسام، فأشار القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر منها، وهذا ما اكتشفه العلم الحديث بعد تحطيم الذرة، وتقسيمها إلى جزئيات.<br>قال الجمل: وقوله: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } العامة على رفع أصغر وأكبر، وفيه وجهان:<br>أحدهما: الابتداء، والخبر إلا فى كتاب، والثانى: العطف على { مِثْقَالُ }، وعلى هذا فيكون قوله: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } تأكيد للنفى فى { لاَ يَعْزُبُ } كأنه قال: لكنه فى كتاب مبين.<br>فإن قيل: فأى حاجة إلى ذكر الأكبر، فإن من علم ما هو أصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب: لما كان الله - تعالى - أراد بيان إثبات الأمور فى الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، فقال: الإِثبات فى الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر مكتوب أيضا.<br>واللام فى قوله - تعالى - { لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. } متعلقة بقوله { لَتَأْتِيَنَّكُمْ } وهى للتعليل ولبيان الحكمة فى إتيانها.<br>أى: لتأتينكم الساعة أيها الكافرون، والحكمة فى ذلك ليجزى - سبحانه - الذى آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذى يستحقونه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بصفتى الإِيمان والعمل الصالح { لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } عظيمة من ربهم لذنوبهم { وَ } لهم كذلك { رِزْقٌ كَرِيمٌ } تنشرح له صدورهم، وتقرّ به عيونهم.<br>{ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } أى: والذين سعوا فى إبطال آياتنا، وفى تكذيب رسلنا { مُعَاجِزِينَ } أى مسابقين لنا، لتوهمهم أننا لا نقدر عليهم، وأنهم يستطيعون الإِفلات من عقابنا. يقال: عاجز فلان فلانا وأعجزه إذا غالبه وسبقه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الذين يفعلون ذلك { لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } أى: لهم عذاب من أسوأ أنواع العذاب وأشده ألما وإهانة.<br>وهكذا نرى الآيات الكريمة بعد ثنائها على الله - تعالى - بما هو أهله، وبعد إثباتها لعلمه الذى لا يعزب عنه شئ، وبعد حكايتها لأقوال المشركين وردها عليهم.<br>بعد كل ذلك تصرح بأن الحكمة من إتيان الساعة. مجازاة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما يستحقون من ثواب، ومجازاة الذين كفروا وسعوا فى آيات الله بالقدح فيها وصد الناس عنها. بما يستحقون من عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - موقف أهل العلم النافع مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه، وموقف الكافرين من ذلك، ورد - سبحانه - على هؤلاء الكافرين بما يثبت ضلالهم وجهلهم، فقال - تعالى -: { وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ...لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3640",
        "sura_number": "34",
        "ayah_number": "4",
        "aya": "",
        "sura": "سبأ",
        "mediator": "افتتحت سورة (سبأ) بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصدر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>و (أل) فى الحمد للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء، هو الله - تعالى -.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء، فهو صادر عنه، ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، هو فى الحقيقة حمد له - لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد اختار - سبحانه - افتتاح هذه السورة بصفة الحمد، دون المدح أو الشكر، لأنه وسط بينهما، إذ المدح أعم من الحمد، لأن المدح يكون للعاقل وغيره، فقد يمدح الإِنسان لعقله، وتمدح اللؤلؤة لجماها، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان.<br>والحمد أخص من الشكر، لأن الشكر يكون من أجل نعمه وصلت إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك.<br>وفى القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ.. } وهى سورة الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.<br>ولكن لكل سورة من هذه السور، منهج خاص فى بيان أسباب الحمد لله - تعالى - وحده.<br>وقد أحسن القرطبى -رحمه الله  - عندما قال: فإن قيل: قد افتتح غيرها أى: سورة الأنعام - بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟ فالجواب أن لكل واحد منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره، من أجل عقده بالنعم المختلفة، و - أيضا - فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون.<br>والمعنى: الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده، لأنه هو، الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا وملكا وتصرفا، بحيث لا يخرج شئ فيهما عن إرادته ومشيئته.<br>قوله: وله الحمد فى الآخرة، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا، بل يشمل الدنيا والآخرة.<br>فالمؤمنون فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإِيمان والإِحسان، ويحمدونه فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض، ويقولون: {  { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }  }.قال صاحب الكشاف: ولما قال - سبحانه -: الحمد لله، ثم وصف ذاته بالإِنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، تقول: احمد أخاك الذى كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه.<br>ولما قال: { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ } علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب.<br>وقال الآلوسى: والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل، أن الأول على نهج العبادة، والثانى على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس.<br>وقال الجمل: فإن قلت: الحمد مدح للنفس، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق، فما وجه ذلك؟<br>فالجواب: ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى - بخلاف حال الخلق، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه - تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله، على افعال العباد.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } أى: وهو - تعالى - الذى أحكم أمور الدارين، ودبرها بحكمته، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم.<br>ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر علمه فقال: { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ } والولوج الدخول، يقال: ولج فلان منزله، فهو يلجه ولجا وولوجا، إذا دخله.<br>أى: أنه - سبحانه - يعلم ما يلج فى الأرض وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء، ومن جواهر دفنت فى طياتها، ومن بذور ومعادن فى جوفها.<br>ويعلم - أيضا - { مَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من نبات وحبوب وكنوز، وغير ذلك من أنواع الخيرات.<br>ويعلم كذلك { وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ } من أمطار، وثلوج، وبرد، وصواعق، وبركات، من عنده - تعالى - لأهل الأرض.<br>{ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } أى: ويعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة، كما قال - تعالى -: {  { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }  }.وعدى العروج بفى لتضمنه معنى الاستقرار، وهو فى الأصل يعد بإلى قال - تعالى -: {  { تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }  }.وقوله: { يَعْرُجُ } من العروج، وهو الذهاب فى صعود. والسماء جهة العلو مطلقا.<br>{ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ } أى: وهو - سبحانه - صاحب الرحمة الواسعة، والمغفرة العظيمة، لمن يشاء من عباده.<br>وهذه الآية الكريمة - مع وجازة ألفاظها - تصور تصويرا بديعا معجزا، مظاهر علم الله - تعالى -، ولو أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء { مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } لما استطاعوا أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود الهائلة من خلق الله - تعالى - فى أرضه أو سمائه.<br>ولكن هذه الحشود العجيبة فى حركاتها، وأحجامها، وأنواعها، وأجناسها، وصورها، وأحوالها.. قد أحصاها علم الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله الكافرون فى شأن يوم القيامة، فقال - تعالى - { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ }.<br>أى: وقال الذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، لا تأتينا الساعة بحال من الأحوال، وإنما نحن ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادنا، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى.<br>وعبروا عن إنكارهم لها بقولهم: { لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } مبالغة فى نفيها نفيا كليا، فكأنهم يقولون: لا تأتينا الساعة فى حال من الأحوال، لأننا ننكر وجودها أصلا، فضلا عن إتيانها.<br>وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يؤكد وجودها وإتيانها تأكيدا قاطعا فقال: { قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ }.<br>و \"بلى\" حرف جواب لرد النفى، فتفيد إثبات المنفى قبلها، ثم أكد - سبحانه - ذلك بجملة القسم.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: ليس الأمر كما زعمتم، بل هى ستأتيكم بغتة، وحق ربى الذى أوجدنى وأوجدكم.<br>فالجملة الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التى تثبت أن الساعة آتية لا ريب فيها، ومن ذلك التعبير بـ { بَلَىٰ } بالجملة القسمية.<br>قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذه إحدى الآيات الثلاث التى لا رابع لهن، مما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد: فإحداهن فى سورة يونس، وهى قوله - تعالى -: {  { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ }  }.والثانية: هذه الآية التى معنا. والثالثة: فى سورة التغابن وهى قوله - تعالى -: {  { زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.. }  }.وقوله - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } تقوية لتأكيد إتيان الساعة.<br>قالوا لأن تأكيد القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه، وقوة إثباته، وصحته، لما أن ذلك فى حكم الاستشهاد على الأمر.<br>وقوله { يَعْزُبُ } بمعنى يغيب ويخفى، وفعله من باب \"قتل وضرب\". يقال: عزب الشئ يعزب - بضم الزاى وكسرها - إذا غاب وبعد.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: كذبتم فى إنكاركم وحق الله - تعالى - لتأتينكم، والذى أخبرنى بذلك هو الله - تعالى - { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } أى: عالم ما غاب وخفى عن حسكم، وهو - سبحانه - لا يغيب عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض، ولا أصغر من ذلك المثقال، ولا أكبر منه، إلا وهو مثبت وكائن فى علمه - تعالى - الذى لا يغيب عنه شئ، أو فى اللوح المحفوظ الذى فيه تسجل أحوال الخلائق وأقوالهم وأفعالهم.<br>وقوله - سبحانه -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } قرأ بعضهم بكسر الميم على أنه نعت لقوله { رَبِّي }.<br>أى: قل بلى وربى عالم الغيب لتأتينكم الساعة.<br>وقرأه آخرون بضم الميم على أنه مبتدأ، وخبر جملة: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ }، أو هو خبر لمبتدأ محذوف. أى: هو عالم الغيب.<br>وقوله: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشئ، ودقته، والمراد انه لا يغيب عن علمه شئ ما، مهما دق أو صغر، إذ المثقال: مفعال من الثقل، ويطلق على الشئ البالغ النهاية فى الصغر، والذرة تطلق على النملة، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ.<br>وفى قوله - سبحانه -: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } إعجاز علمى بليغ للقرآن الكريم، إذ كان من المعروف إلى عهد قريب، أن الذرة أصغر الأجسام، فأشار القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر منها، وهذا ما اكتشفه العلم الحديث بعد تحطيم الذرة، وتقسيمها إلى جزئيات.<br>قال الجمل: وقوله: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } العامة على رفع أصغر وأكبر، وفيه وجهان:<br>أحدهما: الابتداء، والخبر إلا فى كتاب، والثانى: العطف على { مِثْقَالُ }، وعلى هذا فيكون قوله: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } تأكيد للنفى فى { لاَ يَعْزُبُ } كأنه قال: لكنه فى كتاب مبين.<br>فإن قيل: فأى حاجة إلى ذكر الأكبر، فإن من علم ما هو أصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب: لما كان الله - تعالى - أراد بيان إثبات الأمور فى الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، فقال: الإِثبات فى الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر مكتوب أيضا.<br>واللام فى قوله - تعالى - { لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. } متعلقة بقوله { لَتَأْتِيَنَّكُمْ } وهى للتعليل ولبيان الحكمة فى إتيانها.<br>أى: لتأتينكم الساعة أيها الكافرون، والحكمة فى ذلك ليجزى - سبحانه - الذى آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذى يستحقونه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بصفتى الإِيمان والعمل الصالح { لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } عظيمة من ربهم لذنوبهم { وَ } لهم كذلك { رِزْقٌ كَرِيمٌ } تنشرح له صدورهم، وتقرّ به عيونهم.<br>{ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } أى: والذين سعوا فى إبطال آياتنا، وفى تكذيب رسلنا { مُعَاجِزِينَ } أى مسابقين لنا، لتوهمهم أننا لا نقدر عليهم، وأنهم يستطيعون الإِفلات من عقابنا. يقال: عاجز فلان فلانا وأعجزه إذا غالبه وسبقه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الذين يفعلون ذلك { لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } أى: لهم عذاب من أسوأ أنواع العذاب وأشده ألما وإهانة.<br>وهكذا نرى الآيات الكريمة بعد ثنائها على الله - تعالى - بما هو أهله، وبعد إثباتها لعلمه الذى لا يعزب عنه شئ، وبعد حكايتها لأقوال المشركين وردها عليهم.<br>بعد كل ذلك تصرح بأن الحكمة من إتيان الساعة. مجازاة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما يستحقون من ثواب، ومجازاة الذين كفروا وسعوا فى آيات الله بالقدح فيها وصد الناس عنها. بما يستحقون من عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - موقف أهل العلم النافع مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه، وموقف الكافرين من ذلك، ورد - سبحانه - على هؤلاء الكافرين بما يثبت ضلالهم وجهلهم، فقال - تعالى -: { وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ...لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3641",
        "sura_number": "34",
        "ayah_number": "5",
        "aya": "",
        "sura": "سبأ",
        "mediator": "افتتحت سورة (سبأ) بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصدر عن اختيار من نعمة أو غيرها.<br>و (أل) فى الحمد للاستغراق، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء، هو الله - تعالى -.<br>وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء، فهو صادر عنه، ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، هو فى الحقيقة حمد له - لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.<br>وقد اختار - سبحانه - افتتاح هذه السورة بصفة الحمد، دون المدح أو الشكر، لأنه وسط بينهما، إذ المدح أعم من الحمد، لأن المدح يكون للعاقل وغيره، فقد يمدح الإِنسان لعقله، وتمدح اللؤلؤة لجماها، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان.<br>والحمد أخص من الشكر، لأن الشكر يكون من أجل نعمه وصلت إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك.<br>وفى القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى -: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ.. } وهى سورة الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.<br>ولكن لكل سورة من هذه السور، منهج خاص فى بيان أسباب الحمد لله - تعالى - وحده.<br>وقد أحسن القرطبى -رحمه الله  - عندما قال: فإن قيل: قد افتتح غيرها أى: سورة الأنعام - بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟ فالجواب أن لكل واحد منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره، من أجل عقده بالنعم المختلفة، و - أيضا - فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون.<br>والمعنى: الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده، لأنه هو، الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض، خلقا وملكا وتصرفا، بحيث لا يخرج شئ فيهما عن إرادته ومشيئته.<br>قوله: وله الحمد فى الآخرة، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا، بل يشمل الدنيا والآخرة.<br>فالمؤمنون فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإِيمان والإِحسان، ويحمدونه فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض، ويقولون: {  { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }  }.قال صاحب الكشاف: ولما قال - سبحانه -: الحمد لله، ثم وصف ذاته بالإِنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، تقول: احمد أخاك الذى كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه.<br>ولما قال: { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ } علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب.<br>وقال الآلوسى: والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل، أن الأول على نهج العبادة، والثانى على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس.<br>وقال الجمل: فإن قلت: الحمد مدح للنفس، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق، فما وجه ذلك؟<br>فالجواب: ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى - بخلاف حال الخلق، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه - تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله، على افعال العباد.<br>ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } أى: وهو - تعالى - الذى أحكم أمور الدارين، ودبرها بحكمته، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم.<br>ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر علمه فقال: { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ } والولوج الدخول، يقال: ولج فلان منزله، فهو يلجه ولجا وولوجا، إذا دخله.<br>أى: أنه - سبحانه - يعلم ما يلج فى الأرض وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء، ومن جواهر دفنت فى طياتها، ومن بذور ومعادن فى جوفها.<br>ويعلم - أيضا - { مَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من نبات وحبوب وكنوز، وغير ذلك من أنواع الخيرات.<br>ويعلم كذلك { وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ } من أمطار، وثلوج، وبرد، وصواعق، وبركات، من عنده - تعالى - لأهل الأرض.<br>{ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } أى: ويعلم ما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة، كما قال - تعالى -: {  { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }  }.وعدى العروج بفى لتضمنه معنى الاستقرار، وهو فى الأصل يعد بإلى قال - تعالى -: {  { تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }  }.وقوله: { يَعْرُجُ } من العروج، وهو الذهاب فى صعود. والسماء جهة العلو مطلقا.<br>{ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ } أى: وهو - سبحانه - صاحب الرحمة الواسعة، والمغفرة العظيمة، لمن يشاء من عباده.<br>وهذه الآية الكريمة - مع وجازة ألفاظها - تصور تصويرا بديعا معجزا، مظاهر علم الله - تعالى -، ولو أن أهل الأرض جميعا حاولوا إحصاء { مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } لما استطاعوا أن يصلوا إلى إحصاء بعض تلك الحشود الهائلة من خلق الله - تعالى - فى أرضه أو سمائه.<br>ولكن هذه الحشود العجيبة فى حركاتها، وأحجامها، وأنواعها، وأجناسها، وصورها، وأحوالها.. قد أحصاها علم الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله الكافرون فى شأن يوم القيامة، فقال - تعالى - { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ }.<br>أى: وقال الذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، لا تأتينا الساعة بحال من الأحوال، وإنما نحن ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وإذا متنا فإن الأرض تأكل أجسادنا، ولا نعود إلى الحياة مرة أخرى.<br>وعبروا عن إنكارهم لها بقولهم: { لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } مبالغة فى نفيها نفيا كليا، فكأنهم يقولون: لا تأتينا الساعة فى حال من الأحوال، لأننا ننكر وجودها أصلا، فضلا عن إتيانها.<br>وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يؤكد وجودها وإتيانها تأكيدا قاطعا فقال: { قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ }.<br>و \"بلى\" حرف جواب لرد النفى، فتفيد إثبات المنفى قبلها، ثم أكد - سبحانه - ذلك بجملة القسم.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: ليس الأمر كما زعمتم، بل هى ستأتيكم بغتة، وحق ربى الذى أوجدنى وأوجدكم.<br>فالجملة الكريمة قد اشتملت على جملة من المؤكدات التى تثبت أن الساعة آتية لا ريب فيها، ومن ذلك التعبير بـ { بَلَىٰ } بالجملة القسمية.<br>قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذه إحدى الآيات الثلاث التى لا رابع لهن، مما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد: فإحداهن فى سورة يونس، وهى قوله - تعالى -: {  { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ }  }.والثانية: هذه الآية التى معنا. والثالثة: فى سورة التغابن وهى قوله - تعالى -: {  { زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.. }  }.وقوله - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } تقوية لتأكيد إتيان الساعة.<br>قالوا لأن تأكيد القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه، وقوة إثباته، وصحته، لما أن ذلك فى حكم الاستشهاد على الأمر.<br>وقوله { يَعْزُبُ } بمعنى يغيب ويخفى، وفعله من باب \"قتل وضرب\". يقال: عزب الشئ يعزب - بضم الزاى وكسرها - إذا غاب وبعد.<br>والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين لإِتيان الساعة: كذبتم فى إنكاركم وحق الله - تعالى - لتأتينكم، والذى أخبرنى بذلك هو الله - تعالى - { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } أى: عالم ما غاب وخفى عن حسكم، وهو - سبحانه - لا يغيب عن علمه مقدار أو وزن مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض، ولا أصغر من ذلك المثقال، ولا أكبر منه، إلا وهو مثبت وكائن فى علمه - تعالى - الذى لا يغيب عنه شئ، أو فى اللوح المحفوظ الذى فيه تسجل أحوال الخلائق وأقوالهم وأفعالهم.<br>وقوله - سبحانه -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } قرأ بعضهم بكسر الميم على أنه نعت لقوله { رَبِّي }.<br>أى: قل بلى وربى عالم الغيب لتأتينكم الساعة.<br>وقرأه آخرون بضم الميم على أنه مبتدأ، وخبر جملة: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ }، أو هو خبر لمبتدأ محذوف. أى: هو عالم الغيب.<br>وقوله: { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ } تمثيل لقلة الشئ، ودقته، والمراد انه لا يغيب عن علمه شئ ما، مهما دق أو صغر، إذ المثقال: مفعال من الثقل، ويطلق على الشئ البالغ النهاية فى الصغر، والذرة تطلق على النملة، وعلى الغبار الذى يتطاير من التراب عند النفخ.<br>وفى قوله - سبحانه -: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } إعجاز علمى بليغ للقرآن الكريم، إذ كان من المعروف إلى عهد قريب، أن الذرة أصغر الأجسام، فأشار القرآن إلى أن هناك ما هو أصغر منها، وهذا ما اكتشفه العلم الحديث بعد تحطيم الذرة، وتقسيمها إلى جزئيات.<br>قال الجمل: وقوله: { وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } العامة على رفع أصغر وأكبر، وفيه وجهان:<br>أحدهما: الابتداء، والخبر إلا فى كتاب، والثانى: العطف على { مِثْقَالُ }، وعلى هذا فيكون قوله: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } تأكيد للنفى فى { لاَ يَعْزُبُ } كأنه قال: لكنه فى كتاب مبين.<br>فإن قيل: فأى حاجة إلى ذكر الأكبر، فإن من علم ما هو أصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب: لما كان الله - تعالى - أراد بيان إثبات الأمور فى الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، فقال: الإِثبات فى الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر مكتوب أيضا.<br>واللام فى قوله - تعالى - { لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. } متعلقة بقوله { لَتَأْتِيَنَّكُمْ } وهى للتعليل ولبيان الحكمة فى إتيانها.<br>أى: لتأتينكم الساعة أيها الكافرون، والحكمة فى ذلك ليجزى - سبحانه - الذى آمنوا وعملوا الصالحات الجزاء الحسن الذى يستحقونه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بصفتى الإِيمان والعمل الصالح { لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } عظيمة من ربهم لذنوبهم { وَ } لهم كذلك { رِزْقٌ كَرِيمٌ } تنشرح له صدورهم، وتقرّ به عيونهم.<br>{ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } أى: والذين سعوا فى إبطال آياتنا، وفى تكذيب رسلنا { مُعَاجِزِينَ } أى مسابقين لنا، لتوهمهم أننا لا نقدر عليهم، وأنهم يستطيعون الإِفلات من عقابنا. يقال: عاجز فلان فلانا وأعجزه إذا غالبه وسبقه.<br>{ أُوْلَـٰئِكَ } الذين يفعلون ذلك { لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } أى: لهم عذاب من أسوأ أنواع العذاب وأشده ألما وإهانة.<br>وهكذا نرى الآيات الكريمة بعد ثنائها على الله - تعالى - بما هو أهله، وبعد إثباتها لعلمه الذى لا يعزب عنه شئ، وبعد حكايتها لأقوال المشركين وردها عليهم.<br>بعد كل ذلك تصرح بأن الحكمة من إتيان الساعة. مجازاة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما يستحقون من ثواب، ومجازاة الذين كفروا وسعوا فى آيات الله بالقدح فيها وصد الناس عنها. بما يستحقون من عقاب.<br>ثم بين - سبحانه - موقف أهل العلم النافع مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه، وموقف الكافرين من ذلك، ورد - سبحانه - على هؤلاء الكافرين بما يثبت ضلالهم وجهلهم، فقال - تعالى -: { وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ...لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3687",
        "sura_number": "34",
        "ayah_number": "51",
        "aya": "",
        "sura": "سبأ",
        "mediator": "وجواب { لَوْ } محذوف. وكذلك مفعول { تَرَىٰ }. والفزع: حالة من الخوف والرعب تعترى الإِنسان عندما يشعر بما يزعجه ويخفيه. والفوت: النجاة والمهرب، وهذا الفزع للكافرين يكون عند خروجهم من قبورهم للبعث والحساب، أو عند قبض أرواحهم.<br>أى: ولو ترى - أيها العاقل - حال الكافرين، وقت خروجهم من قبورهم للحساب، وقد اعتراهم الفزع والهلع.. لرأيت شيئا هائلا، وأمرا عظيما...<br>وقوله { فَلاَ فَوْتَ } أى: فلا مهرب لهم ولا نجاة يومئذ من الوقوف بين يدى الله - تعالى - للحساب، ولمعاقبتهم على كفرهم وجحودهم...<br>وقوله: { وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } معطوف على { فَزِعُواْ } أى: فزعوا دون أن ينفعهم هذا الفزع، وأخذوا ليلقوا مصيرهم السيئء من مكان قريب من موقف الحساب.<br>قال الآلوسى: والمراد بذكر قرب المكان، سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم وبهلاكهم، وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله - عز وجل -...\".<br>{ وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ } أى: وقال هؤلاء الكافرون عندما رأوا العذاب المعد لهم فى الآخرة: آمنا بالله - تعالى - وبأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى لا معبود بحق سواه، وآمنا بهذا الدين الذى جاءنا به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله - سبحانه -: { وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } بيان لعدم انتفاعهم بما قالوه من إظهار الإِيمان فى هذا الوقت.<br>والتناوش: التناول. يقال: فلان ناشٍ الشئ ينوشه نوشا إذا تناوله. ومنه قولهم: تناشوا بالرماح، أى: تناول بعضهم بعضاً بها.<br>أى: لقد قالوا بعد البعث آمنا بهذا الدين، ومن أين لهم فى الآخرة تناول الإِيمان والتوبة من الكفر، وكان ذلك قريباً منهم فى الدنيا فضيعوه، وكيف يظفرون به فى الآخرة وهى بعيدة عن دار الدنيا التى هى محل قبول الإِيمان.<br>فالجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى طلب الخلاص بعد أن فات أوانه، وأن هذا الطلب فى نهاية الاستبعاد كما يدل عليه لفظ { أَنَّىٰ }.<br>قال صاحب الكشاف: والتناوش والتناول أخوان. إلا أن التناوش تناول سهل لشئ قريب...<br>وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم فى هذا الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم فى الدنيا. مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشئ من غلوة - أى: من كان بعيد -، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه...\".<br>وقوله - سبحانه - { وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ } أى: قالوا آمنا بأن يوم القيامة حق، والحال أنهم قد كفروا به من قبل فى الدنيا، عندما دعاهم إلى الإِيمان به رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله - تعالى -: { وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } بيان لما كانوا عليه فى الدنيا من سفاهة فى القول، وجرأة فى النطق بالباطل، وفيما لا علم لهم به.<br>والعرب تقول لكل من تكلم فيما لا يعلمه: هو يقذف ويرجم بالغيب، والجملة الكريمة معطوفة على قوله: { وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ }.<br>أى: لقد كفروا بهذا الدين فى الدنيا، وكانوا ينطقون بأقوال لا علم لهم بها، وبينها وبين الحق والصدق مسافات بعيدة، فقد نسبوا إلى الله - تعالى - الولد والشريك، ويقولون فى الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ساحر...، وفى شأن البعث: إنه لا حقيقة له، وفى شأن القرآن: إنه أساطير الأولين.<br>فالمقصود بالآية تقريعهم وتجهيلهم، على ما كانوا يتفوهون به من كلام ساقط، بينه وبين الحقيقة مسافات بعيدة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان حرمانهم التام مما يشتهونه فقال: { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ }.<br>وقوله { حِيلَ } فعل بمنى للمجهول مأخوذ من الحول بمعنى المنع والحجز. تقول حال الموج بينى وبين فلان. أى: منعنى من الوصول إليه، ومنه قوله - تعالى -: {  { وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ }  }.أى: وحجز وفصل بين هؤلاء المشركين يوم القيامة { وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } ويتمنون من قبول إيمانهم فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم ورجوعهم إلى الدنيا.. حيل بينهم وبين كل ذلك، { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ } أى: كما هو الحال بالنسبة لأمثالهم ونظرائهم الذين سبقوهم فى الكفر.<br>{ إِنَّهُمْ كَانُواْ } جميعاً على نمط واحد { فِي شَكٍّ } من أمر هذا الدين { مَّرِيبٍ } أى: موقع فى الريبة.<br>وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة \"سبأ\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.<br>"
    },
    {
        "id": "3688",
        "sura_number": "34",
        "ayah_number": "52",
        "aya": "",
        "sura": "سبأ",
        "mediator": "وجواب { لَوْ } محذوف. وكذلك مفعول { تَرَىٰ }. والفزع: حالة من الخوف والرعب تعترى الإِنسان عندما يشعر بما يزعجه ويخفيه. والفوت: النجاة والمهرب، وهذا الفزع للكافرين يكون عند خروجهم من قبورهم للبعث والحساب، أو عند قبض أرواحهم.<br>أى: ولو ترى - أيها العاقل - حال الكافرين، وقت خروجهم من قبورهم للحساب، وقد اعتراهم الفزع والهلع.. لرأيت شيئا هائلا، وأمرا عظيما...<br>وقوله { فَلاَ فَوْتَ } أى: فلا مهرب لهم ولا نجاة يومئذ من الوقوف بين يدى الله - تعالى - للحساب، ولمعاقبتهم على كفرهم وجحودهم...<br>وقوله: { وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } معطوف على { فَزِعُواْ } أى: فزعوا دون أن ينفعهم هذا الفزع، وأخذوا ليلقوا مصيرهم السيئء من مكان قريب من موقف الحساب.<br>قال الآلوسى: والمراد بذكر قرب المكان، سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم وبهلاكهم، وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله - عز وجل -...\".<br>{ وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ } أى: وقال هؤلاء الكافرون عندما رأوا العذاب المعد لهم فى الآخرة: آمنا بالله - تعالى - وبأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى لا معبود بحق سواه، وآمنا بهذا الدين الذى جاءنا به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله - سبحانه -: { وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } بيان لعدم انتفاعهم بما قالوه من إظهار الإِيمان فى هذا الوقت.<br>والتناوش: التناول. يقال: فلان ناشٍ الشئ ينوشه نوشا إذا تناوله. ومنه قولهم: تناشوا بالرماح، أى: تناول بعضهم بعضاً بها.<br>أى: لقد قالوا بعد البعث آمنا بهذا الدين، ومن أين لهم فى الآخرة تناول الإِيمان والتوبة من الكفر، وكان ذلك قريباً منهم فى الدنيا فضيعوه، وكيف يظفرون به فى الآخرة وهى بعيدة عن دار الدنيا التى هى محل قبول الإِيمان.<br>فالجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى طلب الخلاص بعد أن فات أوانه، وأن هذا الطلب فى نهاية الاستبعاد كما يدل عليه لفظ { أَنَّىٰ }.<br>قال صاحب الكشاف: والتناوش والتناول أخوان. إلا أن التناوش تناول سهل لشئ قريب...<br>وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم فى هذا الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم فى الدنيا. مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشئ من غلوة - أى: من كان بعيد -، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه...\".<br>وقوله - سبحانه - { وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ } أى: قالوا آمنا بأن يوم القيامة حق، والحال أنهم قد كفروا به من قبل فى الدنيا، عندما دعاهم إلى الإِيمان به رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله - تعالى -: { وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } بيان لما كانوا عليه فى الدنيا من سفاهة فى القول، وجرأة فى النطق بالباطل، وفيما لا علم لهم به.<br>والعرب تقول لكل من تكلم فيما لا يعلمه: هو يقذف ويرجم بالغيب، والجملة الكريمة معطوفة على قوله: { وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ }.<br>أى: لقد كفروا بهذا الدين فى الدنيا، وكانوا ينطقون بأقوال لا علم لهم بها، وبينها وبين الحق والصدق مسافات بعيدة، فقد نسبوا إلى الله - تعالى - الولد والشريك، ويقولون فى الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ساحر...، وفى شأن البعث: إنه لا حقيقة له، وفى شأن القرآن: إنه أساطير الأولين.<br>فالمقصود بالآية تقريعهم وتجهيلهم، على ما كانوا يتفوهون به من كلام ساقط، بينه وبين الحقيقة مسافات بعيدة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان حرمانهم التام مما يشتهونه فقال: { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ }.<br>وقوله { حِيلَ } فعل بمنى للمجهول مأخوذ من الحول بمعنى المنع والحجز. تقول حال الموج بينى وبين فلان. أى: منعنى من الوصول إليه، ومنه قوله - تعالى -: {  { وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ }  }.أى: وحجز وفصل بين هؤلاء المشركين يوم القيامة { وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } ويتمنون من قبول إيمانهم فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم ورجوعهم إلى الدنيا.. حيل بينهم وبين كل ذلك، { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ } أى: كما هو الحال بالنسبة لأمثالهم ونظرائهم الذين سبقوهم فى الكفر.<br>{ إِنَّهُمْ كَانُواْ } جميعاً على نمط واحد { فِي شَكٍّ } من أمر هذا الدين { مَّرِيبٍ } أى: موقع فى الريبة.<br>وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة \"سبأ\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.<br>"
    },
    {
        "id": "3689",
        "sura_number": "34",
        "ayah_number": "53",
        "aya": "",
        "sura": "سبأ",
        "mediator": "وجواب { لَوْ } محذوف. وكذلك مفعول { تَرَىٰ }. والفزع: حالة من الخوف والرعب تعترى الإِنسان عندما يشعر بما يزعجه ويخفيه. والفوت: النجاة والمهرب، وهذا الفزع للكافرين يكون عند خروجهم من قبورهم للبعث والحساب، أو عند قبض أرواحهم.<br>أى: ولو ترى - أيها العاقل - حال الكافرين، وقت خروجهم من قبورهم للحساب، وقد اعتراهم الفزع والهلع.. لرأيت شيئا هائلا، وأمرا عظيما...<br>وقوله { فَلاَ فَوْتَ } أى: فلا مهرب لهم ولا نجاة يومئذ من الوقوف بين يدى الله - تعالى - للحساب، ولمعاقبتهم على كفرهم وجحودهم...<br>وقوله: { وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } معطوف على { فَزِعُواْ } أى: فزعوا دون أن ينفعهم هذا الفزع، وأخذوا ليلقوا مصيرهم السيئء من مكان قريب من موقف الحساب.<br>قال الآلوسى: والمراد بذكر قرب المكان، سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم وبهلاكهم، وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله - عز وجل -...\".<br>{ وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ } أى: وقال هؤلاء الكافرون عندما رأوا العذاب المعد لهم فى الآخرة: آمنا بالله - تعالى - وبأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى لا معبود بحق سواه، وآمنا بهذا الدين الذى جاءنا به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله - سبحانه -: { وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } بيان لعدم انتفاعهم بما قالوه من إظهار الإِيمان فى هذا الوقت.<br>والتناوش: التناول. يقال: فلان ناشٍ الشئ ينوشه نوشا إذا تناوله. ومنه قولهم: تناشوا بالرماح، أى: تناول بعضهم بعضاً بها.<br>أى: لقد قالوا بعد البعث آمنا بهذا الدين، ومن أين لهم فى الآخرة تناول الإِيمان والتوبة من الكفر، وكان ذلك قريباً منهم فى الدنيا فضيعوه، وكيف يظفرون به فى الآخرة وهى بعيدة عن دار الدنيا التى هى محل قبول الإِيمان.<br>فالجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى طلب الخلاص بعد أن فات أوانه، وأن هذا الطلب فى نهاية الاستبعاد كما يدل عليه لفظ { أَنَّىٰ }.<br>قال صاحب الكشاف: والتناوش والتناول أخوان. إلا أن التناوش تناول سهل لشئ قريب...<br>وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم فى هذا الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم فى الدنيا. مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشئ من غلوة - أى: من كان بعيد -، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه...\".<br>وقوله - سبحانه - { وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ } أى: قالوا آمنا بأن يوم القيامة حق، والحال أنهم قد كفروا به من قبل فى الدنيا، عندما دعاهم إلى الإِيمان به رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله - تعالى -: { وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } بيان لما كانوا عليه فى الدنيا من سفاهة فى القول، وجرأة فى النطق بالباطل، وفيما لا علم لهم به.<br>والعرب تقول لكل من تكلم فيما لا يعلمه: هو يقذف ويرجم بالغيب، والجملة الكريمة معطوفة على قوله: { وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ }.<br>أى: لقد كفروا بهذا الدين فى الدنيا، وكانوا ينطقون بأقوال لا علم لهم بها، وبينها وبين الحق والصدق مسافات بعيدة، فقد نسبوا إلى الله - تعالى - الولد والشريك، ويقولون فى الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ساحر...، وفى شأن البعث: إنه لا حقيقة له، وفى شأن القرآن: إنه أساطير الأولين.<br>فالمقصود بالآية تقريعهم وتجهيلهم، على ما كانوا يتفوهون به من كلام ساقط، بينه وبين الحقيقة مسافات بعيدة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان حرمانهم التام مما يشتهونه فقال: { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ }.<br>وقوله { حِيلَ } فعل بمنى للمجهول مأخوذ من الحول بمعنى المنع والحجز. تقول حال الموج بينى وبين فلان. أى: منعنى من الوصول إليه، ومنه قوله - تعالى -: {  { وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ }  }.أى: وحجز وفصل بين هؤلاء المشركين يوم القيامة { وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } ويتمنون من قبول إيمانهم فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم ورجوعهم إلى الدنيا.. حيل بينهم وبين كل ذلك، { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ } أى: كما هو الحال بالنسبة لأمثالهم ونظرائهم الذين سبقوهم فى الكفر.<br>{ إِنَّهُمْ كَانُواْ } جميعاً على نمط واحد { فِي شَكٍّ } من أمر هذا الدين { مَّرِيبٍ } أى: موقع فى الريبة.<br>وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة \"سبأ\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.<br>"
    },
    {
        "id": "3690",
        "sura_number": "34",
        "ayah_number": "54",
        "aya": "",
        "sura": "سبأ",
        "mediator": "وجواب { لَوْ } محذوف. وكذلك مفعول { تَرَىٰ }. والفزع: حالة من الخوف والرعب تعترى الإِنسان عندما يشعر بما يزعجه ويخفيه. والفوت: النجاة والمهرب، وهذا الفزع للكافرين يكون عند خروجهم من قبورهم للبعث والحساب، أو عند قبض أرواحهم.<br>أى: ولو ترى - أيها العاقل - حال الكافرين، وقت خروجهم من قبورهم للحساب، وقد اعتراهم الفزع والهلع.. لرأيت شيئا هائلا، وأمرا عظيما...<br>وقوله { فَلاَ فَوْتَ } أى: فلا مهرب لهم ولا نجاة يومئذ من الوقوف بين يدى الله - تعالى - للحساب، ولمعاقبتهم على كفرهم وجحودهم...<br>وقوله: { وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } معطوف على { فَزِعُواْ } أى: فزعوا دون أن ينفعهم هذا الفزع، وأخذوا ليلقوا مصيرهم السيئء من مكان قريب من موقف الحساب.<br>قال الآلوسى: والمراد بذكر قرب المكان، سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم وبهلاكهم، وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله - عز وجل -...\".<br>{ وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ } أى: وقال هؤلاء الكافرون عندما رأوا العذاب المعد لهم فى الآخرة: آمنا بالله - تعالى - وبأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى لا معبود بحق سواه، وآمنا بهذا الدين الذى جاءنا به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله - سبحانه -: { وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } بيان لعدم انتفاعهم بما قالوه من إظهار الإِيمان فى هذا الوقت.<br>والتناوش: التناول. يقال: فلان ناشٍ الشئ ينوشه نوشا إذا تناوله. ومنه قولهم: تناشوا بالرماح، أى: تناول بعضهم بعضاً بها.<br>أى: لقد قالوا بعد البعث آمنا بهذا الدين، ومن أين لهم فى الآخرة تناول الإِيمان والتوبة من الكفر، وكان ذلك قريباً منهم فى الدنيا فضيعوه، وكيف يظفرون به فى الآخرة وهى بعيدة عن دار الدنيا التى هى محل قبول الإِيمان.<br>فالجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى طلب الخلاص بعد أن فات أوانه، وأن هذا الطلب فى نهاية الاستبعاد كما يدل عليه لفظ { أَنَّىٰ }.<br>قال صاحب الكشاف: والتناوش والتناول أخوان. إلا أن التناوش تناول سهل لشئ قريب...<br>وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم فى هذا الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم فى الدنيا. مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشئ من غلوة - أى: من كان بعيد -، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه...\".<br>وقوله - سبحانه - { وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ } أى: قالوا آمنا بأن يوم القيامة حق، والحال أنهم قد كفروا به من قبل فى الدنيا، عندما دعاهم إلى الإِيمان به رسول الله صلى الله عليه وسلم.<br>وقوله - تعالى -: { وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } بيان لما كانوا عليه فى الدنيا من سفاهة فى القول، وجرأة فى النطق بالباطل، وفيما لا علم لهم به.<br>والعرب تقول لكل من تكلم فيما لا يعلمه: هو يقذف ويرجم بالغيب، والجملة الكريمة معطوفة على قوله: { وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ }.<br>أى: لقد كفروا بهذا الدين فى الدنيا، وكانوا ينطقون بأقوال لا علم لهم بها، وبينها وبين الحق والصدق مسافات بعيدة، فقد نسبوا إلى الله - تعالى - الولد والشريك، ويقولون فى الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ساحر...، وفى شأن البعث: إنه لا حقيقة له، وفى شأن القرآن: إنه أساطير الأولين.<br>فالمقصود بالآية تقريعهم وتجهيلهم، على ما كانوا يتفوهون به من كلام ساقط، بينه وبين الحقيقة مسافات بعيدة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان حرمانهم التام مما يشتهونه فقال: { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ }.<br>وقوله { حِيلَ } فعل بمنى للمجهول مأخوذ من الحول بمعنى المنع والحجز. تقول حال الموج بينى وبين فلان. أى: منعنى من الوصول إليه، ومنه قوله - تعالى -: {  { وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ }  }.أى: وحجز وفصل بين هؤلاء المشركين يوم القيامة { وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } ويتمنون من قبول إيمانهم فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم فى هذا اليوم، أو من العفو عنهم ورجوعهم إلى الدنيا.. حيل بينهم وبين كل ذلك، { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ } أى: كما هو الحال بالنسبة لأمثالهم ونظرائهم الذين سبقوهم فى الكفر.<br>{ إِنَّهُمْ كَانُواْ } جميعاً على نمط واحد { فِي شَكٍّ } من أمر هذا الدين { مَّرِيبٍ } أى: موقع فى الريبة.<br>وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة \"سبأ\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.<br>"
    },
    {
        "id": "3691",
        "sura_number": "35",
        "ayah_number": "1",
        "aya": "",
        "sura": "فاطر",
        "mediator": "افتتحت سورة \"فاطر\" كما سبق أن ذركنا عند تفسيرنا لسورة \"سبأ\" بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة وغيرها.<br>و\"أل\" فى الحمد للاستغراق. بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء هو الله - تعالى -.<br>وقوله: { فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى خالقهما وموجدهما على غير مثال يحتذى، إذ المراد بالفطر هنا: الابتداء والاختراع للشئ الذى لم يوجد ما يشبهه من قبل.<br>قال القرطبى: والفاطر: الخالق، والفَطْر - بفتح الفاء -: الشق عن الشئ. يقال فطرته فانفطر. ومنه: فطر ناب البعير، أى: طلع. وتفطر الشئ، أى: تشقق...<br>والفطر: الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدرى ما { فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } حتى أتى أعرابيان يختصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتهما، أى: أنا ابتدأتها..<br>والمراد بذكر السماوات والأرض: العالم كله. ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء، قادر على الإِعادة.<br>والمعنى: الحمد المطلق والثناء التام الكامل لله - تعالى - وحده، فهو - سبحانه الخالق للسموات والأرض، ولهذا الكون بأسره، دون أن يسبقه إلى ذلك سابق، أو يشاركه فيما خلق وأوجد مشارك.<br>وقوله - تعالى -: { جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى - التى لا يعجزها شئ.<br>والملائكة: جمع ملك. والتاء لتأنيث الجمع، وأصله ملاك. وهم جند من خلق الله - تعالى - وقد وصفهم - سبحانه - بصفات متعددة، منها: أنهم {  { يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } وأنهم {  { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ }  } {  { لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }  }.قال الجمل: وقوله: جاعل الملائكة، أى: بعضهم. إذ ليس كلهم رسلا كما هو معلوم. وقوله: { أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ } نعت لقوله { رُسُلاً }، وهو جيد لفظا لتوافقهما تنكيرا. أو هو نعت للملائكة، وهو جيد معنى إذ كل الملائكة لها أجنحة، فهى صفة كاشفة...<br>وقوله: { مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } أسماء معدول بها عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وهى ممنوعة من الصرف، للوصفية والعدل عن المكرر وهى صفة لأجنحة.<br>أى: الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض بقدرته، والذى جعل الملائكة رسلا إلى أنبيائه. وإلى من يشاء من عباده، ليبلغوهم ما يأمرهم - سبحانه - بتبليغه إليهم..<br>وهؤلاء الملائكة المكرمون، ذوو أجنحة عديدة. منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، لأن المراد بهذا الوصف، بيان كثرة الأجنحة لا حصرها.<br>قال الآلوسى ما ملخصه قوله: { جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً... } معناه: جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالته بالوحى والإِلهام والرؤيا الصادقة، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه، كالأمطار والرياح وغيرهما.<br>وقوله: { مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } معناه: أن من الملائكة من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا دلالة فى الآية على نفى الزائد، وما ذكر من عد للدلالة على التكثير والتفاوت، لا للتعيين ولا لنفى النصان عن اثنين..<br>فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود فى قوله - تعالى -  { لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ستمائة جناح...<br>وقوله - تعالى -: { يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، من كمال قدرته، ونفاذ إرادته.<br>أى يزيد - سبحانه - فى خلق كل ما يزيد خلقه ما يشاء أن يزيده من الأمور التى لا يحيط بها الوصف، ومن ذلك أجنحة الملائكة فيزيد فيها ما يشاء، وكذلك ينقص فى الخلق ما يشاء، والكل جاء على مقتضى الحكمة والتدبير.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ } أى: يزيد فى خلق الأجنحة، وفى غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته.<br>والآية مطلقة تتناول كل زيادة فى الخلق: من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام الأعضاء، وقوة فى البطش، وحصافة فى العقل، وجزالة فى الرأى، وجرأة فى القلب، وسماحة فى النفس، وذلاقة فى اللسان، ولباقة فى التكلم، وحسن تأن فى مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف...<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أى: إن الله - تعالى - لا يعجزه شيئ يريده، لأنه قدير على فعل كل شئ، فالجملة الكريمة تعليل لما قبلها من كونه - سبحانه - يزيد فى الخلق ما يشاء، وينقص منه ما يشاء.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا... } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته وفضله على عباده.<br>والمراد بالفتح هنا: الإِطلاق والإِرسال على سبيل المجاز. بعلاقة السببية لأن فتح الشئ المغلق، سبب لإطلاق ما فيه وإرساله.<br>أى: ما يرسل الله - تعالى - بفضله وإحسانه للناس من رحمة متمثلة فى الأمطار، وفى الأرزاق، وفى الصحة.. وفى غير ذلك ، فلا أحد يقدر على منعها عنهم.<br>{ وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } أى: وما يمسك من شئ لا يريد إعطاءه لهم، فلا أحد من الخلق يستطيع إرساله لهم. بعد أن منعه الله - تعالى - عنهم.<br>{ وَهُوَ } - سبحانه - { ٱلْعَزِيزُ } الذى لا يغلبه غالب { ٱلْحَكِيمُ } فى كل أقواله وأفعاله.<br>وعبر - سبحانه - فى جانب الرحمة بالفتح، للإِشعار بأن رحمته - سبحانه - من أعظم النعم وأعلاها، حتى لكأنها بمنزلة الخزائن المليئة بالخيرات، والتى متى فتحت أصاب الناس منها ما أصابوا من نفع وبر.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّحْمَةٍ } للبيان. وجاء الضمير فى قوله: { فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } مؤنثا، لأنه يعود إليه وحدها.<br>وجاء مذكرا فى قوله { فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } لأنه يشملها ويشمل غيرها، أى: وما يسمك من رحمة أو غيرها عن عباده فلا يستطيع أحد أن يرسل ما أمسكه - سبحانه -.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ.. }  }.وقوله - سبحانه -: {  { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ }  }.قال ابن كثير: وثبت فى صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى.  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع راسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده. اللهم ربنا لك الحمد. ملئ السماوات والأرض. وملئ ما شئت من شئ بعد.. اللهم لا مانع لما أعطيت. ولا معطى لما منعت.. ولا ينفع ذا الجد منك الجد - أى: ولا ينفع صاحب الغنى غناه وإنما الذى ينفعه عمله الصالح\"<br> ..ثم وجه - سبحانه - نداء الى الناس. أمرهم فيه بذكره وشكره فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ... }.<br>والمراد من ذكر النعمة: ذكرها باللسان وبالقلب، وشكر الله تعالى عليها، واستعمالها فيما خلقت له.<br>والمراد بالنعمة هنا: النعم الكثيرة التى أنعم بها - سبحانه - على الناس. كنعمة خلقهم، ورزقهم، وتسخير كثير من الكائنات لهم.<br>والاستفهام فى قوله: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ } للنفى والإِنكار، أى: يأيها الناس اذكروا بألسنتكم وقلوبكم، نعم الله - تعالى - عليكم، واشكروه عليها. واستعملوها فى الوجوه التى أمركم باستعمالها فيها، واعلموا أنه لا خالق غير الله - تعالى يرزقكم من السماء بالمطر وغيره، ويرزقكم من الأرض بالنبات والزروع والثمار وما يشبه ذلك من الأرزاق التى فيها حياتكم وبقاؤكم.<br>وقوله - تعالى - { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } جملة مستأنفة لتقرير النفى المستفاد مما قبله أى: لا إله مستحق للعبادة والطاعة إلا الله - تعالى -، إذ هو الخالق لكم، وهو الذى أعطاكم النعم التى لا تعد ولا تحصى.<br>{ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } أى: وما دام الأمر كذلك: فكيف تصرفون عن إخلاص العبادة لخالقكم ورازقكم، إلى الشرك فى عبادته.<br>فقوله { تُؤْفَكُونَ } من الأفك - بالفتح - بمعنى الصرف والقلب يقال: أفكه عن الشئ، إذا صرفه عنه، ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا.. } أى: لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا.<br>وبعد هذا البيان المعجز لمظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده، وهيمنته على شئون خلقه.. أخذت السورة الكريمة فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى دعوة الناس إلى اتباع ما جاءهم به هذا النبى الكريم، وفى بيان مصير المؤمنين ومصير الكافرين، فقال - تعالى -: { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ...عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3692",
        "sura_number": "35",
        "ayah_number": "2",
        "aya": "",
        "sura": "فاطر",
        "mediator": "افتتحت سورة \"فاطر\" كما سبق أن ذركنا عند تفسيرنا لسورة \"سبأ\" بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة وغيرها.<br>و\"أل\" فى الحمد للاستغراق. بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء هو الله - تعالى -.<br>وقوله: { فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى خالقهما وموجدهما على غير مثال يحتذى، إذ المراد بالفطر هنا: الابتداء والاختراع للشئ الذى لم يوجد ما يشبهه من قبل.<br>قال القرطبى: والفاطر: الخالق، والفَطْر - بفتح الفاء -: الشق عن الشئ. يقال فطرته فانفطر. ومنه: فطر ناب البعير، أى: طلع. وتفطر الشئ، أى: تشقق...<br>والفطر: الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدرى ما { فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } حتى أتى أعرابيان يختصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتهما، أى: أنا ابتدأتها..<br>والمراد بذكر السماوات والأرض: العالم كله. ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء، قادر على الإِعادة.<br>والمعنى: الحمد المطلق والثناء التام الكامل لله - تعالى - وحده، فهو - سبحانه الخالق للسموات والأرض، ولهذا الكون بأسره، دون أن يسبقه إلى ذلك سابق، أو يشاركه فيما خلق وأوجد مشارك.<br>وقوله - تعالى -: { جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى - التى لا يعجزها شئ.<br>والملائكة: جمع ملك. والتاء لتأنيث الجمع، وأصله ملاك. وهم جند من خلق الله - تعالى - وقد وصفهم - سبحانه - بصفات متعددة، منها: أنهم {  { يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } وأنهم {  { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ }  } {  { لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }  }.قال الجمل: وقوله: جاعل الملائكة، أى: بعضهم. إذ ليس كلهم رسلا كما هو معلوم. وقوله: { أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ } نعت لقوله { رُسُلاً }، وهو جيد لفظا لتوافقهما تنكيرا. أو هو نعت للملائكة، وهو جيد معنى إذ كل الملائكة لها أجنحة، فهى صفة كاشفة...<br>وقوله: { مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } أسماء معدول بها عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وهى ممنوعة من الصرف، للوصفية والعدل عن المكرر وهى صفة لأجنحة.<br>أى: الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض بقدرته، والذى جعل الملائكة رسلا إلى أنبيائه. وإلى من يشاء من عباده، ليبلغوهم ما يأمرهم - سبحانه - بتبليغه إليهم..<br>وهؤلاء الملائكة المكرمون، ذوو أجنحة عديدة. منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، لأن المراد بهذا الوصف، بيان كثرة الأجنحة لا حصرها.<br>قال الآلوسى ما ملخصه قوله: { جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً... } معناه: جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالته بالوحى والإِلهام والرؤيا الصادقة، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه، كالأمطار والرياح وغيرهما.<br>وقوله: { مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } معناه: أن من الملائكة من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا دلالة فى الآية على نفى الزائد، وما ذكر من عد للدلالة على التكثير والتفاوت، لا للتعيين ولا لنفى النصان عن اثنين..<br>فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود فى قوله - تعالى -  { لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ستمائة جناح...<br>وقوله - تعالى -: { يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، من كمال قدرته، ونفاذ إرادته.<br>أى يزيد - سبحانه - فى خلق كل ما يزيد خلقه ما يشاء أن يزيده من الأمور التى لا يحيط بها الوصف، ومن ذلك أجنحة الملائكة فيزيد فيها ما يشاء، وكذلك ينقص فى الخلق ما يشاء، والكل جاء على مقتضى الحكمة والتدبير.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ } أى: يزيد فى خلق الأجنحة، وفى غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته.<br>والآية مطلقة تتناول كل زيادة فى الخلق: من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام الأعضاء، وقوة فى البطش، وحصافة فى العقل، وجزالة فى الرأى، وجرأة فى القلب، وسماحة فى النفس، وذلاقة فى اللسان، ولباقة فى التكلم، وحسن تأن فى مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف...<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أى: إن الله - تعالى - لا يعجزه شيئ يريده، لأنه قدير على فعل كل شئ، فالجملة الكريمة تعليل لما قبلها من كونه - سبحانه - يزيد فى الخلق ما يشاء، وينقص منه ما يشاء.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا... } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته وفضله على عباده.<br>والمراد بالفتح هنا: الإِطلاق والإِرسال على سبيل المجاز. بعلاقة السببية لأن فتح الشئ المغلق، سبب لإطلاق ما فيه وإرساله.<br>أى: ما يرسل الله - تعالى - بفضله وإحسانه للناس من رحمة متمثلة فى الأمطار، وفى الأرزاق، وفى الصحة.. وفى غير ذلك ، فلا أحد يقدر على منعها عنهم.<br>{ وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } أى: وما يمسك من شئ لا يريد إعطاءه لهم، فلا أحد من الخلق يستطيع إرساله لهم. بعد أن منعه الله - تعالى - عنهم.<br>{ وَهُوَ } - سبحانه - { ٱلْعَزِيزُ } الذى لا يغلبه غالب { ٱلْحَكِيمُ } فى كل أقواله وأفعاله.<br>وعبر - سبحانه - فى جانب الرحمة بالفتح، للإِشعار بأن رحمته - سبحانه - من أعظم النعم وأعلاها، حتى لكأنها بمنزلة الخزائن المليئة بالخيرات، والتى متى فتحت أصاب الناس منها ما أصابوا من نفع وبر.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّحْمَةٍ } للبيان. وجاء الضمير فى قوله: { فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } مؤنثا، لأنه يعود إليه وحدها.<br>وجاء مذكرا فى قوله { فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } لأنه يشملها ويشمل غيرها، أى: وما يسمك من رحمة أو غيرها عن عباده فلا يستطيع أحد أن يرسل ما أمسكه - سبحانه -.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ.. }  }.وقوله - سبحانه -: {  { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ }  }.قال ابن كثير: وثبت فى صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى.  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع راسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده. اللهم ربنا لك الحمد. ملئ السماوات والأرض. وملئ ما شئت من شئ بعد.. اللهم لا مانع لما أعطيت. ولا معطى لما منعت.. ولا ينفع ذا الجد منك الجد - أى: ولا ينفع صاحب الغنى غناه وإنما الذى ينفعه عمله الصالح\"<br> ..ثم وجه - سبحانه - نداء الى الناس. أمرهم فيه بذكره وشكره فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ... }.<br>والمراد من ذكر النعمة: ذكرها باللسان وبالقلب، وشكر الله تعالى عليها، واستعمالها فيما خلقت له.<br>والمراد بالنعمة هنا: النعم الكثيرة التى أنعم بها - سبحانه - على الناس. كنعمة خلقهم، ورزقهم، وتسخير كثير من الكائنات لهم.<br>والاستفهام فى قوله: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ } للنفى والإِنكار، أى: يأيها الناس اذكروا بألسنتكم وقلوبكم، نعم الله - تعالى - عليكم، واشكروه عليها. واستعملوها فى الوجوه التى أمركم باستعمالها فيها، واعلموا أنه لا خالق غير الله - تعالى يرزقكم من السماء بالمطر وغيره، ويرزقكم من الأرض بالنبات والزروع والثمار وما يشبه ذلك من الأرزاق التى فيها حياتكم وبقاؤكم.<br>وقوله - تعالى - { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } جملة مستأنفة لتقرير النفى المستفاد مما قبله أى: لا إله مستحق للعبادة والطاعة إلا الله - تعالى -، إذ هو الخالق لكم، وهو الذى أعطاكم النعم التى لا تعد ولا تحصى.<br>{ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } أى: وما دام الأمر كذلك: فكيف تصرفون عن إخلاص العبادة لخالقكم ورازقكم، إلى الشرك فى عبادته.<br>فقوله { تُؤْفَكُونَ } من الأفك - بالفتح - بمعنى الصرف والقلب يقال: أفكه عن الشئ، إذا صرفه عنه، ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا.. } أى: لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا.<br>وبعد هذا البيان المعجز لمظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده، وهيمنته على شئون خلقه.. أخذت السورة الكريمة فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى دعوة الناس إلى اتباع ما جاءهم به هذا النبى الكريم، وفى بيان مصير المؤمنين ومصير الكافرين، فقال - تعالى -: { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ...عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3693",
        "sura_number": "35",
        "ayah_number": "3",
        "aya": "",
        "sura": "فاطر",
        "mediator": "افتتحت سورة \"فاطر\" كما سبق أن ذركنا عند تفسيرنا لسورة \"سبأ\" بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين.<br>والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة وغيرها.<br>و\"أل\" فى الحمد للاستغراق. بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء هو الله - تعالى -.<br>وقوله: { فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى خالقهما وموجدهما على غير مثال يحتذى، إذ المراد بالفطر هنا: الابتداء والاختراع للشئ الذى لم يوجد ما يشبهه من قبل.<br>قال القرطبى: والفاطر: الخالق، والفَطْر - بفتح الفاء -: الشق عن الشئ. يقال فطرته فانفطر. ومنه: فطر ناب البعير، أى: طلع. وتفطر الشئ، أى: تشقق...<br>والفطر: الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدرى ما { فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } حتى أتى أعرابيان يختصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتهما، أى: أنا ابتدأتها..<br>والمراد بذكر السماوات والأرض: العالم كله. ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء، قادر على الإِعادة.<br>والمعنى: الحمد المطلق والثناء التام الكامل لله - تعالى - وحده، فهو - سبحانه الخالق للسموات والأرض، ولهذا الكون بأسره، دون أن يسبقه إلى ذلك سابق، أو يشاركه فيما خلق وأوجد مشارك.<br>وقوله - تعالى -: { جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى - التى لا يعجزها شئ.<br>والملائكة: جمع ملك. والتاء لتأنيث الجمع، وأصله ملاك. وهم جند من خلق الله - تعالى - وقد وصفهم - سبحانه - بصفات متعددة، منها: أنهم {  { يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } وأنهم {  { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ }  } {  { لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }  }.قال الجمل: وقوله: جاعل الملائكة، أى: بعضهم. إذ ليس كلهم رسلا كما هو معلوم. وقوله: { أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ } نعت لقوله { رُسُلاً }، وهو جيد لفظا لتوافقهما تنكيرا. أو هو نعت للملائكة، وهو جيد معنى إذ كل الملائكة لها أجنحة، فهى صفة كاشفة...<br>وقوله: { مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } أسماء معدول بها عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وهى ممنوعة من الصرف، للوصفية والعدل عن المكرر وهى صفة لأجنحة.<br>أى: الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض بقدرته، والذى جعل الملائكة رسلا إلى أنبيائه. وإلى من يشاء من عباده، ليبلغوهم ما يأمرهم - سبحانه - بتبليغه إليهم..<br>وهؤلاء الملائكة المكرمون، ذوو أجنحة عديدة. منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، لأن المراد بهذا الوصف، بيان كثرة الأجنحة لا حصرها.<br>قال الآلوسى ما ملخصه قوله: { جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً... } معناه: جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالته بالوحى والإِلهام والرؤيا الصادقة، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه، كالأمطار والرياح وغيرهما.<br>وقوله: { مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } معناه: أن من الملائكة من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا دلالة فى الآية على نفى الزائد، وما ذكر من عد للدلالة على التكثير والتفاوت، لا للتعيين ولا لنفى النصان عن اثنين..<br>فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود فى قوله - تعالى -  { لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ستمائة جناح...<br>وقوله - تعالى -: { يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، من كمال قدرته، ونفاذ إرادته.<br>أى يزيد - سبحانه - فى خلق كل ما يزيد خلقه ما يشاء أن يزيده من الأمور التى لا يحيط بها الوصف، ومن ذلك أجنحة الملائكة فيزيد فيها ما يشاء، وكذلك ينقص فى الخلق ما يشاء، والكل جاء على مقتضى الحكمة والتدبير.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ } أى: يزيد فى خلق الأجنحة، وفى غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته.<br>والآية مطلقة تتناول كل زيادة فى الخلق: من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام الأعضاء، وقوة فى البطش، وحصافة فى العقل، وجزالة فى الرأى، وجرأة فى القلب، وسماحة فى النفس، وذلاقة فى اللسان، ولباقة فى التكلم، وحسن تأن فى مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف...<br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أى: إن الله - تعالى - لا يعجزه شيئ يريده، لأنه قدير على فعل كل شئ، فالجملة الكريمة تعليل لما قبلها من كونه - سبحانه - يزيد فى الخلق ما يشاء، وينقص منه ما يشاء.<br>وقوله - تعالى -: { مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا... } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته وفضله على عباده.<br>والمراد بالفتح هنا: الإِطلاق والإِرسال على سبيل المجاز. بعلاقة السببية لأن فتح الشئ المغلق، سبب لإطلاق ما فيه وإرساله.<br>أى: ما يرسل الله - تعالى - بفضله وإحسانه للناس من رحمة متمثلة فى الأمطار، وفى الأرزاق، وفى الصحة.. وفى غير ذلك ، فلا أحد يقدر على منعها عنهم.<br>{ وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } أى: وما يمسك من شئ لا يريد إعطاءه لهم، فلا أحد من الخلق يستطيع إرساله لهم. بعد أن منعه الله - تعالى - عنهم.<br>{ وَهُوَ } - سبحانه - { ٱلْعَزِيزُ } الذى لا يغلبه غالب { ٱلْحَكِيمُ } فى كل أقواله وأفعاله.<br>وعبر - سبحانه - فى جانب الرحمة بالفتح، للإِشعار بأن رحمته - سبحانه - من أعظم النعم وأعلاها، حتى لكأنها بمنزلة الخزائن المليئة بالخيرات، والتى متى فتحت أصاب الناس منها ما أصابوا من نفع وبر.<br>و { مِن } فى قوله { مِن رَّحْمَةٍ } للبيان. وجاء الضمير فى قوله: { فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } مؤنثا، لأنه يعود إليه وحدها.<br>وجاء مذكرا فى قوله { فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } لأنه يشملها ويشمل غيرها، أى: وما يسمك من رحمة أو غيرها عن عباده فلا يستطيع أحد أن يرسل ما أمسكه - سبحانه -.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: {  { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ.. }  }.وقوله - سبحانه -: {  { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ }  }.قال ابن كثير: وثبت فى صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى.  \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع راسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده. اللهم ربنا لك الحمد. ملئ السماوات والأرض. وملئ ما شئت من شئ بعد.. اللهم لا مانع لما أعطيت. ولا معطى لما منعت.. ولا ينفع ذا الجد منك الجد - أى: ولا ينفع صاحب الغنى غناه وإنما الذى ينفعه عمله الصالح\"<br> ..ثم وجه - سبحانه - نداء الى الناس. أمرهم فيه بذكره وشكره فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ... }.<br>والمراد من ذكر النعمة: ذكرها باللسان وبالقلب، وشكر الله تعالى عليها، واستعمالها فيما خلقت له.<br>والمراد بالنعمة هنا: النعم الكثيرة التى أنعم بها - سبحانه - على الناس. كنعمة خلقهم، ورزقهم، وتسخير كثير من الكائنات لهم.<br>والاستفهام فى قوله: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ } للنفى والإِنكار، أى: يأيها الناس اذكروا بألسنتكم وقلوبكم، نعم الله - تعالى - عليكم، واشكروه عليها. واستعملوها فى الوجوه التى أمركم باستعمالها فيها، واعلموا أنه لا خالق غير الله - تعالى يرزقكم من السماء بالمطر وغيره، ويرزقكم من الأرض بالنبات والزروع والثمار وما يشبه ذلك من الأرزاق التى فيها حياتكم وبقاؤكم.<br>وقوله - تعالى - { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } جملة مستأنفة لتقرير النفى المستفاد مما قبله أى: لا إله مستحق للعبادة والطاعة إلا الله - تعالى -، إذ هو الخالق لكم، وهو الذى أعطاكم النعم التى لا تعد ولا تحصى.<br>{ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } أى: وما دام الأمر كذلك: فكيف تصرفون عن إخلاص العبادة لخالقكم ورازقكم، إلى الشرك فى عبادته.<br>فقوله { تُؤْفَكُونَ } من الأفك - بالفتح - بمعنى الصرف والقلب يقال: أفكه عن الشئ، إذا صرفه عنه، ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا.. } أى: لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا.<br>وبعد هذا البيان المعجز لمظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده، وهيمنته على شئون خلقه.. أخذت السورة الكريمة فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى دعوة الناس إلى اتباع ما جاءهم به هذا النبى الكريم، وفى بيان مصير المؤمنين ومصير الكافرين، فقال - تعالى -: { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ...عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3722",
        "sura_number": "35",
        "ayah_number": "32",
        "aya": "",
        "sura": "فاطر",
        "mediator": "و\"ثم\" فى قوله - تعالى -: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } للتراخى الرتبى. و { أَوْرَثْنَا } أى أعطينا ومنحنا، إذ الميراث عطاء يصل للإِنسان عن طريق غيره.<br>والمراد بالكتاب: القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من عقائد وأحكام وآداب وتوجيهات سديدة.. وهو المفعول الثانى لأورثنا، وقدم على المفعول الأول، وهو الموصول للتشريف.<br>و{ ٱصْطَفَيْنَا } بمعنى اخترنا واستخلصنا، واشتقاقه من الصفو، بمعنى الخلوص من الكدر والشوائب.<br>والمراد بقوله: { مِنْ عِبَادِنَا } الأمة الإِسلامية التى جعلها الله خير أمة أخرجت للناس.<br>والمعنى: ثم جعلنا هذا القرآن الذى اوحيناه إليك - أيها الرسول الكريم - ميراثاً منك لأمتك، التى اصطفيناها على سائر الأمم، وجعلناها أمة وسطا. وقد ورثناها هذا الكتاب لتنتفع بهداياته.. وتسترشد بتوجيهاته، وتعمل بأوامره ونواهيه.<br>قال الآلوسى: قوله: { ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } هم - كما قال ابن عباس وغيره - أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله - تعالى - اصطفاهم على سائر الأمم...\".<br>وفى التعبير بالاصطفاء، تنويه بفضل هؤلاء العباد، وإشارة إلى فضلهم على غيرهم، كما أن التعبير بالماضى يدل على تحقق هذا الاصطفاء.<br>ثم قسم - سبحانه - هؤلاء العباد إلى ثلاثة اقسام فقال: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ.. }.<br>وجمهور العلماء على أن هذه الأقسام الثلاثة، تعد إلى أفراد هذه الأمة الإِسلامية.<br>وأن المراد بالظالم لنفسه، من زادت سيئاته على حسناته.<br>وأن المراد بالمقصد: من تساوت حسناته مع سيئاته.<br>وأن المراد بالسابقين بالخيرات: من زادت حسناتهم على سيئاتهم.<br>وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى - بعد ذلك: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا... } يعود إلى تلك الأقسام الثلاثة، لأنهم جميعاً من أهل الجنة بفضل الله ورحمته.<br>ومن العلماء من يرى أن المراد بالظالم لنفسه: الكافر، وعليه يكون الضمير فى قوله: { يَدْخُلُونَهَا } يعود إلى المقتصد والسابق بالخيرات، وأن هذه الآية نظير قوله - تعالى - فى سورة الواقعة: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ.. }.<br>ومن المفسرين الذين رجحوا القول الأول ابن كثير فقد قال ما ملخصه: يقول - تعالى - ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم... وهم هذه الأمة على ثلاث أقسام: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } وهو المفرط فى بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات. { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } وهو المؤدى للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات.<br>{ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ } وهو الفاعل للواجبات والمستحبات.<br>قال ابن عباس: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله - تعالى - كل كتاب أنزله. فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.<br>وفى رواية عنه: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله - تعالى -، والظالم لنفسه يدخل الجنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وفى الحديث الشريف: \"شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى\" .<br>وقال آخرون: الظالم لنفسه: هو الكافر.<br>والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما و ظاهر الآية، وكا جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً.<br>ثم أورد الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها: ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى هذه الآية:  \"هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم فى الجنة\" .<br>ومعنى قوله \"بمنزلة واحدة\" أى: فى أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق فى المنازل فى الجنة\".<br>وقال الإِمام ابن جرير: فإن قال لنا قائل: إن قوله { يَدْخُلُونَهَا } إنما عنى به المقتصد والسابق بالخيرات؟<br>قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولم لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد، وجب أن لا يكون لأهل الإِيمان وعيد.<br>قيل: إنه ليس فى الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله - تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن: وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التى أصابها فى الدنيا... ثم يدخلون الجنة بعد ذلك، فيكون ممن عمه خبر الله - تعالى - بقوله: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا }.<br>وقال الشوكانى: والظالم لنفسه: هو الذى عمل الصغائر. وقد روى هذا القول عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأبى الدرداء، وعائشة. وهذا هو الراجح، لأن عمل الصغائر لا ينافى الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور... وجه كونه ظالماً لنفسه، أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل تلك الصغائر طاعات، لكان لنفسه فيها من الثواب عظيماً....<br>قالوا: وتقديم الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. لا يقتضى تشريفاً، كما فى قوله - تعالى - {  { لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ.. }  }.ولعل السر فى مجئ هذه الأقسام بهذا الترتيب، أن الظالمين لأنفسهم أكثر الأقسام عددا، ويليهم المقتصدون، ويليهم السابقون بالخيرات، كما قال - تعالى -  { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ }  }.وقوله: { بِإِذُنِ ٱللَّهِ } أى: بتوفيقه وإرادته وفضله.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } يعود إلى ما تقدم من توريث الكتاب ومن الاصطفاء.<br>أى: ذلك الذى أعطيناه - أيها الرسول الكريم - لأمتك من الاصطفاء ومن توريثهم الكتاب، هو الفضل الواسع الكبير، الذى لا يقادر قدره، ولا يعرف كنهه إلا الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } والضمير للأنواع الثلاثة.<br>أى: هؤلاء الظالمون لأنفسهم والمقتصدون والسابقون بالخيرات، ندخلهم بفضلنا ورحمتنا، الجنات الدائمة التى يخلدون فيها خلوداً أبدياً.<br>يقال: عدن فلان بالمكان، إذا أقام به إقامة دائمة.<br>{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } أى أنهم يدخلون الجنات دخولاً دائماً، وهم فى تلك الجنات يتزينون بأجمل الزينات، وبأفخر الملابس، حيث يلبسون فى أيديهم أساور من ذهب ولؤلؤا، أما ثيابهم فهى من الحرير الخالص.<br>ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه بعد فوزهم بهذا النعيم فقال: { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ }.<br>والحزن: غم يعترى الإِنسان لخوفه من زوال نعمة هو فيها. والمراد به هنا: جنس الحزن الشامل لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة.<br>أى: وقالوا عند دخولهم الجنات الدائمة، وشعورهم بالأمان والسعاة والاطمئنان: الحمد لله الذى أذهب عنا جميع ما يحزننا من أمور الدنيا أو الآخرة.<br>{ إِنَّ رَبَّنَا } بفضله وكرمه { لَغَفُورٌ شَكُورٌ } أى: لواسع المغفرة لعباده ولكثير العطاء للمطيعين، حيث أعطاهم الخيرات الوفيرة فى مقابل الأعمال القليلة. { ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } أى: الحمد لله الذى أذهب عنا الأحزان بفضله ورحمته، والذى { أَحَلَّنَا } أى: أنزلنا { دَارَ ٱلْمُقَامَةِ } أى: الدار التى لا انتقال لنا منها، وإنما نحن سنقيم فيها إقامة دائمة وهى الجنة التى منحها إياها بفضله وكرمه.<br>وهذه الدار { لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } أى: لا يصيبنا فيها تعب ولا مشقة ولا عناء. يقال: نصب فلان - كفرح - إذا نزل به التعب والإِعياء.<br>{ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } أى: ولا يصيبنا فيها كَلال وإعياء بسب التعب والهموم، يقال: لَغَب فلان لَغبْاً ولُغُوباً. إذا اشتد به الإِعياء والهزال.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما الفرق بين النصَب واللُّغوب؟<br>قلت: النصب، التعب والمشقة، التى تصيب المنتصب للأمر، المزاول له.<br>وأما اللغوب، فما يلحقه من الفتور بسبب النَصب. فالنصب: نفس المشقة والكلفة. واللغوب: نتيجة ما يحدث منه من الكلال والفتور\".<br>وبعد هذا البيان البليغ يشرح الصدور لحسن عاقبة المفحلين، ساقت السورة الكريمة حال الكافرين، وما هم فيه من عذاب مهين، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ...بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3723",
        "sura_number": "35",
        "ayah_number": "33",
        "aya": "",
        "sura": "فاطر",
        "mediator": "و\"ثم\" فى قوله - تعالى -: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } للتراخى الرتبى. و { أَوْرَثْنَا } أى أعطينا ومنحنا، إذ الميراث عطاء يصل للإِنسان عن طريق غيره.<br>والمراد بالكتاب: القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من عقائد وأحكام وآداب وتوجيهات سديدة.. وهو المفعول الثانى لأورثنا، وقدم على المفعول الأول، وهو الموصول للتشريف.<br>و{ ٱصْطَفَيْنَا } بمعنى اخترنا واستخلصنا، واشتقاقه من الصفو، بمعنى الخلوص من الكدر والشوائب.<br>والمراد بقوله: { مِنْ عِبَادِنَا } الأمة الإِسلامية التى جعلها الله خير أمة أخرجت للناس.<br>والمعنى: ثم جعلنا هذا القرآن الذى اوحيناه إليك - أيها الرسول الكريم - ميراثاً منك لأمتك، التى اصطفيناها على سائر الأمم، وجعلناها أمة وسطا. وقد ورثناها هذا الكتاب لتنتفع بهداياته.. وتسترشد بتوجيهاته، وتعمل بأوامره ونواهيه.<br>قال الآلوسى: قوله: { ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } هم - كما قال ابن عباس وغيره - أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله - تعالى - اصطفاهم على سائر الأمم...\".<br>وفى التعبير بالاصطفاء، تنويه بفضل هؤلاء العباد، وإشارة إلى فضلهم على غيرهم، كما أن التعبير بالماضى يدل على تحقق هذا الاصطفاء.<br>ثم قسم - سبحانه - هؤلاء العباد إلى ثلاثة اقسام فقال: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ.. }.<br>وجمهور العلماء على أن هذه الأقسام الثلاثة، تعد إلى أفراد هذه الأمة الإِسلامية.<br>وأن المراد بالظالم لنفسه، من زادت سيئاته على حسناته.<br>وأن المراد بالمقصد: من تساوت حسناته مع سيئاته.<br>وأن المراد بالسابقين بالخيرات: من زادت حسناتهم على سيئاتهم.<br>وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى - بعد ذلك: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا... } يعود إلى تلك الأقسام الثلاثة، لأنهم جميعاً من أهل الجنة بفضل الله ورحمته.<br>ومن العلماء من يرى أن المراد بالظالم لنفسه: الكافر، وعليه يكون الضمير فى قوله: { يَدْخُلُونَهَا } يعود إلى المقتصد والسابق بالخيرات، وأن هذه الآية نظير قوله - تعالى - فى سورة الواقعة: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ.. }.<br>ومن المفسرين الذين رجحوا القول الأول ابن كثير فقد قال ما ملخصه: يقول - تعالى - ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم... وهم هذه الأمة على ثلاث أقسام: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } وهو المفرط فى بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات. { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } وهو المؤدى للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات.<br>{ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ } وهو الفاعل للواجبات والمستحبات.<br>قال ابن عباس: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله - تعالى - كل كتاب أنزله. فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.<br>وفى رواية عنه: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله - تعالى -، والظالم لنفسه يدخل الجنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وفى الحديث الشريف: \"شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى\" .<br>وقال آخرون: الظالم لنفسه: هو الكافر.<br>والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما و ظاهر الآية، وكا جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً.<br>ثم أورد الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها: ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى هذه الآية:  \"هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم فى الجنة\" .<br>ومعنى قوله \"بمنزلة واحدة\" أى: فى أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق فى المنازل فى الجنة\".<br>وقال الإِمام ابن جرير: فإن قال لنا قائل: إن قوله { يَدْخُلُونَهَا } إنما عنى به المقتصد والسابق بالخيرات؟<br>قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولم لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد، وجب أن لا يكون لأهل الإِيمان وعيد.<br>قيل: إنه ليس فى الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله - تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن: وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التى أصابها فى الدنيا... ثم يدخلون الجنة بعد ذلك، فيكون ممن عمه خبر الله - تعالى - بقوله: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا }.<br>وقال الشوكانى: والظالم لنفسه: هو الذى عمل الصغائر. وقد روى هذا القول عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأبى الدرداء، وعائشة. وهذا هو الراجح، لأن عمل الصغائر لا ينافى الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور... وجه كونه ظالماً لنفسه، أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل تلك الصغائر طاعات، لكان لنفسه فيها من الثواب عظيماً....<br>قالوا: وتقديم الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. لا يقتضى تشريفاً، كما فى قوله - تعالى - {  { لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ.. }  }.ولعل السر فى مجئ هذه الأقسام بهذا الترتيب، أن الظالمين لأنفسهم أكثر الأقسام عددا، ويليهم المقتصدون، ويليهم السابقون بالخيرات، كما قال - تعالى -  { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ }  }.وقوله: { بِإِذُنِ ٱللَّهِ } أى: بتوفيقه وإرادته وفضله.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } يعود إلى ما تقدم من توريث الكتاب ومن الاصطفاء.<br>أى: ذلك الذى أعطيناه - أيها الرسول الكريم - لأمتك من الاصطفاء ومن توريثهم الكتاب، هو الفضل الواسع الكبير، الذى لا يقادر قدره، ولا يعرف كنهه إلا الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } والضمير للأنواع الثلاثة.<br>أى: هؤلاء الظالمون لأنفسهم والمقتصدون والسابقون بالخيرات، ندخلهم بفضلنا ورحمتنا، الجنات الدائمة التى يخلدون فيها خلوداً أبدياً.<br>يقال: عدن فلان بالمكان، إذا أقام به إقامة دائمة.<br>{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } أى أنهم يدخلون الجنات دخولاً دائماً، وهم فى تلك الجنات يتزينون بأجمل الزينات، وبأفخر الملابس، حيث يلبسون فى أيديهم أساور من ذهب ولؤلؤا، أما ثيابهم فهى من الحرير الخالص.<br>ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه بعد فوزهم بهذا النعيم فقال: { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ }.<br>والحزن: غم يعترى الإِنسان لخوفه من زوال نعمة هو فيها. والمراد به هنا: جنس الحزن الشامل لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة.<br>أى: وقالوا عند دخولهم الجنات الدائمة، وشعورهم بالأمان والسعاة والاطمئنان: الحمد لله الذى أذهب عنا جميع ما يحزننا من أمور الدنيا أو الآخرة.<br>{ إِنَّ رَبَّنَا } بفضله وكرمه { لَغَفُورٌ شَكُورٌ } أى: لواسع المغفرة لعباده ولكثير العطاء للمطيعين، حيث أعطاهم الخيرات الوفيرة فى مقابل الأعمال القليلة. { ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } أى: الحمد لله الذى أذهب عنا الأحزان بفضله ورحمته، والذى { أَحَلَّنَا } أى: أنزلنا { دَارَ ٱلْمُقَامَةِ } أى: الدار التى لا انتقال لنا منها، وإنما نحن سنقيم فيها إقامة دائمة وهى الجنة التى منحها إياها بفضله وكرمه.<br>وهذه الدار { لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } أى: لا يصيبنا فيها تعب ولا مشقة ولا عناء. يقال: نصب فلان - كفرح - إذا نزل به التعب والإِعياء.<br>{ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } أى: ولا يصيبنا فيها كَلال وإعياء بسب التعب والهموم، يقال: لَغَب فلان لَغبْاً ولُغُوباً. إذا اشتد به الإِعياء والهزال.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما الفرق بين النصَب واللُّغوب؟<br>قلت: النصب، التعب والمشقة، التى تصيب المنتصب للأمر، المزاول له.<br>وأما اللغوب، فما يلحقه من الفتور بسبب النَصب. فالنصب: نفس المشقة والكلفة. واللغوب: نتيجة ما يحدث منه من الكلال والفتور\".<br>وبعد هذا البيان البليغ يشرح الصدور لحسن عاقبة المفحلين، ساقت السورة الكريمة حال الكافرين، وما هم فيه من عذاب مهين، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ...بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3724",
        "sura_number": "35",
        "ayah_number": "34",
        "aya": "",
        "sura": "فاطر",
        "mediator": "و\"ثم\" فى قوله - تعالى -: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } للتراخى الرتبى. و { أَوْرَثْنَا } أى أعطينا ومنحنا، إذ الميراث عطاء يصل للإِنسان عن طريق غيره.<br>والمراد بالكتاب: القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من عقائد وأحكام وآداب وتوجيهات سديدة.. وهو المفعول الثانى لأورثنا، وقدم على المفعول الأول، وهو الموصول للتشريف.<br>و{ ٱصْطَفَيْنَا } بمعنى اخترنا واستخلصنا، واشتقاقه من الصفو، بمعنى الخلوص من الكدر والشوائب.<br>والمراد بقوله: { مِنْ عِبَادِنَا } الأمة الإِسلامية التى جعلها الله خير أمة أخرجت للناس.<br>والمعنى: ثم جعلنا هذا القرآن الذى اوحيناه إليك - أيها الرسول الكريم - ميراثاً منك لأمتك، التى اصطفيناها على سائر الأمم، وجعلناها أمة وسطا. وقد ورثناها هذا الكتاب لتنتفع بهداياته.. وتسترشد بتوجيهاته، وتعمل بأوامره ونواهيه.<br>قال الآلوسى: قوله: { ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } هم - كما قال ابن عباس وغيره - أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله - تعالى - اصطفاهم على سائر الأمم...\".<br>وفى التعبير بالاصطفاء، تنويه بفضل هؤلاء العباد، وإشارة إلى فضلهم على غيرهم، كما أن التعبير بالماضى يدل على تحقق هذا الاصطفاء.<br>ثم قسم - سبحانه - هؤلاء العباد إلى ثلاثة اقسام فقال: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ.. }.<br>وجمهور العلماء على أن هذه الأقسام الثلاثة، تعد إلى أفراد هذه الأمة الإِسلامية.<br>وأن المراد بالظالم لنفسه، من زادت سيئاته على حسناته.<br>وأن المراد بالمقصد: من تساوت حسناته مع سيئاته.<br>وأن المراد بالسابقين بالخيرات: من زادت حسناتهم على سيئاتهم.<br>وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى - بعد ذلك: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا... } يعود إلى تلك الأقسام الثلاثة، لأنهم جميعاً من أهل الجنة بفضل الله ورحمته.<br>ومن العلماء من يرى أن المراد بالظالم لنفسه: الكافر، وعليه يكون الضمير فى قوله: { يَدْخُلُونَهَا } يعود إلى المقتصد والسابق بالخيرات، وأن هذه الآية نظير قوله - تعالى - فى سورة الواقعة: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ.. }.<br>ومن المفسرين الذين رجحوا القول الأول ابن كثير فقد قال ما ملخصه: يقول - تعالى - ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم... وهم هذه الأمة على ثلاث أقسام: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } وهو المفرط فى بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات. { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } وهو المؤدى للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات.<br>{ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ } وهو الفاعل للواجبات والمستحبات.<br>قال ابن عباس: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله - تعالى - كل كتاب أنزله. فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.<br>وفى رواية عنه: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله - تعالى -، والظالم لنفسه يدخل الجنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وفى الحديث الشريف: \"شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى\" .<br>وقال آخرون: الظالم لنفسه: هو الكافر.<br>والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما و ظاهر الآية، وكا جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً.<br>ثم أورد الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها: ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى هذه الآية:  \"هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم فى الجنة\" .<br>ومعنى قوله \"بمنزلة واحدة\" أى: فى أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق فى المنازل فى الجنة\".<br>وقال الإِمام ابن جرير: فإن قال لنا قائل: إن قوله { يَدْخُلُونَهَا } إنما عنى به المقتصد والسابق بالخيرات؟<br>قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولم لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد، وجب أن لا يكون لأهل الإِيمان وعيد.<br>قيل: إنه ليس فى الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله - تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن: وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التى أصابها فى الدنيا... ثم يدخلون الجنة بعد ذلك، فيكون ممن عمه خبر الله - تعالى - بقوله: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا }.<br>وقال الشوكانى: والظالم لنفسه: هو الذى عمل الصغائر. وقد روى هذا القول عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأبى الدرداء، وعائشة. وهذا هو الراجح، لأن عمل الصغائر لا ينافى الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور... وجه كونه ظالماً لنفسه، أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل تلك الصغائر طاعات، لكان لنفسه فيها من الثواب عظيماً....<br>قالوا: وتقديم الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. لا يقتضى تشريفاً، كما فى قوله - تعالى - {  { لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ.. }  }.ولعل السر فى مجئ هذه الأقسام بهذا الترتيب، أن الظالمين لأنفسهم أكثر الأقسام عددا، ويليهم المقتصدون، ويليهم السابقون بالخيرات، كما قال - تعالى -  { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ }  }.وقوله: { بِإِذُنِ ٱللَّهِ } أى: بتوفيقه وإرادته وفضله.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } يعود إلى ما تقدم من توريث الكتاب ومن الاصطفاء.<br>أى: ذلك الذى أعطيناه - أيها الرسول الكريم - لأمتك من الاصطفاء ومن توريثهم الكتاب، هو الفضل الواسع الكبير، الذى لا يقادر قدره، ولا يعرف كنهه إلا الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } والضمير للأنواع الثلاثة.<br>أى: هؤلاء الظالمون لأنفسهم والمقتصدون والسابقون بالخيرات، ندخلهم بفضلنا ورحمتنا، الجنات الدائمة التى يخلدون فيها خلوداً أبدياً.<br>يقال: عدن فلان بالمكان، إذا أقام به إقامة دائمة.<br>{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } أى أنهم يدخلون الجنات دخولاً دائماً، وهم فى تلك الجنات يتزينون بأجمل الزينات، وبأفخر الملابس، حيث يلبسون فى أيديهم أساور من ذهب ولؤلؤا، أما ثيابهم فهى من الحرير الخالص.<br>ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه بعد فوزهم بهذا النعيم فقال: { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ }.<br>والحزن: غم يعترى الإِنسان لخوفه من زوال نعمة هو فيها. والمراد به هنا: جنس الحزن الشامل لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة.<br>أى: وقالوا عند دخولهم الجنات الدائمة، وشعورهم بالأمان والسعاة والاطمئنان: الحمد لله الذى أذهب عنا جميع ما يحزننا من أمور الدنيا أو الآخرة.<br>{ إِنَّ رَبَّنَا } بفضله وكرمه { لَغَفُورٌ شَكُورٌ } أى: لواسع المغفرة لعباده ولكثير العطاء للمطيعين، حيث أعطاهم الخيرات الوفيرة فى مقابل الأعمال القليلة. { ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } أى: الحمد لله الذى أذهب عنا الأحزان بفضله ورحمته، والذى { أَحَلَّنَا } أى: أنزلنا { دَارَ ٱلْمُقَامَةِ } أى: الدار التى لا انتقال لنا منها، وإنما نحن سنقيم فيها إقامة دائمة وهى الجنة التى منحها إياها بفضله وكرمه.<br>وهذه الدار { لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } أى: لا يصيبنا فيها تعب ولا مشقة ولا عناء. يقال: نصب فلان - كفرح - إذا نزل به التعب والإِعياء.<br>{ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } أى: ولا يصيبنا فيها كَلال وإعياء بسب التعب والهموم، يقال: لَغَب فلان لَغبْاً ولُغُوباً. إذا اشتد به الإِعياء والهزال.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما الفرق بين النصَب واللُّغوب؟<br>قلت: النصب، التعب والمشقة، التى تصيب المنتصب للأمر، المزاول له.<br>وأما اللغوب، فما يلحقه من الفتور بسبب النَصب. فالنصب: نفس المشقة والكلفة. واللغوب: نتيجة ما يحدث منه من الكلال والفتور\".<br>وبعد هذا البيان البليغ يشرح الصدور لحسن عاقبة المفحلين، ساقت السورة الكريمة حال الكافرين، وما هم فيه من عذاب مهين، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ...بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3725",
        "sura_number": "35",
        "ayah_number": "35",
        "aya": "",
        "sura": "فاطر",
        "mediator": "و\"ثم\" فى قوله - تعالى -: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } للتراخى الرتبى. و { أَوْرَثْنَا } أى أعطينا ومنحنا، إذ الميراث عطاء يصل للإِنسان عن طريق غيره.<br>والمراد بالكتاب: القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من عقائد وأحكام وآداب وتوجيهات سديدة.. وهو المفعول الثانى لأورثنا، وقدم على المفعول الأول، وهو الموصول للتشريف.<br>و{ ٱصْطَفَيْنَا } بمعنى اخترنا واستخلصنا، واشتقاقه من الصفو، بمعنى الخلوص من الكدر والشوائب.<br>والمراد بقوله: { مِنْ عِبَادِنَا } الأمة الإِسلامية التى جعلها الله خير أمة أخرجت للناس.<br>والمعنى: ثم جعلنا هذا القرآن الذى اوحيناه إليك - أيها الرسول الكريم - ميراثاً منك لأمتك، التى اصطفيناها على سائر الأمم، وجعلناها أمة وسطا. وقد ورثناها هذا الكتاب لتنتفع بهداياته.. وتسترشد بتوجيهاته، وتعمل بأوامره ونواهيه.<br>قال الآلوسى: قوله: { ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } هم - كما قال ابن عباس وغيره - أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله - تعالى - اصطفاهم على سائر الأمم...\".<br>وفى التعبير بالاصطفاء، تنويه بفضل هؤلاء العباد، وإشارة إلى فضلهم على غيرهم، كما أن التعبير بالماضى يدل على تحقق هذا الاصطفاء.<br>ثم قسم - سبحانه - هؤلاء العباد إلى ثلاثة اقسام فقال: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ.. }.<br>وجمهور العلماء على أن هذه الأقسام الثلاثة، تعد إلى أفراد هذه الأمة الإِسلامية.<br>وأن المراد بالظالم لنفسه، من زادت سيئاته على حسناته.<br>وأن المراد بالمقصد: من تساوت حسناته مع سيئاته.<br>وأن المراد بالسابقين بالخيرات: من زادت حسناتهم على سيئاتهم.<br>وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى - بعد ذلك: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا... } يعود إلى تلك الأقسام الثلاثة، لأنهم جميعاً من أهل الجنة بفضل الله ورحمته.<br>ومن العلماء من يرى أن المراد بالظالم لنفسه: الكافر، وعليه يكون الضمير فى قوله: { يَدْخُلُونَهَا } يعود إلى المقتصد والسابق بالخيرات، وأن هذه الآية نظير قوله - تعالى - فى سورة الواقعة: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ.. }.<br>ومن المفسرين الذين رجحوا القول الأول ابن كثير فقد قال ما ملخصه: يقول - تعالى - ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم... وهم هذه الأمة على ثلاث أقسام: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } وهو المفرط فى بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات. { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } وهو المؤدى للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات.<br>{ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ } وهو الفاعل للواجبات والمستحبات.<br>قال ابن عباس: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله - تعالى - كل كتاب أنزله. فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.<br>وفى رواية عنه: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله - تعالى -، والظالم لنفسه يدخل الجنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.<br>وفى الحديث الشريف: \"شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى\" .<br>وقال آخرون: الظالم لنفسه: هو الكافر.<br>والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما و ظاهر الآية، وكا جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً.<br>ثم أورد الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها: ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى هذه الآية:  \"هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم فى الجنة\" .<br>ومعنى قوله \"بمنزلة واحدة\" أى: فى أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق فى المنازل فى الجنة\".<br>وقال الإِمام ابن جرير: فإن قال لنا قائل: إن قوله { يَدْخُلُونَهَا } إنما عنى به المقتصد والسابق بالخيرات؟<br>قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولم لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد، وجب أن لا يكون لأهل الإِيمان وعيد.<br>قيل: إنه ليس فى الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله - تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن: وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التى أصابها فى الدنيا... ثم يدخلون الجنة بعد ذلك، فيكون ممن عمه خبر الله - تعالى - بقوله: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا }.<br>وقال الشوكانى: والظالم لنفسه: هو الذى عمل الصغائر. وقد روى هذا القول عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأبى الدرداء، وعائشة. وهذا هو الراجح، لأن عمل الصغائر لا ينافى الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور... وجه كونه ظالماً لنفسه، أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل تلك الصغائر طاعات، لكان لنفسه فيها من الثواب عظيماً....<br>قالوا: وتقديم الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. لا يقتضى تشريفاً، كما فى قوله - تعالى - {  { لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ.. }  }.ولعل السر فى مجئ هذه الأقسام بهذا الترتيب، أن الظالمين لأنفسهم أكثر الأقسام عددا، ويليهم المقتصدون، ويليهم السابقون بالخيرات، كما قال - تعالى -  { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ }  }.وقوله: { بِإِذُنِ ٱللَّهِ } أى: بتوفيقه وإرادته وفضله.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } يعود إلى ما تقدم من توريث الكتاب ومن الاصطفاء.<br>أى: ذلك الذى أعطيناه - أيها الرسول الكريم - لأمتك من الاصطفاء ومن توريثهم الكتاب، هو الفضل الواسع الكبير، الذى لا يقادر قدره، ولا يعرف كنهه إلا الله - تعالى -.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } والضمير للأنواع الثلاثة.<br>أى: هؤلاء الظالمون لأنفسهم والمقتصدون والسابقون بالخيرات، ندخلهم بفضلنا ورحمتنا، الجنات الدائمة التى يخلدون فيها خلوداً أبدياً.<br>يقال: عدن فلان بالمكان، إذا أقام به إقامة دائمة.<br>{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } أى أنهم يدخلون الجنات دخولاً دائماً، وهم فى تلك الجنات يتزينون بأجمل الزينات، وبأفخر الملابس، حيث يلبسون فى أيديهم أساور من ذهب ولؤلؤا، أما ثيابهم فهى من الحرير الخالص.<br>ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه بعد فوزهم بهذا النعيم فقال: { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ }.<br>والحزن: غم يعترى الإِنسان لخوفه من زوال نعمة هو فيها. والمراد به هنا: جنس الحزن الشامل لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة.<br>أى: وقالوا عند دخولهم الجنات الدائمة، وشعورهم بالأمان والسعاة والاطمئنان: الحمد لله الذى أذهب عنا جميع ما يحزننا من أمور الدنيا أو الآخرة.<br>{ إِنَّ رَبَّنَا } بفضله وكرمه { لَغَفُورٌ شَكُورٌ } أى: لواسع المغفرة لعباده ولكثير العطاء للمطيعين، حيث أعطاهم الخيرات الوفيرة فى مقابل الأعمال القليلة. { ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } أى: الحمد لله الذى أذهب عنا الأحزان بفضله ورحمته، والذى { أَحَلَّنَا } أى: أنزلنا { دَارَ ٱلْمُقَامَةِ } أى: الدار التى لا انتقال لنا منها، وإنما نحن سنقيم فيها إقامة دائمة وهى الجنة التى منحها إياها بفضله وكرمه.<br>وهذه الدار { لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } أى: لا يصيبنا فيها تعب ولا مشقة ولا عناء. يقال: نصب فلان - كفرح - إذا نزل به التعب والإِعياء.<br>{ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } أى: ولا يصيبنا فيها كَلال وإعياء بسب التعب والهموم، يقال: لَغَب فلان لَغبْاً ولُغُوباً. إذا اشتد به الإِعياء والهزال.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما الفرق بين النصَب واللُّغوب؟<br>قلت: النصب، التعب والمشقة، التى تصيب المنتصب للأمر، المزاول له.<br>وأما اللغوب، فما يلحقه من الفتور بسبب النَصب. فالنصب: نفس المشقة والكلفة. واللغوب: نتيجة ما يحدث منه من الكلال والفتور\".<br>وبعد هذا البيان البليغ يشرح الصدور لحسن عاقبة المفحلين، ساقت السورة الكريمة حال الكافرين، وما هم فيه من عذاب مهين، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ...بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }.<br>"
    },
    {
        "id": "3812",
        "sura_number": "36",
        "ayah_number": "77",
        "aya": "",
        "sura": "يس",
        "mediator": "وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات،  \"أن أُبيَّ بن خلف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم. يميتك الله - تعالى - ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\" . ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة...<br>والمراد بالإِنسان: جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا.<br>وأصل النطفة: الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة.<br>والخصيم: الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا: الكافر والمجادل بالباطل.<br>والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإِنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا، من ذلك الماء المهين الذى يخرج من الرجل فيصب فى رحم المرأة، وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت.<br>لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر بالمبالغة فى الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع علمه بأصل خلقته.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث، بعد ما شاهدوا فى أنفسهم ما يوجب التصديق به... والهمزة للإِنكار والتعجب من أحوالهم، وإيراد الإِنسان مورد الضمير، لأن مدار الإِنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. والمراد بالإِنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا.<br>وقوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } عطف على الجملة المنفية، داخل فى حيز الإِنكار والتعجب كأنه قيل: أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، فأظهر الخصومة فى أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة...<br>وقوله - تعالى -: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } معطوف على الكلام المتقدم، وداخل فى حيز الإِنكار.<br>أى: أن هذا الإِنسان الجاهل المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلاً هو فى غاية الغرابة، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال: - دون أن يفطن إلى أصل خلقته - من يحيى العظام وهى رميم، أى: وهى بالية أشد البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رَمَّ اللازم بمعنى بَلِىَ، أو بمعنى مفعول، من رم المتعدى بمعنى أبْلَى يقال: رمه إذا أبلاه. فيستوى فيه المذكر والمؤنث.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم سمى قوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } مثلاً؟<br>قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهى إنكار قدرة الله - تعالى - على إحياء الموتى.. مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله - تعالى - بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى..<br>ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال: { قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }...<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإِعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها، قل لهم: يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية، الله - تعالى - الذى أوجدها من العدم دون أن تكون شيئاً مذكوراً، ومن قدر على إيجاد الشئ من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو - سبحانه - بكل شئ فى هذا الوجود عليم علماً تاماً، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، سواء أكان هذا الشئ صغيراً أم كبيراً، مجموعاً أم مفرقا.<br>قال الشوكانى: وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة - أى أنها بعد الموت تكون نجسة.<br>وقال الشافعى: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ } من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر.<br>وقوله - تعالى -: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ... }.<br>والمراد بالشجر الأخضر: الشجر النَّدِى الرطب، كشجر المَرْخِ والعَفَار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله - تعالى -.<br>قال ابن كثير: المراد بذلك سَرْح - أى: شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء سواء.<br>روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى المثل: \"لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار\".<br>أى: لكل شجر حظ من النار، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار: المرخ والعفار. فهو مثل يضرب فى تفصيل بعض الشئ على بعض.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث، يحيى الأجساد البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة، والذى جعل لكم - بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب ناراً، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار. وتنتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم.<br>وإذاً فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخاً آخر. فقال: { أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }.<br>والاستفهام - كسابقه - للإِنكار والتعجيب من جهالاتهم، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير فى \"مثلهم\" يعود إلى المنكرين للبعث.<br>والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض - وهما فى غاية العظم - قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذى هو صغير الشكل، ضعيف القوة.<br>وجملة: { بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } جواب من جهته - تعالى - وتصريح بما أفاده الاستفهام الإِنكارى، من تقرير ما بعد النفى، وتأكيد قدرته - سبحانه - على الخلق والإِعادة. لأن \"بلى\" حرف جواب، يؤتى به لإِثبات فعل ورد قبله منفياً.<br>أى: بلى إنه لقادر - سبحانه - على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى، وهو - سبحانه - \"الخلاق\" أى الكثير المخلوقات \"العليم\" أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شئ.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول قدرته لكل شئ فقال: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.<br>أى: إنما شأنه - سبحانه - فى إيجاد الشئ، أنه إذا أراد إحداثه، أن يقول له كن، أى: كن موجوداً فيكون، أى: فهذا الشئ يكون ويوجد فى الحال... قال الشاعر:إذا ما أراد الله أمراً فإنمايقول له \"كن\" قوله فيكونثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتنزيهه - تعالى - عن كل نقص، فقال { فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }<br>أى: فتنزه الله - تعالى - الذى له ملك كل شئ ملكا تاما، والذى إليه المرجع والمآب، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى.<br>فهو - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا يخفى على علمه شئ، ولا يحول دون قدرته شئ { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } ).وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"يس\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3813",
        "sura_number": "36",
        "ayah_number": "78",
        "aya": "",
        "sura": "يس",
        "mediator": "وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات،  \"أن أُبيَّ بن خلف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم. يميتك الله - تعالى - ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\" . ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة...<br>والمراد بالإِنسان: جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا.<br>وأصل النطفة: الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة.<br>والخصيم: الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا: الكافر والمجادل بالباطل.<br>والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإِنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا، من ذلك الماء المهين الذى يخرج من الرجل فيصب فى رحم المرأة، وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت.<br>لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر بالمبالغة فى الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع علمه بأصل خلقته.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث، بعد ما شاهدوا فى أنفسهم ما يوجب التصديق به... والهمزة للإِنكار والتعجب من أحوالهم، وإيراد الإِنسان مورد الضمير، لأن مدار الإِنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. والمراد بالإِنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا.<br>وقوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } عطف على الجملة المنفية، داخل فى حيز الإِنكار والتعجب كأنه قيل: أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، فأظهر الخصومة فى أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة...<br>وقوله - تعالى -: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } معطوف على الكلام المتقدم، وداخل فى حيز الإِنكار.<br>أى: أن هذا الإِنسان الجاهل المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلاً هو فى غاية الغرابة، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال: - دون أن يفطن إلى أصل خلقته - من يحيى العظام وهى رميم، أى: وهى بالية أشد البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رَمَّ اللازم بمعنى بَلِىَ، أو بمعنى مفعول، من رم المتعدى بمعنى أبْلَى يقال: رمه إذا أبلاه. فيستوى فيه المذكر والمؤنث.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم سمى قوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } مثلاً؟<br>قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهى إنكار قدرة الله - تعالى - على إحياء الموتى.. مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله - تعالى - بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى..<br>ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال: { قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }...<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإِعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها، قل لهم: يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية، الله - تعالى - الذى أوجدها من العدم دون أن تكون شيئاً مذكوراً، ومن قدر على إيجاد الشئ من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو - سبحانه - بكل شئ فى هذا الوجود عليم علماً تاماً، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، سواء أكان هذا الشئ صغيراً أم كبيراً، مجموعاً أم مفرقا.<br>قال الشوكانى: وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة - أى أنها بعد الموت تكون نجسة.<br>وقال الشافعى: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ } من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر.<br>وقوله - تعالى -: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ... }.<br>والمراد بالشجر الأخضر: الشجر النَّدِى الرطب، كشجر المَرْخِ والعَفَار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله - تعالى -.<br>قال ابن كثير: المراد بذلك سَرْح - أى: شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء سواء.<br>روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى المثل: \"لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار\".<br>أى: لكل شجر حظ من النار، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار: المرخ والعفار. فهو مثل يضرب فى تفصيل بعض الشئ على بعض.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث، يحيى الأجساد البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة، والذى جعل لكم - بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب ناراً، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار. وتنتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم.<br>وإذاً فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخاً آخر. فقال: { أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }.<br>والاستفهام - كسابقه - للإِنكار والتعجيب من جهالاتهم، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير فى \"مثلهم\" يعود إلى المنكرين للبعث.<br>والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض - وهما فى غاية العظم - قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذى هو صغير الشكل، ضعيف القوة.<br>وجملة: { بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } جواب من جهته - تعالى - وتصريح بما أفاده الاستفهام الإِنكارى، من تقرير ما بعد النفى، وتأكيد قدرته - سبحانه - على الخلق والإِعادة. لأن \"بلى\" حرف جواب، يؤتى به لإِثبات فعل ورد قبله منفياً.<br>أى: بلى إنه لقادر - سبحانه - على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى، وهو - سبحانه - \"الخلاق\" أى الكثير المخلوقات \"العليم\" أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شئ.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول قدرته لكل شئ فقال: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.<br>أى: إنما شأنه - سبحانه - فى إيجاد الشئ، أنه إذا أراد إحداثه، أن يقول له كن، أى: كن موجوداً فيكون، أى: فهذا الشئ يكون ويوجد فى الحال... قال الشاعر:إذا ما أراد الله أمراً فإنمايقول له \"كن\" قوله فيكونثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتنزيهه - تعالى - عن كل نقص، فقال { فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }<br>أى: فتنزه الله - تعالى - الذى له ملك كل شئ ملكا تاما، والذى إليه المرجع والمآب، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى.<br>فهو - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا يخفى على علمه شئ، ولا يحول دون قدرته شئ { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } ).وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"يس\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3814",
        "sura_number": "36",
        "ayah_number": "79",
        "aya": "",
        "sura": "يس",
        "mediator": "وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات،  \"أن أُبيَّ بن خلف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم. يميتك الله - تعالى - ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\" . ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة...<br>والمراد بالإِنسان: جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا.<br>وأصل النطفة: الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة.<br>والخصيم: الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا: الكافر والمجادل بالباطل.<br>والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإِنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا، من ذلك الماء المهين الذى يخرج من الرجل فيصب فى رحم المرأة، وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت.<br>لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر بالمبالغة فى الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع علمه بأصل خلقته.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث، بعد ما شاهدوا فى أنفسهم ما يوجب التصديق به... والهمزة للإِنكار والتعجب من أحوالهم، وإيراد الإِنسان مورد الضمير، لأن مدار الإِنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. والمراد بالإِنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا.<br>وقوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } عطف على الجملة المنفية، داخل فى حيز الإِنكار والتعجب كأنه قيل: أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، فأظهر الخصومة فى أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة...<br>وقوله - تعالى -: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } معطوف على الكلام المتقدم، وداخل فى حيز الإِنكار.<br>أى: أن هذا الإِنسان الجاهل المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلاً هو فى غاية الغرابة، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال: - دون أن يفطن إلى أصل خلقته - من يحيى العظام وهى رميم، أى: وهى بالية أشد البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رَمَّ اللازم بمعنى بَلِىَ، أو بمعنى مفعول، من رم المتعدى بمعنى أبْلَى يقال: رمه إذا أبلاه. فيستوى فيه المذكر والمؤنث.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم سمى قوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } مثلاً؟<br>قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهى إنكار قدرة الله - تعالى - على إحياء الموتى.. مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله - تعالى - بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى..<br>ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال: { قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }...<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإِعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها، قل لهم: يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية، الله - تعالى - الذى أوجدها من العدم دون أن تكون شيئاً مذكوراً، ومن قدر على إيجاد الشئ من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو - سبحانه - بكل شئ فى هذا الوجود عليم علماً تاماً، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، سواء أكان هذا الشئ صغيراً أم كبيراً، مجموعاً أم مفرقا.<br>قال الشوكانى: وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة - أى أنها بعد الموت تكون نجسة.<br>وقال الشافعى: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ } من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر.<br>وقوله - تعالى -: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ... }.<br>والمراد بالشجر الأخضر: الشجر النَّدِى الرطب، كشجر المَرْخِ والعَفَار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله - تعالى -.<br>قال ابن كثير: المراد بذلك سَرْح - أى: شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء سواء.<br>روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى المثل: \"لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار\".<br>أى: لكل شجر حظ من النار، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار: المرخ والعفار. فهو مثل يضرب فى تفصيل بعض الشئ على بعض.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث، يحيى الأجساد البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة، والذى جعل لكم - بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب ناراً، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار. وتنتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم.<br>وإذاً فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخاً آخر. فقال: { أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }.<br>والاستفهام - كسابقه - للإِنكار والتعجيب من جهالاتهم، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير فى \"مثلهم\" يعود إلى المنكرين للبعث.<br>والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض - وهما فى غاية العظم - قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذى هو صغير الشكل، ضعيف القوة.<br>وجملة: { بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } جواب من جهته - تعالى - وتصريح بما أفاده الاستفهام الإِنكارى، من تقرير ما بعد النفى، وتأكيد قدرته - سبحانه - على الخلق والإِعادة. لأن \"بلى\" حرف جواب، يؤتى به لإِثبات فعل ورد قبله منفياً.<br>أى: بلى إنه لقادر - سبحانه - على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى، وهو - سبحانه - \"الخلاق\" أى الكثير المخلوقات \"العليم\" أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شئ.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول قدرته لكل شئ فقال: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.<br>أى: إنما شأنه - سبحانه - فى إيجاد الشئ، أنه إذا أراد إحداثه، أن يقول له كن، أى: كن موجوداً فيكون، أى: فهذا الشئ يكون ويوجد فى الحال... قال الشاعر:إذا ما أراد الله أمراً فإنمايقول له \"كن\" قوله فيكونثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتنزيهه - تعالى - عن كل نقص، فقال { فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }<br>أى: فتنزه الله - تعالى - الذى له ملك كل شئ ملكا تاما، والذى إليه المرجع والمآب، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى.<br>فهو - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا يخفى على علمه شئ، ولا يحول دون قدرته شئ { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } ).وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"يس\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3815",
        "sura_number": "36",
        "ayah_number": "80",
        "aya": "",
        "sura": "يس",
        "mediator": "وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات،  \"أن أُبيَّ بن خلف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم. يميتك الله - تعالى - ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\" . ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة...<br>والمراد بالإِنسان: جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا.<br>وأصل النطفة: الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة.<br>والخصيم: الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا: الكافر والمجادل بالباطل.<br>والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإِنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا، من ذلك الماء المهين الذى يخرج من الرجل فيصب فى رحم المرأة، وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت.<br>لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر بالمبالغة فى الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع علمه بأصل خلقته.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث، بعد ما شاهدوا فى أنفسهم ما يوجب التصديق به... والهمزة للإِنكار والتعجب من أحوالهم، وإيراد الإِنسان مورد الضمير، لأن مدار الإِنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. والمراد بالإِنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا.<br>وقوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } عطف على الجملة المنفية، داخل فى حيز الإِنكار والتعجب كأنه قيل: أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، فأظهر الخصومة فى أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة...<br>وقوله - تعالى -: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } معطوف على الكلام المتقدم، وداخل فى حيز الإِنكار.<br>أى: أن هذا الإِنسان الجاهل المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلاً هو فى غاية الغرابة، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال: - دون أن يفطن إلى أصل خلقته - من يحيى العظام وهى رميم، أى: وهى بالية أشد البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رَمَّ اللازم بمعنى بَلِىَ، أو بمعنى مفعول، من رم المتعدى بمعنى أبْلَى يقال: رمه إذا أبلاه. فيستوى فيه المذكر والمؤنث.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم سمى قوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } مثلاً؟<br>قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهى إنكار قدرة الله - تعالى - على إحياء الموتى.. مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله - تعالى - بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى..<br>ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال: { قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }...<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإِعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها، قل لهم: يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية، الله - تعالى - الذى أوجدها من العدم دون أن تكون شيئاً مذكوراً، ومن قدر على إيجاد الشئ من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو - سبحانه - بكل شئ فى هذا الوجود عليم علماً تاماً، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، سواء أكان هذا الشئ صغيراً أم كبيراً، مجموعاً أم مفرقا.<br>قال الشوكانى: وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة - أى أنها بعد الموت تكون نجسة.<br>وقال الشافعى: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ } من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر.<br>وقوله - تعالى -: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ... }.<br>والمراد بالشجر الأخضر: الشجر النَّدِى الرطب، كشجر المَرْخِ والعَفَار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله - تعالى -.<br>قال ابن كثير: المراد بذلك سَرْح - أى: شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء سواء.<br>روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى المثل: \"لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار\".<br>أى: لكل شجر حظ من النار، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار: المرخ والعفار. فهو مثل يضرب فى تفصيل بعض الشئ على بعض.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث، يحيى الأجساد البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة، والذى جعل لكم - بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب ناراً، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار. وتنتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم.<br>وإذاً فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخاً آخر. فقال: { أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }.<br>والاستفهام - كسابقه - للإِنكار والتعجيب من جهالاتهم، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير فى \"مثلهم\" يعود إلى المنكرين للبعث.<br>والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض - وهما فى غاية العظم - قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذى هو صغير الشكل، ضعيف القوة.<br>وجملة: { بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } جواب من جهته - تعالى - وتصريح بما أفاده الاستفهام الإِنكارى، من تقرير ما بعد النفى، وتأكيد قدرته - سبحانه - على الخلق والإِعادة. لأن \"بلى\" حرف جواب، يؤتى به لإِثبات فعل ورد قبله منفياً.<br>أى: بلى إنه لقادر - سبحانه - على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى، وهو - سبحانه - \"الخلاق\" أى الكثير المخلوقات \"العليم\" أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شئ.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول قدرته لكل شئ فقال: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.<br>أى: إنما شأنه - سبحانه - فى إيجاد الشئ، أنه إذا أراد إحداثه، أن يقول له كن، أى: كن موجوداً فيكون، أى: فهذا الشئ يكون ويوجد فى الحال... قال الشاعر:إذا ما أراد الله أمراً فإنمايقول له \"كن\" قوله فيكونثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتنزيهه - تعالى - عن كل نقص، فقال { فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }<br>أى: فتنزه الله - تعالى - الذى له ملك كل شئ ملكا تاما، والذى إليه المرجع والمآب، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى.<br>فهو - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا يخفى على علمه شئ، ولا يحول دون قدرته شئ { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } ).وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"يس\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3816",
        "sura_number": "36",
        "ayah_number": "81",
        "aya": "",
        "sura": "يس",
        "mediator": "وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات،  \"أن أُبيَّ بن خلف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم. يميتك الله - تعالى - ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\" . ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة...<br>والمراد بالإِنسان: جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا.<br>وأصل النطفة: الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة.<br>والخصيم: الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا: الكافر والمجادل بالباطل.<br>والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإِنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا، من ذلك الماء المهين الذى يخرج من الرجل فيصب فى رحم المرأة، وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت.<br>لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر بالمبالغة فى الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع علمه بأصل خلقته.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث، بعد ما شاهدوا فى أنفسهم ما يوجب التصديق به... والهمزة للإِنكار والتعجب من أحوالهم، وإيراد الإِنسان مورد الضمير، لأن مدار الإِنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. والمراد بالإِنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا.<br>وقوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } عطف على الجملة المنفية، داخل فى حيز الإِنكار والتعجب كأنه قيل: أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، فأظهر الخصومة فى أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة...<br>وقوله - تعالى -: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } معطوف على الكلام المتقدم، وداخل فى حيز الإِنكار.<br>أى: أن هذا الإِنسان الجاهل المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلاً هو فى غاية الغرابة، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال: - دون أن يفطن إلى أصل خلقته - من يحيى العظام وهى رميم، أى: وهى بالية أشد البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رَمَّ اللازم بمعنى بَلِىَ، أو بمعنى مفعول، من رم المتعدى بمعنى أبْلَى يقال: رمه إذا أبلاه. فيستوى فيه المذكر والمؤنث.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم سمى قوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } مثلاً؟<br>قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهى إنكار قدرة الله - تعالى - على إحياء الموتى.. مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله - تعالى - بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى..<br>ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال: { قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }...<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإِعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها، قل لهم: يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية، الله - تعالى - الذى أوجدها من العدم دون أن تكون شيئاً مذكوراً، ومن قدر على إيجاد الشئ من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو - سبحانه - بكل شئ فى هذا الوجود عليم علماً تاماً، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، سواء أكان هذا الشئ صغيراً أم كبيراً، مجموعاً أم مفرقا.<br>قال الشوكانى: وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة - أى أنها بعد الموت تكون نجسة.<br>وقال الشافعى: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ } من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر.<br>وقوله - تعالى -: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ... }.<br>والمراد بالشجر الأخضر: الشجر النَّدِى الرطب، كشجر المَرْخِ والعَفَار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله - تعالى -.<br>قال ابن كثير: المراد بذلك سَرْح - أى: شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء سواء.<br>روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى المثل: \"لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار\".<br>أى: لكل شجر حظ من النار، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار: المرخ والعفار. فهو مثل يضرب فى تفصيل بعض الشئ على بعض.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث، يحيى الأجساد البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة، والذى جعل لكم - بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب ناراً، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار. وتنتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم.<br>وإذاً فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخاً آخر. فقال: { أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }.<br>والاستفهام - كسابقه - للإِنكار والتعجيب من جهالاتهم، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير فى \"مثلهم\" يعود إلى المنكرين للبعث.<br>والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض - وهما فى غاية العظم - قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذى هو صغير الشكل، ضعيف القوة.<br>وجملة: { بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } جواب من جهته - تعالى - وتصريح بما أفاده الاستفهام الإِنكارى، من تقرير ما بعد النفى، وتأكيد قدرته - سبحانه - على الخلق والإِعادة. لأن \"بلى\" حرف جواب، يؤتى به لإِثبات فعل ورد قبله منفياً.<br>أى: بلى إنه لقادر - سبحانه - على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى، وهو - سبحانه - \"الخلاق\" أى الكثير المخلوقات \"العليم\" أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شئ.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول قدرته لكل شئ فقال: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.<br>أى: إنما شأنه - سبحانه - فى إيجاد الشئ، أنه إذا أراد إحداثه، أن يقول له كن، أى: كن موجوداً فيكون، أى: فهذا الشئ يكون ويوجد فى الحال... قال الشاعر:إذا ما أراد الله أمراً فإنمايقول له \"كن\" قوله فيكونثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتنزيهه - تعالى - عن كل نقص، فقال { فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }<br>أى: فتنزه الله - تعالى - الذى له ملك كل شئ ملكا تاما، والذى إليه المرجع والمآب، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى.<br>فهو - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا يخفى على علمه شئ، ولا يحول دون قدرته شئ { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } ).وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"يس\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3817",
        "sura_number": "36",
        "ayah_number": "82",
        "aya": "",
        "sura": "يس",
        "mediator": "وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات،  \"أن أُبيَّ بن خلف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم. يميتك الله - تعالى - ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\" . ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة...<br>والمراد بالإِنسان: جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا.<br>وأصل النطفة: الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة.<br>والخصيم: الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا: الكافر والمجادل بالباطل.<br>والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإِنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا، من ذلك الماء المهين الذى يخرج من الرجل فيصب فى رحم المرأة، وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت.<br>لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر بالمبالغة فى الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع علمه بأصل خلقته.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث، بعد ما شاهدوا فى أنفسهم ما يوجب التصديق به... والهمزة للإِنكار والتعجب من أحوالهم، وإيراد الإِنسان مورد الضمير، لأن مدار الإِنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. والمراد بالإِنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا.<br>وقوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } عطف على الجملة المنفية، داخل فى حيز الإِنكار والتعجب كأنه قيل: أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، فأظهر الخصومة فى أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة...<br>وقوله - تعالى -: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } معطوف على الكلام المتقدم، وداخل فى حيز الإِنكار.<br>أى: أن هذا الإِنسان الجاهل المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلاً هو فى غاية الغرابة، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال: - دون أن يفطن إلى أصل خلقته - من يحيى العظام وهى رميم، أى: وهى بالية أشد البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رَمَّ اللازم بمعنى بَلِىَ، أو بمعنى مفعول، من رم المتعدى بمعنى أبْلَى يقال: رمه إذا أبلاه. فيستوى فيه المذكر والمؤنث.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم سمى قوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } مثلاً؟<br>قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهى إنكار قدرة الله - تعالى - على إحياء الموتى.. مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله - تعالى - بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى..<br>ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال: { قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }...<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإِعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها، قل لهم: يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية، الله - تعالى - الذى أوجدها من العدم دون أن تكون شيئاً مذكوراً، ومن قدر على إيجاد الشئ من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو - سبحانه - بكل شئ فى هذا الوجود عليم علماً تاماً، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، سواء أكان هذا الشئ صغيراً أم كبيراً، مجموعاً أم مفرقا.<br>قال الشوكانى: وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة - أى أنها بعد الموت تكون نجسة.<br>وقال الشافعى: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ } من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر.<br>وقوله - تعالى -: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ... }.<br>والمراد بالشجر الأخضر: الشجر النَّدِى الرطب، كشجر المَرْخِ والعَفَار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله - تعالى -.<br>قال ابن كثير: المراد بذلك سَرْح - أى: شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء سواء.<br>روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى المثل: \"لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار\".<br>أى: لكل شجر حظ من النار، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار: المرخ والعفار. فهو مثل يضرب فى تفصيل بعض الشئ على بعض.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث، يحيى الأجساد البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة، والذى جعل لكم - بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب ناراً، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار. وتنتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم.<br>وإذاً فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخاً آخر. فقال: { أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }.<br>والاستفهام - كسابقه - للإِنكار والتعجيب من جهالاتهم، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير فى \"مثلهم\" يعود إلى المنكرين للبعث.<br>والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض - وهما فى غاية العظم - قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذى هو صغير الشكل، ضعيف القوة.<br>وجملة: { بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } جواب من جهته - تعالى - وتصريح بما أفاده الاستفهام الإِنكارى، من تقرير ما بعد النفى، وتأكيد قدرته - سبحانه - على الخلق والإِعادة. لأن \"بلى\" حرف جواب، يؤتى به لإِثبات فعل ورد قبله منفياً.<br>أى: بلى إنه لقادر - سبحانه - على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى، وهو - سبحانه - \"الخلاق\" أى الكثير المخلوقات \"العليم\" أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شئ.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول قدرته لكل شئ فقال: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.<br>أى: إنما شأنه - سبحانه - فى إيجاد الشئ، أنه إذا أراد إحداثه، أن يقول له كن، أى: كن موجوداً فيكون، أى: فهذا الشئ يكون ويوجد فى الحال... قال الشاعر:إذا ما أراد الله أمراً فإنمايقول له \"كن\" قوله فيكونثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتنزيهه - تعالى - عن كل نقص، فقال { فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }<br>أى: فتنزه الله - تعالى - الذى له ملك كل شئ ملكا تاما، والذى إليه المرجع والمآب، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى.<br>فهو - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا يخفى على علمه شئ، ولا يحول دون قدرته شئ { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } ).وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"يس\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "3818",
        "sura_number": "36",
        "ayah_number": "83",
        "aya": "",
        "sura": "يس",
        "mediator": "وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات،  \"أن أُبيَّ بن خلف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم. يميتك الله - تعالى - ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\" . ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة...<br>والمراد بالإِنسان: جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا.<br>وأصل النطفة: الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة.<br>والخصيم: الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا: الكافر والمجادل بالباطل.<br>والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإِنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا، من ذلك الماء المهين الذى يخرج من الرجل فيصب فى رحم المرأة، وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت.<br>لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر بالمبالغة فى الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع علمه بأصل خلقته.<br>قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث، بعد ما شاهدوا فى أنفسهم ما يوجب التصديق به... والهمزة للإِنكار والتعجب من أحوالهم، وإيراد الإِنسان مورد الضمير، لأن مدار الإِنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. والمراد بالإِنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا.<br>وقوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } عطف على الجملة المنفية، داخل فى حيز الإِنكار والتعجب كأنه قيل: أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، فأظهر الخصومة فى أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة...<br>وقوله - تعالى -: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } معطوف على الكلام المتقدم، وداخل فى حيز الإِنكار.<br>أى: أن هذا الإِنسان الجاهل المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلاً هو فى غاية الغرابة، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال: - دون أن يفطن إلى أصل خلقته - من يحيى العظام وهى رميم، أى: وهى بالية أشد البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رَمَّ اللازم بمعنى بَلِىَ، أو بمعنى مفعول، من رم المتعدى بمعنى أبْلَى يقال: رمه إذا أبلاه. فيستوى فيه المذكر والمؤنث.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم سمى قوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } مثلاً؟<br>قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهى إنكار قدرة الله - تعالى - على إحياء الموتى.. مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله - تعالى - بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى..<br>ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال: { قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }...<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإِعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها، قل لهم: يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية، الله - تعالى - الذى أوجدها من العدم دون أن تكون شيئاً مذكوراً، ومن قدر على إيجاد الشئ من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو - سبحانه - بكل شئ فى هذا الوجود عليم علماً تاماً، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء، سواء أكان هذا الشئ صغيراً أم كبيراً، مجموعاً أم مفرقا.<br>قال الشوكانى: وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة - أى أنها بعد الموت تكون نجسة.<br>وقال الشافعى: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ } من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر.<br>وقوله - تعالى -: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: { ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ... }.<br>والمراد بالشجر الأخضر: الشجر النَّدِى الرطب، كشجر المَرْخِ والعَفَار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله - تعالى -.<br>قال ابن كثير: المراد بذلك سَرْح - أى: شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء سواء.<br>روى هذا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وفى المثل: \"لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار\".<br>أى: لكل شجر حظ من النار، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار: المرخ والعفار. فهو مثل يضرب فى تفصيل بعض الشئ على بعض.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث، يحيى الأجساد البالية الله - تعالى - الذى أنشأها أول مرة، والذى جعل لكم - بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب ناراً، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار. وتنتفعون بها فى كثير من أحوال حياتكم.<br>وإذاً فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخاً آخر. فقال: { أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }.<br>والاستفهام - كسابقه - للإِنكار والتعجيب من جهالاتهم، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير فى \"مثلهم\" يعود إلى المنكرين للبعث.<br>والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض - وهما فى غاية العظم - قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذى هو صغير الشكل، ضعيف القوة.<br>وجملة: { بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } جواب من جهته - تعالى - وتصريح بما أفاده الاستفهام الإِنكارى، من تقرير ما بعد النفى، وتأكيد قدرته - سبحانه - على الخلق والإِعادة. لأن \"بلى\" حرف جواب، يؤتى به لإِثبات فعل ورد قبله منفياً.<br>أى: بلى إنه لقادر - سبحانه - على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى، وهو - سبحانه - \"الخلاق\" أى الكثير المخلوقات \"العليم\" أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شئ.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول قدرته لكل شئ فقال: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.<br>أى: إنما شأنه - سبحانه - فى إيجاد الشئ، أنه إذا أراد إحداثه، أن يقول له كن، أى: كن موجوداً فيكون، أى: فهذا الشئ يكون ويوجد فى الحال... قال الشاعر:إذا ما أراد الله أمراً فإنمايقول له \"كن\" قوله فيكونثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتنزيهه - تعالى - عن كل نقص، فقال { فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }<br>أى: فتنزه الله - تعالى - الذى له ملك كل شئ ملكا تاما، والذى إليه المرجع والمآب، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى.<br>فهو - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا يخفى على علمه شئ، ولا يحول دون قدرته شئ { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } ).وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"يس\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4065",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "65",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4066",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "66",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4067",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "67",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4068",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "68",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4069",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "69",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4070",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "70",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4071",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "71",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4072",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "72",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4073",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "73",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4074",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "74",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4075",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "75",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4076",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "76",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4077",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "77",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4078",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "78",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4079",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "79",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4080",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "80",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4081",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "81",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4082",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "82",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4083",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "83",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4084",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "84",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4085",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "85",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4086",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "86",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4087",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "87",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4088",
        "sura_number": "38",
        "ayah_number": "88",
        "aya": "",
        "sura": "ص",
        "mediator": "والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإِنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى.<br>واقتصر على الإِنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شئ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.<br>فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات؛ تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.<br>ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }.<br>أى: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإِعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم فى كفركم.<br>فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.<br>ثم نفى صلى الله عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشئ من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.<br>قال القرطبى: الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى. اختصموا فى أمر آدم حين خلق، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ... } وقال إبليس: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }<br>وفى هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى..<br>وقال ابن كثير: وقوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى فى شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه..؟ فالآية تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علم شئ من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.<br>وجملة { إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإِجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.<br>و \"إن\" نافية ونائب فاعل \"يوحى\" ضمير تقدير هو يعود على المفهوم مما سبق. وهو شأن الملأ الأعلى، و \"أنما\" بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.<br>أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذركم بما يكلفنى به إنذاراً واضحا بينا.<br>ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }.<br>و \"إذ\" فى قوله { إِذْ قَالَ رَبُّكَ... } بدل من قوله { إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، لاشتمال ما فى حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هى منصوبة بتقدير اذكر.<br>قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعاً امتثلوا لأمر الله - تعالى - ما عدا إبليس.<br>والمراد بالبشر: آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لى من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم عليه - السلام - فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به من الحياة من الروح التى هى من أمرى - ولا علم لأحد بها سواى، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.<br>ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه فى آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التى خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.<br>وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته، للإِشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى -، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر - سبحانه - به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال - تعالى -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } والفاء فى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ... } جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى: فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله تعالى.<br>ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }.<br>أى: امتثل الملائكة لأمر الله - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم فى وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله - تعالى -.<br>قال صاحب الكشاف: ولفظ \"كل\" للإِحاطة و \"أجمعون\" : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقى منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا فى وقت واحد، غير متفرقين فى أوقات.<br>فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله،؟ قلت: الذى لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه.<br>ثم حكى - سبحانه - ما قاله لإِبليس حين عصى أمره فقال: { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. }.<br>ومذهب السلف فى مثل هذا التعبير، أن اليد - مفردة أو غير مفردة - إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهى ثابتة له،على الوجه الذى يليق بكماله، مع تنزهه -سبحانه - عن مشابهته للحوداث.<br>ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدى، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله - تعالى - لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذى منعك من السجود لآدم الذى خلقته بيدى؟<br>{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب هذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإِنكار.<br>{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } أى: قال إبليس فى الجواب على ربه - تعالى -: أنا خير من آدم.<br>{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فهو - لعنه الله - يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.<br>ولا شك أن هذا التعليل من إبليس فى نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضى صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..<br>وقد رد - سبحانه - على هذا التطاول من إبليس بقوله: { فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ }.<br>والفاء فى قوله { فَٱخْرُجْ } لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير فى \"منها\" يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.<br>أى: قال - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر: ما دمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتى. وإن عليك لعنتى وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتى عليك.<br>{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ } أى: فأمهلنى { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.<br>{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أى: قال - سبحانه - قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذى حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذى طلبه إبليس.<br>{ قَالَ } أى: إبليس: { فَبِعِزَّتِكَ } أى: فبحق سلطانك وقهرك { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصى، ولأضلنهم ولأمنينهم { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لى عليهم.<br>{ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }<br>وقوله { فَٱلْحَقُّ } مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمى لأملأن.. وقوله: { وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإِفادة الحصر.<br>والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله - تعالى - فى رده على إبليس: فالحق قسمى ويمينى - ولا أقول إلا الحق - لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصانى.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال { قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.<br>وما هذا القرآن الذى جئتكم به من عند ربى، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما فى اتباع أوامره ونواهيه.<br>لتعلمن - أيها الناس - صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد فى علم الله - تعالى - وبعد: فهذا تفسير لسورة \"ص\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.<br>"
    },
    {
        "id": "4159",
        "sura_number": "39",
        "ayah_number": "71",
        "aya": "",
        "sura": "الزمر",
        "mediator": "وقوله - تعالى - { وَسِيقَ } من السوق بمعنى الدفع، والمراد به هنا الدفع بعنف مع الإِهانة و { زُمَراً } أى: جماعات متفرقة بعضها فى إثر بعض. جمع زمرة وهى الجماعة القليلة، أى: وسيق الذين كفروا إلى نار جهنم جماعات جماعات، وأفواجا أفواجا.<br>{ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } لتستقبلهم بحرها وسعيرها، وكأنها قبل مجيئهم إليها كانت مغلقة كما تغلق أبواب السجون، فلا تفتح إلا لمن هم أهل لها بسبب جرائمهم.<br>{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ } على سبيل الزجر والتأنيب { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ } أى: من جنسكم تفهمون عنهم ما يقولونه لكم.<br>وهؤلاء الرسل { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } المنزلة لمنفعتكم { وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أى: ويخوفونكم من أهوال يومكم هذا وهو يوم القيامة.<br>{ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } أى: قالوا فى جوابهم على سائلهيم: بلى قد أتانا الرسل وبلغونا رسالة الله، ولكننا لم نطعهم، فحقت كلمة العذاب علينا، ووجبت علينا كلمة الله التى قال فيها: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وهنا رد عليهم السائلون بقولهم: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، خلودا أبديا { فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ } أى: فبئس المكان المعد للمتكبرين جهنم.<br>وبعد هذا البيان المرعب لمصير الكافرين، جاء البيان الذى يشرح الصدور بالنسبة لحال المتقين فقال - تعالى -: { وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } أى: جماعات.<br>قال الآلوسى: أى: جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم فى الفضل.<br>وفى صحيح مسلم وغيره عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"أول زمرة تدخل الجنة من أمتى على صورة القمر ليلة البدر\" .<br>والمراد بالسوق هنا: الحث على المسير للإِسراع إلى الإِكرام بخلافه فيما تقدم فإنه لإهانة الكفرة، وتعجيلهم إلى العقاب والآلام، واختير للمشاكلة..<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم مقيم فقال: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ }.<br>والواو فى قوله { وَفُتِحَتْ } للحال، والجملة حالية بتقدير قد، وجواب { إِذَا } مقدر بعد قوله { خَالِدِينَ }.<br>أى: حتى إذا جاءوها، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم، وقال لهم خزنتها بفرح وحبور: سلام عليكم من جميع المكاره، طبتم من دنس المعاصى، فادخلوها خالدين أى: حتى إذا جاءوها وقالوا لهم ذلك سعدوا وابتهجوا.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وحتى هنا هى التى تحكى بعدها الجمل. والجملة المحكية بعدها هى الشرطية، إلا أن جزاءها محذوف لأنه صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شئ لا يحيط به الوصف. وحق موقعه ما بعد \"خالدين\".<br>وقيل: حتى إذا جاءوها، جاءوها وفتحت أبوابها. أى: مع فتح أبوابها..<br>ثم بين - سبحانه - ما يقوله المتقون عند دخولهم الجنة على سبيل الشكر لله - تعالى -: فقال: { وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } بأن بعثنا من مرقدنا، ومنحنا المزيد من عطائه ونعمه { وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } أى: أرض الجنة التى استقروا فيها.<br>{ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ } أى: ينزل كل واحد منا من جنته الواسعة حيث يريد، دون أن يزاحمه فيها مزاحم، أو ينازعه منازع.<br>{ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } الجنة التى منحها - سبحانه - لعباده المتقين.<br>{ وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } أى: محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه. جمع حَافٍّ وهو المحدق بالشئ. يقال: حففت بالشئ إذا أحطت به، مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب للشئ.<br>{ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } أى: يمجدون ربهم بكل خير، وينزهونه عن كل سوء. { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ } أى وقضى - سبحانه - بين العباد بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. { وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } على قضائه بالحق، وعلى مجازاته الذين أساءوا بما عملوا، ومجازاته الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وبعد. فهذا تفسير محرر لسورة \"الزمر\" نسأل الله - تعالى -: أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4160",
        "sura_number": "39",
        "ayah_number": "72",
        "aya": "",
        "sura": "الزمر",
        "mediator": "وقوله - تعالى - { وَسِيقَ } من السوق بمعنى الدفع، والمراد به هنا الدفع بعنف مع الإِهانة و { زُمَراً } أى: جماعات متفرقة بعضها فى إثر بعض. جمع زمرة وهى الجماعة القليلة، أى: وسيق الذين كفروا إلى نار جهنم جماعات جماعات، وأفواجا أفواجا.<br>{ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } لتستقبلهم بحرها وسعيرها، وكأنها قبل مجيئهم إليها كانت مغلقة كما تغلق أبواب السجون، فلا تفتح إلا لمن هم أهل لها بسبب جرائمهم.<br>{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ } على سبيل الزجر والتأنيب { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ } أى: من جنسكم تفهمون عنهم ما يقولونه لكم.<br>وهؤلاء الرسل { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } المنزلة لمنفعتكم { وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أى: ويخوفونكم من أهوال يومكم هذا وهو يوم القيامة.<br>{ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } أى: قالوا فى جوابهم على سائلهيم: بلى قد أتانا الرسل وبلغونا رسالة الله، ولكننا لم نطعهم، فحقت كلمة العذاب علينا، ووجبت علينا كلمة الله التى قال فيها: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وهنا رد عليهم السائلون بقولهم: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، خلودا أبديا { فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ } أى: فبئس المكان المعد للمتكبرين جهنم.<br>وبعد هذا البيان المرعب لمصير الكافرين، جاء البيان الذى يشرح الصدور بالنسبة لحال المتقين فقال - تعالى -: { وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } أى: جماعات.<br>قال الآلوسى: أى: جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم فى الفضل.<br>وفى صحيح مسلم وغيره عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"أول زمرة تدخل الجنة من أمتى على صورة القمر ليلة البدر\" .<br>والمراد بالسوق هنا: الحث على المسير للإِسراع إلى الإِكرام بخلافه فيما تقدم فإنه لإهانة الكفرة، وتعجيلهم إلى العقاب والآلام، واختير للمشاكلة..<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم مقيم فقال: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ }.<br>والواو فى قوله { وَفُتِحَتْ } للحال، والجملة حالية بتقدير قد، وجواب { إِذَا } مقدر بعد قوله { خَالِدِينَ }.<br>أى: حتى إذا جاءوها، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم، وقال لهم خزنتها بفرح وحبور: سلام عليكم من جميع المكاره، طبتم من دنس المعاصى، فادخلوها خالدين أى: حتى إذا جاءوها وقالوا لهم ذلك سعدوا وابتهجوا.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وحتى هنا هى التى تحكى بعدها الجمل. والجملة المحكية بعدها هى الشرطية، إلا أن جزاءها محذوف لأنه صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شئ لا يحيط به الوصف. وحق موقعه ما بعد \"خالدين\".<br>وقيل: حتى إذا جاءوها، جاءوها وفتحت أبوابها. أى: مع فتح أبوابها..<br>ثم بين - سبحانه - ما يقوله المتقون عند دخولهم الجنة على سبيل الشكر لله - تعالى -: فقال: { وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } بأن بعثنا من مرقدنا، ومنحنا المزيد من عطائه ونعمه { وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } أى: أرض الجنة التى استقروا فيها.<br>{ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ } أى: ينزل كل واحد منا من جنته الواسعة حيث يريد، دون أن يزاحمه فيها مزاحم، أو ينازعه منازع.<br>{ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } الجنة التى منحها - سبحانه - لعباده المتقين.<br>{ وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } أى: محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه. جمع حَافٍّ وهو المحدق بالشئ. يقال: حففت بالشئ إذا أحطت به، مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب للشئ.<br>{ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } أى: يمجدون ربهم بكل خير، وينزهونه عن كل سوء. { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ } أى وقضى - سبحانه - بين العباد بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. { وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } على قضائه بالحق، وعلى مجازاته الذين أساءوا بما عملوا، ومجازاته الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وبعد. فهذا تفسير محرر لسورة \"الزمر\" نسأل الله - تعالى -: أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4161",
        "sura_number": "39",
        "ayah_number": "73",
        "aya": "",
        "sura": "الزمر",
        "mediator": "وقوله - تعالى - { وَسِيقَ } من السوق بمعنى الدفع، والمراد به هنا الدفع بعنف مع الإِهانة و { زُمَراً } أى: جماعات متفرقة بعضها فى إثر بعض. جمع زمرة وهى الجماعة القليلة، أى: وسيق الذين كفروا إلى نار جهنم جماعات جماعات، وأفواجا أفواجا.<br>{ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } لتستقبلهم بحرها وسعيرها، وكأنها قبل مجيئهم إليها كانت مغلقة كما تغلق أبواب السجون، فلا تفتح إلا لمن هم أهل لها بسبب جرائمهم.<br>{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ } على سبيل الزجر والتأنيب { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ } أى: من جنسكم تفهمون عنهم ما يقولونه لكم.<br>وهؤلاء الرسل { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } المنزلة لمنفعتكم { وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أى: ويخوفونكم من أهوال يومكم هذا وهو يوم القيامة.<br>{ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } أى: قالوا فى جوابهم على سائلهيم: بلى قد أتانا الرسل وبلغونا رسالة الله، ولكننا لم نطعهم، فحقت كلمة العذاب علينا، ووجبت علينا كلمة الله التى قال فيها: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وهنا رد عليهم السائلون بقولهم: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، خلودا أبديا { فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ } أى: فبئس المكان المعد للمتكبرين جهنم.<br>وبعد هذا البيان المرعب لمصير الكافرين، جاء البيان الذى يشرح الصدور بالنسبة لحال المتقين فقال - تعالى -: { وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } أى: جماعات.<br>قال الآلوسى: أى: جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم فى الفضل.<br>وفى صحيح مسلم وغيره عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"أول زمرة تدخل الجنة من أمتى على صورة القمر ليلة البدر\" .<br>والمراد بالسوق هنا: الحث على المسير للإِسراع إلى الإِكرام بخلافه فيما تقدم فإنه لإهانة الكفرة، وتعجيلهم إلى العقاب والآلام، واختير للمشاكلة..<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم مقيم فقال: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ }.<br>والواو فى قوله { وَفُتِحَتْ } للحال، والجملة حالية بتقدير قد، وجواب { إِذَا } مقدر بعد قوله { خَالِدِينَ }.<br>أى: حتى إذا جاءوها، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم، وقال لهم خزنتها بفرح وحبور: سلام عليكم من جميع المكاره، طبتم من دنس المعاصى، فادخلوها خالدين أى: حتى إذا جاءوها وقالوا لهم ذلك سعدوا وابتهجوا.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وحتى هنا هى التى تحكى بعدها الجمل. والجملة المحكية بعدها هى الشرطية، إلا أن جزاءها محذوف لأنه صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شئ لا يحيط به الوصف. وحق موقعه ما بعد \"خالدين\".<br>وقيل: حتى إذا جاءوها، جاءوها وفتحت أبوابها. أى: مع فتح أبوابها..<br>ثم بين - سبحانه - ما يقوله المتقون عند دخولهم الجنة على سبيل الشكر لله - تعالى -: فقال: { وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } بأن بعثنا من مرقدنا، ومنحنا المزيد من عطائه ونعمه { وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } أى: أرض الجنة التى استقروا فيها.<br>{ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ } أى: ينزل كل واحد منا من جنته الواسعة حيث يريد، دون أن يزاحمه فيها مزاحم، أو ينازعه منازع.<br>{ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } الجنة التى منحها - سبحانه - لعباده المتقين.<br>{ وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } أى: محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه. جمع حَافٍّ وهو المحدق بالشئ. يقال: حففت بالشئ إذا أحطت به، مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب للشئ.<br>{ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } أى: يمجدون ربهم بكل خير، وينزهونه عن كل سوء. { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ } أى وقضى - سبحانه - بين العباد بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. { وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } على قضائه بالحق، وعلى مجازاته الذين أساءوا بما عملوا، ومجازاته الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وبعد. فهذا تفسير محرر لسورة \"الزمر\" نسأل الله - تعالى -: أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4162",
        "sura_number": "39",
        "ayah_number": "74",
        "aya": "",
        "sura": "الزمر",
        "mediator": "وقوله - تعالى - { وَسِيقَ } من السوق بمعنى الدفع، والمراد به هنا الدفع بعنف مع الإِهانة و { زُمَراً } أى: جماعات متفرقة بعضها فى إثر بعض. جمع زمرة وهى الجماعة القليلة، أى: وسيق الذين كفروا إلى نار جهنم جماعات جماعات، وأفواجا أفواجا.<br>{ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } لتستقبلهم بحرها وسعيرها، وكأنها قبل مجيئهم إليها كانت مغلقة كما تغلق أبواب السجون، فلا تفتح إلا لمن هم أهل لها بسبب جرائمهم.<br>{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ } على سبيل الزجر والتأنيب { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ } أى: من جنسكم تفهمون عنهم ما يقولونه لكم.<br>وهؤلاء الرسل { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } المنزلة لمنفعتكم { وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أى: ويخوفونكم من أهوال يومكم هذا وهو يوم القيامة.<br>{ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } أى: قالوا فى جوابهم على سائلهيم: بلى قد أتانا الرسل وبلغونا رسالة الله، ولكننا لم نطعهم، فحقت كلمة العذاب علينا، ووجبت علينا كلمة الله التى قال فيها: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وهنا رد عليهم السائلون بقولهم: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، خلودا أبديا { فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ } أى: فبئس المكان المعد للمتكبرين جهنم.<br>وبعد هذا البيان المرعب لمصير الكافرين، جاء البيان الذى يشرح الصدور بالنسبة لحال المتقين فقال - تعالى -: { وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } أى: جماعات.<br>قال الآلوسى: أى: جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم فى الفضل.<br>وفى صحيح مسلم وغيره عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"أول زمرة تدخل الجنة من أمتى على صورة القمر ليلة البدر\" .<br>والمراد بالسوق هنا: الحث على المسير للإِسراع إلى الإِكرام بخلافه فيما تقدم فإنه لإهانة الكفرة، وتعجيلهم إلى العقاب والآلام، واختير للمشاكلة..<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم مقيم فقال: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ }.<br>والواو فى قوله { وَفُتِحَتْ } للحال، والجملة حالية بتقدير قد، وجواب { إِذَا } مقدر بعد قوله { خَالِدِينَ }.<br>أى: حتى إذا جاءوها، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم، وقال لهم خزنتها بفرح وحبور: سلام عليكم من جميع المكاره، طبتم من دنس المعاصى، فادخلوها خالدين أى: حتى إذا جاءوها وقالوا لهم ذلك سعدوا وابتهجوا.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وحتى هنا هى التى تحكى بعدها الجمل. والجملة المحكية بعدها هى الشرطية، إلا أن جزاءها محذوف لأنه صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شئ لا يحيط به الوصف. وحق موقعه ما بعد \"خالدين\".<br>وقيل: حتى إذا جاءوها، جاءوها وفتحت أبوابها. أى: مع فتح أبوابها..<br>ثم بين - سبحانه - ما يقوله المتقون عند دخولهم الجنة على سبيل الشكر لله - تعالى -: فقال: { وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } بأن بعثنا من مرقدنا، ومنحنا المزيد من عطائه ونعمه { وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } أى: أرض الجنة التى استقروا فيها.<br>{ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ } أى: ينزل كل واحد منا من جنته الواسعة حيث يريد، دون أن يزاحمه فيها مزاحم، أو ينازعه منازع.<br>{ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } الجنة التى منحها - سبحانه - لعباده المتقين.<br>{ وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } أى: محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه. جمع حَافٍّ وهو المحدق بالشئ. يقال: حففت بالشئ إذا أحطت به، مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب للشئ.<br>{ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } أى: يمجدون ربهم بكل خير، وينزهونه عن كل سوء. { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ } أى وقضى - سبحانه - بين العباد بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. { وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } على قضائه بالحق، وعلى مجازاته الذين أساءوا بما عملوا، ومجازاته الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وبعد. فهذا تفسير محرر لسورة \"الزمر\" نسأل الله - تعالى -: أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4163",
        "sura_number": "39",
        "ayah_number": "75",
        "aya": "",
        "sura": "الزمر",
        "mediator": "وقوله - تعالى - { وَسِيقَ } من السوق بمعنى الدفع، والمراد به هنا الدفع بعنف مع الإِهانة و { زُمَراً } أى: جماعات متفرقة بعضها فى إثر بعض. جمع زمرة وهى الجماعة القليلة، أى: وسيق الذين كفروا إلى نار جهنم جماعات جماعات، وأفواجا أفواجا.<br>{ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } لتستقبلهم بحرها وسعيرها، وكأنها قبل مجيئهم إليها كانت مغلقة كما تغلق أبواب السجون، فلا تفتح إلا لمن هم أهل لها بسبب جرائمهم.<br>{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ } على سبيل الزجر والتأنيب { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ } أى: من جنسكم تفهمون عنهم ما يقولونه لكم.<br>وهؤلاء الرسل { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } المنزلة لمنفعتكم { وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أى: ويخوفونكم من أهوال يومكم هذا وهو يوم القيامة.<br>{ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } أى: قالوا فى جوابهم على سائلهيم: بلى قد أتانا الرسل وبلغونا رسالة الله، ولكننا لم نطعهم، فحقت كلمة العذاب علينا، ووجبت علينا كلمة الله التى قال فيها: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وهنا رد عليهم السائلون بقولهم: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، خلودا أبديا { فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ } أى: فبئس المكان المعد للمتكبرين جهنم.<br>وبعد هذا البيان المرعب لمصير الكافرين، جاء البيان الذى يشرح الصدور بالنسبة لحال المتقين فقال - تعالى -: { وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } أى: جماعات.<br>قال الآلوسى: أى: جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم فى الفضل.<br>وفى صحيح مسلم وغيره عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  \"أول زمرة تدخل الجنة من أمتى على صورة القمر ليلة البدر\" .<br>والمراد بالسوق هنا: الحث على المسير للإِسراع إلى الإِكرام بخلافه فيما تقدم فإنه لإهانة الكفرة، وتعجيلهم إلى العقاب والآلام، واختير للمشاكلة..<br>ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم مقيم فقال: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ }.<br>والواو فى قوله { وَفُتِحَتْ } للحال، والجملة حالية بتقدير قد، وجواب { إِذَا } مقدر بعد قوله { خَالِدِينَ }.<br>أى: حتى إذا جاءوها، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم، وقال لهم خزنتها بفرح وحبور: سلام عليكم من جميع المكاره، طبتم من دنس المعاصى، فادخلوها خالدين أى: حتى إذا جاءوها وقالوا لهم ذلك سعدوا وابتهجوا.<br>قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وحتى هنا هى التى تحكى بعدها الجمل. والجملة المحكية بعدها هى الشرطية، إلا أن جزاءها محذوف لأنه صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شئ لا يحيط به الوصف. وحق موقعه ما بعد \"خالدين\".<br>وقيل: حتى إذا جاءوها، جاءوها وفتحت أبوابها. أى: مع فتح أبوابها..<br>ثم بين - سبحانه - ما يقوله المتقون عند دخولهم الجنة على سبيل الشكر لله - تعالى -: فقال: { وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } بأن بعثنا من مرقدنا، ومنحنا المزيد من عطائه ونعمه { وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } أى: أرض الجنة التى استقروا فيها.<br>{ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ } أى: ينزل كل واحد منا من جنته الواسعة حيث يريد، دون أن يزاحمه فيها مزاحم، أو ينازعه منازع.<br>{ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } الجنة التى منحها - سبحانه - لعباده المتقين.<br>{ وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } أى: محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه. جمع حَافٍّ وهو المحدق بالشئ. يقال: حففت بالشئ إذا أحطت به، مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب للشئ.<br>{ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } أى: يمجدون ربهم بكل خير، وينزهونه عن كل سوء. { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ } أى وقضى - سبحانه - بين العباد بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. { وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } على قضائه بالحق، وعلى مجازاته الذين أساءوا بما عملوا، ومجازاته الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وبعد. فهذا تفسير محرر لسورة \"الزمر\" نسأل الله - تعالى -: أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4176",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "13",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4177",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "14",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4178",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "15",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4179",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "16",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4180",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "17",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4181",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "18",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4182",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "19",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4183",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "20",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4184",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "21",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4185",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "22",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ... } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة.. إلى غير ذلك من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود..<br>أى: هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، لتزدادوا - أيها المؤمنون - إيمانا على إيمانكم، وثباتا على ثباتكم، ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.<br>وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، ومن ذلك قوله - تعالى -: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } وقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. } وقوله - تعالى -: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } والمراد بالرزق فى قوله: { وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً }.. الأمطار التى تنزل من السماء على الأرض، فتحييها بعد موتها، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة، إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار.<br>وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا. لأنه سبب فيه، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته، وجلائل نعمه، الموجبة لشكره - عز وجل -، ولوجوب إخلاص العبادة له.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.<br>أى: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإِيمان، وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.<br>فقوله { يُنِيبُ } من الإِنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان والطاعة.<br>والفاء فى قوله - تعالى -: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ... } للإِفصاح عن شرط مقدر. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شئ فى هذا الوجود يدل على وحدانية الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } منكم ذلك - أيها المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم، وامضوا فى طريق الحق، ودعوهم يموتوا بغيظهم..<br>وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ووجوب الإِكثار من التضرع إليه بالدعاء.<br>ومن الأحاديث التى أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، ما رواه الإِمام مسلم وأبو داود، والنسائى، وأحمد، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة\".<br>ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة له، فيقول: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ.. } أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالى، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو..<br>قال الآلوسى قوله: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ } رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ الشئ إذا علا.. والدرجات: مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش، أى: رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه.. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى -: { ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه - جل جلاله -.<br>والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ }: الوحى الذى يوحى به على أنبيائه، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .<br>أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى. حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإِلقاء من عباده الصالحين. فقوله { مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف حال من الروح.<br>وسمى الوحى روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء.<br>وقوله - تعالى -: { لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإِلقاء الوحى عليه.<br>والإِنذار: الإِعلام المقترن بالتخويف والتحذير، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.<br>والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون.. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله - تعالى - فيهم بقضائه العادل.<br>أى: يلقى - سبحانه - بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصيانهم لخالقهم.<br>ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب، فقال: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ... }<br>وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } أى: يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى -.<br>والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى - { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ورحم الله صاحب الكشاف: فقد قال: قوله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى: ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث:  \"يحشرون عراة حفاة غرلا\"  { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } أى: من أعمالهم وأحوالهم...<br>فإن قلت: قوله: { لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه؟<br>قلت: معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى -: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ.. } وقوله - تعالى -: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .<br>أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>قال القرطبى ما ملخصه: قال الحسن: هو السائل - تعالى - وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله - جل وعلا - عليها، فيأمر مناديا ينادى { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }.<br>فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.<br>ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه.<br>وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده. أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى هذا اليوم فقال: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ... }.<br>أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، والبارة والفاجرة. بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية.<br>{ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ولا جور ولا محاباة ولا وساطات.. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه من ثواب أو عقاب.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو - سبحانه - قد أحاط بكل شئ علما، كما قال - تعالى -: { عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ.. }.<br>والآزفة: القيامة. وأصل معنى الأزفة: القريبة، وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل: إذا دنا وقرب.<br>والحناجر: جمع حنجرة وهى الحلقوم.<br>وكاظمين: حال من أصحاب القلوب على المعنى. فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها.<br>وأصل الكظم: الحبس والإِمساك للشئ. يقال: كظم القربة إذا ملأها بالماء، وسد فاها، حتى لا يخرج منها شئ من الماء.<br>والمعنى: وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم. ومتشبثة بحناجرهم، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفساهم. كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء.<br>فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد، وكرب عظيم. وخوف ليس بعده خوف.<br>والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ.. } وقوله - سبحانه - { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } والظاهر أن قوله هنا { يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له. لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا.<br>وقوله: { إِذِ ٱلْقُلُوب } بدل من يوم الآزفة.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت \"كاظمين\" بم انتصب؟ قلت: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، وأن القلوب، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.<br>وإنما جُمِع جَمْع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء، كما قال - تعالى -: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... } وقوله - تعالى -: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم.<br>والحميم: هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك، ومنه قيل لخاصة الرجل: حَامَّتهُ.<br>والشفيع: من الشفع، بمعنى الانضمام، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه.<br>أى: ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم.<br>فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم، والشفيع الذى يشفع لهم، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم.<br>ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ فقال: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }.<br>والمراد بخائنة الأعين: النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله الاطلاع عليه.<br>والجملة خبر لمبتدأ محذوف. والإِضافة فى قوله { خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } على معنى من، وخائنة: نعت لمصدر محذوف.<br>أى: هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين، وهى التى يوجهها صاحبها فى تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى صدورهم، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون.<br>قال القرطبى:  \"ولما جئ بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم.<br>فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.<br>فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين\" .<br>ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال: { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ... }.<br>أى: والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.<br>{ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله - تعالى - لا يقضون بشئ أصلا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شئ، وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم.<br>{ إِنَّ ٱللَّهَ } - تعالى - { هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل شئ { ٱلْبَصِيرُ } بكل شئ، لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }.<br>أى: أبلغت الجهالة والغفلة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا.<br>إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم، يشاهدون آثار قوم صالح، ويشاهدون آثار غيرهم.<br>ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة، والحصون الحصينة..<br>فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر، بسبب ذنوبهم. وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه، أو يقيهم من بأسه.<br>{ ذَلِكَ } الأخذ من أسبابه { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ } أى: بالدلائل الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم.<br>{ فَكَفَرُواْ } أى: بالرسل وبما جاءوهم به { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أى: فأهلكهم - سبحانه - { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد أن يفعله حائل، شديد العقاب لمن كفر به، وأعرض عن دعوة رسله.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله، ومن أهوال يوم القيامة، ومن علمه الشامل لكل شئ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز مقتدر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون. فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه، وكيف أن موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما، فقال - تعالى - :<br> { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا... }<br>"
    },
    {
        "id": "4224",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "61",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "فقوله - تعالى -: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس.<br>أى: الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا..<br>وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا، أى: جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره، من الأشياء المتنوعة.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { مُبْصِـراً } هو من الإِسناد المجازى لأن الإِبصار فى الحقيقة لأهل النهار.<br>فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما. فيراعى حق المقابلة؟<br>قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى، ولو قيل: ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم.<br>وقال - سبحانه - { لَذُو فَضْلٍ } بالتنكير للإِشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.<br>واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْء.. }<br>يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل -.<br>و { ذَلِكُـمُ } مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.<br>أى: ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شئ فى هذا الوجود. لا إله إلا هو فى هذا الكون..<br>وقوله - تعالى -: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.<br>أى؛ فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شئ، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها.<br>وقوله - تعالى -: { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران.<br>ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشئ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشئ بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... } أى: لتصرفنا عن عبادتها.<br>والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.<br>وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } أى: جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.<br>{ وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.<br>قال الآلوسى قوله: { وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم.<br>أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم. وأجمل هيئة. كما قال - تعالى -: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } { وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ.<br>{ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة بزمانكم، ومكانكم، وذواتكم، ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذى تولاكم بتربيته ورعايته فى جميع أطوار حياتكم فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته، فهو رب العالمين ومالك أمرهم.<br>{ هُوَ ٱلْحَيُّ } أى: هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية..<br>{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله.<br>{ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة كونكم قائلين: الحمد لله رب العالمين.<br>قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله: { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } عملا بهذه الآية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يوبخ به المشركين فقال: { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي.. }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده.<br>فقوله: { لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي } بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية.<br>وقوله { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: إنى بعد أن نهانى ربى عن عبادة غيره أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنِنسان فى أطوار مختلفة، فقال - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه.<br>{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وأصل النطفة: الماء الصافى. أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، ويصب فى رحم المرأة، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة قطعة من الدم المتجمد.<br>{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: { طِفْلاً } اسم جنس يصدق على القليل والكثير.<br>ثم { لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ } بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم.<br>{ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لِتَـبْلُغُوۤا } أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا.<br>{ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى } معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب. والجزاء.<br>وقوله: { وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.<br>ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي } من يريد إحياءه { وَيُمِيتُ } من يشاء إماتته.<br>{ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا } أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه } أى لهذا الأمر { كُن فيَكُونُ } فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك - ما يسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما أصلبه من المشركين، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال - تعالى -:<br> { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "4225",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "62",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "فقوله - تعالى -: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس.<br>أى: الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا..<br>وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا، أى: جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره، من الأشياء المتنوعة.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { مُبْصِـراً } هو من الإِسناد المجازى لأن الإِبصار فى الحقيقة لأهل النهار.<br>فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما. فيراعى حق المقابلة؟<br>قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى، ولو قيل: ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم.<br>وقال - سبحانه - { لَذُو فَضْلٍ } بالتنكير للإِشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.<br>واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْء.. }<br>يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل -.<br>و { ذَلِكُـمُ } مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.<br>أى: ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شئ فى هذا الوجود. لا إله إلا هو فى هذا الكون..<br>وقوله - تعالى -: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.<br>أى؛ فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شئ، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها.<br>وقوله - تعالى -: { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران.<br>ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشئ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشئ بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... } أى: لتصرفنا عن عبادتها.<br>والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.<br>وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } أى: جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.<br>{ وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.<br>قال الآلوسى قوله: { وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم.<br>أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم. وأجمل هيئة. كما قال - تعالى -: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } { وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ.<br>{ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة بزمانكم، ومكانكم، وذواتكم، ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذى تولاكم بتربيته ورعايته فى جميع أطوار حياتكم فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته، فهو رب العالمين ومالك أمرهم.<br>{ هُوَ ٱلْحَيُّ } أى: هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية..<br>{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله.<br>{ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة كونكم قائلين: الحمد لله رب العالمين.<br>قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله: { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } عملا بهذه الآية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يوبخ به المشركين فقال: { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي.. }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده.<br>فقوله: { لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي } بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية.<br>وقوله { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: إنى بعد أن نهانى ربى عن عبادة غيره أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنِنسان فى أطوار مختلفة، فقال - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه.<br>{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وأصل النطفة: الماء الصافى. أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، ويصب فى رحم المرأة، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة قطعة من الدم المتجمد.<br>{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: { طِفْلاً } اسم جنس يصدق على القليل والكثير.<br>ثم { لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ } بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم.<br>{ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لِتَـبْلُغُوۤا } أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا.<br>{ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى } معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب. والجزاء.<br>وقوله: { وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.<br>ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي } من يريد إحياءه { وَيُمِيتُ } من يشاء إماتته.<br>{ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا } أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه } أى لهذا الأمر { كُن فيَكُونُ } فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك - ما يسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما أصلبه من المشركين، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال - تعالى -:<br> { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "4226",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "63",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "فقوله - تعالى -: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس.<br>أى: الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا..<br>وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا، أى: جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره، من الأشياء المتنوعة.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { مُبْصِـراً } هو من الإِسناد المجازى لأن الإِبصار فى الحقيقة لأهل النهار.<br>فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما. فيراعى حق المقابلة؟<br>قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى، ولو قيل: ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم.<br>وقال - سبحانه - { لَذُو فَضْلٍ } بالتنكير للإِشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.<br>واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْء.. }<br>يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل -.<br>و { ذَلِكُـمُ } مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.<br>أى: ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شئ فى هذا الوجود. لا إله إلا هو فى هذا الكون..<br>وقوله - تعالى -: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.<br>أى؛ فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شئ، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها.<br>وقوله - تعالى -: { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران.<br>ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشئ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشئ بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... } أى: لتصرفنا عن عبادتها.<br>والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.<br>وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } أى: جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.<br>{ وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.<br>قال الآلوسى قوله: { وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم.<br>أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم. وأجمل هيئة. كما قال - تعالى -: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } { وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ.<br>{ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة بزمانكم، ومكانكم، وذواتكم، ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذى تولاكم بتربيته ورعايته فى جميع أطوار حياتكم فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته، فهو رب العالمين ومالك أمرهم.<br>{ هُوَ ٱلْحَيُّ } أى: هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية..<br>{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله.<br>{ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة كونكم قائلين: الحمد لله رب العالمين.<br>قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله: { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } عملا بهذه الآية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يوبخ به المشركين فقال: { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي.. }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده.<br>فقوله: { لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي } بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية.<br>وقوله { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: إنى بعد أن نهانى ربى عن عبادة غيره أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنِنسان فى أطوار مختلفة، فقال - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه.<br>{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وأصل النطفة: الماء الصافى. أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، ويصب فى رحم المرأة، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة قطعة من الدم المتجمد.<br>{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: { طِفْلاً } اسم جنس يصدق على القليل والكثير.<br>ثم { لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ } بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم.<br>{ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لِتَـبْلُغُوۤا } أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا.<br>{ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى } معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب. والجزاء.<br>وقوله: { وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.<br>ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي } من يريد إحياءه { وَيُمِيتُ } من يشاء إماتته.<br>{ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا } أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه } أى لهذا الأمر { كُن فيَكُونُ } فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك - ما يسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما أصلبه من المشركين، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال - تعالى -:<br> { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "4227",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "64",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "فقوله - تعالى -: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس.<br>أى: الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا..<br>وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا، أى: جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره، من الأشياء المتنوعة.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { مُبْصِـراً } هو من الإِسناد المجازى لأن الإِبصار فى الحقيقة لأهل النهار.<br>فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما. فيراعى حق المقابلة؟<br>قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى، ولو قيل: ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم.<br>وقال - سبحانه - { لَذُو فَضْلٍ } بالتنكير للإِشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.<br>واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْء.. }<br>يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل -.<br>و { ذَلِكُـمُ } مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.<br>أى: ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شئ فى هذا الوجود. لا إله إلا هو فى هذا الكون..<br>وقوله - تعالى -: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.<br>أى؛ فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شئ، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها.<br>وقوله - تعالى -: { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران.<br>ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشئ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشئ بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... } أى: لتصرفنا عن عبادتها.<br>والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.<br>وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } أى: جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.<br>{ وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.<br>قال الآلوسى قوله: { وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم.<br>أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم. وأجمل هيئة. كما قال - تعالى -: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } { وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ.<br>{ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة بزمانكم، ومكانكم، وذواتكم، ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذى تولاكم بتربيته ورعايته فى جميع أطوار حياتكم فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته، فهو رب العالمين ومالك أمرهم.<br>{ هُوَ ٱلْحَيُّ } أى: هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية..<br>{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله.<br>{ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة كونكم قائلين: الحمد لله رب العالمين.<br>قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله: { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } عملا بهذه الآية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يوبخ به المشركين فقال: { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي.. }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده.<br>فقوله: { لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي } بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية.<br>وقوله { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: إنى بعد أن نهانى ربى عن عبادة غيره أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنِنسان فى أطوار مختلفة، فقال - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه.<br>{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وأصل النطفة: الماء الصافى. أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، ويصب فى رحم المرأة، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة قطعة من الدم المتجمد.<br>{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: { طِفْلاً } اسم جنس يصدق على القليل والكثير.<br>ثم { لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ } بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم.<br>{ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لِتَـبْلُغُوۤا } أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا.<br>{ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى } معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب. والجزاء.<br>وقوله: { وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.<br>ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي } من يريد إحياءه { وَيُمِيتُ } من يشاء إماتته.<br>{ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا } أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه } أى لهذا الأمر { كُن فيَكُونُ } فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك - ما يسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما أصلبه من المشركين، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال - تعالى -:<br> { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "4228",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "65",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "فقوله - تعالى -: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس.<br>أى: الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا..<br>وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا، أى: جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره، من الأشياء المتنوعة.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { مُبْصِـراً } هو من الإِسناد المجازى لأن الإِبصار فى الحقيقة لأهل النهار.<br>فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما. فيراعى حق المقابلة؟<br>قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى، ولو قيل: ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم.<br>وقال - سبحانه - { لَذُو فَضْلٍ } بالتنكير للإِشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.<br>واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْء.. }<br>يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل -.<br>و { ذَلِكُـمُ } مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.<br>أى: ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شئ فى هذا الوجود. لا إله إلا هو فى هذا الكون..<br>وقوله - تعالى -: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.<br>أى؛ فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شئ، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها.<br>وقوله - تعالى -: { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران.<br>ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشئ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشئ بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... } أى: لتصرفنا عن عبادتها.<br>والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.<br>وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } أى: جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.<br>{ وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.<br>قال الآلوسى قوله: { وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم.<br>أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم. وأجمل هيئة. كما قال - تعالى -: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } { وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ.<br>{ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة بزمانكم، ومكانكم، وذواتكم، ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذى تولاكم بتربيته ورعايته فى جميع أطوار حياتكم فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته، فهو رب العالمين ومالك أمرهم.<br>{ هُوَ ٱلْحَيُّ } أى: هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية..<br>{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله.<br>{ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة كونكم قائلين: الحمد لله رب العالمين.<br>قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله: { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } عملا بهذه الآية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يوبخ به المشركين فقال: { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي.. }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده.<br>فقوله: { لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي } بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية.<br>وقوله { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: إنى بعد أن نهانى ربى عن عبادة غيره أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنِنسان فى أطوار مختلفة، فقال - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه.<br>{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وأصل النطفة: الماء الصافى. أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، ويصب فى رحم المرأة، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة قطعة من الدم المتجمد.<br>{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: { طِفْلاً } اسم جنس يصدق على القليل والكثير.<br>ثم { لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ } بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم.<br>{ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لِتَـبْلُغُوۤا } أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا.<br>{ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى } معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب. والجزاء.<br>وقوله: { وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.<br>ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي } من يريد إحياءه { وَيُمِيتُ } من يشاء إماتته.<br>{ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا } أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه } أى لهذا الأمر { كُن فيَكُونُ } فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك - ما يسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما أصلبه من المشركين، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال - تعالى -:<br> { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "4229",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "66",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "فقوله - تعالى -: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس.<br>أى: الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا..<br>وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا، أى: جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره، من الأشياء المتنوعة.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { مُبْصِـراً } هو من الإِسناد المجازى لأن الإِبصار فى الحقيقة لأهل النهار.<br>فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما. فيراعى حق المقابلة؟<br>قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى، ولو قيل: ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم.<br>وقال - سبحانه - { لَذُو فَضْلٍ } بالتنكير للإِشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.<br>واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْء.. }<br>يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل -.<br>و { ذَلِكُـمُ } مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.<br>أى: ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شئ فى هذا الوجود. لا إله إلا هو فى هذا الكون..<br>وقوله - تعالى -: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.<br>أى؛ فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شئ، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها.<br>وقوله - تعالى -: { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران.<br>ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشئ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشئ بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... } أى: لتصرفنا عن عبادتها.<br>والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.<br>وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } أى: جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.<br>{ وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.<br>قال الآلوسى قوله: { وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم.<br>أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم. وأجمل هيئة. كما قال - تعالى -: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } { وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ.<br>{ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة بزمانكم، ومكانكم، وذواتكم، ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذى تولاكم بتربيته ورعايته فى جميع أطوار حياتكم فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته، فهو رب العالمين ومالك أمرهم.<br>{ هُوَ ٱلْحَيُّ } أى: هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية..<br>{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله.<br>{ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة كونكم قائلين: الحمد لله رب العالمين.<br>قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله: { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } عملا بهذه الآية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يوبخ به المشركين فقال: { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي.. }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده.<br>فقوله: { لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي } بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية.<br>وقوله { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: إنى بعد أن نهانى ربى عن عبادة غيره أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنِنسان فى أطوار مختلفة، فقال - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه.<br>{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وأصل النطفة: الماء الصافى. أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، ويصب فى رحم المرأة، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة قطعة من الدم المتجمد.<br>{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: { طِفْلاً } اسم جنس يصدق على القليل والكثير.<br>ثم { لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ } بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم.<br>{ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لِتَـبْلُغُوۤا } أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا.<br>{ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى } معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب. والجزاء.<br>وقوله: { وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.<br>ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي } من يريد إحياءه { وَيُمِيتُ } من يشاء إماتته.<br>{ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا } أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه } أى لهذا الأمر { كُن فيَكُونُ } فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك - ما يسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما أصلبه من المشركين، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال - تعالى -:<br> { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "4230",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "67",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "فقوله - تعالى -: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس.<br>أى: الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا..<br>وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا، أى: جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره، من الأشياء المتنوعة.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { مُبْصِـراً } هو من الإِسناد المجازى لأن الإِبصار فى الحقيقة لأهل النهار.<br>فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما. فيراعى حق المقابلة؟<br>قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى، ولو قيل: ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم.<br>وقال - سبحانه - { لَذُو فَضْلٍ } بالتنكير للإِشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.<br>واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْء.. }<br>يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل -.<br>و { ذَلِكُـمُ } مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.<br>أى: ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شئ فى هذا الوجود. لا إله إلا هو فى هذا الكون..<br>وقوله - تعالى -: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.<br>أى؛ فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شئ، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها.<br>وقوله - تعالى -: { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران.<br>ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشئ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشئ بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... } أى: لتصرفنا عن عبادتها.<br>والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.<br>وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } أى: جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.<br>{ وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.<br>قال الآلوسى قوله: { وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم.<br>أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم. وأجمل هيئة. كما قال - تعالى -: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } { وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ.<br>{ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة بزمانكم، ومكانكم، وذواتكم، ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذى تولاكم بتربيته ورعايته فى جميع أطوار حياتكم فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته، فهو رب العالمين ومالك أمرهم.<br>{ هُوَ ٱلْحَيُّ } أى: هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية..<br>{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله.<br>{ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة كونكم قائلين: الحمد لله رب العالمين.<br>قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله: { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } عملا بهذه الآية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يوبخ به المشركين فقال: { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي.. }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده.<br>فقوله: { لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي } بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية.<br>وقوله { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: إنى بعد أن نهانى ربى عن عبادة غيره أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنِنسان فى أطوار مختلفة، فقال - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه.<br>{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وأصل النطفة: الماء الصافى. أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، ويصب فى رحم المرأة، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة قطعة من الدم المتجمد.<br>{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: { طِفْلاً } اسم جنس يصدق على القليل والكثير.<br>ثم { لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ } بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم.<br>{ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لِتَـبْلُغُوۤا } أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا.<br>{ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى } معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب. والجزاء.<br>وقوله: { وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.<br>ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي } من يريد إحياءه { وَيُمِيتُ } من يشاء إماتته.<br>{ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا } أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه } أى لهذا الأمر { كُن فيَكُونُ } فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك - ما يسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما أصلبه من المشركين، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال - تعالى -:<br> { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "4231",
        "sura_number": "40",
        "ayah_number": "68",
        "aya": "",
        "sura": "غافر",
        "mediator": "فقوله - تعالى -: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بهما - سبحانه - على الناس.<br>أى: الله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا..<br>وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا، أى: جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره، من الأشياء المتنوعة.<br>قال صاحب الكشاف: قوله { مُبْصِـراً } هو من الإِسناد المجازى لأن الإِبصار فى الحقيقة لأهل النهار.<br>فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما. فيراعى حق المقابلة؟<br>قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى، ولو قيل: ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز.<br>وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم.<br>أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم.<br>وقال - سبحانه - { لَذُو فَضْلٍ } بالتنكير للإِشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.<br>واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: { ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْء.. }<br>يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل -.<br>و { ذَلِكُـمُ } مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.<br>أى: ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شئ فى هذا الوجود. لا إله إلا هو فى هذا الكون..<br>وقوله - تعالى -: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.<br>أى؛ فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شئ، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها.<br>وقوله - تعالى -: { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران.<br>ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشئ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشئ بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ... } أى: لتصرفنا عن عبادتها.<br>والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.<br>وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } أى: جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.<br>{ وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.<br>قال الآلوسى قوله: { وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآء } أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم.<br>أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم. وأجمل هيئة. كما قال - تعالى -: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } { وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ.<br>{ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة بزمانكم، ومكانكم، وذواتكم، ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذى تولاكم بتربيته ورعايته فى جميع أطوار حياتكم فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته، فهو رب العالمين ومالك أمرهم.<br>{ هُوَ ٱلْحَيُّ } أى: هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية..<br>{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجود يدانيه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله.<br>{ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة كونكم قائلين: الحمد لله رب العالمين.<br>قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله: { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } عملا بهذه الآية.<br>ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الذى يوبخ به المشركين فقال: { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي.. }.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى -، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده.<br>فقوله: { لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي } بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية.<br>وقوله { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أى: إنى بعد أن نهانى ربى عن عبادة غيره أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم.<br>ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنِنسان فى أطوار مختلفة، فقال - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه.<br>{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وأصل النطفة: الماء الصافى. أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة.<br>والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل، ويصب فى رحم المرأة، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة قطعة من الدم المتجمد.<br>{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: { طِفْلاً } اسم جنس يصدق على القليل والكثير.<br>ثم { لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ } بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم.<br>{ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله { لِتَـبْلُغُوۤا } أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا.<br>{ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة.<br>وقوله - تعالى -: { وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى } معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب. والجزاء.<br>وقوله: { وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.<br>ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - { هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي } من يريد إحياءه { وَيُمِيتُ } من يشاء إماتته.<br>{ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرا } أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَه } أى لهذا الأمر { كُن فيَكُونُ } فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك - ما يسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما أصلبه من المشركين، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال - تعالى -:<br> { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "4295",
        "sura_number": "41",
        "ayah_number": "47",
        "aya": "",
        "sura": "فصلت",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ.. } بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك.<br>والأكمام: جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله.<br>أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و \"من\" فى قوله { مِن ثَمَرَاتٍ } وفى قوله { مِنْ أُنْثَىٰ } مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفى قوله { مِّنْ أَكْمَامِهَا } ابتدائية.<br>قال الجمل: \"فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون.<br>قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه - تعالى - الذى يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد.<br>ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ. وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }.<br>والظرف \"يوم\" منصوب بفعل مقدر، ومعنى \"آذناك\" أعلمناك وأخبرناك، آذان فلان غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.<br>والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم.<br>والظن هنا بمعنى اليقين.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة: أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟<br>{ قَالُوۤا } على سبيل التحسر والتذلل: يا ربنا لقد { آذَنَّاكَ } أى: لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار.<br>{ وَضَلَّ عَنْهُم } أى: وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى: ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها.<br>{ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب.<br>يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب.<br>وقوله - تعالى -: { لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِنْ مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } بيان لما جبل عليه الإِنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ومن ضيقه بما يخالف ذلك.<br>ويبدو أن المراد بالإِنسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا.<br>والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى.<br>والسأم: الملل، يقال سئم فلان هذا الشئ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه.<br>واليأس: أن ينقطع قلب الإِنسان عن رجاء الحصول على الشئ، يقال: يئس فلان من كذا - من باب فهم -، إذا فقد الرجاء فى الظفر به.<br>والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما.<br>فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإِنسان.<br>أى: لا يسأم الإِنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم.<br>{ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } من عسر أو مرض { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أى: فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك على هيئته.<br>وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإِشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر.<br>ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ... }.<br>أى: ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا.. ليقولن على سبيل الغرور والبطر: هذا الذى أعطيته شئ استحقه، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى.<br>ثم يضيف إلى ذلك قوله: { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً } أى: وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء.<br>{ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ } على سبيل الفرض والتقدير { إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا.<br>وقوله - تعالى - { فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسان الجاحد.<br>أى: فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه.<br>ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإِنسان فقال: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ } بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا.<br>{ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أى: أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده.<br>وقوله { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.<br>والنأْى البعد. يقال: نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.<br>وقوله - تعالى -: { وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } بيان لحالة هذا الإِنسان فى حالة الشدة والضر.<br>أى: هكذا حالة هذا الإِنسان الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد.<br>وفى حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع.<br>وفى معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ... }.<br>أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان به.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } للنفى والإنكار أى: لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا.<br>والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى: الجانب - فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين: صار فى شق غير شق صاحبه.<br>ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد، للإِشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا، وشوطا بعيدا.<br>فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه، فقال: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. }.<br>والمراد بالآيات فى قوله { آيَاتِنَا }: الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم.<br>والآفاق: جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال: أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.<br>والمعنى: سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.<br>سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة.<br>ولقد صدق الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم.. وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.<br>وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين.<br>والهمزة للإِنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله { بربك } فاعل كفى.<br>والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ، وعلى أنك صادق فيما تبلغه عنه.. بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه.<br>ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال: { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }.<br>أى: ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء..<br>ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.<br>وبعد: فهذا تفسير لسورة \"فصلت\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4296",
        "sura_number": "41",
        "ayah_number": "48",
        "aya": "",
        "sura": "فصلت",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ.. } بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك.<br>والأكمام: جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله.<br>أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و \"من\" فى قوله { مِن ثَمَرَاتٍ } وفى قوله { مِنْ أُنْثَىٰ } مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفى قوله { مِّنْ أَكْمَامِهَا } ابتدائية.<br>قال الجمل: \"فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون.<br>قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه - تعالى - الذى يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد.<br>ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ. وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }.<br>والظرف \"يوم\" منصوب بفعل مقدر، ومعنى \"آذناك\" أعلمناك وأخبرناك، آذان فلان غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.<br>والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم.<br>والظن هنا بمعنى اليقين.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة: أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟<br>{ قَالُوۤا } على سبيل التحسر والتذلل: يا ربنا لقد { آذَنَّاكَ } أى: لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار.<br>{ وَضَلَّ عَنْهُم } أى: وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى: ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها.<br>{ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب.<br>يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب.<br>وقوله - تعالى -: { لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِنْ مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } بيان لما جبل عليه الإِنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ومن ضيقه بما يخالف ذلك.<br>ويبدو أن المراد بالإِنسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا.<br>والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى.<br>والسأم: الملل، يقال سئم فلان هذا الشئ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه.<br>واليأس: أن ينقطع قلب الإِنسان عن رجاء الحصول على الشئ، يقال: يئس فلان من كذا - من باب فهم -، إذا فقد الرجاء فى الظفر به.<br>والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما.<br>فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإِنسان.<br>أى: لا يسأم الإِنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم.<br>{ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } من عسر أو مرض { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أى: فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك على هيئته.<br>وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإِشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر.<br>ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ... }.<br>أى: ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا.. ليقولن على سبيل الغرور والبطر: هذا الذى أعطيته شئ استحقه، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى.<br>ثم يضيف إلى ذلك قوله: { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً } أى: وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء.<br>{ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ } على سبيل الفرض والتقدير { إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا.<br>وقوله - تعالى - { فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسان الجاحد.<br>أى: فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه.<br>ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإِنسان فقال: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ } بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا.<br>{ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أى: أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده.<br>وقوله { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.<br>والنأْى البعد. يقال: نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.<br>وقوله - تعالى -: { وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } بيان لحالة هذا الإِنسان فى حالة الشدة والضر.<br>أى: هكذا حالة هذا الإِنسان الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد.<br>وفى حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع.<br>وفى معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ... }.<br>أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان به.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } للنفى والإنكار أى: لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا.<br>والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى: الجانب - فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين: صار فى شق غير شق صاحبه.<br>ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد، للإِشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا، وشوطا بعيدا.<br>فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه، فقال: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. }.<br>والمراد بالآيات فى قوله { آيَاتِنَا }: الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم.<br>والآفاق: جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال: أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.<br>والمعنى: سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.<br>سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة.<br>ولقد صدق الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم.. وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.<br>وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين.<br>والهمزة للإِنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله { بربك } فاعل كفى.<br>والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ، وعلى أنك صادق فيما تبلغه عنه.. بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه.<br>ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال: { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }.<br>أى: ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء..<br>ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.<br>وبعد: فهذا تفسير لسورة \"فصلت\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4297",
        "sura_number": "41",
        "ayah_number": "49",
        "aya": "",
        "sura": "فصلت",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ.. } بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك.<br>والأكمام: جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله.<br>أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و \"من\" فى قوله { مِن ثَمَرَاتٍ } وفى قوله { مِنْ أُنْثَىٰ } مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفى قوله { مِّنْ أَكْمَامِهَا } ابتدائية.<br>قال الجمل: \"فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون.<br>قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه - تعالى - الذى يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد.<br>ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ. وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }.<br>والظرف \"يوم\" منصوب بفعل مقدر، ومعنى \"آذناك\" أعلمناك وأخبرناك، آذان فلان غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.<br>والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم.<br>والظن هنا بمعنى اليقين.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة: أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟<br>{ قَالُوۤا } على سبيل التحسر والتذلل: يا ربنا لقد { آذَنَّاكَ } أى: لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار.<br>{ وَضَلَّ عَنْهُم } أى: وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى: ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها.<br>{ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب.<br>يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب.<br>وقوله - تعالى -: { لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِنْ مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } بيان لما جبل عليه الإِنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ومن ضيقه بما يخالف ذلك.<br>ويبدو أن المراد بالإِنسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا.<br>والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى.<br>والسأم: الملل، يقال سئم فلان هذا الشئ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه.<br>واليأس: أن ينقطع قلب الإِنسان عن رجاء الحصول على الشئ، يقال: يئس فلان من كذا - من باب فهم -، إذا فقد الرجاء فى الظفر به.<br>والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما.<br>فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإِنسان.<br>أى: لا يسأم الإِنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم.<br>{ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } من عسر أو مرض { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أى: فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك على هيئته.<br>وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإِشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر.<br>ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ... }.<br>أى: ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا.. ليقولن على سبيل الغرور والبطر: هذا الذى أعطيته شئ استحقه، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى.<br>ثم يضيف إلى ذلك قوله: { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً } أى: وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء.<br>{ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ } على سبيل الفرض والتقدير { إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا.<br>وقوله - تعالى - { فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسان الجاحد.<br>أى: فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه.<br>ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإِنسان فقال: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ } بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا.<br>{ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أى: أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده.<br>وقوله { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.<br>والنأْى البعد. يقال: نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.<br>وقوله - تعالى -: { وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } بيان لحالة هذا الإِنسان فى حالة الشدة والضر.<br>أى: هكذا حالة هذا الإِنسان الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد.<br>وفى حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع.<br>وفى معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ... }.<br>أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان به.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } للنفى والإنكار أى: لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا.<br>والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى: الجانب - فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين: صار فى شق غير شق صاحبه.<br>ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد، للإِشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا، وشوطا بعيدا.<br>فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه، فقال: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. }.<br>والمراد بالآيات فى قوله { آيَاتِنَا }: الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم.<br>والآفاق: جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال: أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.<br>والمعنى: سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.<br>سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة.<br>ولقد صدق الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم.. وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.<br>وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين.<br>والهمزة للإِنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله { بربك } فاعل كفى.<br>والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ، وعلى أنك صادق فيما تبلغه عنه.. بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه.<br>ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال: { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }.<br>أى: ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء..<br>ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.<br>وبعد: فهذا تفسير لسورة \"فصلت\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4298",
        "sura_number": "41",
        "ayah_number": "50",
        "aya": "",
        "sura": "فصلت",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ.. } بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك.<br>والأكمام: جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله.<br>أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و \"من\" فى قوله { مِن ثَمَرَاتٍ } وفى قوله { مِنْ أُنْثَىٰ } مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفى قوله { مِّنْ أَكْمَامِهَا } ابتدائية.<br>قال الجمل: \"فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون.<br>قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه - تعالى - الذى يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد.<br>ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ. وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }.<br>والظرف \"يوم\" منصوب بفعل مقدر، ومعنى \"آذناك\" أعلمناك وأخبرناك، آذان فلان غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.<br>والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم.<br>والظن هنا بمعنى اليقين.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة: أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟<br>{ قَالُوۤا } على سبيل التحسر والتذلل: يا ربنا لقد { آذَنَّاكَ } أى: لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار.<br>{ وَضَلَّ عَنْهُم } أى: وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى: ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها.<br>{ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب.<br>يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب.<br>وقوله - تعالى -: { لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِنْ مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } بيان لما جبل عليه الإِنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ومن ضيقه بما يخالف ذلك.<br>ويبدو أن المراد بالإِنسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا.<br>والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى.<br>والسأم: الملل، يقال سئم فلان هذا الشئ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه.<br>واليأس: أن ينقطع قلب الإِنسان عن رجاء الحصول على الشئ، يقال: يئس فلان من كذا - من باب فهم -، إذا فقد الرجاء فى الظفر به.<br>والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما.<br>فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإِنسان.<br>أى: لا يسأم الإِنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم.<br>{ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } من عسر أو مرض { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أى: فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك على هيئته.<br>وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإِشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر.<br>ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ... }.<br>أى: ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا.. ليقولن على سبيل الغرور والبطر: هذا الذى أعطيته شئ استحقه، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى.<br>ثم يضيف إلى ذلك قوله: { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً } أى: وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء.<br>{ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ } على سبيل الفرض والتقدير { إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا.<br>وقوله - تعالى - { فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسان الجاحد.<br>أى: فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه.<br>ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإِنسان فقال: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ } بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا.<br>{ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أى: أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده.<br>وقوله { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.<br>والنأْى البعد. يقال: نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.<br>وقوله - تعالى -: { وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } بيان لحالة هذا الإِنسان فى حالة الشدة والضر.<br>أى: هكذا حالة هذا الإِنسان الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد.<br>وفى حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع.<br>وفى معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ... }.<br>أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان به.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } للنفى والإنكار أى: لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا.<br>والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى: الجانب - فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين: صار فى شق غير شق صاحبه.<br>ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد، للإِشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا، وشوطا بعيدا.<br>فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه، فقال: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. }.<br>والمراد بالآيات فى قوله { آيَاتِنَا }: الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم.<br>والآفاق: جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال: أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.<br>والمعنى: سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.<br>سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة.<br>ولقد صدق الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم.. وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.<br>وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين.<br>والهمزة للإِنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله { بربك } فاعل كفى.<br>والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ، وعلى أنك صادق فيما تبلغه عنه.. بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه.<br>ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال: { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }.<br>أى: ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء..<br>ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.<br>وبعد: فهذا تفسير لسورة \"فصلت\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4299",
        "sura_number": "41",
        "ayah_number": "51",
        "aya": "",
        "sura": "فصلت",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ.. } بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك.<br>والأكمام: جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله.<br>أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و \"من\" فى قوله { مِن ثَمَرَاتٍ } وفى قوله { مِنْ أُنْثَىٰ } مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفى قوله { مِّنْ أَكْمَامِهَا } ابتدائية.<br>قال الجمل: \"فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون.<br>قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه - تعالى - الذى يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد.<br>ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ. وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }.<br>والظرف \"يوم\" منصوب بفعل مقدر، ومعنى \"آذناك\" أعلمناك وأخبرناك، آذان فلان غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.<br>والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم.<br>والظن هنا بمعنى اليقين.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة: أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟<br>{ قَالُوۤا } على سبيل التحسر والتذلل: يا ربنا لقد { آذَنَّاكَ } أى: لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار.<br>{ وَضَلَّ عَنْهُم } أى: وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى: ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها.<br>{ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب.<br>يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب.<br>وقوله - تعالى -: { لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِنْ مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } بيان لما جبل عليه الإِنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ومن ضيقه بما يخالف ذلك.<br>ويبدو أن المراد بالإِنسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا.<br>والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى.<br>والسأم: الملل، يقال سئم فلان هذا الشئ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه.<br>واليأس: أن ينقطع قلب الإِنسان عن رجاء الحصول على الشئ، يقال: يئس فلان من كذا - من باب فهم -، إذا فقد الرجاء فى الظفر به.<br>والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما.<br>فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإِنسان.<br>أى: لا يسأم الإِنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم.<br>{ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } من عسر أو مرض { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أى: فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك على هيئته.<br>وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإِشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر.<br>ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ... }.<br>أى: ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا.. ليقولن على سبيل الغرور والبطر: هذا الذى أعطيته شئ استحقه، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى.<br>ثم يضيف إلى ذلك قوله: { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً } أى: وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء.<br>{ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ } على سبيل الفرض والتقدير { إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا.<br>وقوله - تعالى - { فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسان الجاحد.<br>أى: فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه.<br>ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإِنسان فقال: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ } بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا.<br>{ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أى: أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده.<br>وقوله { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.<br>والنأْى البعد. يقال: نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.<br>وقوله - تعالى -: { وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } بيان لحالة هذا الإِنسان فى حالة الشدة والضر.<br>أى: هكذا حالة هذا الإِنسان الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد.<br>وفى حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع.<br>وفى معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ... }.<br>أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان به.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } للنفى والإنكار أى: لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا.<br>والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى: الجانب - فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين: صار فى شق غير شق صاحبه.<br>ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد، للإِشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا، وشوطا بعيدا.<br>فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه، فقال: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. }.<br>والمراد بالآيات فى قوله { آيَاتِنَا }: الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم.<br>والآفاق: جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال: أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.<br>والمعنى: سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.<br>سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة.<br>ولقد صدق الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم.. وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.<br>وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين.<br>والهمزة للإِنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله { بربك } فاعل كفى.<br>والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ، وعلى أنك صادق فيما تبلغه عنه.. بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه.<br>ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال: { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }.<br>أى: ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء..<br>ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.<br>وبعد: فهذا تفسير لسورة \"فصلت\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4300",
        "sura_number": "41",
        "ayah_number": "52",
        "aya": "",
        "sura": "فصلت",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ.. } بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك.<br>والأكمام: جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله.<br>أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و \"من\" فى قوله { مِن ثَمَرَاتٍ } وفى قوله { مِنْ أُنْثَىٰ } مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفى قوله { مِّنْ أَكْمَامِهَا } ابتدائية.<br>قال الجمل: \"فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون.<br>قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه - تعالى - الذى يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد.<br>ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ. وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }.<br>والظرف \"يوم\" منصوب بفعل مقدر، ومعنى \"آذناك\" أعلمناك وأخبرناك، آذان فلان غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.<br>والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم.<br>والظن هنا بمعنى اليقين.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة: أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟<br>{ قَالُوۤا } على سبيل التحسر والتذلل: يا ربنا لقد { آذَنَّاكَ } أى: لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار.<br>{ وَضَلَّ عَنْهُم } أى: وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى: ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها.<br>{ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب.<br>يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب.<br>وقوله - تعالى -: { لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِنْ مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } بيان لما جبل عليه الإِنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ومن ضيقه بما يخالف ذلك.<br>ويبدو أن المراد بالإِنسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا.<br>والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى.<br>والسأم: الملل، يقال سئم فلان هذا الشئ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه.<br>واليأس: أن ينقطع قلب الإِنسان عن رجاء الحصول على الشئ، يقال: يئس فلان من كذا - من باب فهم -، إذا فقد الرجاء فى الظفر به.<br>والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما.<br>فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإِنسان.<br>أى: لا يسأم الإِنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم.<br>{ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } من عسر أو مرض { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أى: فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك على هيئته.<br>وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإِشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر.<br>ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ... }.<br>أى: ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا.. ليقولن على سبيل الغرور والبطر: هذا الذى أعطيته شئ استحقه، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى.<br>ثم يضيف إلى ذلك قوله: { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً } أى: وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء.<br>{ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ } على سبيل الفرض والتقدير { إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا.<br>وقوله - تعالى - { فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسان الجاحد.<br>أى: فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه.<br>ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإِنسان فقال: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ } بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا.<br>{ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أى: أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده.<br>وقوله { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.<br>والنأْى البعد. يقال: نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.<br>وقوله - تعالى -: { وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } بيان لحالة هذا الإِنسان فى حالة الشدة والضر.<br>أى: هكذا حالة هذا الإِنسان الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد.<br>وفى حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع.<br>وفى معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ... }.<br>أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان به.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } للنفى والإنكار أى: لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا.<br>والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى: الجانب - فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين: صار فى شق غير شق صاحبه.<br>ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد، للإِشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا، وشوطا بعيدا.<br>فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه، فقال: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. }.<br>والمراد بالآيات فى قوله { آيَاتِنَا }: الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم.<br>والآفاق: جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال: أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.<br>والمعنى: سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.<br>سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة.<br>ولقد صدق الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم.. وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.<br>وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين.<br>والهمزة للإِنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله { بربك } فاعل كفى.<br>والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ، وعلى أنك صادق فيما تبلغه عنه.. بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه.<br>ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال: { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }.<br>أى: ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء..<br>ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.<br>وبعد: فهذا تفسير لسورة \"فصلت\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4301",
        "sura_number": "41",
        "ayah_number": "53",
        "aya": "",
        "sura": "فصلت",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ.. } بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك.<br>والأكمام: جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله.<br>أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و \"من\" فى قوله { مِن ثَمَرَاتٍ } وفى قوله { مِنْ أُنْثَىٰ } مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفى قوله { مِّنْ أَكْمَامِهَا } ابتدائية.<br>قال الجمل: \"فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون.<br>قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه - تعالى - الذى يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد.<br>ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ. وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }.<br>والظرف \"يوم\" منصوب بفعل مقدر، ومعنى \"آذناك\" أعلمناك وأخبرناك، آذان فلان غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.<br>والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم.<br>والظن هنا بمعنى اليقين.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة: أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟<br>{ قَالُوۤا } على سبيل التحسر والتذلل: يا ربنا لقد { آذَنَّاكَ } أى: لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار.<br>{ وَضَلَّ عَنْهُم } أى: وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى: ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها.<br>{ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب.<br>يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب.<br>وقوله - تعالى -: { لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِنْ مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } بيان لما جبل عليه الإِنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ومن ضيقه بما يخالف ذلك.<br>ويبدو أن المراد بالإِنسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا.<br>والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى.<br>والسأم: الملل، يقال سئم فلان هذا الشئ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه.<br>واليأس: أن ينقطع قلب الإِنسان عن رجاء الحصول على الشئ، يقال: يئس فلان من كذا - من باب فهم -، إذا فقد الرجاء فى الظفر به.<br>والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما.<br>فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإِنسان.<br>أى: لا يسأم الإِنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم.<br>{ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } من عسر أو مرض { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أى: فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك على هيئته.<br>وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإِشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر.<br>ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ... }.<br>أى: ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا.. ليقولن على سبيل الغرور والبطر: هذا الذى أعطيته شئ استحقه، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى.<br>ثم يضيف إلى ذلك قوله: { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً } أى: وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء.<br>{ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ } على سبيل الفرض والتقدير { إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا.<br>وقوله - تعالى - { فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسان الجاحد.<br>أى: فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه.<br>ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإِنسان فقال: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ } بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا.<br>{ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أى: أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده.<br>وقوله { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.<br>والنأْى البعد. يقال: نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.<br>وقوله - تعالى -: { وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } بيان لحالة هذا الإِنسان فى حالة الشدة والضر.<br>أى: هكذا حالة هذا الإِنسان الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد.<br>وفى حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع.<br>وفى معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ... }.<br>أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان به.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } للنفى والإنكار أى: لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا.<br>والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى: الجانب - فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين: صار فى شق غير شق صاحبه.<br>ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد، للإِشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا، وشوطا بعيدا.<br>فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه، فقال: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. }.<br>والمراد بالآيات فى قوله { آيَاتِنَا }: الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم.<br>والآفاق: جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال: أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.<br>والمعنى: سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.<br>سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة.<br>ولقد صدق الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم.. وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.<br>وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين.<br>والهمزة للإِنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله { بربك } فاعل كفى.<br>والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ، وعلى أنك صادق فيما تبلغه عنه.. بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه.<br>ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال: { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }.<br>أى: ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء..<br>ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.<br>وبعد: فهذا تفسير لسورة \"فصلت\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4302",
        "sura_number": "41",
        "ayah_number": "54",
        "aya": "",
        "sura": "فصلت",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ.. } بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك.<br>والأكمام: جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله.<br>أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و \"من\" فى قوله { مِن ثَمَرَاتٍ } وفى قوله { مِنْ أُنْثَىٰ } مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفى قوله { مِّنْ أَكْمَامِهَا } ابتدائية.<br>قال الجمل: \"فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون.<br>قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه - تعالى - الذى يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد.<br>ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ. وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }.<br>والظرف \"يوم\" منصوب بفعل مقدر، ومعنى \"آذناك\" أعلمناك وأخبرناك، آذان فلان غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.<br>والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم.<br>والظن هنا بمعنى اليقين.<br>أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة: أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟<br>{ قَالُوۤا } على سبيل التحسر والتذلل: يا ربنا لقد { آذَنَّاكَ } أى: لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار.<br>{ وَضَلَّ عَنْهُم } أى: وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى: ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها.<br>{ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب.<br>يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب.<br>وقوله - تعالى -: { لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِنْ مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } بيان لما جبل عليه الإِنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ومن ضيقه بما يخالف ذلك.<br>ويبدو أن المراد بالإِنسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا.<br>والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى.<br>والسأم: الملل، يقال سئم فلان هذا الشئ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه.<br>واليأس: أن ينقطع قلب الإِنسان عن رجاء الحصول على الشئ، يقال: يئس فلان من كذا - من باب فهم -، إذا فقد الرجاء فى الظفر به.<br>والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما.<br>فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإِنسان.<br>أى: لا يسأم الإِنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم.<br>{ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } من عسر أو مرض { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أى: فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك على هيئته.<br>وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإِشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر.<br>ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ... }.<br>أى: ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا.. ليقولن على سبيل الغرور والبطر: هذا الذى أعطيته شئ استحقه، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى.<br>ثم يضيف إلى ذلك قوله: { وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً } أى: وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء.<br>{ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ } على سبيل الفرض والتقدير { إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا.<br>وقوله - تعالى - { فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسان الجاحد.<br>أى: فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه.<br>ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإِنسان فقال: { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ } بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا.<br>{ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أى: أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده.<br>وقوله { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.<br>والنأْى البعد. يقال: نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.<br>وقوله - تعالى -: { وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } بيان لحالة هذا الإِنسان فى حالة الشدة والضر.<br>أى: هكذا حالة هذا الإِنسان الجاحد، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد.<br>وفى حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع.<br>وفى معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } وقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ... }.<br>أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان به.<br>والاستفهام فى قوله - تعالى -: { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } للنفى والإنكار أى: لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا.<br>والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق - أى: الجانب - فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين: صار فى شق غير شق صاحبه.<br>ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد، للإِشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا، وشوطا بعيدا.<br>فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه، فقال: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. }.<br>والمراد بالآيات فى قوله { آيَاتِنَا }: الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم.<br>والآفاق: جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة، يقال: أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.<br>والمعنى: سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.<br>سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة.<br>ولقد صدق الله - تعالى - وعده، ففى كل يوم بل فى كل ساعة، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل، وفى أنفسهم.. وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.<br>وقوله - تعالى -: { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين.<br>والهمزة للإِنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله { بربك } فاعل كفى.<br>والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ، وعلى أنك صادق فيما تبلغه عنه.. بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه.<br>ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال: { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }.<br>أى: ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء..<br>ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء.<br>وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.<br>وبعد: فهذا تفسير لسورة \"فصلت\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4515",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "12",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "وقوله - تعالى - { سَخَّرَ } من التسخير بمعنى التذليل والتيسير. يقال: سخر الله - تعالى - الإِبل للإِنسان، إذا ذللها له، جعلها منقادة لأمره.<br>أى: الله - تعالى - وحده، هو الذى بقدرته ورحمته { سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ } بأن جعلكم متمكنين من الانتفاع بخيراته، وبأن جعله على هذه الصفة التى تستطيعون منها استخراج ما فيه من خيرات.<br>وقوله: { لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ.. } بيان لبعض الأسباب التى من أجلها سخر الله - تعالى - البحر على هذه الصفة.<br>أى: جعل لكم البحر على هذه الصفة، لكى تتمكن السفن من الجرى فيه بأمره - تعالى - وقدرته، ولتطلبوا ما فيه من خيرات، تارة عن طريق استخراج ما فيه من كنوز، وتارة عن طريق التجارة فيها.. وكل ذلك بتيسير الله - تعالى - وفضله ورحمته بكم.<br>وقوله: { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } متعلق بمحذوف. أى: أعطاكم ما أعطاكم من النعم، وجعل البحر على صفة تتمكنون معها من الجرى فيه وأنتم فى سفنكم، ومن استخراج ما فيه من خيرات.. لعلكم بعد ذلك تشكرون الله - تعالى - على هذه النعم، وتستعملونها فيما خلقت من أجله.<br>وقوله - تعالى -: { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ.. } تعميم بعد تخصيص.<br>أى: يسر لكم الانتفاع بما فى البحر من خيرات، ويسر لكم - أيضاً - الانتفاع بكل ما فى السماوات والأرض من نعم لا تعد ولا تحصى، وكلها منه - تعالى - وحده، لا من أحد سواه.<br>فقوله: { جَمِيعاً } حال من { وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }، أو تأكيد له. والضمير فى قوله - { مِّنْهُ } - يعود إلى الله - عز وجل -، والجار والمجرور حال من { مَا } أيضا، أى: جميعا كائنا منه - تعالى - لا من غيره.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى { مِّنْهُ } فى قوله: { جَمِيعاً مِّنْهُ }؟ وما موقعها من الإِعراب؟<br>قلت: هى واقعة موقع الحال. والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده. يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هى جميعا منه.<br>{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } المذكور من تسخير البحر وما فى السماوات والأرض لكم { لآيَاتٍ } ساطعات، وعلامات واضحات، ودلائل بينات، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وفضله { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فى هذه النعم، ويحسنون شكرها.<br>وخص المتفكرين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من نعم، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن، إلى مرحلة اليقين، التى يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد، إنما هو الله رب العالمين.<br>ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحض المؤمنين على التجاوز والصفح، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة، ومن أفعال قبيحة، حتى يأتى الله بأمره... فقال - تعالى -: { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ }.<br>وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها وما روى عن ابن عباس أنها نزلت فى عمر بن الخطاب، شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة فهَّم أن يبطش به، فنزلت.<br>ومقول القول محذوف لأن الجواب دال عليه. والرجاء هنا: بمعنى الخوف. والمراد بأيام الله: وقائعه بأعدائه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لأتباعك المؤمنين، على سبيل النصح والإِرشاد، قل لهم: اغفروا يغفروا للمشركين الذين لا يخافون من وقائع الله ونقمته بأعدائه، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرهم، وأن هناك ثوابا عظيما سينتظر المؤمنين.<br>فالآية الكريمة توجيه حكيم للمؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد أعدائهم، حتى يأتى الله - تعالى - بأمره، الذى فيه النصر للمؤمنين، والخسران للكافرين.<br>وقوله - سبحانه -: { لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } علة للأمر بالصفح والمغفرة، وهو متعلق بما قبله، والمراد بالقوم: المؤمنون الذين أمروا بالتسامح والعفو.. والتنكير فى لفظ { قَوْماً } للتعظيم.<br>أى: أمر الله المؤمنين بذلك، ليجزيهم يوم القيامة بما كسبوا فى الدنيا من الأعمال الصالحة، التى منها الصبر على أذى أعدائهم، والإِغضاء عنهم، واحتمال المكروه منهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله: { لِيَجْزِيَ قَوْماً } تعليل للأمر بالمغفرة أى إنما أمروا بأن يغفروا، لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة.<br>فإن قلت: قوله: { قَوْماً } ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟<br>قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزى أيما قوم. أو قوما مخصوصين، لصبرهم وإغضائهم على أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص.<br>ثم عقب - سبحانه - على ذلك بما يؤكد عدالة الجزاء، واحتمال كل نفس لما تعمله فقال: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا }.<br>أى: من عمل عملا صالحا، فثواب هذا العمل يعود إلى نفسه، ومن عمل سيئا فعقاب هذا العمل يعود عليها - أيضا -.<br>{ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } يوم القيامة فترون ذلك رأى العين، وتشاهدون أن كل إنسان سوف يجازى على حسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شراً فشر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - سبحانه - على بنى إسرائيل، وعن موقفهم منها، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتمسك بالشريعة التى أنزلها الله - سبحانه - عليه.. فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ... وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "4516",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "13",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "وقوله - تعالى - { سَخَّرَ } من التسخير بمعنى التذليل والتيسير. يقال: سخر الله - تعالى - الإِبل للإِنسان، إذا ذللها له، جعلها منقادة لأمره.<br>أى: الله - تعالى - وحده، هو الذى بقدرته ورحمته { سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ } بأن جعلكم متمكنين من الانتفاع بخيراته، وبأن جعله على هذه الصفة التى تستطيعون منها استخراج ما فيه من خيرات.<br>وقوله: { لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ.. } بيان لبعض الأسباب التى من أجلها سخر الله - تعالى - البحر على هذه الصفة.<br>أى: جعل لكم البحر على هذه الصفة، لكى تتمكن السفن من الجرى فيه بأمره - تعالى - وقدرته، ولتطلبوا ما فيه من خيرات، تارة عن طريق استخراج ما فيه من كنوز، وتارة عن طريق التجارة فيها.. وكل ذلك بتيسير الله - تعالى - وفضله ورحمته بكم.<br>وقوله: { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } متعلق بمحذوف. أى: أعطاكم ما أعطاكم من النعم، وجعل البحر على صفة تتمكنون معها من الجرى فيه وأنتم فى سفنكم، ومن استخراج ما فيه من خيرات.. لعلكم بعد ذلك تشكرون الله - تعالى - على هذه النعم، وتستعملونها فيما خلقت من أجله.<br>وقوله - تعالى -: { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ.. } تعميم بعد تخصيص.<br>أى: يسر لكم الانتفاع بما فى البحر من خيرات، ويسر لكم - أيضاً - الانتفاع بكل ما فى السماوات والأرض من نعم لا تعد ولا تحصى، وكلها منه - تعالى - وحده، لا من أحد سواه.<br>فقوله: { جَمِيعاً } حال من { وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }، أو تأكيد له. والضمير فى قوله - { مِّنْهُ } - يعود إلى الله - عز وجل -، والجار والمجرور حال من { مَا } أيضا، أى: جميعا كائنا منه - تعالى - لا من غيره.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى { مِّنْهُ } فى قوله: { جَمِيعاً مِّنْهُ }؟ وما موقعها من الإِعراب؟<br>قلت: هى واقعة موقع الحال. والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده. يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هى جميعا منه.<br>{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } المذكور من تسخير البحر وما فى السماوات والأرض لكم { لآيَاتٍ } ساطعات، وعلامات واضحات، ودلائل بينات، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وفضله { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فى هذه النعم، ويحسنون شكرها.<br>وخص المتفكرين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من نعم، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن، إلى مرحلة اليقين، التى يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد، إنما هو الله رب العالمين.<br>ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحض المؤمنين على التجاوز والصفح، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة، ومن أفعال قبيحة، حتى يأتى الله بأمره... فقال - تعالى -: { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ }.<br>وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها وما روى عن ابن عباس أنها نزلت فى عمر بن الخطاب، شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة فهَّم أن يبطش به، فنزلت.<br>ومقول القول محذوف لأن الجواب دال عليه. والرجاء هنا: بمعنى الخوف. والمراد بأيام الله: وقائعه بأعدائه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لأتباعك المؤمنين، على سبيل النصح والإِرشاد، قل لهم: اغفروا يغفروا للمشركين الذين لا يخافون من وقائع الله ونقمته بأعدائه، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرهم، وأن هناك ثوابا عظيما سينتظر المؤمنين.<br>فالآية الكريمة توجيه حكيم للمؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد أعدائهم، حتى يأتى الله - تعالى - بأمره، الذى فيه النصر للمؤمنين، والخسران للكافرين.<br>وقوله - سبحانه -: { لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } علة للأمر بالصفح والمغفرة، وهو متعلق بما قبله، والمراد بالقوم: المؤمنون الذين أمروا بالتسامح والعفو.. والتنكير فى لفظ { قَوْماً } للتعظيم.<br>أى: أمر الله المؤمنين بذلك، ليجزيهم يوم القيامة بما كسبوا فى الدنيا من الأعمال الصالحة، التى منها الصبر على أذى أعدائهم، والإِغضاء عنهم، واحتمال المكروه منهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله: { لِيَجْزِيَ قَوْماً } تعليل للأمر بالمغفرة أى إنما أمروا بأن يغفروا، لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة.<br>فإن قلت: قوله: { قَوْماً } ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟<br>قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزى أيما قوم. أو قوما مخصوصين، لصبرهم وإغضائهم على أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص.<br>ثم عقب - سبحانه - على ذلك بما يؤكد عدالة الجزاء، واحتمال كل نفس لما تعمله فقال: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا }.<br>أى: من عمل عملا صالحا، فثواب هذا العمل يعود إلى نفسه، ومن عمل سيئا فعقاب هذا العمل يعود عليها - أيضا -.<br>{ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } يوم القيامة فترون ذلك رأى العين، وتشاهدون أن كل إنسان سوف يجازى على حسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شراً فشر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - سبحانه - على بنى إسرائيل، وعن موقفهم منها، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتمسك بالشريعة التى أنزلها الله - سبحانه - عليه.. فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ... وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "4517",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "14",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "وقوله - تعالى - { سَخَّرَ } من التسخير بمعنى التذليل والتيسير. يقال: سخر الله - تعالى - الإِبل للإِنسان، إذا ذللها له، جعلها منقادة لأمره.<br>أى: الله - تعالى - وحده، هو الذى بقدرته ورحمته { سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ } بأن جعلكم متمكنين من الانتفاع بخيراته، وبأن جعله على هذه الصفة التى تستطيعون منها استخراج ما فيه من خيرات.<br>وقوله: { لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ.. } بيان لبعض الأسباب التى من أجلها سخر الله - تعالى - البحر على هذه الصفة.<br>أى: جعل لكم البحر على هذه الصفة، لكى تتمكن السفن من الجرى فيه بأمره - تعالى - وقدرته، ولتطلبوا ما فيه من خيرات، تارة عن طريق استخراج ما فيه من كنوز، وتارة عن طريق التجارة فيها.. وكل ذلك بتيسير الله - تعالى - وفضله ورحمته بكم.<br>وقوله: { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } متعلق بمحذوف. أى: أعطاكم ما أعطاكم من النعم، وجعل البحر على صفة تتمكنون معها من الجرى فيه وأنتم فى سفنكم، ومن استخراج ما فيه من خيرات.. لعلكم بعد ذلك تشكرون الله - تعالى - على هذه النعم، وتستعملونها فيما خلقت من أجله.<br>وقوله - تعالى -: { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ.. } تعميم بعد تخصيص.<br>أى: يسر لكم الانتفاع بما فى البحر من خيرات، ويسر لكم - أيضاً - الانتفاع بكل ما فى السماوات والأرض من نعم لا تعد ولا تحصى، وكلها منه - تعالى - وحده، لا من أحد سواه.<br>فقوله: { جَمِيعاً } حال من { وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }، أو تأكيد له. والضمير فى قوله - { مِّنْهُ } - يعود إلى الله - عز وجل -، والجار والمجرور حال من { مَا } أيضا، أى: جميعا كائنا منه - تعالى - لا من غيره.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى { مِّنْهُ } فى قوله: { جَمِيعاً مِّنْهُ }؟ وما موقعها من الإِعراب؟<br>قلت: هى واقعة موقع الحال. والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده. يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هى جميعا منه.<br>{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } المذكور من تسخير البحر وما فى السماوات والأرض لكم { لآيَاتٍ } ساطعات، وعلامات واضحات، ودلائل بينات، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وفضله { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فى هذه النعم، ويحسنون شكرها.<br>وخص المتفكرين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من نعم، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن، إلى مرحلة اليقين، التى يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد، إنما هو الله رب العالمين.<br>ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحض المؤمنين على التجاوز والصفح، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة، ومن أفعال قبيحة، حتى يأتى الله بأمره... فقال - تعالى -: { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ }.<br>وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها وما روى عن ابن عباس أنها نزلت فى عمر بن الخطاب، شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة فهَّم أن يبطش به، فنزلت.<br>ومقول القول محذوف لأن الجواب دال عليه. والرجاء هنا: بمعنى الخوف. والمراد بأيام الله: وقائعه بأعدائه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لأتباعك المؤمنين، على سبيل النصح والإِرشاد، قل لهم: اغفروا يغفروا للمشركين الذين لا يخافون من وقائع الله ونقمته بأعدائه، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرهم، وأن هناك ثوابا عظيما سينتظر المؤمنين.<br>فالآية الكريمة توجيه حكيم للمؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد أعدائهم، حتى يأتى الله - تعالى - بأمره، الذى فيه النصر للمؤمنين، والخسران للكافرين.<br>وقوله - سبحانه -: { لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } علة للأمر بالصفح والمغفرة، وهو متعلق بما قبله، والمراد بالقوم: المؤمنون الذين أمروا بالتسامح والعفو.. والتنكير فى لفظ { قَوْماً } للتعظيم.<br>أى: أمر الله المؤمنين بذلك، ليجزيهم يوم القيامة بما كسبوا فى الدنيا من الأعمال الصالحة، التى منها الصبر على أذى أعدائهم، والإِغضاء عنهم، واحتمال المكروه منهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله: { لِيَجْزِيَ قَوْماً } تعليل للأمر بالمغفرة أى إنما أمروا بأن يغفروا، لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة.<br>فإن قلت: قوله: { قَوْماً } ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟<br>قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزى أيما قوم. أو قوما مخصوصين، لصبرهم وإغضائهم على أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص.<br>ثم عقب - سبحانه - على ذلك بما يؤكد عدالة الجزاء، واحتمال كل نفس لما تعمله فقال: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا }.<br>أى: من عمل عملا صالحا، فثواب هذا العمل يعود إلى نفسه، ومن عمل سيئا فعقاب هذا العمل يعود عليها - أيضا -.<br>{ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } يوم القيامة فترون ذلك رأى العين، وتشاهدون أن كل إنسان سوف يجازى على حسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شراً فشر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - سبحانه - على بنى إسرائيل، وعن موقفهم منها، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتمسك بالشريعة التى أنزلها الله - سبحانه - عليه.. فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ... وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "4518",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "15",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "وقوله - تعالى - { سَخَّرَ } من التسخير بمعنى التذليل والتيسير. يقال: سخر الله - تعالى - الإِبل للإِنسان، إذا ذللها له، جعلها منقادة لأمره.<br>أى: الله - تعالى - وحده، هو الذى بقدرته ورحمته { سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ } بأن جعلكم متمكنين من الانتفاع بخيراته، وبأن جعله على هذه الصفة التى تستطيعون منها استخراج ما فيه من خيرات.<br>وقوله: { لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ.. } بيان لبعض الأسباب التى من أجلها سخر الله - تعالى - البحر على هذه الصفة.<br>أى: جعل لكم البحر على هذه الصفة، لكى تتمكن السفن من الجرى فيه بأمره - تعالى - وقدرته، ولتطلبوا ما فيه من خيرات، تارة عن طريق استخراج ما فيه من كنوز، وتارة عن طريق التجارة فيها.. وكل ذلك بتيسير الله - تعالى - وفضله ورحمته بكم.<br>وقوله: { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } متعلق بمحذوف. أى: أعطاكم ما أعطاكم من النعم، وجعل البحر على صفة تتمكنون معها من الجرى فيه وأنتم فى سفنكم، ومن استخراج ما فيه من خيرات.. لعلكم بعد ذلك تشكرون الله - تعالى - على هذه النعم، وتستعملونها فيما خلقت من أجله.<br>وقوله - تعالى -: { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ.. } تعميم بعد تخصيص.<br>أى: يسر لكم الانتفاع بما فى البحر من خيرات، ويسر لكم - أيضاً - الانتفاع بكل ما فى السماوات والأرض من نعم لا تعد ولا تحصى، وكلها منه - تعالى - وحده، لا من أحد سواه.<br>فقوله: { جَمِيعاً } حال من { وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }، أو تأكيد له. والضمير فى قوله - { مِّنْهُ } - يعود إلى الله - عز وجل -، والجار والمجرور حال من { مَا } أيضا، أى: جميعا كائنا منه - تعالى - لا من غيره.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى { مِّنْهُ } فى قوله: { جَمِيعاً مِّنْهُ }؟ وما موقعها من الإِعراب؟<br>قلت: هى واقعة موقع الحال. والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده. يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هى جميعا منه.<br>{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } المذكور من تسخير البحر وما فى السماوات والأرض لكم { لآيَاتٍ } ساطعات، وعلامات واضحات، ودلائل بينات، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وفضله { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فى هذه النعم، ويحسنون شكرها.<br>وخص المتفكرين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من نعم، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن، إلى مرحلة اليقين، التى يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد، إنما هو الله رب العالمين.<br>ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحض المؤمنين على التجاوز والصفح، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة، ومن أفعال قبيحة، حتى يأتى الله بأمره... فقال - تعالى -: { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ }.<br>وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها وما روى عن ابن عباس أنها نزلت فى عمر بن الخطاب، شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة فهَّم أن يبطش به، فنزلت.<br>ومقول القول محذوف لأن الجواب دال عليه. والرجاء هنا: بمعنى الخوف. والمراد بأيام الله: وقائعه بأعدائه.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لأتباعك المؤمنين، على سبيل النصح والإِرشاد، قل لهم: اغفروا يغفروا للمشركين الذين لا يخافون من وقائع الله ونقمته بأعدائه، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرهم، وأن هناك ثوابا عظيما سينتظر المؤمنين.<br>فالآية الكريمة توجيه حكيم للمؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد أعدائهم، حتى يأتى الله - تعالى - بأمره، الذى فيه النصر للمؤمنين، والخسران للكافرين.<br>وقوله - سبحانه -: { لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } علة للأمر بالصفح والمغفرة، وهو متعلق بما قبله، والمراد بالقوم: المؤمنون الذين أمروا بالتسامح والعفو.. والتنكير فى لفظ { قَوْماً } للتعظيم.<br>أى: أمر الله المؤمنين بذلك، ليجزيهم يوم القيامة بما كسبوا فى الدنيا من الأعمال الصالحة، التى منها الصبر على أذى أعدائهم، والإِغضاء عنهم، واحتمال المكروه منهم.<br>قال صاحب الكشاف: قوله: { لِيَجْزِيَ قَوْماً } تعليل للأمر بالمغفرة أى إنما أمروا بأن يغفروا، لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة.<br>فإن قلت: قوله: { قَوْماً } ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟<br>قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزى أيما قوم. أو قوما مخصوصين، لصبرهم وإغضائهم على أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص.<br>ثم عقب - سبحانه - على ذلك بما يؤكد عدالة الجزاء، واحتمال كل نفس لما تعمله فقال: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا }.<br>أى: من عمل عملا صالحا، فثواب هذا العمل يعود إلى نفسه، ومن عمل سيئا فعقاب هذا العمل يعود عليها - أيضا -.<br>{ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } يوم القيامة فترون ذلك رأى العين، وتشاهدون أن كل إنسان سوف يجازى على حسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شراً فشر.<br>ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - سبحانه - على بنى إسرائيل، وعن موقفهم منها، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتمسك بالشريعة التى أنزلها الله - سبحانه - عليه.. فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ... وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }.<br>"
    },
    {
        "id": "4530",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "27",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4531",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "28",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4532",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "29",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4533",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "30",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4534",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "31",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4535",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "32",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4536",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "33",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4537",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "34",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4538",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "35",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4539",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "36",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4540",
        "sura_number": "45",
        "ayah_number": "37",
        "aya": "",
        "sura": "الجاثية",
        "mediator": "قال الإِمام الرازى: قوله: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }: أنه - تعالى - لما احتج بكونه قادرا على الإِحياء فى المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإِحياء فى المرة الثانية فى الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: لله - تعالى - القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السماوات أم من الأرض.<br>أى: { لِلَّهِ } - تعالى - وحده { مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ }.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض، وله - أيضا - ملك وقت قيام الساعة.<br>لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو - عز وجل - وفى اليوم الذى تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون فى حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }  }.قال الشوكانى وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر فى ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل فى { يَوْمَ } هو الفعل { يَخْسَرُ } ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ } يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.<br>والأحسن أن يكون العامل فى { يَوْمَ } هو { مُلْكُ } - أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.<br>أى: ولله - تعالى - ملك السماوات والأرض - وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله { يَوْمَئِذٍ } معمولا ليخسر..<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:  { فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ }  }.ثم يعرض - سبحانه - مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً }.<br>وقوله: - سبحانه -: { جَاثِيَةً } من الجثُو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.<br>يقال: جثنا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذ برك على ركبتيه وأنامله فى حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.<br>أى: وترى - أيها العاقل - فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها فى تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغاً مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفع صاحبه {  { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }  }.وقوله { كُلَّ أُمَّةٍ } مبتدأ، وقوله { تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذى أمر الله - تعالى - ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.<br>وقوله: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا فى هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التى كنتم تعملونها فى الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم - أيضا -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ }.<br>أى: هذا كتابنا الذى سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هى أعمالكم أحصيناها عليكم.<br>قال القرطبى: قوله - تعالى -: { هَـٰذَا كِتَابُنَا } قيل من لقول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.<br>{ يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى: بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.<br>دليله قوله - تعالى -: {  { وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وقوله - سبحانه -: {  { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }  }.وقوله: { يَنطِقُ } فى موضع الحال من الكتاب\".<br>وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم فى قوله: { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا }.<br>وأضيف هنا إلى الله - تعالى - فقال: { هَـٰذَا كِتَابُنَا }؟<br>فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذى أمر الملائكة بكتابته.<br>وقوله - سبحانه -: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحق، أى: إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم فى الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإِثبات لا الإِزالة.<br>ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أى: فيدخلهم - سبحانه - فى جنته ورضوانه.<br>{ ذَلِكَ } العطاء الجزيل { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } الذى لا يدانيه فوز.<br>{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ } فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:<br>{ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أى: أفلم تأتكم رسلى بآياتى الدالة على وحدانيتى وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلى بآياتى.<br>{ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.<br>{ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أى: وكنتم فى الدنيا قوما عادتكم الإِجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.<br>{ وَإِذَا قِيلَ } لكم فى الدنيا { إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أى: إن ما وعد الله - تعالى - به من البعث والحساب حق وصدق { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أى: لا شك فيها.<br>{ قُلْتُم } على سبيل العناد والجحود { مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أى: قلتم على سبيل الإِنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.<br>{ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أى: كنتم فى الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.<br>ولعل هذا الكلام الذى حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: {  { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ... }  }.ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التى كانوا لا يتوقعونها.<br>{ وَحَاقَ بِهِم } أى: وأحاط ونزل بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أى: فى الدنيا، فقد كانوا فى الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.<br>{ وَقِيلَ } لهم على سبيل التأنيب والزجر { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ } أى: نهملكم ونترككم فى النار { كَمَا نَسِيتُمْ } أنتم فى الدنيا وأنكرتم { لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } وهو يوم القيامة { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أى: ومسكنكم الذى تؤون إليه النار وبئس القرار.<br>{ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذى حل بكم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال: { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً }.<br>أى: ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.<br>{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.<br>{ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أى: من النار.<br>{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.<br>فقوله: { يُسْتَعَتَبُونَ } من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة. يقال: عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.<br>والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذر أو توبة.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } أى: فلله - تعالى - وحده الحمد والثناء { رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } لا رب سواه ولا خالق غيره.<br>{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } أى: العظمة والسلطان والجلال { فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.<br>قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذى كل شئ خاضع لديه. فقير إليه وفى الحديث الصحيح يقول الله - تعالى -:  \"العظمة إزارى، والكبرياء ردائى، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته نارى\" .<br>{ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ } أى: الذى لا يغالب ولا يمانع، { ٱلْحَكِيمُ } فى أقواله وأفعاله.<br>وبعد فهذا تفسير محرر لسورة \"الجاثية\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4574",
        "sura_number": "46",
        "ayah_number": "33",
        "aya": "",
        "sura": "الأحقاف",
        "mediator": "والهمزة فى قوله: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ... } للاستفهام الإِنكارى، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام...<br>أى: أبلغ العمى والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن الله - تعالى - الذى خلق السماوات والأرض بقدرته { وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ } أى: ولم يتعب ولم ينصب بسبب خلقهن، من قولهم عيى فلان بالأمر - كفرح - إذا تعب، أو المعنى: ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه، مأخوذ من قولهم: عيى فلان بأمره، إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعل.<br>وقوله: { بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ } فى محل رفع خبر { أَن }، والباء فى قوله - تعالى - { بِقَادِرٍ } مزيدة للتأكيد.<br>فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على جهلهم وانطماس بصائرهم، حيث لم يعرفوا أن الله - تعالى - الذى أوجد الكون، قادر على أن يعيدهم الى الحياة بعد موتهم.<br>وأورد القرآن ذلك فى أسلوب الاستفهام الإِنكارى، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد.<br>وقوله: { بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تقرير وتأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى، لأن لفظ { بَلَىٰ } يؤتى به فى الجواب لإِبطال النفى السابق، وتقرير نقيضه، بخلاف لفظ { نعم } فإنه يقرر النفى نفسه.<br>أى: بلى إنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى، لأنه - تعالى - على كل شئ قدير.<br>ثم كرر - سبحانه - التذكير للناس بأحوال الكافرين يوم الحساب ليعتبروا ويتعظوا فقال: { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ } أى: واذكر - أيها العاقل - يوم يلقى الذين كفروا فى النار، بعد مشاهدتها ورؤيتها..<br>ثم يقال لهم على سبيل الزجر والتهكم { أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ } أى: أليس هذا العذاب كنتم تنكرونه فى الدنيا. قد ثبت عليكم ثبوتا لا مفر لكم منه، ولا محيد لكم عنه..<br>{ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا } أى: قالوا فى الجواب.. بلى يا ربنا إن هذا العذاب حق، وإنكارنا له فى الدنيا إنما كان عن جهل وغفلة وغرور منا..<br>فهم قد اعترفوا بأن الحساب حق، والجزاء حق.. فى وقت لا ينفع فيه الاعتراف.<br>ولذا جاء الرد عليهم بقوله - تعالى -: { قَالَ } - سبحانه - { فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } أى: فتذوقوا طعمه الأليم، ووقعه المهين { بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } أى: بسبب كفركم وجحودكم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على مكرهم فقال: { فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ }. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر على أذى قومك، كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل، أى: أصحاب الجد والثبات والصبر على الشدائد والبلاء.. وهم - على أشهر الأقوال -: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم جميعا -.<br>وقوله: { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } نهى منه - تعالى - لنبيه عن استعجال العذاب لهم. أى: ولا تستعجل لهم العذاب. فالمفعول محذوف للعلم به.. ثم بين - سبحانه ما يدعو إلى عدم الاستعجال فقال: { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ.. }. أى: اصبر - أيها الرسول - على أذى قومك كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل. ولا تستعجل العذاب لهؤلاء الكافرين فإنه آتيهم لا ريب فيه، وكأنهم عندما يرون هذا العذاب ويحل بهم، لم يلبثوا فى الدنيا إلا وقتا قليلا وزمنا يسيرا، لأن شدة هذا العذاب تنسيهم كل متع الدنيا وشهواتها.<br>وقوله - تعالى -: { بَلاَغٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى: هذا الذى أنذرتكم به، أو هذا القرآن، بلاغ كاف فى وعظكم وإنذاركم إذا تدبرتم فيه، وتبليغ من الرسول - صلى الله عليه وسلم إليكم.<br>{ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ } كلا، إنه لا يهلك بعذاب الله - تعالى - إلا القوم الخارجون عن طاعته، الواقعون فى معصيته فالاستفهام للنفى..<br>وبعد فهذا تفسير لسورة \"الأحقاف\" نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4575",
        "sura_number": "46",
        "ayah_number": "34",
        "aya": "",
        "sura": "الأحقاف",
        "mediator": "والهمزة فى قوله: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ... } للاستفهام الإِنكارى، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام...<br>أى: أبلغ العمى والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن الله - تعالى - الذى خلق السماوات والأرض بقدرته { وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ } أى: ولم يتعب ولم ينصب بسبب خلقهن، من قولهم عيى فلان بالأمر - كفرح - إذا تعب، أو المعنى: ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه، مأخوذ من قولهم: عيى فلان بأمره، إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعل.<br>وقوله: { بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ } فى محل رفع خبر { أَن }، والباء فى قوله - تعالى - { بِقَادِرٍ } مزيدة للتأكيد.<br>فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على جهلهم وانطماس بصائرهم، حيث لم يعرفوا أن الله - تعالى - الذى أوجد الكون، قادر على أن يعيدهم الى الحياة بعد موتهم.<br>وأورد القرآن ذلك فى أسلوب الاستفهام الإِنكارى، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد.<br>وقوله: { بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تقرير وتأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى، لأن لفظ { بَلَىٰ } يؤتى به فى الجواب لإِبطال النفى السابق، وتقرير نقيضه، بخلاف لفظ { نعم } فإنه يقرر النفى نفسه.<br>أى: بلى إنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى، لأنه - تعالى - على كل شئ قدير.<br>ثم كرر - سبحانه - التذكير للناس بأحوال الكافرين يوم الحساب ليعتبروا ويتعظوا فقال: { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ } أى: واذكر - أيها العاقل - يوم يلقى الذين كفروا فى النار، بعد مشاهدتها ورؤيتها..<br>ثم يقال لهم على سبيل الزجر والتهكم { أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ } أى: أليس هذا العذاب كنتم تنكرونه فى الدنيا. قد ثبت عليكم ثبوتا لا مفر لكم منه، ولا محيد لكم عنه..<br>{ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا } أى: قالوا فى الجواب.. بلى يا ربنا إن هذا العذاب حق، وإنكارنا له فى الدنيا إنما كان عن جهل وغفلة وغرور منا..<br>فهم قد اعترفوا بأن الحساب حق، والجزاء حق.. فى وقت لا ينفع فيه الاعتراف.<br>ولذا جاء الرد عليهم بقوله - تعالى -: { قَالَ } - سبحانه - { فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } أى: فتذوقوا طعمه الأليم، ووقعه المهين { بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } أى: بسبب كفركم وجحودكم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على مكرهم فقال: { فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ }. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر على أذى قومك، كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل، أى: أصحاب الجد والثبات والصبر على الشدائد والبلاء.. وهم - على أشهر الأقوال -: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم جميعا -.<br>وقوله: { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } نهى منه - تعالى - لنبيه عن استعجال العذاب لهم. أى: ولا تستعجل لهم العذاب. فالمفعول محذوف للعلم به.. ثم بين - سبحانه ما يدعو إلى عدم الاستعجال فقال: { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ.. }. أى: اصبر - أيها الرسول - على أذى قومك كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل. ولا تستعجل العذاب لهؤلاء الكافرين فإنه آتيهم لا ريب فيه، وكأنهم عندما يرون هذا العذاب ويحل بهم، لم يلبثوا فى الدنيا إلا وقتا قليلا وزمنا يسيرا، لأن شدة هذا العذاب تنسيهم كل متع الدنيا وشهواتها.<br>وقوله - تعالى -: { بَلاَغٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى: هذا الذى أنذرتكم به، أو هذا القرآن، بلاغ كاف فى وعظكم وإنذاركم إذا تدبرتم فيه، وتبليغ من الرسول - صلى الله عليه وسلم إليكم.<br>{ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ } كلا، إنه لا يهلك بعذاب الله - تعالى - إلا القوم الخارجون عن طاعته، الواقعون فى معصيته فالاستفهام للنفى..<br>وبعد فهذا تفسير لسورة \"الأحقاف\" نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4576",
        "sura_number": "46",
        "ayah_number": "35",
        "aya": "",
        "sura": "الأحقاف",
        "mediator": "والهمزة فى قوله: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ... } للاستفهام الإِنكارى، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام...<br>أى: أبلغ العمى والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن الله - تعالى - الذى خلق السماوات والأرض بقدرته { وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ } أى: ولم يتعب ولم ينصب بسبب خلقهن، من قولهم عيى فلان بالأمر - كفرح - إذا تعب، أو المعنى: ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه، مأخوذ من قولهم: عيى فلان بأمره، إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعل.<br>وقوله: { بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ } فى محل رفع خبر { أَن }، والباء فى قوله - تعالى - { بِقَادِرٍ } مزيدة للتأكيد.<br>فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على جهلهم وانطماس بصائرهم، حيث لم يعرفوا أن الله - تعالى - الذى أوجد الكون، قادر على أن يعيدهم الى الحياة بعد موتهم.<br>وأورد القرآن ذلك فى أسلوب الاستفهام الإِنكارى، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد.<br>وقوله: { بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تقرير وتأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى، لأن لفظ { بَلَىٰ } يؤتى به فى الجواب لإِبطال النفى السابق، وتقرير نقيضه، بخلاف لفظ { نعم } فإنه يقرر النفى نفسه.<br>أى: بلى إنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى، لأنه - تعالى - على كل شئ قدير.<br>ثم كرر - سبحانه - التذكير للناس بأحوال الكافرين يوم الحساب ليعتبروا ويتعظوا فقال: { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ } أى: واذكر - أيها العاقل - يوم يلقى الذين كفروا فى النار، بعد مشاهدتها ورؤيتها..<br>ثم يقال لهم على سبيل الزجر والتهكم { أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ } أى: أليس هذا العذاب كنتم تنكرونه فى الدنيا. قد ثبت عليكم ثبوتا لا مفر لكم منه، ولا محيد لكم عنه..<br>{ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا } أى: قالوا فى الجواب.. بلى يا ربنا إن هذا العذاب حق، وإنكارنا له فى الدنيا إنما كان عن جهل وغفلة وغرور منا..<br>فهم قد اعترفوا بأن الحساب حق، والجزاء حق.. فى وقت لا ينفع فيه الاعتراف.<br>ولذا جاء الرد عليهم بقوله - تعالى -: { قَالَ } - سبحانه - { فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } أى: فتذوقوا طعمه الأليم، ووقعه المهين { بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } أى: بسبب كفركم وجحودكم.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على مكرهم فقال: { فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ }. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر على أذى قومك، كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل، أى: أصحاب الجد والثبات والصبر على الشدائد والبلاء.. وهم - على أشهر الأقوال -: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم جميعا -.<br>وقوله: { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } نهى منه - تعالى - لنبيه عن استعجال العذاب لهم. أى: ولا تستعجل لهم العذاب. فالمفعول محذوف للعلم به.. ثم بين - سبحانه ما يدعو إلى عدم الاستعجال فقال: { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ.. }. أى: اصبر - أيها الرسول - على أذى قومك كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل. ولا تستعجل العذاب لهؤلاء الكافرين فإنه آتيهم لا ريب فيه، وكأنهم عندما يرون هذا العذاب ويحل بهم، لم يلبثوا فى الدنيا إلا وقتا قليلا وزمنا يسيرا، لأن شدة هذا العذاب تنسيهم كل متع الدنيا وشهواتها.<br>وقوله - تعالى -: { بَلاَغٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى: هذا الذى أنذرتكم به، أو هذا القرآن، بلاغ كاف فى وعظكم وإنذاركم إذا تدبرتم فيه، وتبليغ من الرسول - صلى الله عليه وسلم إليكم.<br>{ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ } كلا، إنه لا يهلك بعذاب الله - تعالى - إلا القوم الخارجون عن طاعته، الواقعون فى معصيته فالاستفهام للنفى..<br>وبعد فهذا تفسير لسورة \"الأحقاف\" نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "4923",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "41",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4924",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "42",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4925",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "43",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4926",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "44",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4927",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "45",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4928",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "46",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4929",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "47",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4930",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "48",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4931",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "49",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4932",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "50",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4933",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "51",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4934",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "52",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4935",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "53",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4936",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "54",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "4937",
        "sura_number": "54",
        "ayah_number": "55",
        "aya": "",
        "sura": "القمر",
        "mediator": "وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت فى سور متعددة، منها سور: الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.<br>وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه فى آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى -، فقال - سبحانه -: { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }.<br>والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.<br>والنذر\" جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإِنذار، وجىء به بصيغة الجمع، لكثرة الإِنذارات التى وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.<br>أى: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الانذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له..<br>بل { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا } أى: بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه.<br>وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإِشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.<br>وقوله: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار، للانتقام الشديد، وانتصاب { أَخْذَ... } على المفعولية المطلقة، وإضافته إلى \"عزيز مقتدر\" من إضافة المصدر إلى فاعله.<br>والعزيز: الذى لا يغلبه غالب، والمقتدر: الذى لا يعجزه شىء يريده.<br>أى: فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا، بل أهلكناهم جميعا، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شىء.<br>ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى.. فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، يحق الحق ويبطل الباطل.<br>وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار، فقال - تعالى -: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ }.<br>والاستفهام للنفى والإِنكار، والمراد بالخيرية، الخيرية الدنيوية، كالقوة والغنى والجاه، والسلطان، والخطاب لأهل مكة.<br>والبراءة من الشىء: التخلص من تبعاته وشروره، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين، والسلامة منه.<br>والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب الذى يكتب فيه.<br>والمعنى: أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض..؟ أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم..؟<br>كلا، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط، أو من فرعون وملئه، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم..<br>وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإِصرار على الكفر والجحود؟ إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم.<br>ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على شىء آخر من أقوالهم الباطلة فقال: { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }. أى: بل أيقولون نحن جميع يد واحدة، وسننتصر على من خالفنا وعادانا؟ ولقد توهموا ذلك فعلا، وجاهروا به.<br>وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل دعاواهم فقال: { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } والتعريف فى { ٱلْجَمْعُ } للعهد، والدبر: الظهر وما أدبر من المتجه إلى الأمام.<br>أى: سيهزم جمع هؤلاء الكافرين ويولون أدبارهم نحوكم - أيها المؤمنون - ويفرون من أمامكم..<br>والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم فى المستقبل القريب، كما فى قوله - تعالى -: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } والآية الكريمة من باب الإِخبار بالغيب، الدال على إعجاز القرآن الكريم.<br>قال الآلوسى: والآية من دلائل النبوة، لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد، ولا كان قتال، ولذا قال عمر يوم نزلت: أى جمع يهزم، أى: من جموع الكفار. فلما كان يوم بدر، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب فى الدرع وهو يقول { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } فعرفت تأويلها يومئذ...<br>ثم بين - سبحانه - أن هزيمة المشركين ستعقبها هزيمة أشد منها، وأنكى فقال: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }.<br>والمراد بالساعة، يوم القيامة \"وأدهى\": اسم تفضيل من الداهية، وهى الأمر المنكر الفظيع الذى لا يعرف طريق للخلاص منه.<br>وقوله { وَأَمَرُّ } أى: وأشد مرارة وقبحا. أى: ليس هذا الذى يحصل لهم فى الدنيا من هزائم نهاية عقوباتهم، بل يوم القيامة هو يوم نهاية وعيدهم السيىء، ويوم القيامة هو أعظم داهية، وأشد مرارة مما سيصيبهم من عذاب دنيوى.<br>ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال: { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }. أى: فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم، وإيثارهم الغى على الرشد، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم.<br>ويقال لهم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } أى: يوم يُجَرُّون فى النار على وجوههم، على سبيل الإِهانة والإِذلال.<br>{ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أى: ويقال لهم: ذوقوا مس جهنم التى كنتم تكذبون بها، وقاسوا آلامها وعذابها.<br>فقوله - تعالى -: { سَقَرَ } علم على جهنم، مأخوذ من سقرت الشمس الشىء وصقرته، إذا غيرت معالمه وأذابته، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر كمال قدرته وحكمته فقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }.<br>وقوله: { كُلَّ } منصوب بفعل يفسره ما بعده، والقدر: ما قدره الله - تعالى - على عباده، حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته.<br>أى: إنا خلقنا كل شىء فى هذا الكون، بتقدير حكيم، وبعلم شامل، وبإرادة تامة وبتصريف دقيق لا مجال معه للعبث أو الاضطراب، كما قال - تعالى -: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } )، وكما قال - سبحانه -: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } )، وكما قال - عز وجل -: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وقد استدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه بالأشياء قبل كونها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها، وبما ورد فى معناها من أحاديث على الفرقة القدرية، الذين ظهروا فى أواخر عصر الصحابة.<br>ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه عن ابى هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القدر، فنزلت: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }.<br>والباء فى قوله { بِقَدَرٍ }  للملابسة. أى: خلقناه ملتبسا بتقدير حكيم، اقتضته سنتنا ومشيئتنا فى وقت لا يعلمه أحد سوانا..<br>وقوله - سبحانه -: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } بيان لكمال قدرته - تعالى -.<br>واللمح: النظر السريع العاجل الذى لا تريث معه ولا انتظار، يقال: لمح فلان الشىء إذا أبصره بنظر سريع.. وقوله: { وَاحِدَةٌ } صفة لموصوف محذوف.<br>أى: وما أمرنا وشأننا فى خلق الأشياء وإيجادها، إلا كلمة واحدة وهى قول: \"كن\" فتوجد هذه الأشياء كلمح البصر فى السرعة.<br>وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } والمراد بهذه الآية وأمثالها: بيان كمال قدرة الله - تعالى - وسرعة إيجاده لكل ما يريد إيجاده، وتحذير الظالمين من العذاب الذى متى أراده الله - تعالى - فلن يدفعه عنهم دافع، بل سيأتيهم كلمح البصر فى السرعة.<br>والتعبير بقوله: { وَاحِدَةٌ } لإِفادة أن كل ما يريد الله - تعالى - إيجاده فسيوجد فى اسرع وقت، وبكلمة واحدة لا بأكثر منها، سواء أكان ذلك الموجود جليلا أم حقيرا، صغيرا أم كبيرا..<br>ثم بين - سبحانه - ما يدل على نفاذ هذه القدرة وسرعتها فقال: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }.<br>والأشياع: جميع شيعة، وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره، وكل جماعة من الناس اتفقت فى رأيها فهم شيعة. قالوا: وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذى يوقد مع الكبار، حتى تشتعل النار، والمراد به هنا: الأشباه والنظائر.<br>أى: والله لقد أهلكنا أشباهكم ونظائركم فى الكفر من الأمم السابقة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، واتعظوا بما نزل بهم من عقاب.<br>فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والتحذير. والاستفهام فيها للحض على الاتعاظ والاعتبار.<br>ثم بين - سبحانه - أن كل ما يعمله الإِنسان. هو مسجل عليه، فقال: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ }. أى: وكل شىء فعله هؤلاء المشركون وغيرهم، مكتوب ومحفوظ فى كتب الحفظة، ومسجل عليهم لدى الكرام الكاتبين، بدون زيادة أو نقصان.<br>كما قال - تعالى - بعد ذلك: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } أى: وكل صغير من الأقوال أو الأفعال، وكل كبير منهما، فهو مكتوب عندنا، ومسجل على صاحبه.<br>فقوله: { مُّسْتَطَرٌ } بمعنى مسطور ومكتتب. يقال: سطر يسطر سطرا، إذا كتب، واستطر مثله، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها.<br>ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بتلك البشارة العظيمة للمتقين فقال: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }.<br>أى: إن المتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل محارم الله - تعالى - كائنين فى جنات عاليات المقدار، وفى { نَهَرٍ } أى: وفى سعة من العيش، ومن مظاهر ذلك أن الأنهار الواسعة تجرى من تحت مساكنهم، فالمراد بالنهر جنسه.<br>وقوله: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } أى: فى مكان مرضى، وفى مجلس كريم، لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة، فالمراد بالمقعد مكان القعود الذى يقيم فيه الإِنسان بأمان واطمئنان.<br>{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } أى: مقربين عند ملك عظيم، قادر على كل شىء.<br>فالمراد بالعندية هنا، عندية الرتبة والمكانة والتشريف.<br>وقال - سبحانه - عند مليك، للمبالغة فى وصفه - سبحانه - بسعة الملك وعظمه، إذ وصفه - سبحانه - بمليك، أبلغ من وصفه بمالك أو ملك، لأن { مَلِيكٍ } صيغة مبالغة بزنة فعيل.<br>وتنكير \"مقتدر\" للتعظيم والتهويل، وهو أبلغ من قادر، إذ زيادة المبنى تشعر بزيادة المعنى. أى: عظيم القدرة بحيث لا يحيط بها الوصف.<br>وبهذا فهذا تفسير محرر لسورة \"القمر\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5133",
        "sura_number": "57",
        "ayah_number": "22",
        "aya": "",
        "sura": "الحديد",
        "mediator": "و{ مَآ } فى قوله - تعالى - { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } نافية، و { مِن } مزيدة لتأكيد هذا النفى وإفادة عمومه. ومفعول \"أصاب\" محذوف. وقوله { فِي ٱلأَرْضِ } إشارة إلى المصائب التى تقع فيها من فقر وقحط، وزلازل.<br>وقوله: { وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ } للإِشارة إلى ما يصيب الإِنسان فى ذاته، كالأمراض، والهموم.<br>والاستثناء فى قوله - تعالى -: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } من أعم الأحوال، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، أو علمه - عز وجل - الشامل لكل شىء.<br>وقوله: { نَّبْرَأَهَآ } من البرء - بفتح الباء - بمعنى الخلق والإِيجاد، والضمير فيه يعود إلى النفس، أو إلى الأرض، أو إلى جميع ما ذكره الله - تعالى - من خلق المصائب فى الأرض والأنفس.<br>والمعنى: واعلموا - أيها المؤمنون علما يترتب عليه آثاره من العمل الصالح - أنه ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة، هذه المصيبة كائنة فى الأرض - كالقحط والزلازل - أو فى أنفسكم - كالأسقام والأوجاع - إلا وهذه المصائب مسجلة فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.. وهذا التسجيل كائن من قبل أن نخلق هذه الأنفس، وهذه المصائب.<br>وكرر - سبحانه - حرف النفى فى قوله { وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ } للإِيماء إلى أن المصائب التى تتعلق بذات الإِنسان، يكون أشد تأثرا واهتماما بها، أكثر من غيرها.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } يعود إلى الكتابة فى الكتاب.<br>أى: إن ذلك الذى أثبتناه فى لوحنا المحفوظ وفى علمنا الشامل لكل شىء.. قبل أن نخلقكم، وقبل أن نخلق الأرض.. يسير وسهل علينا، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء، وعلمنا لا يعزب عنه شىء.<br>فالآية الكريمة صريحة فى بيان أن ما يقع فى الأرض وفى الأنفس من مصائب - ومن غيرها من مسرات - مكتوب ومسجل عند الله - تعالى - قبل خلق الأرض والأنفس.<br>وخص - سبحانه - المصائب بالذكر، لأن الإِنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا، وكثيرا ما يكون إحساسه بها، وإدراكه لأثرها، أشد من إحساسه وإدركه للمسرات.<br>ومن الآيات التى تشبه هذه الآية فى معناها قوله - تعالى -: { قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } ثم بين - سبحانه - الحكم التى من أجلها فعل ذلك فقال: { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ }.<br>فاللام فى قوله: { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ.. } متعلقة بحذوف. وقوله: { تَأْسَوْاْ } من الأسى، وهو الحزن والضيق الشديد. يقال: أسى فلان على كذا - كفرح - فهو يأسى أسى، إذا حزن واغتم لما حدث، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام -: { فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ } أى: فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم فى كتاب من قبل خلقكم، وأخبرناكم بذلك، لكى لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدة بكم إلى الجزع، وإلى عدم الرضا بقضاء الله وقدره ولكى لا تفرحوا بما أعطاكم الله - تعالى - من نعم عظمى وكثيرة.. فرحا يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى عدم استعمال نعم الله - تعالى - فيما خلقت له.. فإن من علم ذلك علما مصحوبا بالتدبر والاتعاظ... هانت عليه المصائب، واطمأنت نفسه لما قضاه الله - تعالى - وكان عند الشدائد صبورا، وعند المسرات شكورا. <br>ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: يعنى: أنكم إذا علمتم أن كل شىء مقدر  مكتوب عند الله، قل أساكم على الفائت، وفرحكم على الآتى، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة، لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال، لم يعظم فرحه عند نيله. <br>فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها، أن لا يحزن ولا يفرح؟ <br>قلت: المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله - تعالى - ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغى الملهى عن الشكر. <br>فأما الحزن الذى لا يكاد الإِنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله، والاعتداد بها مع الشكر، فلا بأس بهما. <br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }.<br>أى: والله - تعالى - لا يحب أحداً من شأنه الاختيال بما آتاه - سبحانه - من نعم دون أن يشكره - تعالى - عليها، ومن شأنه - أيضاً - التفاخر والتباهى على الناس بما عنده من أموال وأولاد.. وإنما يحب الله - تعالى - من كان من عباده متواضعا حليما شاكرا لخالقه - عز وجل -.<br>فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد سكبتا فى قلب المؤمن، كل معانى الثقة والرضا بقضاء الله فى كل الأحوال. <br>وليس معنى ذلك عدم مباشرة الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لأن ما سجله الله فى كتابه علينا قبل أن يخلقنا، لا علم لنا به، وإنما علمه مرده إليه وحده - تعالى -.<br>وهو - سبحانه - لا يحاسبنا على ما نجهله، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به، أو نهانا عنه، عن طريق رسوله - صلى الله عليه وسلم-.<br>وكما سجل - سبحانه - أحوالنا قبل أن يخلقنا، فقد شرع الأسباب وأمرنا بمباشرتها، وبين لنا فى كثير من آياته، أن جزاءنا من خير أو شر على حسب أعملنا.<br>وعندما قال بعض الصحابة للنبى - صلى الله عليه وسلم -:  \"أفلا نتكل على ما قدره الله علينا؟<br>أجابهم بقوله: اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" .<br>وقوله - سبحانه - بعد ذلك: { ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } بدل من قوله - تعالى -: { كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } والمراد بالذين يبخلون: كل من يبخل بما له أو بعمله.. فكأنه - تعالى - يقول: والله لا يحب الذين يبخلون بما أعطاهم من فضله، بخلا يجعلهم لا ينفقون شيئا منه فى وجوه الخير، لأن حبهم لأموالهم جعلهم يمسكونها ويشحون بها شحا شديدا.. ولا يكنفون بذلك، بل يأمرون غيرهم بالخبل والشح.<br>وعلى رأس هؤلاء الذين لا يحبهم الله - تعالى - المنافقون، فقد كانوا يبخلون بأموالهم عن إنفاق شىء منها فى سبيل الله، وكانوا يتواصون بذلك فيما بينهم، فقد قال - سبحانه - فى شأنهم: { هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ } وقوله - سبحانه -: { وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } تذييل المقصود به ذم هؤلاء البخلاء على بخلهم.<br>وجواب الشرط محذوف، أغنت عنه جملة { فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } والغنى: هو الموصوف بالغنى - وهى صفة من صفات الله - عز وجل - إذ هو الغنى غنى مطلقا، والخلق جميعا فى حاجة إلى عطائه - سبحانه - والحميد: وصف مبالغة من الحمد. والمراد به أنه - تعالى - كثير الحمد والعطاء للمنفقين فى وجوه الخير.<br>أى: ومن يعرض عن هدايات الله - تعالى - وعن إرشاداته... فلن يضر الله شيئا، فإن الله - تعالى - هو صاحب الغنى المطلق الذى لا يستغنى عن عطائه أحد، وهو - سبحانه - كثير الحمد والعطاء لمن استجاب لأمره فأنفق مما رزقه الله بدون اختيال أو تفاخر أو أذى.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس، ليهدوهم إلى طريق الحق، وأن الناس منهم من اتبع الرسل، ومنهم من أعرض عنهم، ومنهم من ابتدع أموراً من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها.. فقال - تعالى -: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5134",
        "sura_number": "57",
        "ayah_number": "23",
        "aya": "",
        "sura": "الحديد",
        "mediator": "و{ مَآ } فى قوله - تعالى - { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } نافية، و { مِن } مزيدة لتأكيد هذا النفى وإفادة عمومه. ومفعول \"أصاب\" محذوف. وقوله { فِي ٱلأَرْضِ } إشارة إلى المصائب التى تقع فيها من فقر وقحط، وزلازل.<br>وقوله: { وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ } للإِشارة إلى ما يصيب الإِنسان فى ذاته، كالأمراض، والهموم.<br>والاستثناء فى قوله - تعالى -: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } من أعم الأحوال، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، أو علمه - عز وجل - الشامل لكل شىء.<br>وقوله: { نَّبْرَأَهَآ } من البرء - بفتح الباء - بمعنى الخلق والإِيجاد، والضمير فيه يعود إلى النفس، أو إلى الأرض، أو إلى جميع ما ذكره الله - تعالى - من خلق المصائب فى الأرض والأنفس.<br>والمعنى: واعلموا - أيها المؤمنون علما يترتب عليه آثاره من العمل الصالح - أنه ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة، هذه المصيبة كائنة فى الأرض - كالقحط والزلازل - أو فى أنفسكم - كالأسقام والأوجاع - إلا وهذه المصائب مسجلة فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.. وهذا التسجيل كائن من قبل أن نخلق هذه الأنفس، وهذه المصائب.<br>وكرر - سبحانه - حرف النفى فى قوله { وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ } للإِيماء إلى أن المصائب التى تتعلق بذات الإِنسان، يكون أشد تأثرا واهتماما بها، أكثر من غيرها.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } يعود إلى الكتابة فى الكتاب.<br>أى: إن ذلك الذى أثبتناه فى لوحنا المحفوظ وفى علمنا الشامل لكل شىء.. قبل أن نخلقكم، وقبل أن نخلق الأرض.. يسير وسهل علينا، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء، وعلمنا لا يعزب عنه شىء.<br>فالآية الكريمة صريحة فى بيان أن ما يقع فى الأرض وفى الأنفس من مصائب - ومن غيرها من مسرات - مكتوب ومسجل عند الله - تعالى - قبل خلق الأرض والأنفس.<br>وخص - سبحانه - المصائب بالذكر، لأن الإِنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا، وكثيرا ما يكون إحساسه بها، وإدراكه لأثرها، أشد من إحساسه وإدركه للمسرات.<br>ومن الآيات التى تشبه هذه الآية فى معناها قوله - تعالى -: { قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } ثم بين - سبحانه - الحكم التى من أجلها فعل ذلك فقال: { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ }.<br>فاللام فى قوله: { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ.. } متعلقة بحذوف. وقوله: { تَأْسَوْاْ } من الأسى، وهو الحزن والضيق الشديد. يقال: أسى فلان على كذا - كفرح - فهو يأسى أسى، إذا حزن واغتم لما حدث، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام -: { فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ } أى: فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم فى كتاب من قبل خلقكم، وأخبرناكم بذلك، لكى لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدة بكم إلى الجزع، وإلى عدم الرضا بقضاء الله وقدره ولكى لا تفرحوا بما أعطاكم الله - تعالى - من نعم عظمى وكثيرة.. فرحا يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى عدم استعمال نعم الله - تعالى - فيما خلقت له.. فإن من علم ذلك علما مصحوبا بالتدبر والاتعاظ... هانت عليه المصائب، واطمأنت نفسه لما قضاه الله - تعالى - وكان عند الشدائد صبورا، وعند المسرات شكورا. <br>ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: يعنى: أنكم إذا علمتم أن كل شىء مقدر  مكتوب عند الله، قل أساكم على الفائت، وفرحكم على الآتى، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة، لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال، لم يعظم فرحه عند نيله. <br>فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها، أن لا يحزن ولا يفرح؟ <br>قلت: المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله - تعالى - ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغى الملهى عن الشكر. <br>فأما الحزن الذى لا يكاد الإِنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله، والاعتداد بها مع الشكر، فلا بأس بهما. <br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }.<br>أى: والله - تعالى - لا يحب أحداً من شأنه الاختيال بما آتاه - سبحانه - من نعم دون أن يشكره - تعالى - عليها، ومن شأنه - أيضاً - التفاخر والتباهى على الناس بما عنده من أموال وأولاد.. وإنما يحب الله - تعالى - من كان من عباده متواضعا حليما شاكرا لخالقه - عز وجل -.<br>فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد سكبتا فى قلب المؤمن، كل معانى الثقة والرضا بقضاء الله فى كل الأحوال. <br>وليس معنى ذلك عدم مباشرة الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لأن ما سجله الله فى كتابه علينا قبل أن يخلقنا، لا علم لنا به، وإنما علمه مرده إليه وحده - تعالى -.<br>وهو - سبحانه - لا يحاسبنا على ما نجهله، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به، أو نهانا عنه، عن طريق رسوله - صلى الله عليه وسلم-.<br>وكما سجل - سبحانه - أحوالنا قبل أن يخلقنا، فقد شرع الأسباب وأمرنا بمباشرتها، وبين لنا فى كثير من آياته، أن جزاءنا من خير أو شر على حسب أعملنا.<br>وعندما قال بعض الصحابة للنبى - صلى الله عليه وسلم -:  \"أفلا نتكل على ما قدره الله علينا؟<br>أجابهم بقوله: اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" .<br>وقوله - سبحانه - بعد ذلك: { ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } بدل من قوله - تعالى -: { كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } والمراد بالذين يبخلون: كل من يبخل بما له أو بعمله.. فكأنه - تعالى - يقول: والله لا يحب الذين يبخلون بما أعطاهم من فضله، بخلا يجعلهم لا ينفقون شيئا منه فى وجوه الخير، لأن حبهم لأموالهم جعلهم يمسكونها ويشحون بها شحا شديدا.. ولا يكنفون بذلك، بل يأمرون غيرهم بالخبل والشح.<br>وعلى رأس هؤلاء الذين لا يحبهم الله - تعالى - المنافقون، فقد كانوا يبخلون بأموالهم عن إنفاق شىء منها فى سبيل الله، وكانوا يتواصون بذلك فيما بينهم، فقد قال - سبحانه - فى شأنهم: { هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ } وقوله - سبحانه -: { وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } تذييل المقصود به ذم هؤلاء البخلاء على بخلهم.<br>وجواب الشرط محذوف، أغنت عنه جملة { فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } والغنى: هو الموصوف بالغنى - وهى صفة من صفات الله - عز وجل - إذ هو الغنى غنى مطلقا، والخلق جميعا فى حاجة إلى عطائه - سبحانه - والحميد: وصف مبالغة من الحمد. والمراد به أنه - تعالى - كثير الحمد والعطاء للمنفقين فى وجوه الخير.<br>أى: ومن يعرض عن هدايات الله - تعالى - وعن إرشاداته... فلن يضر الله شيئا، فإن الله - تعالى - هو صاحب الغنى المطلق الذى لا يستغنى عن عطائه أحد، وهو - سبحانه - كثير الحمد والعطاء لمن استجاب لأمره فأنفق مما رزقه الله بدون اختيال أو تفاخر أو أذى.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس، ليهدوهم إلى طريق الحق، وأن الناس منهم من اتبع الرسل، ومنهم من أعرض عنهم، ومنهم من ابتدع أموراً من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها.. فقال - تعالى -: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5135",
        "sura_number": "57",
        "ayah_number": "24",
        "aya": "",
        "sura": "الحديد",
        "mediator": "و{ مَآ } فى قوله - تعالى - { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } نافية، و { مِن } مزيدة لتأكيد هذا النفى وإفادة عمومه. ومفعول \"أصاب\" محذوف. وقوله { فِي ٱلأَرْضِ } إشارة إلى المصائب التى تقع فيها من فقر وقحط، وزلازل.<br>وقوله: { وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ } للإِشارة إلى ما يصيب الإِنسان فى ذاته، كالأمراض، والهموم.<br>والاستثناء فى قوله - تعالى -: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } من أعم الأحوال، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، أو علمه - عز وجل - الشامل لكل شىء.<br>وقوله: { نَّبْرَأَهَآ } من البرء - بفتح الباء - بمعنى الخلق والإِيجاد، والضمير فيه يعود إلى النفس، أو إلى الأرض، أو إلى جميع ما ذكره الله - تعالى - من خلق المصائب فى الأرض والأنفس.<br>والمعنى: واعلموا - أيها المؤمنون علما يترتب عليه آثاره من العمل الصالح - أنه ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة، هذه المصيبة كائنة فى الأرض - كالقحط والزلازل - أو فى أنفسكم - كالأسقام والأوجاع - إلا وهذه المصائب مسجلة فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.. وهذا التسجيل كائن من قبل أن نخلق هذه الأنفس، وهذه المصائب.<br>وكرر - سبحانه - حرف النفى فى قوله { وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ } للإِيماء إلى أن المصائب التى تتعلق بذات الإِنسان، يكون أشد تأثرا واهتماما بها، أكثر من غيرها.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } يعود إلى الكتابة فى الكتاب.<br>أى: إن ذلك الذى أثبتناه فى لوحنا المحفوظ وفى علمنا الشامل لكل شىء.. قبل أن نخلقكم، وقبل أن نخلق الأرض.. يسير وسهل علينا، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء، وعلمنا لا يعزب عنه شىء.<br>فالآية الكريمة صريحة فى بيان أن ما يقع فى الأرض وفى الأنفس من مصائب - ومن غيرها من مسرات - مكتوب ومسجل عند الله - تعالى - قبل خلق الأرض والأنفس.<br>وخص - سبحانه - المصائب بالذكر، لأن الإِنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا، وكثيرا ما يكون إحساسه بها، وإدراكه لأثرها، أشد من إحساسه وإدركه للمسرات.<br>ومن الآيات التى تشبه هذه الآية فى معناها قوله - تعالى -: { قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } ثم بين - سبحانه - الحكم التى من أجلها فعل ذلك فقال: { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ }.<br>فاللام فى قوله: { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ.. } متعلقة بحذوف. وقوله: { تَأْسَوْاْ } من الأسى، وهو الحزن والضيق الشديد. يقال: أسى فلان على كذا - كفرح - فهو يأسى أسى، إذا حزن واغتم لما حدث، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام -: { فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ } أى: فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم فى كتاب من قبل خلقكم، وأخبرناكم بذلك، لكى لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدة بكم إلى الجزع، وإلى عدم الرضا بقضاء الله وقدره ولكى لا تفرحوا بما أعطاكم الله - تعالى - من نعم عظمى وكثيرة.. فرحا يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى عدم استعمال نعم الله - تعالى - فيما خلقت له.. فإن من علم ذلك علما مصحوبا بالتدبر والاتعاظ... هانت عليه المصائب، واطمأنت نفسه لما قضاه الله - تعالى - وكان عند الشدائد صبورا، وعند المسرات شكورا. <br>ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: يعنى: أنكم إذا علمتم أن كل شىء مقدر  مكتوب عند الله، قل أساكم على الفائت، وفرحكم على الآتى، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة، لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال، لم يعظم فرحه عند نيله. <br>فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها، أن لا يحزن ولا يفرح؟ <br>قلت: المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله - تعالى - ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغى الملهى عن الشكر. <br>فأما الحزن الذى لا يكاد الإِنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله، والاعتداد بها مع الشكر، فلا بأس بهما. <br>ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }.<br>أى: والله - تعالى - لا يحب أحداً من شأنه الاختيال بما آتاه - سبحانه - من نعم دون أن يشكره - تعالى - عليها، ومن شأنه - أيضاً - التفاخر والتباهى على الناس بما عنده من أموال وأولاد.. وإنما يحب الله - تعالى - من كان من عباده متواضعا حليما شاكرا لخالقه - عز وجل -.<br>فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد سكبتا فى قلب المؤمن، كل معانى الثقة والرضا بقضاء الله فى كل الأحوال. <br>وليس معنى ذلك عدم مباشرة الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لأن ما سجله الله فى كتابه علينا قبل أن يخلقنا، لا علم لنا به، وإنما علمه مرده إليه وحده - تعالى -.<br>وهو - سبحانه - لا يحاسبنا على ما نجهله، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به، أو نهانا عنه، عن طريق رسوله - صلى الله عليه وسلم-.<br>وكما سجل - سبحانه - أحوالنا قبل أن يخلقنا، فقد شرع الأسباب وأمرنا بمباشرتها، وبين لنا فى كثير من آياته، أن جزاءنا من خير أو شر على حسب أعملنا.<br>وعندما قال بعض الصحابة للنبى - صلى الله عليه وسلم -:  \"أفلا نتكل على ما قدره الله علينا؟<br>أجابهم بقوله: اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" .<br>وقوله - سبحانه - بعد ذلك: { ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } بدل من قوله - تعالى -: { كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } والمراد بالذين يبخلون: كل من يبخل بما له أو بعمله.. فكأنه - تعالى - يقول: والله لا يحب الذين يبخلون بما أعطاهم من فضله، بخلا يجعلهم لا ينفقون شيئا منه فى وجوه الخير، لأن حبهم لأموالهم جعلهم يمسكونها ويشحون بها شحا شديدا.. ولا يكنفون بذلك، بل يأمرون غيرهم بالخبل والشح.<br>وعلى رأس هؤلاء الذين لا يحبهم الله - تعالى - المنافقون، فقد كانوا يبخلون بأموالهم عن إنفاق شىء منها فى سبيل الله، وكانوا يتواصون بذلك فيما بينهم، فقد قال - سبحانه - فى شأنهم: { هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ } وقوله - سبحانه -: { وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } تذييل المقصود به ذم هؤلاء البخلاء على بخلهم.<br>وجواب الشرط محذوف، أغنت عنه جملة { فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } والغنى: هو الموصوف بالغنى - وهى صفة من صفات الله - عز وجل - إذ هو الغنى غنى مطلقا، والخلق جميعا فى حاجة إلى عطائه - سبحانه - والحميد: وصف مبالغة من الحمد. والمراد به أنه - تعالى - كثير الحمد والعطاء للمنفقين فى وجوه الخير.<br>أى: ومن يعرض عن هدايات الله - تعالى - وعن إرشاداته... فلن يضر الله شيئا، فإن الله - تعالى - هو صاحب الغنى المطلق الذى لا يستغنى عن عطائه أحد، وهو - سبحانه - كثير الحمد والعطاء لمن استجاب لأمره فأنفق مما رزقه الله بدون اختيال أو تفاخر أو أذى.<br>ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس، ليهدوهم إلى طريق الحق، وأن الناس منهم من اتبع الرسل، ومنهم من أعرض عنهم، ومنهم من ابتدع أموراً من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها.. فقال - تعالى -: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5141",
        "sura_number": "58",
        "ayah_number": "1",
        "aya": "",
        "sura": "المجادلة",
        "mediator": "ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإِمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة قالت: فىَّ والله وفى - زوجى - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة.<br>قالت:  \"كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت: فدخل على يوما فراجعته بشىء فغضب، فقال: أنت على كظهر أمى.<br>قالت: ثم خرج فجلس فى نادى قومه ساعة، ثم رجع، فإذا هو يريدنى عن نفسى، فقالت له: كلا والذى نفس خوله بيده لا تخلص إلىَّ، وقلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه..<br>قالت: فواثبنى، فامتنعت عنه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عنى.<br>ثم خرجت إلى بعض جاراتى، فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه، فذكرت له - صلى الله عليه وسلم - ما لقيت من زوجى، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه.<br>قالت: فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير فاتى الله فيه.<br>قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فىَّ قرآن، فتغشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه، فقال لى: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنا. ثم قرأ على هذه الآيات\" .<br>وفى رواية:  \"أنها أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: يا رسول الله، إن أوساً تزوجنى وأنا شابة مرغوب فى، فلما خلا سنى، ونثرت بطنى، جعلنى عليه كأمه، وتركنى إلى غير أحد، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها.<br>فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن وفى رواية أنه قال لها: ما أراك إلا قد حرمت عليه.<br>فقالت: يا رسول الله، إنه ما ذكر طلاقا، وأخذت تجادل النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم قالت: اللهم إنى أشكو إليك فافتى، وشدة حالى، وإن لى من زوجى أولاداً صغاراً، إن ضمَّهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى جاعوا.<br>قالت: وما برحت حتى نزل القرآن، فقال - صلى الله عليه وسلم -: يا خولة أبشرى ثم قرأ على هذه الآيات\" .<br>و \"قد\" فى قوله - تعالى -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ } للتحقيق ولتوقع الإِجابة من الله - تعالى - على ما جادلت فيه تلك المرأة النبى - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"فإن قلت ما معنى \"قد\" فى قوله: { قَدْ سَمِعَ... }؟<br>قلت: \"معناه التوقع، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها، وينزل فى ذلك ما يفرج كربها\".<br>والسماع فى قوله - تعالى -: { سَمِعَ } بمعنى علم الله - تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبحانه - لشكواها، وحكمه فى تلك المسألة، بما يبطل ما كان شائعاً بشأنها قبل نزول هذه الآية.<br>وقوله: { تُجَادِلُكَ } من المجادلة، وهى المفاوضة على سبيل المغالبة والمنازعة، وأصلها من جدلت الحبل: إذا أحكمت فتله.<br>وقوله: { تَشْتَكِيۤ } من الشكو، وأصله فتح الشَّكوة - وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء - وإظهار ما فيها، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإِنسان لما يؤلمه ويؤذيه، وطلب إزالته.<br>والمعنى: قد سمع الله - تعالى - سماعا تاما، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ما دار بينها وبين زوجها، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار، وسمع - سبحانه - شكواها إليه، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها، وتفريج كربتها، وإزالة ما نزل بها من مكروه.<br>وقال - سبحانه - { ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ } بأسلوب الاسم الموصول للإِشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى، وفى أقصى درجات التوكل على ربها، والأمل فى تفريج كربتها، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها.<br>وقوله - سبحانه -: { للَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ } جملة حالية، والتحاور: مراجعة الكلام من الجانبين. يقال: حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله.<br>أى: والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة، من مراجعة فى الكلام، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها.<br>والمقصود بذلك، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور، والتنويه بأهميته، وأنه - تعالى - قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية.<br>وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور، واستحضار صورته فى ذهن السامع، ليزداد عظة واعتبارا.<br>وجملة: { إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق.<br>أى: أنه - سبحانه - يسمع كل المسموعات، ويبصر كل المبصرات، على أتم وجه وأكمله، ومن مقتضيات ذلك، أن يسمع تحاوركما، ويبصر ما دار بينكما.<br>قال القرطبى: \"أخرج ابن ماجة أن عائشة - رضى الله عنها - قالت: \"تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهى تقول: يا رسول الله!! أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبر سنى.. ظاهر منى!! اللهم إنى أشكو إليك.<br>وفى البخارى عن عائشة قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - تعالى -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا }.<br>ثم شرع - سبحانه - فى بيان شأن الظهار فى ذاته، وفى بيان حكمه المترتب عليه شرعا فقال: { ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ }.<br>وقوله: { يُظَاهِرُونَ } من الظهار، وهو لغة مصدر ظاهر، وهو مفاعلة من الظهر.<br>قال الآلوسى: والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظا باختلاف الأغراض، فيقال: ظاهر زيد عمراً، أى: قابل ظهره بظهره حقيقة، وكذا إذا غايظه.. وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال: قوى ظهره إذا نصره\".<br>والمراد به هنا: أن يقول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، قاصدا بذلك تحريم زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه.<br>وكان هذا القول من الرجل لامرأته يؤدى إلى طلاقها منه، بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقيل: إلى طلاقها منه طلاقاً مؤبدا لا تحل له بعده.<br>وقيل: إن هذا القول لم يكن طلاقا من كل وجه، بل كانت الزوجة تبقى بعده معلقة، فلا هى مطلقة، ولا هى غير مطلقة.<br>و \"من\" فى قوله { مِّن نِّسَآئِهِمْ } بيانية، لإِفادة أن هذا تشريع عام، وليس خاصا بخولة بنت ثعلبة، التى نزلت فى شأنها هذه الآيات.<br>وجملة: { مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } قائمة مقام الخبر، ودالة عليه.<br>والمعنى: الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بأن يقولوا لهن: أنتن علينا كظهر أمهاتنا، مخطئون فيما يقولون، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم.<br>{ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ } أى: ليس أمهاتهم على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللائى ولدنهم وأرضعنهم، وقمن برعايتهم فى مراحل الطفولة والصبا والشباب.<br>ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً }.<br>أى: وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم: أنتن علينا كظهور أمهاتنا فى الحرمة، ليتفوهون بما هو منكر من القول، فى حكم الشرع وفى حكم العقل، وفى حكم الطبع. وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله - تعالى - الزوجة على زوجها، كما حرم عليه أمه. فعلاقة الأزواج بأمهاتهم، تختلف اختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم.<br>وإذاً فالمقصود بهذه الجملة الكريمة: التوبيخ على هذا القول، وهو قول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، وذم من ينطق به، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام فى أسمى درجات الاحترام والتبجيل - - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام.<br>وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الله، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى -.<br>فقال: { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أى: وإن الله - تعالى - لكثير العفو والمغفرة، لمن تاب إليه - سبحانه - وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التى يبغضها - سبحانه -.<br>ثم أخذت السورة الكريمة فى تفصيل حكم الظهار، بعد بيان كونه منكرا من القول وزورا، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا }.<br>وقد اختلف العلماء فى معنى قوله - تعالى -: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ }.<br>فمنهم من يرى أن المراد منه، ثم يرجعون عما قالوا، قاصدين معاشرة زوجاتهم.. أو قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب الظهار.<br>ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة: العودة إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية، بعد أن هداهم الله - تعالى - إلى الإِسلام، فيكون المعنى: ثم يعودون إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية من ألفاظ الظهار، التى يبغضها الله - تعالى -.<br>وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة: جعله الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال وهو { يُظَاهِرُونَ }، بمعنى الماضى المنقطع، ومن جهة جعلهم أن المظاهر بعد الإِسلام، كان قد ظاهر فى الجاهلية، مع أن هذا ليس بلازم. إذ لم يثبت أن \"أوس بن الصامت\" كان قد ظاهر من زوجته فى الجاهلية، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر فى الإِسلام.<br>ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة: تكرار لفظ الظهار، فمعنى ثم يعودون لما قالوا: ثم يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مرة أخرى.<br>وكان أصحاب هذا القول يرون، أن الكفارة لا تكون إلا بتكرار ألفاظ الظهار، وهو قول لا يؤيده دليل، لأنه لم يثبت أن خولة - أو غيرها - كرر عليها زوجها لفظ الظهار أكثر من مرة، بل الثابت أنه عندما قال لها: أنت على كظهر أمى، ذهبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقصت عليه ما جرى بينها بين زوجها.<br>وقد رجح الإِمام ابن جرير الرأى الأول فقال: والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: معنى اللام فى قوله: { لِمَا قَالُواْ } بمعنى إلى أو فى، لأ، معنى الكلام: ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه، وإن قيل: ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا، أو فى تحليل ما حرموا فصواب، لأن كل ذلك عود له، فتأويل الكلام: ثم يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما أحله الله لهم.<br>والمعنى: والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم، ثم يندمون على ما فعلوا، ويريدون أن يعودوا عما قالوه، وأن يرجعوا إلى معاشرة زوجاتهم.<br>فعليهم فى هذه الحالة إعتاق رقبة { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } أى: من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر، أى يحرم عليهما الجماع ودواعيه قبل التكفير.<br>والمراد بالرقبة: المملوك، من تسمية الكل باسم الجزء.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - { ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } يعود إلى الحكم بالكفارة.<br>أى: ذلكم الذى شرعنا لكم - أيها المؤمنون - وهو الحكم بالكفارة إنما شرعناه من أجل أن تتعظوا به، وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التى تؤدى إلى الظهار، والله - تعالى - خبير ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال، وما تفعلونه من أفعال - وسيحاسبكم على ذلك حسابا دقيقا.<br>وما دام الأمر كذلك، فافعلوا ما أمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره فى أحكامه فقال: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا }.<br>أى، فمن لم يجد منكم - أيها المؤمنون - رقبة يعتقها، أو يجد المال الذى يشترى به الرقبة فيعتقها.. فعليه فى هذه الحالة، أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر.<br>{ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } أى: فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه فى هذه الحالة أن يطعم ستين مسكينا، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } إشارة إلى ما سبق الحديث عنه، من تشريع يتعلق بالظهار. ومحله إما الرفع على الابتداء، أو النصب بمضمر معلل بما بعده.<br>أى: ذلك واقع، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم بالله ورسوله، وعملكم بشريعة الإِسلام، وتنفيذكم للتكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها.<br>{ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أى: وتلك الأحكام التى ذكرناها لكم هى حدود الله - تعالى - التى لا يجوز تعديها، فالزموها وقفوا عندها، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها، عذاب شديد الألم على من ينزل به.<br>هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: <br>1 - أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق، وعن قلب عامر باليقين.. أجابه الله - تعالى - لصاحبه فى الحال أو فى الوقت الذى يريده - سبحانه -.<br>والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة، عندما تضرعت إلى الله - تعالى - بالدعاء، أن يكشف كربها، وأن يحل قضيتها.. أجاب - سبحانه - دعاءها، وأنزل قرآنا يتلى، وأحكاما يعمل بها فى شأن الظهار.<br>ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت. ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - عز وجل -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا... } الآيات.<br>وقال القرطبى: \"المرأة التى اشتكت هى خولة بنت ثعلبة.. وقد مر بها عمر بن الخطاب فى خلافته، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك يا عمر، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن الحساب خاف العذاب.<br>فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتقف هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟ فقال: والله لو حبستنى من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة. أتدرون من هذه؟ إنها خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر\".<br>2 - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ.. } أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شىء.. لأن الحل والعقد، والتحليل والتحريم فى النكاح، إنما هو بيد الرجل لا بيد المرأة.<br>ويرى بعضهم أن عليها كفارة يمين، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها من مجامعتها. كما أخذ الحنفية والحنابلة والمالكية من هذه الآية، أن الظهار خاص بالمسلمين، لأنهم هم المخاطبون، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا من أهل الكفارة.<br>وقال الشافعية: كما يصح طلاق الذمى وتترتب عليه أحكامه، يصح ظهار الذمى وتترتب عليه أحكامه.. كذلك أخذ العلماء من هذه الآية: صحة ظهار العبد من زوجته، لأن أحكام النكاح فى حقه ثابتة، وإذا تعذر عليه العتق والإِطعام. فإنه قادر على الصوم.<br>3 - يؤخذ من قوله - تعالى -: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } أن الظهار حرام، لأن الله - تعالى - قد وصفه بأنه منكر من القول، وبأنه زور.<br>والفعل الذى يوصف بهذا الوصف، يجب على المؤمن أن يتنزه عنه.<br>4 - يرى الحنفية والظاهرية أنه يكفى فى الكفارة بالنسبة للظهار تحرير رقبة حتى ولو كانت كافرة، لأن الله - تعالى - يقول: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } ولو كان الإِيمان شرطا لبينه كما بينه فى كفارة القتل. فوجب أن يطلق ما أطلقه، وأن يقيد ما قيده، ويعمل بكل منهما فى موضعه.<br>ويرى جمهور الفقهاء اشتراط الإِيمان فى الرقبة، لأنه من المعروف حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه، وما دام قد ورد النص على كون الرقبة مؤمنة فى بعض الآيات، فيجب حمل بقية الآيات على ذلك.<br>5 - دل قوله - تعالى - { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } على حرمة الجماع قبل التكفير.<br>وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه، لأن الأصل فى الأحكام أنه إذا حرم شىء منها، أن يلحق بذلك الشىء المحرم ما يوصل إليه إذ طريق المحرم محرم.<br>ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط، لأن حرمة الجماع ليست لمعنى يخل بالنكاح، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه.<br>قال القرطبى: ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بشىء حتى يُكَفِّر، خلافا للشافعى فى أحد قوليه.. فإن وطئها قبل أن يكفر، استغفر الله - تعالى - وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة.<br>وقال مجاهد وغيره: عليه كفارتان.<br>6 - قوله - تعالى -: { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.. } صريح فى وجوب تتابع الصوم من غير انقطاع بين الأيام، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير عذر انقطع التتابع، ولزمه استئناف الصوم من جديد.<br>أما الإِفطار بعذر - كمرض ونحوه - فيرى بعضهم وجوب الاستئناف، لزوال التتابع الذى صرحت به الآية.<br>ويرى فريق آخر من العلماء، إن الإِفطار بعذر لا يمنع التتابع.<br>7 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - { فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما يشبعهم فى الغداء والعشاء، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإِباحة، فأيهما وقع من المكفر أجزأه، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين.<br>وأوجب الشافعية تمليك المساكين.. بأن يملك لكل مسكين مُدًّا أو صاعا من غالب قوت البلد الذى يسكنه من عليه الكفارة.<br>أما حكم من عجز عن الكفارة، فيرى جمهور العلماء أنها لا تسقط عنه، بل تستقر فى ذمته حتى يتمكن من أدائها، كسائر الديون والحقوق، فإنها لا تسقط، وإنما تبقى فى ذمة من عليه، حتى يتمكن من أدائها.<br>قال القرطبى: \"وقد ذكر الله - تعالى - الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإِطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام\".<br>هذا، ومن أراد التوسع فى هذه الأحكام الفقهية، فعليه يكتب الفروع وببعض كتب التفسير.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله، ولا يدركون أنه - سبحانه - معهم أينما كانوا، ويعلم ما يتناجون به من إثم وعدوان ومعصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5142",
        "sura_number": "58",
        "ayah_number": "2",
        "aya": "",
        "sura": "المجادلة",
        "mediator": "ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإِمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة قالت: فىَّ والله وفى - زوجى - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة.<br>قالت:  \"كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت: فدخل على يوما فراجعته بشىء فغضب، فقال: أنت على كظهر أمى.<br>قالت: ثم خرج فجلس فى نادى قومه ساعة، ثم رجع، فإذا هو يريدنى عن نفسى، فقالت له: كلا والذى نفس خوله بيده لا تخلص إلىَّ، وقلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه..<br>قالت: فواثبنى، فامتنعت عنه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عنى.<br>ثم خرجت إلى بعض جاراتى، فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه، فذكرت له - صلى الله عليه وسلم - ما لقيت من زوجى، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه.<br>قالت: فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير فاتى الله فيه.<br>قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فىَّ قرآن، فتغشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه، فقال لى: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنا. ثم قرأ على هذه الآيات\" .<br>وفى رواية:  \"أنها أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: يا رسول الله، إن أوساً تزوجنى وأنا شابة مرغوب فى، فلما خلا سنى، ونثرت بطنى، جعلنى عليه كأمه، وتركنى إلى غير أحد، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها.<br>فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن وفى رواية أنه قال لها: ما أراك إلا قد حرمت عليه.<br>فقالت: يا رسول الله، إنه ما ذكر طلاقا، وأخذت تجادل النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم قالت: اللهم إنى أشكو إليك فافتى، وشدة حالى، وإن لى من زوجى أولاداً صغاراً، إن ضمَّهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى جاعوا.<br>قالت: وما برحت حتى نزل القرآن، فقال - صلى الله عليه وسلم -: يا خولة أبشرى ثم قرأ على هذه الآيات\" .<br>و \"قد\" فى قوله - تعالى -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ } للتحقيق ولتوقع الإِجابة من الله - تعالى - على ما جادلت فيه تلك المرأة النبى - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"فإن قلت ما معنى \"قد\" فى قوله: { قَدْ سَمِعَ... }؟<br>قلت: \"معناه التوقع، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها، وينزل فى ذلك ما يفرج كربها\".<br>والسماع فى قوله - تعالى -: { سَمِعَ } بمعنى علم الله - تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبحانه - لشكواها، وحكمه فى تلك المسألة، بما يبطل ما كان شائعاً بشأنها قبل نزول هذه الآية.<br>وقوله: { تُجَادِلُكَ } من المجادلة، وهى المفاوضة على سبيل المغالبة والمنازعة، وأصلها من جدلت الحبل: إذا أحكمت فتله.<br>وقوله: { تَشْتَكِيۤ } من الشكو، وأصله فتح الشَّكوة - وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء - وإظهار ما فيها، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإِنسان لما يؤلمه ويؤذيه، وطلب إزالته.<br>والمعنى: قد سمع الله - تعالى - سماعا تاما، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ما دار بينها وبين زوجها، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار، وسمع - سبحانه - شكواها إليه، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها، وتفريج كربتها، وإزالة ما نزل بها من مكروه.<br>وقال - سبحانه - { ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ } بأسلوب الاسم الموصول للإِشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى، وفى أقصى درجات التوكل على ربها، والأمل فى تفريج كربتها، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها.<br>وقوله - سبحانه -: { للَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ } جملة حالية، والتحاور: مراجعة الكلام من الجانبين. يقال: حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله.<br>أى: والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة، من مراجعة فى الكلام، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها.<br>والمقصود بذلك، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور، والتنويه بأهميته، وأنه - تعالى - قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية.<br>وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور، واستحضار صورته فى ذهن السامع، ليزداد عظة واعتبارا.<br>وجملة: { إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق.<br>أى: أنه - سبحانه - يسمع كل المسموعات، ويبصر كل المبصرات، على أتم وجه وأكمله، ومن مقتضيات ذلك، أن يسمع تحاوركما، ويبصر ما دار بينكما.<br>قال القرطبى: \"أخرج ابن ماجة أن عائشة - رضى الله عنها - قالت: \"تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهى تقول: يا رسول الله!! أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبر سنى.. ظاهر منى!! اللهم إنى أشكو إليك.<br>وفى البخارى عن عائشة قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - تعالى -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا }.<br>ثم شرع - سبحانه - فى بيان شأن الظهار فى ذاته، وفى بيان حكمه المترتب عليه شرعا فقال: { ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ }.<br>وقوله: { يُظَاهِرُونَ } من الظهار، وهو لغة مصدر ظاهر، وهو مفاعلة من الظهر.<br>قال الآلوسى: والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظا باختلاف الأغراض، فيقال: ظاهر زيد عمراً، أى: قابل ظهره بظهره حقيقة، وكذا إذا غايظه.. وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال: قوى ظهره إذا نصره\".<br>والمراد به هنا: أن يقول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، قاصدا بذلك تحريم زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه.<br>وكان هذا القول من الرجل لامرأته يؤدى إلى طلاقها منه، بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقيل: إلى طلاقها منه طلاقاً مؤبدا لا تحل له بعده.<br>وقيل: إن هذا القول لم يكن طلاقا من كل وجه، بل كانت الزوجة تبقى بعده معلقة، فلا هى مطلقة، ولا هى غير مطلقة.<br>و \"من\" فى قوله { مِّن نِّسَآئِهِمْ } بيانية، لإِفادة أن هذا تشريع عام، وليس خاصا بخولة بنت ثعلبة، التى نزلت فى شأنها هذه الآيات.<br>وجملة: { مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } قائمة مقام الخبر، ودالة عليه.<br>والمعنى: الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بأن يقولوا لهن: أنتن علينا كظهر أمهاتنا، مخطئون فيما يقولون، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم.<br>{ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ } أى: ليس أمهاتهم على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللائى ولدنهم وأرضعنهم، وقمن برعايتهم فى مراحل الطفولة والصبا والشباب.<br>ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً }.<br>أى: وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم: أنتن علينا كظهور أمهاتنا فى الحرمة، ليتفوهون بما هو منكر من القول، فى حكم الشرع وفى حكم العقل، وفى حكم الطبع. وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله - تعالى - الزوجة على زوجها، كما حرم عليه أمه. فعلاقة الأزواج بأمهاتهم، تختلف اختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم.<br>وإذاً فالمقصود بهذه الجملة الكريمة: التوبيخ على هذا القول، وهو قول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، وذم من ينطق به، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام فى أسمى درجات الاحترام والتبجيل - - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام.<br>وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الله، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى -.<br>فقال: { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أى: وإن الله - تعالى - لكثير العفو والمغفرة، لمن تاب إليه - سبحانه - وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التى يبغضها - سبحانه -.<br>ثم أخذت السورة الكريمة فى تفصيل حكم الظهار، بعد بيان كونه منكرا من القول وزورا، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا }.<br>وقد اختلف العلماء فى معنى قوله - تعالى -: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ }.<br>فمنهم من يرى أن المراد منه، ثم يرجعون عما قالوا، قاصدين معاشرة زوجاتهم.. أو قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب الظهار.<br>ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة: العودة إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية، بعد أن هداهم الله - تعالى - إلى الإِسلام، فيكون المعنى: ثم يعودون إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية من ألفاظ الظهار، التى يبغضها الله - تعالى -.<br>وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة: جعله الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال وهو { يُظَاهِرُونَ }، بمعنى الماضى المنقطع، ومن جهة جعلهم أن المظاهر بعد الإِسلام، كان قد ظاهر فى الجاهلية، مع أن هذا ليس بلازم. إذ لم يثبت أن \"أوس بن الصامت\" كان قد ظاهر من زوجته فى الجاهلية، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر فى الإِسلام.<br>ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة: تكرار لفظ الظهار، فمعنى ثم يعودون لما قالوا: ثم يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مرة أخرى.<br>وكان أصحاب هذا القول يرون، أن الكفارة لا تكون إلا بتكرار ألفاظ الظهار، وهو قول لا يؤيده دليل، لأنه لم يثبت أن خولة - أو غيرها - كرر عليها زوجها لفظ الظهار أكثر من مرة، بل الثابت أنه عندما قال لها: أنت على كظهر أمى، ذهبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقصت عليه ما جرى بينها بين زوجها.<br>وقد رجح الإِمام ابن جرير الرأى الأول فقال: والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: معنى اللام فى قوله: { لِمَا قَالُواْ } بمعنى إلى أو فى، لأ، معنى الكلام: ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه، وإن قيل: ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا، أو فى تحليل ما حرموا فصواب، لأن كل ذلك عود له، فتأويل الكلام: ثم يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما أحله الله لهم.<br>والمعنى: والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم، ثم يندمون على ما فعلوا، ويريدون أن يعودوا عما قالوه، وأن يرجعوا إلى معاشرة زوجاتهم.<br>فعليهم فى هذه الحالة إعتاق رقبة { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } أى: من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر، أى يحرم عليهما الجماع ودواعيه قبل التكفير.<br>والمراد بالرقبة: المملوك، من تسمية الكل باسم الجزء.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - { ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } يعود إلى الحكم بالكفارة.<br>أى: ذلكم الذى شرعنا لكم - أيها المؤمنون - وهو الحكم بالكفارة إنما شرعناه من أجل أن تتعظوا به، وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التى تؤدى إلى الظهار، والله - تعالى - خبير ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال، وما تفعلونه من أفعال - وسيحاسبكم على ذلك حسابا دقيقا.<br>وما دام الأمر كذلك، فافعلوا ما أمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره فى أحكامه فقال: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا }.<br>أى، فمن لم يجد منكم - أيها المؤمنون - رقبة يعتقها، أو يجد المال الذى يشترى به الرقبة فيعتقها.. فعليه فى هذه الحالة، أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر.<br>{ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } أى: فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه فى هذه الحالة أن يطعم ستين مسكينا، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } إشارة إلى ما سبق الحديث عنه، من تشريع يتعلق بالظهار. ومحله إما الرفع على الابتداء، أو النصب بمضمر معلل بما بعده.<br>أى: ذلك واقع، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم بالله ورسوله، وعملكم بشريعة الإِسلام، وتنفيذكم للتكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها.<br>{ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أى: وتلك الأحكام التى ذكرناها لكم هى حدود الله - تعالى - التى لا يجوز تعديها، فالزموها وقفوا عندها، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها، عذاب شديد الألم على من ينزل به.<br>هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: <br>1 - أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق، وعن قلب عامر باليقين.. أجابه الله - تعالى - لصاحبه فى الحال أو فى الوقت الذى يريده - سبحانه -.<br>والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة، عندما تضرعت إلى الله - تعالى - بالدعاء، أن يكشف كربها، وأن يحل قضيتها.. أجاب - سبحانه - دعاءها، وأنزل قرآنا يتلى، وأحكاما يعمل بها فى شأن الظهار.<br>ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت. ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - عز وجل -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا... } الآيات.<br>وقال القرطبى: \"المرأة التى اشتكت هى خولة بنت ثعلبة.. وقد مر بها عمر بن الخطاب فى خلافته، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك يا عمر، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن الحساب خاف العذاب.<br>فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتقف هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟ فقال: والله لو حبستنى من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة. أتدرون من هذه؟ إنها خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر\".<br>2 - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ.. } أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شىء.. لأن الحل والعقد، والتحليل والتحريم فى النكاح، إنما هو بيد الرجل لا بيد المرأة.<br>ويرى بعضهم أن عليها كفارة يمين، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها من مجامعتها. كما أخذ الحنفية والحنابلة والمالكية من هذه الآية، أن الظهار خاص بالمسلمين، لأنهم هم المخاطبون، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا من أهل الكفارة.<br>وقال الشافعية: كما يصح طلاق الذمى وتترتب عليه أحكامه، يصح ظهار الذمى وتترتب عليه أحكامه.. كذلك أخذ العلماء من هذه الآية: صحة ظهار العبد من زوجته، لأن أحكام النكاح فى حقه ثابتة، وإذا تعذر عليه العتق والإِطعام. فإنه قادر على الصوم.<br>3 - يؤخذ من قوله - تعالى -: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } أن الظهار حرام، لأن الله - تعالى - قد وصفه بأنه منكر من القول، وبأنه زور.<br>والفعل الذى يوصف بهذا الوصف، يجب على المؤمن أن يتنزه عنه.<br>4 - يرى الحنفية والظاهرية أنه يكفى فى الكفارة بالنسبة للظهار تحرير رقبة حتى ولو كانت كافرة، لأن الله - تعالى - يقول: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } ولو كان الإِيمان شرطا لبينه كما بينه فى كفارة القتل. فوجب أن يطلق ما أطلقه، وأن يقيد ما قيده، ويعمل بكل منهما فى موضعه.<br>ويرى جمهور الفقهاء اشتراط الإِيمان فى الرقبة، لأنه من المعروف حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه، وما دام قد ورد النص على كون الرقبة مؤمنة فى بعض الآيات، فيجب حمل بقية الآيات على ذلك.<br>5 - دل قوله - تعالى - { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } على حرمة الجماع قبل التكفير.<br>وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه، لأن الأصل فى الأحكام أنه إذا حرم شىء منها، أن يلحق بذلك الشىء المحرم ما يوصل إليه إذ طريق المحرم محرم.<br>ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط، لأن حرمة الجماع ليست لمعنى يخل بالنكاح، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه.<br>قال القرطبى: ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بشىء حتى يُكَفِّر، خلافا للشافعى فى أحد قوليه.. فإن وطئها قبل أن يكفر، استغفر الله - تعالى - وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة.<br>وقال مجاهد وغيره: عليه كفارتان.<br>6 - قوله - تعالى -: { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.. } صريح فى وجوب تتابع الصوم من غير انقطاع بين الأيام، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير عذر انقطع التتابع، ولزمه استئناف الصوم من جديد.<br>أما الإِفطار بعذر - كمرض ونحوه - فيرى بعضهم وجوب الاستئناف، لزوال التتابع الذى صرحت به الآية.<br>ويرى فريق آخر من العلماء، إن الإِفطار بعذر لا يمنع التتابع.<br>7 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - { فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما يشبعهم فى الغداء والعشاء، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإِباحة، فأيهما وقع من المكفر أجزأه، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين.<br>وأوجب الشافعية تمليك المساكين.. بأن يملك لكل مسكين مُدًّا أو صاعا من غالب قوت البلد الذى يسكنه من عليه الكفارة.<br>أما حكم من عجز عن الكفارة، فيرى جمهور العلماء أنها لا تسقط عنه، بل تستقر فى ذمته حتى يتمكن من أدائها، كسائر الديون والحقوق، فإنها لا تسقط، وإنما تبقى فى ذمة من عليه، حتى يتمكن من أدائها.<br>قال القرطبى: \"وقد ذكر الله - تعالى - الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإِطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام\".<br>هذا، ومن أراد التوسع فى هذه الأحكام الفقهية، فعليه يكتب الفروع وببعض كتب التفسير.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله، ولا يدركون أنه - سبحانه - معهم أينما كانوا، ويعلم ما يتناجون به من إثم وعدوان ومعصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5143",
        "sura_number": "58",
        "ayah_number": "3",
        "aya": "",
        "sura": "المجادلة",
        "mediator": "ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإِمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة قالت: فىَّ والله وفى - زوجى - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة.<br>قالت:  \"كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت: فدخل على يوما فراجعته بشىء فغضب، فقال: أنت على كظهر أمى.<br>قالت: ثم خرج فجلس فى نادى قومه ساعة، ثم رجع، فإذا هو يريدنى عن نفسى، فقالت له: كلا والذى نفس خوله بيده لا تخلص إلىَّ، وقلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه..<br>قالت: فواثبنى، فامتنعت عنه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عنى.<br>ثم خرجت إلى بعض جاراتى، فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه، فذكرت له - صلى الله عليه وسلم - ما لقيت من زوجى، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه.<br>قالت: فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير فاتى الله فيه.<br>قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فىَّ قرآن، فتغشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه، فقال لى: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنا. ثم قرأ على هذه الآيات\" .<br>وفى رواية:  \"أنها أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: يا رسول الله، إن أوساً تزوجنى وأنا شابة مرغوب فى، فلما خلا سنى، ونثرت بطنى، جعلنى عليه كأمه، وتركنى إلى غير أحد، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها.<br>فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن وفى رواية أنه قال لها: ما أراك إلا قد حرمت عليه.<br>فقالت: يا رسول الله، إنه ما ذكر طلاقا، وأخذت تجادل النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم قالت: اللهم إنى أشكو إليك فافتى، وشدة حالى، وإن لى من زوجى أولاداً صغاراً، إن ضمَّهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى جاعوا.<br>قالت: وما برحت حتى نزل القرآن، فقال - صلى الله عليه وسلم -: يا خولة أبشرى ثم قرأ على هذه الآيات\" .<br>و \"قد\" فى قوله - تعالى -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ } للتحقيق ولتوقع الإِجابة من الله - تعالى - على ما جادلت فيه تلك المرأة النبى - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"فإن قلت ما معنى \"قد\" فى قوله: { قَدْ سَمِعَ... }؟<br>قلت: \"معناه التوقع، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها، وينزل فى ذلك ما يفرج كربها\".<br>والسماع فى قوله - تعالى -: { سَمِعَ } بمعنى علم الله - تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبحانه - لشكواها، وحكمه فى تلك المسألة، بما يبطل ما كان شائعاً بشأنها قبل نزول هذه الآية.<br>وقوله: { تُجَادِلُكَ } من المجادلة، وهى المفاوضة على سبيل المغالبة والمنازعة، وأصلها من جدلت الحبل: إذا أحكمت فتله.<br>وقوله: { تَشْتَكِيۤ } من الشكو، وأصله فتح الشَّكوة - وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء - وإظهار ما فيها، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإِنسان لما يؤلمه ويؤذيه، وطلب إزالته.<br>والمعنى: قد سمع الله - تعالى - سماعا تاما، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ما دار بينها وبين زوجها، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار، وسمع - سبحانه - شكواها إليه، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها، وتفريج كربتها، وإزالة ما نزل بها من مكروه.<br>وقال - سبحانه - { ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ } بأسلوب الاسم الموصول للإِشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى، وفى أقصى درجات التوكل على ربها، والأمل فى تفريج كربتها، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها.<br>وقوله - سبحانه -: { للَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ } جملة حالية، والتحاور: مراجعة الكلام من الجانبين. يقال: حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله.<br>أى: والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة، من مراجعة فى الكلام، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها.<br>والمقصود بذلك، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور، والتنويه بأهميته، وأنه - تعالى - قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية.<br>وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور، واستحضار صورته فى ذهن السامع، ليزداد عظة واعتبارا.<br>وجملة: { إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق.<br>أى: أنه - سبحانه - يسمع كل المسموعات، ويبصر كل المبصرات، على أتم وجه وأكمله، ومن مقتضيات ذلك، أن يسمع تحاوركما، ويبصر ما دار بينكما.<br>قال القرطبى: \"أخرج ابن ماجة أن عائشة - رضى الله عنها - قالت: \"تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهى تقول: يا رسول الله!! أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبر سنى.. ظاهر منى!! اللهم إنى أشكو إليك.<br>وفى البخارى عن عائشة قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - تعالى -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا }.<br>ثم شرع - سبحانه - فى بيان شأن الظهار فى ذاته، وفى بيان حكمه المترتب عليه شرعا فقال: { ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ }.<br>وقوله: { يُظَاهِرُونَ } من الظهار، وهو لغة مصدر ظاهر، وهو مفاعلة من الظهر.<br>قال الآلوسى: والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظا باختلاف الأغراض، فيقال: ظاهر زيد عمراً، أى: قابل ظهره بظهره حقيقة، وكذا إذا غايظه.. وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال: قوى ظهره إذا نصره\".<br>والمراد به هنا: أن يقول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، قاصدا بذلك تحريم زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه.<br>وكان هذا القول من الرجل لامرأته يؤدى إلى طلاقها منه، بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقيل: إلى طلاقها منه طلاقاً مؤبدا لا تحل له بعده.<br>وقيل: إن هذا القول لم يكن طلاقا من كل وجه، بل كانت الزوجة تبقى بعده معلقة، فلا هى مطلقة، ولا هى غير مطلقة.<br>و \"من\" فى قوله { مِّن نِّسَآئِهِمْ } بيانية، لإِفادة أن هذا تشريع عام، وليس خاصا بخولة بنت ثعلبة، التى نزلت فى شأنها هذه الآيات.<br>وجملة: { مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } قائمة مقام الخبر، ودالة عليه.<br>والمعنى: الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بأن يقولوا لهن: أنتن علينا كظهر أمهاتنا، مخطئون فيما يقولون، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم.<br>{ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ } أى: ليس أمهاتهم على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللائى ولدنهم وأرضعنهم، وقمن برعايتهم فى مراحل الطفولة والصبا والشباب.<br>ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً }.<br>أى: وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم: أنتن علينا كظهور أمهاتنا فى الحرمة، ليتفوهون بما هو منكر من القول، فى حكم الشرع وفى حكم العقل، وفى حكم الطبع. وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله - تعالى - الزوجة على زوجها، كما حرم عليه أمه. فعلاقة الأزواج بأمهاتهم، تختلف اختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم.<br>وإذاً فالمقصود بهذه الجملة الكريمة: التوبيخ على هذا القول، وهو قول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، وذم من ينطق به، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام فى أسمى درجات الاحترام والتبجيل - - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام.<br>وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الله، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى -.<br>فقال: { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أى: وإن الله - تعالى - لكثير العفو والمغفرة، لمن تاب إليه - سبحانه - وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التى يبغضها - سبحانه -.<br>ثم أخذت السورة الكريمة فى تفصيل حكم الظهار، بعد بيان كونه منكرا من القول وزورا، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا }.<br>وقد اختلف العلماء فى معنى قوله - تعالى -: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ }.<br>فمنهم من يرى أن المراد منه، ثم يرجعون عما قالوا، قاصدين معاشرة زوجاتهم.. أو قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب الظهار.<br>ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة: العودة إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية، بعد أن هداهم الله - تعالى - إلى الإِسلام، فيكون المعنى: ثم يعودون إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية من ألفاظ الظهار، التى يبغضها الله - تعالى -.<br>وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة: جعله الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال وهو { يُظَاهِرُونَ }، بمعنى الماضى المنقطع، ومن جهة جعلهم أن المظاهر بعد الإِسلام، كان قد ظاهر فى الجاهلية، مع أن هذا ليس بلازم. إذ لم يثبت أن \"أوس بن الصامت\" كان قد ظاهر من زوجته فى الجاهلية، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر فى الإِسلام.<br>ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة: تكرار لفظ الظهار، فمعنى ثم يعودون لما قالوا: ثم يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مرة أخرى.<br>وكان أصحاب هذا القول يرون، أن الكفارة لا تكون إلا بتكرار ألفاظ الظهار، وهو قول لا يؤيده دليل، لأنه لم يثبت أن خولة - أو غيرها - كرر عليها زوجها لفظ الظهار أكثر من مرة، بل الثابت أنه عندما قال لها: أنت على كظهر أمى، ذهبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقصت عليه ما جرى بينها بين زوجها.<br>وقد رجح الإِمام ابن جرير الرأى الأول فقال: والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: معنى اللام فى قوله: { لِمَا قَالُواْ } بمعنى إلى أو فى، لأ، معنى الكلام: ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه، وإن قيل: ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا، أو فى تحليل ما حرموا فصواب، لأن كل ذلك عود له، فتأويل الكلام: ثم يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما أحله الله لهم.<br>والمعنى: والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم، ثم يندمون على ما فعلوا، ويريدون أن يعودوا عما قالوه، وأن يرجعوا إلى معاشرة زوجاتهم.<br>فعليهم فى هذه الحالة إعتاق رقبة { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } أى: من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر، أى يحرم عليهما الجماع ودواعيه قبل التكفير.<br>والمراد بالرقبة: المملوك، من تسمية الكل باسم الجزء.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - { ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } يعود إلى الحكم بالكفارة.<br>أى: ذلكم الذى شرعنا لكم - أيها المؤمنون - وهو الحكم بالكفارة إنما شرعناه من أجل أن تتعظوا به، وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التى تؤدى إلى الظهار، والله - تعالى - خبير ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال، وما تفعلونه من أفعال - وسيحاسبكم على ذلك حسابا دقيقا.<br>وما دام الأمر كذلك، فافعلوا ما أمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره فى أحكامه فقال: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا }.<br>أى، فمن لم يجد منكم - أيها المؤمنون - رقبة يعتقها، أو يجد المال الذى يشترى به الرقبة فيعتقها.. فعليه فى هذه الحالة، أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر.<br>{ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } أى: فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه فى هذه الحالة أن يطعم ستين مسكينا، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } إشارة إلى ما سبق الحديث عنه، من تشريع يتعلق بالظهار. ومحله إما الرفع على الابتداء، أو النصب بمضمر معلل بما بعده.<br>أى: ذلك واقع، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم بالله ورسوله، وعملكم بشريعة الإِسلام، وتنفيذكم للتكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها.<br>{ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أى: وتلك الأحكام التى ذكرناها لكم هى حدود الله - تعالى - التى لا يجوز تعديها، فالزموها وقفوا عندها، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها، عذاب شديد الألم على من ينزل به.<br>هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: <br>1 - أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق، وعن قلب عامر باليقين.. أجابه الله - تعالى - لصاحبه فى الحال أو فى الوقت الذى يريده - سبحانه -.<br>والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة، عندما تضرعت إلى الله - تعالى - بالدعاء، أن يكشف كربها، وأن يحل قضيتها.. أجاب - سبحانه - دعاءها، وأنزل قرآنا يتلى، وأحكاما يعمل بها فى شأن الظهار.<br>ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت. ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - عز وجل -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا... } الآيات.<br>وقال القرطبى: \"المرأة التى اشتكت هى خولة بنت ثعلبة.. وقد مر بها عمر بن الخطاب فى خلافته، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك يا عمر، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن الحساب خاف العذاب.<br>فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتقف هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟ فقال: والله لو حبستنى من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة. أتدرون من هذه؟ إنها خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر\".<br>2 - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ.. } أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شىء.. لأن الحل والعقد، والتحليل والتحريم فى النكاح، إنما هو بيد الرجل لا بيد المرأة.<br>ويرى بعضهم أن عليها كفارة يمين، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها من مجامعتها. كما أخذ الحنفية والحنابلة والمالكية من هذه الآية، أن الظهار خاص بالمسلمين، لأنهم هم المخاطبون، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا من أهل الكفارة.<br>وقال الشافعية: كما يصح طلاق الذمى وتترتب عليه أحكامه، يصح ظهار الذمى وتترتب عليه أحكامه.. كذلك أخذ العلماء من هذه الآية: صحة ظهار العبد من زوجته، لأن أحكام النكاح فى حقه ثابتة، وإذا تعذر عليه العتق والإِطعام. فإنه قادر على الصوم.<br>3 - يؤخذ من قوله - تعالى -: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } أن الظهار حرام، لأن الله - تعالى - قد وصفه بأنه منكر من القول، وبأنه زور.<br>والفعل الذى يوصف بهذا الوصف، يجب على المؤمن أن يتنزه عنه.<br>4 - يرى الحنفية والظاهرية أنه يكفى فى الكفارة بالنسبة للظهار تحرير رقبة حتى ولو كانت كافرة، لأن الله - تعالى - يقول: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } ولو كان الإِيمان شرطا لبينه كما بينه فى كفارة القتل. فوجب أن يطلق ما أطلقه، وأن يقيد ما قيده، ويعمل بكل منهما فى موضعه.<br>ويرى جمهور الفقهاء اشتراط الإِيمان فى الرقبة، لأنه من المعروف حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه، وما دام قد ورد النص على كون الرقبة مؤمنة فى بعض الآيات، فيجب حمل بقية الآيات على ذلك.<br>5 - دل قوله - تعالى - { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } على حرمة الجماع قبل التكفير.<br>وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه، لأن الأصل فى الأحكام أنه إذا حرم شىء منها، أن يلحق بذلك الشىء المحرم ما يوصل إليه إذ طريق المحرم محرم.<br>ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط، لأن حرمة الجماع ليست لمعنى يخل بالنكاح، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه.<br>قال القرطبى: ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بشىء حتى يُكَفِّر، خلافا للشافعى فى أحد قوليه.. فإن وطئها قبل أن يكفر، استغفر الله - تعالى - وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة.<br>وقال مجاهد وغيره: عليه كفارتان.<br>6 - قوله - تعالى -: { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.. } صريح فى وجوب تتابع الصوم من غير انقطاع بين الأيام، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير عذر انقطع التتابع، ولزمه استئناف الصوم من جديد.<br>أما الإِفطار بعذر - كمرض ونحوه - فيرى بعضهم وجوب الاستئناف، لزوال التتابع الذى صرحت به الآية.<br>ويرى فريق آخر من العلماء، إن الإِفطار بعذر لا يمنع التتابع.<br>7 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - { فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما يشبعهم فى الغداء والعشاء، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإِباحة، فأيهما وقع من المكفر أجزأه، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين.<br>وأوجب الشافعية تمليك المساكين.. بأن يملك لكل مسكين مُدًّا أو صاعا من غالب قوت البلد الذى يسكنه من عليه الكفارة.<br>أما حكم من عجز عن الكفارة، فيرى جمهور العلماء أنها لا تسقط عنه، بل تستقر فى ذمته حتى يتمكن من أدائها، كسائر الديون والحقوق، فإنها لا تسقط، وإنما تبقى فى ذمة من عليه، حتى يتمكن من أدائها.<br>قال القرطبى: \"وقد ذكر الله - تعالى - الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإِطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام\".<br>هذا، ومن أراد التوسع فى هذه الأحكام الفقهية، فعليه يكتب الفروع وببعض كتب التفسير.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله، ولا يدركون أنه - سبحانه - معهم أينما كانوا، ويعلم ما يتناجون به من إثم وعدوان ومعصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5144",
        "sura_number": "58",
        "ayah_number": "4",
        "aya": "",
        "sura": "المجادلة",
        "mediator": "ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإِمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة قالت: فىَّ والله وفى - زوجى - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة.<br>قالت:  \"كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت: فدخل على يوما فراجعته بشىء فغضب، فقال: أنت على كظهر أمى.<br>قالت: ثم خرج فجلس فى نادى قومه ساعة، ثم رجع، فإذا هو يريدنى عن نفسى، فقالت له: كلا والذى نفس خوله بيده لا تخلص إلىَّ، وقلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه..<br>قالت: فواثبنى، فامتنعت عنه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عنى.<br>ثم خرجت إلى بعض جاراتى، فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه، فذكرت له - صلى الله عليه وسلم - ما لقيت من زوجى، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه.<br>قالت: فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير فاتى الله فيه.<br>قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فىَّ قرآن، فتغشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه، فقال لى: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنا. ثم قرأ على هذه الآيات\" .<br>وفى رواية:  \"أنها أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: يا رسول الله، إن أوساً تزوجنى وأنا شابة مرغوب فى، فلما خلا سنى، ونثرت بطنى، جعلنى عليه كأمه، وتركنى إلى غير أحد، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها.<br>فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن وفى رواية أنه قال لها: ما أراك إلا قد حرمت عليه.<br>فقالت: يا رسول الله، إنه ما ذكر طلاقا، وأخذت تجادل النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم قالت: اللهم إنى أشكو إليك فافتى، وشدة حالى، وإن لى من زوجى أولاداً صغاراً، إن ضمَّهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى جاعوا.<br>قالت: وما برحت حتى نزل القرآن، فقال - صلى الله عليه وسلم -: يا خولة أبشرى ثم قرأ على هذه الآيات\" .<br>و \"قد\" فى قوله - تعالى -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ } للتحقيق ولتوقع الإِجابة من الله - تعالى - على ما جادلت فيه تلك المرأة النبى - صلى الله عليه وسلم -.<br>قال صاحب الكشاف: \"فإن قلت ما معنى \"قد\" فى قوله: { قَدْ سَمِعَ... }؟<br>قلت: \"معناه التوقع، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها، وينزل فى ذلك ما يفرج كربها\".<br>والسماع فى قوله - تعالى -: { سَمِعَ } بمعنى علم الله - تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبحانه - لشكواها، وحكمه فى تلك المسألة، بما يبطل ما كان شائعاً بشأنها قبل نزول هذه الآية.<br>وقوله: { تُجَادِلُكَ } من المجادلة، وهى المفاوضة على سبيل المغالبة والمنازعة، وأصلها من جدلت الحبل: إذا أحكمت فتله.<br>وقوله: { تَشْتَكِيۤ } من الشكو، وأصله فتح الشَّكوة - وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء - وإظهار ما فيها، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإِنسان لما يؤلمه ويؤذيه، وطلب إزالته.<br>والمعنى: قد سمع الله - تعالى - سماعا تاما، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ما دار بينها وبين زوجها، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار، وسمع - سبحانه - شكواها إليه، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها، وتفريج كربتها، وإزالة ما نزل بها من مكروه.<br>وقال - سبحانه - { ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ } بأسلوب الاسم الموصول للإِشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى، وفى أقصى درجات التوكل على ربها، والأمل فى تفريج كربتها، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها.<br>وقوله - سبحانه -: { للَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ } جملة حالية، والتحاور: مراجعة الكلام من الجانبين. يقال: حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله.<br>أى: والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة، من مراجعة فى الكلام، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها.<br>والمقصود بذلك، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور، والتنويه بأهميته، وأنه - تعالى - قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية.<br>وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور، واستحضار صورته فى ذهن السامع، ليزداد عظة واعتبارا.<br>وجملة: { إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق.<br>أى: أنه - سبحانه - يسمع كل المسموعات، ويبصر كل المبصرات، على أتم وجه وأكمله، ومن مقتضيات ذلك، أن يسمع تحاوركما، ويبصر ما دار بينكما.<br>قال القرطبى: \"أخرج ابن ماجة أن عائشة - رضى الله عنها - قالت: \"تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهى تقول: يا رسول الله!! أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبر سنى.. ظاهر منى!! اللهم إنى أشكو إليك.<br>وفى البخارى عن عائشة قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - تعالى -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا }.<br>ثم شرع - سبحانه - فى بيان شأن الظهار فى ذاته، وفى بيان حكمه المترتب عليه شرعا فقال: { ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ }.<br>وقوله: { يُظَاهِرُونَ } من الظهار، وهو لغة مصدر ظاهر، وهو مفاعلة من الظهر.<br>قال الآلوسى: والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظا باختلاف الأغراض، فيقال: ظاهر زيد عمراً، أى: قابل ظهره بظهره حقيقة، وكذا إذا غايظه.. وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال: قوى ظهره إذا نصره\".<br>والمراد به هنا: أن يقول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، قاصدا بذلك تحريم زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه.<br>وكان هذا القول من الرجل لامرأته يؤدى إلى طلاقها منه، بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقيل: إلى طلاقها منه طلاقاً مؤبدا لا تحل له بعده.<br>وقيل: إن هذا القول لم يكن طلاقا من كل وجه، بل كانت الزوجة تبقى بعده معلقة، فلا هى مطلقة، ولا هى غير مطلقة.<br>و \"من\" فى قوله { مِّن نِّسَآئِهِمْ } بيانية، لإِفادة أن هذا تشريع عام، وليس خاصا بخولة بنت ثعلبة، التى نزلت فى شأنها هذه الآيات.<br>وجملة: { مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } قائمة مقام الخبر، ودالة عليه.<br>والمعنى: الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بأن يقولوا لهن: أنتن علينا كظهر أمهاتنا، مخطئون فيما يقولون، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم.<br>{ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ } أى: ليس أمهاتهم على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللائى ولدنهم وأرضعنهم، وقمن برعايتهم فى مراحل الطفولة والصبا والشباب.<br>ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً }.<br>أى: وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم: أنتن علينا كظهور أمهاتنا فى الحرمة، ليتفوهون بما هو منكر من القول، فى حكم الشرع وفى حكم العقل، وفى حكم الطبع. وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله - تعالى - الزوجة على زوجها، كما حرم عليه أمه. فعلاقة الأزواج بأمهاتهم، تختلف اختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم.<br>وإذاً فالمقصود بهذه الجملة الكريمة: التوبيخ على هذا القول، وهو قول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، وذم من ينطق به، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام فى أسمى درجات الاحترام والتبجيل - - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام.<br>وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الله، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى -.<br>فقال: { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أى: وإن الله - تعالى - لكثير العفو والمغفرة، لمن تاب إليه - سبحانه - وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التى يبغضها - سبحانه -.<br>ثم أخذت السورة الكريمة فى تفصيل حكم الظهار، بعد بيان كونه منكرا من القول وزورا، فقال - تعالى -: { وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا }.<br>وقد اختلف العلماء فى معنى قوله - تعالى -: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ }.<br>فمنهم من يرى أن المراد منه، ثم يرجعون عما قالوا، قاصدين معاشرة زوجاتهم.. أو قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب الظهار.<br>ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة: العودة إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية، بعد أن هداهم الله - تعالى - إلى الإِسلام، فيكون المعنى: ثم يعودون إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية من ألفاظ الظهار، التى يبغضها الله - تعالى -.<br>وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة: جعله الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال وهو { يُظَاهِرُونَ }، بمعنى الماضى المنقطع، ومن جهة جعلهم أن المظاهر بعد الإِسلام، كان قد ظاهر فى الجاهلية، مع أن هذا ليس بلازم. إذ لم يثبت أن \"أوس بن الصامت\" كان قد ظاهر من زوجته فى الجاهلية، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر فى الإِسلام.<br>ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة: تكرار لفظ الظهار، فمعنى ثم يعودون لما قالوا: ثم يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مرة أخرى.<br>وكان أصحاب هذا القول يرون، أن الكفارة لا تكون إلا بتكرار ألفاظ الظهار، وهو قول لا يؤيده دليل، لأنه لم يثبت أن خولة - أو غيرها - كرر عليها زوجها لفظ الظهار أكثر من مرة، بل الثابت أنه عندما قال لها: أنت على كظهر أمى، ذهبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقصت عليه ما جرى بينها بين زوجها.<br>وقد رجح الإِمام ابن جرير الرأى الأول فقال: والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: معنى اللام فى قوله: { لِمَا قَالُواْ } بمعنى إلى أو فى، لأ، معنى الكلام: ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه، وإن قيل: ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا، أو فى تحليل ما حرموا فصواب، لأن كل ذلك عود له، فتأويل الكلام: ثم يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما أحله الله لهم.<br>والمعنى: والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم، ثم يندمون على ما فعلوا، ويريدون أن يعودوا عما قالوه، وأن يرجعوا إلى معاشرة زوجاتهم.<br>فعليهم فى هذه الحالة إعتاق رقبة { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } أى: من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر، أى يحرم عليهما الجماع ودواعيه قبل التكفير.<br>والمراد بالرقبة: المملوك، من تسمية الكل باسم الجزء.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - { ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } يعود إلى الحكم بالكفارة.<br>أى: ذلكم الذى شرعنا لكم - أيها المؤمنون - وهو الحكم بالكفارة إنما شرعناه من أجل أن تتعظوا به، وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التى تؤدى إلى الظهار، والله - تعالى - خبير ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال، وما تفعلونه من أفعال - وسيحاسبكم على ذلك حسابا دقيقا.<br>وما دام الأمر كذلك، فافعلوا ما أمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره فى أحكامه فقال: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا }.<br>أى، فمن لم يجد منكم - أيها المؤمنون - رقبة يعتقها، أو يجد المال الذى يشترى به الرقبة فيعتقها.. فعليه فى هذه الحالة، أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر.<br>{ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } أى: فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه فى هذه الحالة أن يطعم ستين مسكينا، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة.<br>واسم الإِشارة فى قوله: { ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } إشارة إلى ما سبق الحديث عنه، من تشريع يتعلق بالظهار. ومحله إما الرفع على الابتداء، أو النصب بمضمر معلل بما بعده.<br>أى: ذلك واقع، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم بالله ورسوله، وعملكم بشريعة الإِسلام، وتنفيذكم للتكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها.<br>{ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أى: وتلك الأحكام التى ذكرناها لكم هى حدود الله - تعالى - التى لا يجوز تعديها، فالزموها وقفوا عندها، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها، عذاب شديد الألم على من ينزل به.<br>هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: <br>1 - أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق، وعن قلب عامر باليقين.. أجابه الله - تعالى - لصاحبه فى الحال أو فى الوقت الذى يريده - سبحانه -.<br>والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة، عندما تضرعت إلى الله - تعالى - بالدعاء، أن يكشف كربها، وأن يحل قضيتها.. أجاب - سبحانه - دعاءها، وأنزل قرآنا يتلى، وأحكاما يعمل بها فى شأن الظهار.<br>ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت. ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - عز وجل -: { قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا... } الآيات.<br>وقال القرطبى: \"المرأة التى اشتكت هى خولة بنت ثعلبة.. وقد مر بها عمر بن الخطاب فى خلافته، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك يا عمر، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن الحساب خاف العذاب.<br>فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتقف هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟ فقال: والله لو حبستنى من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة. أتدرون من هذه؟ إنها خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر\".<br>2 - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: { ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ.. } أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شىء.. لأن الحل والعقد، والتحليل والتحريم فى النكاح، إنما هو بيد الرجل لا بيد المرأة.<br>ويرى بعضهم أن عليها كفارة يمين، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها من مجامعتها. كما أخذ الحنفية والحنابلة والمالكية من هذه الآية، أن الظهار خاص بالمسلمين، لأنهم هم المخاطبون، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا من أهل الكفارة.<br>وقال الشافعية: كما يصح طلاق الذمى وتترتب عليه أحكامه، يصح ظهار الذمى وتترتب عليه أحكامه.. كذلك أخذ العلماء من هذه الآية: صحة ظهار العبد من زوجته، لأن أحكام النكاح فى حقه ثابتة، وإذا تعذر عليه العتق والإِطعام. فإنه قادر على الصوم.<br>3 - يؤخذ من قوله - تعالى -: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } أن الظهار حرام، لأن الله - تعالى - قد وصفه بأنه منكر من القول، وبأنه زور.<br>والفعل الذى يوصف بهذا الوصف، يجب على المؤمن أن يتنزه عنه.<br>4 - يرى الحنفية والظاهرية أنه يكفى فى الكفارة بالنسبة للظهار تحرير رقبة حتى ولو كانت كافرة، لأن الله - تعالى - يقول: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } ولو كان الإِيمان شرطا لبينه كما بينه فى كفارة القتل. فوجب أن يطلق ما أطلقه، وأن يقيد ما قيده، ويعمل بكل منهما فى موضعه.<br>ويرى جمهور الفقهاء اشتراط الإِيمان فى الرقبة، لأنه من المعروف حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه، وما دام قد ورد النص على كون الرقبة مؤمنة فى بعض الآيات، فيجب حمل بقية الآيات على ذلك.<br>5 - دل قوله - تعالى - { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } على حرمة الجماع قبل التكفير.<br>وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه، لأن الأصل فى الأحكام أنه إذا حرم شىء منها، أن يلحق بذلك الشىء المحرم ما يوصل إليه إذ طريق المحرم محرم.<br>ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط، لأن حرمة الجماع ليست لمعنى يخل بالنكاح، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه.<br>قال القرطبى: ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بشىء حتى يُكَفِّر، خلافا للشافعى فى أحد قوليه.. فإن وطئها قبل أن يكفر، استغفر الله - تعالى - وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة.<br>وقال مجاهد وغيره: عليه كفارتان.<br>6 - قوله - تعالى -: { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.. } صريح فى وجوب تتابع الصوم من غير انقطاع بين الأيام، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير عذر انقطع التتابع، ولزمه استئناف الصوم من جديد.<br>أما الإِفطار بعذر - كمرض ونحوه - فيرى بعضهم وجوب الاستئناف، لزوال التتابع الذى صرحت به الآية.<br>ويرى فريق آخر من العلماء، إن الإِفطار بعذر لا يمنع التتابع.<br>7 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - { فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما يشبعهم فى الغداء والعشاء، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإِباحة، فأيهما وقع من المكفر أجزأه، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين.<br>وأوجب الشافعية تمليك المساكين.. بأن يملك لكل مسكين مُدًّا أو صاعا من غالب قوت البلد الذى يسكنه من عليه الكفارة.<br>أما حكم من عجز عن الكفارة، فيرى جمهور العلماء أنها لا تسقط عنه، بل تستقر فى ذمته حتى يتمكن من أدائها، كسائر الديون والحقوق، فإنها لا تسقط، وإنما تبقى فى ذمة من عليه، حتى يتمكن من أدائها.<br>قال القرطبى: \"وقد ذكر الله - تعالى - الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإِطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام\".<br>هذا، ومن أراد التوسع فى هذه الأحكام الفقهية، فعليه يكتب الفروع وببعض كتب التفسير.<br>ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يحاربون الله ورسوله، ولا يدركون أنه - سبحانه - معهم أينما كانوا، ويعلم ما يتناجون به من إثم وعدوان ومعصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5224",
        "sura_number": "62",
        "ayah_number": "9",
        "aya": "",
        "sura": "الجمعة",
        "mediator": "والمقصود بالنداء فى قوله - سبحانه -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ... } جميع المكلفين بها، الذين يجب عليهم أداؤها..<br>وناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان، لتحريك حرارة الإِيمان فى قلوبهم، ولتحريضهم على المسارعة إليها، إذ من شأن المؤمن القوى، أن يكون مطيعا لما يأمره خالقه به.<br>والمراد بالنداء: الأذان والإِعلام بوقت حلولها.<br>والمقصود بالصلاة المنادى لها هنا: صلاة الجمعة، بدليل قوله - تعالى -: { مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ }.<br>واللام فى قوله { لِلصَّلاَةِ } للتعليل، و { مِن } بمعنى فى، أو للبيان، أو للتبعيض، لأن يوم الجمعة زمان، تقع فيه أعمال، منها الصلاة المعهودة فيه وهى صلاة الجمعة لأن الأمر بترك البيع خاص بها، لوجود الخطبة فيها.<br>وقوله: { فَٱسْعَوْاْ... } جواب الشرط، من السعى، وهو المشى السريع.<br>والمراد به هنا: المشى المتوسط بوقار وسكينة، وحسن تهيؤ لصلاة الجمعة..<br>قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: { فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أى: امشوا إليه بدون إفراط فى السرعة..<br>فقد أخرج الستة فى كتبهم عن أبى سلمة من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا\" .<br>والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة جميعا، لاشتمالهما عليه، واستظهر بعضهم أن المراد به الصلاة، وقصره بعضهم على الخطبة...<br>وإنما عبر - سبحانه - بالسعى لتضمنه معنى زائدا على المشى، وهو الجد والحرص على التبكير، وعلى توقى التأخير.<br>والمعنى: يامن آمنتم بالله حق الإِيمان، إذا نادى المنادى لأجل الصلاة فى يوم الجمعة، فامضوا إليها بجد، وإخلاص نية، وحرص على الانتفاع بما تسمعونه من خطبة الجمعة، التى هى لون من ألوان ذكر الله - تعالى - وطاعته.<br>والأمر فى قوله - سبحانه -: { فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ.. } الظاهر أنه للوجوب، لأن الأمر يقتضى الوجوب، ما لم يوجد له صارف عن ذلك، ولا صارف له هنا.<br>والمراد من البيع هنا: المعاملة بجميع أنواعها، فهو يعم البيع والشراء وسائر أنواع المعاملات.<br>أى: إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة، فاخرجوا إليها بحرص وسكينة ووقار. واتركوا المعاملات الدنيوية من بيع، وشراء، وإجارة، وغيرها.<br>وإنما قال - سبحانه -: { وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ... } لأنه أهم أنواع المعاملات، فهو من باب التعبير عن الشىء بأهم أجزائه.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه -: { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعود إلى ما سبق ذكره من الأمر بالسعى إلى ذكر الله، متى نودى للصلاة، وترك الاشتغال بالبيع وما يشبهه.<br>أى: ذلك الذى أمرتكم به من السعى إلى ذكر الله عند النداء للصلاة من يوم الجمعة، ومن ترك أعمالكم الدنيوية.. خير لكم مما يحصل لكم من رزق فى هذه الأوقات، عن طريق البيع أو الشراء أو غيرهما.<br>فالمفضل عليه محذوف، لدلالة  الكلام عليه، والمفضل هو السعى إلى ذكر الله - تعالى -.<br>وهذا التفضيل باعتبار أن منافع السعى إلى ذكر الله - تعالى - باقية دائمة، أما المنافع الدنيوية فهى زائلة فانية..<br>وجواب الشرط فى قوله { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } محذوف: أى: إن كنتم تعلمون ما هو خير لكم، فاسعوا إلى ذكر الله عند النداء للصلاة، واتركوا البيع والشراء.<br>أو إن كنتم من أهل العلم والفقه السليم للأمور، عرفتم أن امتثال أمر الله - تعلى - بأن تسعوا، إلى ذكره عند النداء لصلاة الجمعة، خير لكم من الاشتغال فى هذا الوقت بالبيع والشراء..<br>إذ فى هذا الامتثال سعادتكم ونجاتكم من خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تيسيره عليهم فى تشريعاته فقال: { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ... }.<br>أى: فإذا فرغتم من أداء الصلاة وأقمتموها على أكل وجه، فانتشروا فى الأرض، وامشوا فى مناكبها، لأداء أعمالكم التى كنتم قد تركتموها عند النداء للصلاة، واطلبوا الربح واكتساب المال والرزق، من فضل الله - تعالى - ومن فيض إنعامه، والأمر هنا للإِباحة، لأنه وارد بعد حظر، فهو كقوله - تعالى -: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ... } أى: أن الانتشار فى الأرض بعد الصلاة لطلب الرزق، ليس واجبا عليهم، إذ طلب الرزق قد يكون فى هذا الوقت، وقد يكون فى غيره..<br>والمقصود من الآية إنما هو تنبيه الناس، إلى أن لهم فى غير وقت الصلاة، سعة من الزمن فى طلب الرزق، وفى الاشتغال بالأمور الدنيوية، فعليهم أن يسعوا إلى ذكر الله، إذا ما نودى للصلاة من يوم الجمعة، وأن يحرصوا على ذلك حرصا تاما، مصحوبا بالنية الطيبة، وبالهيئة الحسنة. وبالمضى المبكر إلى المسجد.<br>وقوله - سبحانه -: { وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تحذير لهم من الانتشار فى الأرض لمصالحهم الدنيوية، دون أن يعطو طاعة الله - تعالى - وعبادته، ما تستحقه من عناية ومواظبة.<br>أى: إذا قضيت الصلاة، فانتشروا فى الأرض لتحصيل معاشكم، دون أن يشغلكم ذلك عن الإِكثار من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم، فإن الفلاح كل الفلاح فى تقديم ما يتعلق بأمور الدين، على ما يتعلق بأمور الدنيا، وفى تفضيل ما يبقى على ما يفنى.<br>والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها ترسم للمسلم التوازن السامى، بين ما يقتضيه دينه، وما تقتضيه دنياه.<br>إنها تأمره بالسعى فى الأرض، ولكن فى غير وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة، ودون أن يشغله هذا السعى عن الإِكثار من ذكر الله، فإن الفلاح فى الإِقبال على الطاعات التى ترضيه - سبحانه -: ومن بين هذه الطاعات أن يكثر الإِنسان من ذكر الله - تعالى -، حتى فى حالة سعيه لتحصيل رزقه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل فى طياته ثوب التأديب والإِرشاد والتأنيب، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى -: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً... }.<br>قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: يعاتب - تبارك وتعالى - على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة، التى قدمت المدينة يومئذ، فقال: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً... }.<br>فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال: قدمت عِيرٌ - أى: تجارة - المدينة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة - فخرج الناس، وبقى اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية.<br>وفى رواية عن جابر - أيضا - أنه قال:  \"بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة، فابتدرها الناس، حتى لم يبق مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: والذى نفسى بيده، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادى نارا\"  ونزلت هذه الآية..br>>وفى رواية أن الذين بقوا فى المسجد كانوا أربعين، وأن العير كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر...<br>وفى رواية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب، فقدم دحية الكلى بتجارة له. فتلقاه أهله بالدفوف. فخرج الناس.<br>و \"إذا\" فى قوله - تعالى -: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً... } ظرف للزمان الماضى المجرد عن الشرط، لأن هذه الآية نزلت على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله: { ٱنفَضُّوۤاْ } من الانفضاض، بمعنى التفرق. يقال: انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه، وهو من الفض، بمعنى كسر الشىء والتفريق بين أجزائه.<br>والضمير فى قوله { إِلَيْهَا } يعود للتجارة، وكانت عودته إليها دون اللهو، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة، والمراد باللهو هنا: فرحهم بمجىء التجارة واستقبالهم لها بالدفوف، لأنهم كانوا فى حالة شديدة من الفقر وغلاء الأسعار.<br>والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة، وأن البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو.<br>قال الجمل فى حاشيته: والذى سوغ لهم الخروج وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطب، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز، لانقضاء المقصود وهو الصلاة، لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - فى أول الإِسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، فلما وقعت هذه الواقعة، ونزلت الآية، قدم الخطبة وأخر الصلاة...<br>وقوله - سبحانه -: { وَتَرَكُوكَ قَآئِماً } جملة حالية من فاعل { ٱنفَضُّوۤاْ } والمقصود بها توبيخهم على هذا التصرف، حيث تركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا يخطب على المبنر، وانصرفوا إلى التجارة واللهو.<br>وقوله - سبحانه -: { قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب.. قل لهم: ما عند الله - تعالى - من ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذى يشغلكم عن ذكر الله، ومن التجارة التى تبتغون من ورائها الربح المادى، والمنافع العاجلة.<br>والله - تعالى - هو خير الرازقين لأنه - سبحانه - هو وحده الذى يقسم الأرزاق، وهو الذى يعطى ويمنع، كما قال - سبحانه -: { مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } وقدمت التجارة على اللهو فى صدر الآية، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم على الانفضاض إليها، وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائما يخطب على المنبر، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه.<br>وأخرت فى آخر الآية وقدم اللهو عليها، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد وأوجع، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك.<br>هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:<br>1 - فضل يوم الجمعة، وفضل صلاة يوم الجمعة، والتحذير من ترك أدائها.<br>ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى هرير، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة\" .<br>وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول:  \"نحن الآخرون - أى: زمنا - السابقون يوم القيامة قبل غيرهم -، بيد أنهم - أى: اليهود والنصارى - أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذى فرض عليهم - أى: تعظيمه - فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا - أى: السبت - والنصارى بعد غد - أى: الأحد -\" .<br>وروى مسلم والنسائى عن ابن عمر أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد مبره:  \"لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات - أى: تركهم صلاة الجمعة - أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين..\" .<br>قال القرطبى ما ملخصه: وإنما سميت الجمعة جمعة، لأنها مشتقة من الجمع حيث يجتمع الناس فيها للصلاة.. وكان يقال ليوم الجمعة: العَرُوبة..<br>قال البيهقى: وروينا عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهرى، أن مصعب بن عمير، كان أول من جمَّع الجمعة بالمدينة بالمسلمين، قبل أن يهاجر إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم -.<br>ثم قال القرطبى: وأما أول جمعة جمعها - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، قال أهل السير والتاريخ:  \"قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا حتى نزل بقباء، على بنى عمروا بن عوف، يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى - ومن تلك السنة يعد التاريخ - فأقام بقباء إلى يوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فى بطن وادٍ لهم، فجمع بهم وخطب، وهى أول خطبة خطبها بالمدينة، وقال فيها: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره، وأستهديه\" .<br>2 - الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعى إلى صلاة الجمعة عند النداء لها، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور إليها، وبالغسل لها، وبمس الطيب، وبالحضور إليها على أحسن حالة..<br>ومن تلك الأحاديث ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أى: كغسل الجنابة - ثم راح إلى المسجد، فكأنما قرب بدنة - أى: ناقة ضخمة.. ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن - أى له قرون - ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\" .<br>وروى ابن ماجه عن ابن مسعود قال: سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول:  \"إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر تراوحهم إلى الجمعات، الأول ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد\" .<br>وروى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب مس منه..\" .<br>3 - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: { ... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ .. } أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى لأدائها واجب، وأن ترك ذلك محرم شرعا..<br>ومن المعروف بين العلماء أن الأمر يقتضى الوجوب، ما لم يوجد له صارف، ولا صارف له هنا..<br>قال الإِمام القرطبى: فرض الله - تعالى - الجمعة على كل مسلم، ردا على من يقول: إنها فرض على الكفاية، ونقل عن بعض الشافعية أنها سنة.<br>وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان، لقوله - تعالى -: { ... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ... }.<br>وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"لينتهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعَاتِ أو ليخَتِمَنَّ الله على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين\" .<br>وهذا حجة واضحة فى وجوب الجمعة وفرضيتها...<br>قال بعض العلماء: جاء فى الآية الكريمة الأمر بالسعى، والأمر للوجوب فيكون السعى واجبا، وقد أخذ العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة، لأنه - سبحانه - قد رتب الأمر للذكر على النداء للصلاة، فأذا كان المراد بالذكر هو الصلاة، فالدلالة ظاهرة، لأنه لا يكون السعى لشىء واجبا، حتى يكون ذلك الشىء واجبا.<br>وأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط، فهو كذلك لأن الخطبة شرط الصلاة، وقد أمر بالسعى إليه، والأمر للوجوب، فإذا وجب السعى للمقصود تبعا، فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب..<br>كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء محرم، لأن الأمر للوجوب، وقال بعضهم: هو مكروه كراهة تحريم...<br>ومما يدل على أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى إليها واجب، وأن الاشتغال عنها بالبيع أبو الشراء محرم، ما جاء فى الأحاديث من الأمر بالمحافظة عليها، ومن التحذير من تركها، ومن ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبى الجعد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"من ترك ثلاث جمع تهاونا بها، طبع الله على قلبه\" .<br>4 - قوله - تعالى -: { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ.. } يدل دلالة واضحة، على سمو شريعة الإِسلام، وعلى سماحتها ويسرها، وجمعها بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة.<br>ومع أن هذا الأمر بالانتشار بعد الصلاة للإِباحة - كما سبق أن قلنا - إلا أن بعض السف كان إذا انتهت الصلاة، خرج من المسجد، ودار فى السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلى ما شاء أن يصلى.<br>قال الإِمام ابن كثير: كان عراك بن مالك - أحد كبار التابعين - إذا صلى الجمعة، انصرف فوقف على باب المسجد وقال: اللهم إنى أجبت دعوتك وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتنى، فارزقنى من فضلك وأنت خير الرازقين...<br>هذا، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء فى الحديث عنها، فليرجع إليها من شاء المزيد من معرفة هذه الأحكام والآداب..<br>وبعد فهذا تفسير لسورة \"الجمعة\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده..<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5225",
        "sura_number": "62",
        "ayah_number": "10",
        "aya": "",
        "sura": "الجمعة",
        "mediator": "والمقصود بالنداء فى قوله - سبحانه -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ... } جميع المكلفين بها، الذين يجب عليهم أداؤها..<br>وناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان، لتحريك حرارة الإِيمان فى قلوبهم، ولتحريضهم على المسارعة إليها، إذ من شأن المؤمن القوى، أن يكون مطيعا لما يأمره خالقه به.<br>والمراد بالنداء: الأذان والإِعلام بوقت حلولها.<br>والمقصود بالصلاة المنادى لها هنا: صلاة الجمعة، بدليل قوله - تعالى -: { مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ }.<br>واللام فى قوله { لِلصَّلاَةِ } للتعليل، و { مِن } بمعنى فى، أو للبيان، أو للتبعيض، لأن يوم الجمعة زمان، تقع فيه أعمال، منها الصلاة المعهودة فيه وهى صلاة الجمعة لأن الأمر بترك البيع خاص بها، لوجود الخطبة فيها.<br>وقوله: { فَٱسْعَوْاْ... } جواب الشرط، من السعى، وهو المشى السريع.<br>والمراد به هنا: المشى المتوسط بوقار وسكينة، وحسن تهيؤ لصلاة الجمعة..<br>قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: { فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أى: امشوا إليه بدون إفراط فى السرعة..<br>فقد أخرج الستة فى كتبهم عن أبى سلمة من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا\" .<br>والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة جميعا، لاشتمالهما عليه، واستظهر بعضهم أن المراد به الصلاة، وقصره بعضهم على الخطبة...<br>وإنما عبر - سبحانه - بالسعى لتضمنه معنى زائدا على المشى، وهو الجد والحرص على التبكير، وعلى توقى التأخير.<br>والمعنى: يامن آمنتم بالله حق الإِيمان، إذا نادى المنادى لأجل الصلاة فى يوم الجمعة، فامضوا إليها بجد، وإخلاص نية، وحرص على الانتفاع بما تسمعونه من خطبة الجمعة، التى هى لون من ألوان ذكر الله - تعالى - وطاعته.<br>والأمر فى قوله - سبحانه -: { فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ.. } الظاهر أنه للوجوب، لأن الأمر يقتضى الوجوب، ما لم يوجد له صارف عن ذلك، ولا صارف له هنا.<br>والمراد من البيع هنا: المعاملة بجميع أنواعها، فهو يعم البيع والشراء وسائر أنواع المعاملات.<br>أى: إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة، فاخرجوا إليها بحرص وسكينة ووقار. واتركوا المعاملات الدنيوية من بيع، وشراء، وإجارة، وغيرها.<br>وإنما قال - سبحانه -: { وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ... } لأنه أهم أنواع المعاملات، فهو من باب التعبير عن الشىء بأهم أجزائه.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه -: { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعود إلى ما سبق ذكره من الأمر بالسعى إلى ذكر الله، متى نودى للصلاة، وترك الاشتغال بالبيع وما يشبهه.<br>أى: ذلك الذى أمرتكم به من السعى إلى ذكر الله عند النداء للصلاة من يوم الجمعة، ومن ترك أعمالكم الدنيوية.. خير لكم مما يحصل لكم من رزق فى هذه الأوقات، عن طريق البيع أو الشراء أو غيرهما.<br>فالمفضل عليه محذوف، لدلالة  الكلام عليه، والمفضل هو السعى إلى ذكر الله - تعالى -.<br>وهذا التفضيل باعتبار أن منافع السعى إلى ذكر الله - تعالى - باقية دائمة، أما المنافع الدنيوية فهى زائلة فانية..<br>وجواب الشرط فى قوله { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } محذوف: أى: إن كنتم تعلمون ما هو خير لكم، فاسعوا إلى ذكر الله عند النداء للصلاة، واتركوا البيع والشراء.<br>أو إن كنتم من أهل العلم والفقه السليم للأمور، عرفتم أن امتثال أمر الله - تعلى - بأن تسعوا، إلى ذكره عند النداء لصلاة الجمعة، خير لكم من الاشتغال فى هذا الوقت بالبيع والشراء..<br>إذ فى هذا الامتثال سعادتكم ونجاتكم من خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تيسيره عليهم فى تشريعاته فقال: { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ... }.<br>أى: فإذا فرغتم من أداء الصلاة وأقمتموها على أكل وجه، فانتشروا فى الأرض، وامشوا فى مناكبها، لأداء أعمالكم التى كنتم قد تركتموها عند النداء للصلاة، واطلبوا الربح واكتساب المال والرزق، من فضل الله - تعالى - ومن فيض إنعامه، والأمر هنا للإِباحة، لأنه وارد بعد حظر، فهو كقوله - تعالى -: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ... } أى: أن الانتشار فى الأرض بعد الصلاة لطلب الرزق، ليس واجبا عليهم، إذ طلب الرزق قد يكون فى هذا الوقت، وقد يكون فى غيره..<br>والمقصود من الآية إنما هو تنبيه الناس، إلى أن لهم فى غير وقت الصلاة، سعة من الزمن فى طلب الرزق، وفى الاشتغال بالأمور الدنيوية، فعليهم أن يسعوا إلى ذكر الله، إذا ما نودى للصلاة من يوم الجمعة، وأن يحرصوا على ذلك حرصا تاما، مصحوبا بالنية الطيبة، وبالهيئة الحسنة. وبالمضى المبكر إلى المسجد.<br>وقوله - سبحانه -: { وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تحذير لهم من الانتشار فى الأرض لمصالحهم الدنيوية، دون أن يعطو طاعة الله - تعالى - وعبادته، ما تستحقه من عناية ومواظبة.<br>أى: إذا قضيت الصلاة، فانتشروا فى الأرض لتحصيل معاشكم، دون أن يشغلكم ذلك عن الإِكثار من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم، فإن الفلاح كل الفلاح فى تقديم ما يتعلق بأمور الدين، على ما يتعلق بأمور الدنيا، وفى تفضيل ما يبقى على ما يفنى.<br>والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها ترسم للمسلم التوازن السامى، بين ما يقتضيه دينه، وما تقتضيه دنياه.<br>إنها تأمره بالسعى فى الأرض، ولكن فى غير وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة، ودون أن يشغله هذا السعى عن الإِكثار من ذكر الله، فإن الفلاح فى الإِقبال على الطاعات التى ترضيه - سبحانه -: ومن بين هذه الطاعات أن يكثر الإِنسان من ذكر الله - تعالى -، حتى فى حالة سعيه لتحصيل رزقه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل فى طياته ثوب التأديب والإِرشاد والتأنيب، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى -: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً... }.<br>قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: يعاتب - تبارك وتعالى - على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة، التى قدمت المدينة يومئذ، فقال: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً... }.<br>فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال: قدمت عِيرٌ - أى: تجارة - المدينة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة - فخرج الناس، وبقى اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية.<br>وفى رواية عن جابر - أيضا - أنه قال:  \"بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة، فابتدرها الناس، حتى لم يبق مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: والذى نفسى بيده، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادى نارا\"  ونزلت هذه الآية..br>>وفى رواية أن الذين بقوا فى المسجد كانوا أربعين، وأن العير كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر...<br>وفى رواية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب، فقدم دحية الكلى بتجارة له. فتلقاه أهله بالدفوف. فخرج الناس.<br>و \"إذا\" فى قوله - تعالى -: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً... } ظرف للزمان الماضى المجرد عن الشرط، لأن هذه الآية نزلت على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله: { ٱنفَضُّوۤاْ } من الانفضاض، بمعنى التفرق. يقال: انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه، وهو من الفض، بمعنى كسر الشىء والتفريق بين أجزائه.<br>والضمير فى قوله { إِلَيْهَا } يعود للتجارة، وكانت عودته إليها دون اللهو، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة، والمراد باللهو هنا: فرحهم بمجىء التجارة واستقبالهم لها بالدفوف، لأنهم كانوا فى حالة شديدة من الفقر وغلاء الأسعار.<br>والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة، وأن البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو.<br>قال الجمل فى حاشيته: والذى سوغ لهم الخروج وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطب، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز، لانقضاء المقصود وهو الصلاة، لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - فى أول الإِسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، فلما وقعت هذه الواقعة، ونزلت الآية، قدم الخطبة وأخر الصلاة...<br>وقوله - سبحانه -: { وَتَرَكُوكَ قَآئِماً } جملة حالية من فاعل { ٱنفَضُّوۤاْ } والمقصود بها توبيخهم على هذا التصرف، حيث تركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا يخطب على المبنر، وانصرفوا إلى التجارة واللهو.<br>وقوله - سبحانه -: { قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب.. قل لهم: ما عند الله - تعالى - من ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذى يشغلكم عن ذكر الله، ومن التجارة التى تبتغون من ورائها الربح المادى، والمنافع العاجلة.<br>والله - تعالى - هو خير الرازقين لأنه - سبحانه - هو وحده الذى يقسم الأرزاق، وهو الذى يعطى ويمنع، كما قال - سبحانه -: { مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } وقدمت التجارة على اللهو فى صدر الآية، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم على الانفضاض إليها، وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائما يخطب على المنبر، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه.<br>وأخرت فى آخر الآية وقدم اللهو عليها، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد وأوجع، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك.<br>هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:<br>1 - فضل يوم الجمعة، وفضل صلاة يوم الجمعة، والتحذير من ترك أدائها.<br>ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى هرير، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة\" .<br>وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول:  \"نحن الآخرون - أى: زمنا - السابقون يوم القيامة قبل غيرهم -، بيد أنهم - أى: اليهود والنصارى - أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذى فرض عليهم - أى: تعظيمه - فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا - أى: السبت - والنصارى بعد غد - أى: الأحد -\" .<br>وروى مسلم والنسائى عن ابن عمر أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد مبره:  \"لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات - أى: تركهم صلاة الجمعة - أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين..\" .<br>قال القرطبى ما ملخصه: وإنما سميت الجمعة جمعة، لأنها مشتقة من الجمع حيث يجتمع الناس فيها للصلاة.. وكان يقال ليوم الجمعة: العَرُوبة..<br>قال البيهقى: وروينا عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهرى، أن مصعب بن عمير، كان أول من جمَّع الجمعة بالمدينة بالمسلمين، قبل أن يهاجر إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم -.<br>ثم قال القرطبى: وأما أول جمعة جمعها - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، قال أهل السير والتاريخ:  \"قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا حتى نزل بقباء، على بنى عمروا بن عوف، يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى - ومن تلك السنة يعد التاريخ - فأقام بقباء إلى يوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فى بطن وادٍ لهم، فجمع بهم وخطب، وهى أول خطبة خطبها بالمدينة، وقال فيها: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره، وأستهديه\" .<br>2 - الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعى إلى صلاة الجمعة عند النداء لها، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور إليها، وبالغسل لها، وبمس الطيب، وبالحضور إليها على أحسن حالة..<br>ومن تلك الأحاديث ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أى: كغسل الجنابة - ثم راح إلى المسجد، فكأنما قرب بدنة - أى: ناقة ضخمة.. ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن - أى له قرون - ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\" .<br>وروى ابن ماجه عن ابن مسعود قال: سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول:  \"إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر تراوحهم إلى الجمعات، الأول ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد\" .<br>وروى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب مس منه..\" .<br>3 - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: { ... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ .. } أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى لأدائها واجب، وأن ترك ذلك محرم شرعا..<br>ومن المعروف بين العلماء أن الأمر يقتضى الوجوب، ما لم يوجد له صارف، ولا صارف له هنا..<br>قال الإِمام القرطبى: فرض الله - تعالى - الجمعة على كل مسلم، ردا على من يقول: إنها فرض على الكفاية، ونقل عن بعض الشافعية أنها سنة.<br>وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان، لقوله - تعالى -: { ... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ... }.<br>وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"لينتهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعَاتِ أو ليخَتِمَنَّ الله على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين\" .<br>وهذا حجة واضحة فى وجوب الجمعة وفرضيتها...<br>قال بعض العلماء: جاء فى الآية الكريمة الأمر بالسعى، والأمر للوجوب فيكون السعى واجبا، وقد أخذ العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة، لأنه - سبحانه - قد رتب الأمر للذكر على النداء للصلاة، فأذا كان المراد بالذكر هو الصلاة، فالدلالة ظاهرة، لأنه لا يكون السعى لشىء واجبا، حتى يكون ذلك الشىء واجبا.<br>وأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط، فهو كذلك لأن الخطبة شرط الصلاة، وقد أمر بالسعى إليه، والأمر للوجوب، فإذا وجب السعى للمقصود تبعا، فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب..<br>كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء محرم، لأن الأمر للوجوب، وقال بعضهم: هو مكروه كراهة تحريم...<br>ومما يدل على أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى إليها واجب، وأن الاشتغال عنها بالبيع أبو الشراء محرم، ما جاء فى الأحاديث من الأمر بالمحافظة عليها، ومن التحذير من تركها، ومن ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبى الجعد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"من ترك ثلاث جمع تهاونا بها، طبع الله على قلبه\" .<br>4 - قوله - تعالى -: { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ.. } يدل دلالة واضحة، على سمو شريعة الإِسلام، وعلى سماحتها ويسرها، وجمعها بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة.<br>ومع أن هذا الأمر بالانتشار بعد الصلاة للإِباحة - كما سبق أن قلنا - إلا أن بعض السف كان إذا انتهت الصلاة، خرج من المسجد، ودار فى السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلى ما شاء أن يصلى.<br>قال الإِمام ابن كثير: كان عراك بن مالك - أحد كبار التابعين - إذا صلى الجمعة، انصرف فوقف على باب المسجد وقال: اللهم إنى أجبت دعوتك وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتنى، فارزقنى من فضلك وأنت خير الرازقين...<br>هذا، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء فى الحديث عنها، فليرجع إليها من شاء المزيد من معرفة هذه الأحكام والآداب..<br>وبعد فهذا تفسير لسورة \"الجمعة\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده..<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5226",
        "sura_number": "62",
        "ayah_number": "11",
        "aya": "",
        "sura": "الجمعة",
        "mediator": "والمقصود بالنداء فى قوله - سبحانه -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ... } جميع المكلفين بها، الذين يجب عليهم أداؤها..<br>وناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان، لتحريك حرارة الإِيمان فى قلوبهم، ولتحريضهم على المسارعة إليها، إذ من شأن المؤمن القوى، أن يكون مطيعا لما يأمره خالقه به.<br>والمراد بالنداء: الأذان والإِعلام بوقت حلولها.<br>والمقصود بالصلاة المنادى لها هنا: صلاة الجمعة، بدليل قوله - تعالى -: { مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ }.<br>واللام فى قوله { لِلصَّلاَةِ } للتعليل، و { مِن } بمعنى فى، أو للبيان، أو للتبعيض، لأن يوم الجمعة زمان، تقع فيه أعمال، منها الصلاة المعهودة فيه وهى صلاة الجمعة لأن الأمر بترك البيع خاص بها، لوجود الخطبة فيها.<br>وقوله: { فَٱسْعَوْاْ... } جواب الشرط، من السعى، وهو المشى السريع.<br>والمراد به هنا: المشى المتوسط بوقار وسكينة، وحسن تهيؤ لصلاة الجمعة..<br>قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: { فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أى: امشوا إليه بدون إفراط فى السرعة..<br>فقد أخرج الستة فى كتبهم عن أبى سلمة من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  \"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا\" .<br>والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة جميعا، لاشتمالهما عليه، واستظهر بعضهم أن المراد به الصلاة، وقصره بعضهم على الخطبة...<br>وإنما عبر - سبحانه - بالسعى لتضمنه معنى زائدا على المشى، وهو الجد والحرص على التبكير، وعلى توقى التأخير.<br>والمعنى: يامن آمنتم بالله حق الإِيمان، إذا نادى المنادى لأجل الصلاة فى يوم الجمعة، فامضوا إليها بجد، وإخلاص نية، وحرص على الانتفاع بما تسمعونه من خطبة الجمعة، التى هى لون من ألوان ذكر الله - تعالى - وطاعته.<br>والأمر فى قوله - سبحانه -: { فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ.. } الظاهر أنه للوجوب، لأن الأمر يقتضى الوجوب، ما لم يوجد له صارف عن ذلك، ولا صارف له هنا.<br>والمراد من البيع هنا: المعاملة بجميع أنواعها، فهو يعم البيع والشراء وسائر أنواع المعاملات.<br>أى: إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة، فاخرجوا إليها بحرص وسكينة ووقار. واتركوا المعاملات الدنيوية من بيع، وشراء، وإجارة، وغيرها.<br>وإنما قال - سبحانه -: { وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ... } لأنه أهم أنواع المعاملات، فهو من باب التعبير عن الشىء بأهم أجزائه.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه -: { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعود إلى ما سبق ذكره من الأمر بالسعى إلى ذكر الله، متى نودى للصلاة، وترك الاشتغال بالبيع وما يشبهه.<br>أى: ذلك الذى أمرتكم به من السعى إلى ذكر الله عند النداء للصلاة من يوم الجمعة، ومن ترك أعمالكم الدنيوية.. خير لكم مما يحصل لكم من رزق فى هذه الأوقات، عن طريق البيع أو الشراء أو غيرهما.<br>فالمفضل عليه محذوف، لدلالة  الكلام عليه، والمفضل هو السعى إلى ذكر الله - تعالى -.<br>وهذا التفضيل باعتبار أن منافع السعى إلى ذكر الله - تعالى - باقية دائمة، أما المنافع الدنيوية فهى زائلة فانية..<br>وجواب الشرط فى قوله { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } محذوف: أى: إن كنتم تعلمون ما هو خير لكم، فاسعوا إلى ذكر الله عند النداء للصلاة، واتركوا البيع والشراء.<br>أو إن كنتم من أهل العلم والفقه السليم للأمور، عرفتم أن امتثال أمر الله - تعلى - بأن تسعوا، إلى ذكره عند النداء لصلاة الجمعة، خير لكم من الاشتغال فى هذا الوقت بالبيع والشراء..<br>إذ فى هذا الامتثال سعادتكم ونجاتكم من خزى الدنيا وعذاب الآخرة.<br>ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تيسيره عليهم فى تشريعاته فقال: { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ... }.<br>أى: فإذا فرغتم من أداء الصلاة وأقمتموها على أكل وجه، فانتشروا فى الأرض، وامشوا فى مناكبها، لأداء أعمالكم التى كنتم قد تركتموها عند النداء للصلاة، واطلبوا الربح واكتساب المال والرزق، من فضل الله - تعالى - ومن فيض إنعامه، والأمر هنا للإِباحة، لأنه وارد بعد حظر، فهو كقوله - تعالى -: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ... } أى: أن الانتشار فى الأرض بعد الصلاة لطلب الرزق، ليس واجبا عليهم، إذ طلب الرزق قد يكون فى هذا الوقت، وقد يكون فى غيره..<br>والمقصود من الآية إنما هو تنبيه الناس، إلى أن لهم فى غير وقت الصلاة، سعة من الزمن فى طلب الرزق، وفى الاشتغال بالأمور الدنيوية، فعليهم أن يسعوا إلى ذكر الله، إذا ما نودى للصلاة من يوم الجمعة، وأن يحرصوا على ذلك حرصا تاما، مصحوبا بالنية الطيبة، وبالهيئة الحسنة. وبالمضى المبكر إلى المسجد.<br>وقوله - سبحانه -: { وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تحذير لهم من الانتشار فى الأرض لمصالحهم الدنيوية، دون أن يعطو طاعة الله - تعالى - وعبادته، ما تستحقه من عناية ومواظبة.<br>أى: إذا قضيت الصلاة، فانتشروا فى الأرض لتحصيل معاشكم، دون أن يشغلكم ذلك عن الإِكثار من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم، فإن الفلاح كل الفلاح فى تقديم ما يتعلق بأمور الدين، على ما يتعلق بأمور الدنيا، وفى تفضيل ما يبقى على ما يفنى.<br>والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها ترسم للمسلم التوازن السامى، بين ما يقتضيه دينه، وما تقتضيه دنياه.<br>إنها تأمره بالسعى فى الأرض، ولكن فى غير وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة، ودون أن يشغله هذا السعى عن الإِكثار من ذكر الله، فإن الفلاح فى الإِقبال على الطاعات التى ترضيه - سبحانه -: ومن بين هذه الطاعات أن يكثر الإِنسان من ذكر الله - تعالى -، حتى فى حالة سعيه لتحصيل رزقه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل فى طياته ثوب التأديب والإِرشاد والتأنيب، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى -: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً... }.<br>قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: يعاتب - تبارك وتعالى - على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة، التى قدمت المدينة يومئذ، فقال: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً... }.<br>فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال: قدمت عِيرٌ - أى: تجارة - المدينة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة - فخرج الناس، وبقى اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية.<br>وفى رواية عن جابر - أيضا - أنه قال:  \"بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة، فابتدرها الناس، حتى لم يبق مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: والذى نفسى بيده، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادى نارا\"  ونزلت هذه الآية..br>>وفى رواية أن الذين بقوا فى المسجد كانوا أربعين، وأن العير كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر...<br>وفى رواية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب، فقدم دحية الكلى بتجارة له. فتلقاه أهله بالدفوف. فخرج الناس.<br>و \"إذا\" فى قوله - تعالى -: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً... } ظرف للزمان الماضى المجرد عن الشرط، لأن هذه الآية نزلت على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله: { ٱنفَضُّوۤاْ } من الانفضاض، بمعنى التفرق. يقال: انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه، وهو من الفض، بمعنى كسر الشىء والتفريق بين أجزائه.<br>والضمير فى قوله { إِلَيْهَا } يعود للتجارة، وكانت عودته إليها دون اللهو، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة، والمراد باللهو هنا: فرحهم بمجىء التجارة واستقبالهم لها بالدفوف، لأنهم كانوا فى حالة شديدة من الفقر وغلاء الأسعار.<br>والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة، وأن البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو.<br>قال الجمل فى حاشيته: والذى سوغ لهم الخروج وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطب، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز، لانقضاء المقصود وهو الصلاة، لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - فى أول الإِسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، فلما وقعت هذه الواقعة، ونزلت الآية، قدم الخطبة وأخر الصلاة...<br>وقوله - سبحانه -: { وَتَرَكُوكَ قَآئِماً } جملة حالية من فاعل { ٱنفَضُّوۤاْ } والمقصود بها توبيخهم على هذا التصرف، حيث تركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا يخطب على المبنر، وانصرفوا إلى التجارة واللهو.<br>وقوله - سبحانه -: { قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم.<br>أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب.. قل لهم: ما عند الله - تعالى - من ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذى يشغلكم عن ذكر الله، ومن التجارة التى تبتغون من ورائها الربح المادى، والمنافع العاجلة.<br>والله - تعالى - هو خير الرازقين لأنه - سبحانه - هو وحده الذى يقسم الأرزاق، وهو الذى يعطى ويمنع، كما قال - سبحانه -: { مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } وقدمت التجارة على اللهو فى صدر الآية، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم على الانفضاض إليها، وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائما يخطب على المنبر، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه.<br>وأخرت فى آخر الآية وقدم اللهو عليها، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد وأوجع، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك.<br>هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:<br>1 - فضل يوم الجمعة، وفضل صلاة يوم الجمعة، والتحذير من ترك أدائها.<br>ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى هرير، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة\" .<br>وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول:  \"نحن الآخرون - أى: زمنا - السابقون يوم القيامة قبل غيرهم -، بيد أنهم - أى: اليهود والنصارى - أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذى فرض عليهم - أى: تعظيمه - فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا - أى: السبت - والنصارى بعد غد - أى: الأحد -\" .<br>وروى مسلم والنسائى عن ابن عمر أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد مبره:  \"لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات - أى: تركهم صلاة الجمعة - أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين..\" .<br>قال القرطبى ما ملخصه: وإنما سميت الجمعة جمعة، لأنها مشتقة من الجمع حيث يجتمع الناس فيها للصلاة.. وكان يقال ليوم الجمعة: العَرُوبة..<br>قال البيهقى: وروينا عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهرى، أن مصعب بن عمير، كان أول من جمَّع الجمعة بالمدينة بالمسلمين، قبل أن يهاجر إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم -.<br>ثم قال القرطبى: وأما أول جمعة جمعها - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، قال أهل السير والتاريخ:  \"قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا حتى نزل بقباء، على بنى عمروا بن عوف، يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى - ومن تلك السنة يعد التاريخ - فأقام بقباء إلى يوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فى بطن وادٍ لهم، فجمع بهم وخطب، وهى أول خطبة خطبها بالمدينة، وقال فيها: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره، وأستهديه\" .<br>2 - الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعى إلى صلاة الجمعة عند النداء لها، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور إليها، وبالغسل لها، وبمس الطيب، وبالحضور إليها على أحسن حالة..<br>ومن تلك الأحاديث ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أى: كغسل الجنابة - ثم راح إلى المسجد، فكأنما قرب بدنة - أى: ناقة ضخمة.. ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن - أى له قرون - ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\" .<br>وروى ابن ماجه عن ابن مسعود قال: سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول:  \"إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر تراوحهم إلى الجمعات، الأول ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد\" .<br>وروى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب مس منه..\" .<br>3 - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: { ... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ .. } أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى لأدائها واجب، وأن ترك ذلك محرم شرعا..<br>ومن المعروف بين العلماء أن الأمر يقتضى الوجوب، ما لم يوجد له صارف، ولا صارف له هنا..<br>قال الإِمام القرطبى: فرض الله - تعالى - الجمعة على كل مسلم، ردا على من يقول: إنها فرض على الكفاية، ونقل عن بعض الشافعية أنها سنة.<br>وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان، لقوله - تعالى -: { ... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ... }.<br>وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:  \"لينتهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعَاتِ أو ليخَتِمَنَّ الله على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين\" .<br>وهذا حجة واضحة فى وجوب الجمعة وفرضيتها...<br>قال بعض العلماء: جاء فى الآية الكريمة الأمر بالسعى، والأمر للوجوب فيكون السعى واجبا، وقد أخذ العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة، لأنه - سبحانه - قد رتب الأمر للذكر على النداء للصلاة، فأذا كان المراد بالذكر هو الصلاة، فالدلالة ظاهرة، لأنه لا يكون السعى لشىء واجبا، حتى يكون ذلك الشىء واجبا.<br>وأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط، فهو كذلك لأن الخطبة شرط الصلاة، وقد أمر بالسعى إليه، والأمر للوجوب، فإذا وجب السعى للمقصود تبعا، فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب..<br>كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء محرم، لأن الأمر للوجوب، وقال بعضهم: هو مكروه كراهة تحريم...<br>ومما يدل على أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى إليها واجب، وأن الاشتغال عنها بالبيع أبو الشراء محرم، ما جاء فى الأحاديث من الأمر بالمحافظة عليها، ومن التحذير من تركها، ومن ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبى الجعد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"من ترك ثلاث جمع تهاونا بها، طبع الله على قلبه\" .<br>4 - قوله - تعالى -: { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ.. } يدل دلالة واضحة، على سمو شريعة الإِسلام، وعلى سماحتها ويسرها، وجمعها بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة.<br>ومع أن هذا الأمر بالانتشار بعد الصلاة للإِباحة - كما سبق أن قلنا - إلا أن بعض السف كان إذا انتهت الصلاة، خرج من المسجد، ودار فى السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلى ما شاء أن يصلى.<br>قال الإِمام ابن كثير: كان عراك بن مالك - أحد كبار التابعين - إذا صلى الجمعة، انصرف فوقف على باب المسجد وقال: اللهم إنى أجبت دعوتك وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتنى، فارزقنى من فضلك وأنت خير الرازقين...<br>هذا، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء فى الحديث عنها، فليرجع إليها من شاء المزيد من معرفة هذه الأحكام والآداب..<br>وبعد فهذا تفسير لسورة \"الجمعة\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده..<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5235",
        "sura_number": "63",
        "ayah_number": "9",
        "aya": "",
        "sura": "المنافقون",
        "mediator": "والمقصود من هذه الآيات الكريمة نهى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين الذين سبق الحديث عنهم بصورة مفصلة، وحضهم على الاستجابة لما كلفهم الله - تعالى - به. أى: يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا، { لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ... } أى: لا تشغلكم أموالكم التى تهتمون بجمعها وتحصيلها.. ولا أولادكم الذين هم أشهى ثمرات حياتكم.. لا يشغلكم ذلك عن أداء ما كلفكم - سبحانه - بأدائه من طاعات، فالمراد بذكر الله، ما يشمل جميع التكاليف من صلاة وزكاة وصيام وحج، وغير ذلك من الطاعات  التى أمر الله - تعالى - بها. <br>وخص الأموال والأولاد بتوجيه النهى عن الاشتغال بهما اشتغالا يلهى عن ذكر الله، لأنهما أكثر الأشياء التى تلهى عن طاعة الله - تعالى..<br>فمن أجل الاشتغال بجمع المال، يقضى الإِنسان معظم حياته، وكثير من الناس من أجل جمع المال، يضحون بما يفرضه عليهم دينهم من واجبات، ومن أخلاق، ومن سلوك وآداب..<br>ومن أجل راحة الأولاد قد يضحى الآباء براحتهم، وبما تقضى به المروءة، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول:  \"الولد مجبنة مبخلة\" .<br>والتعبير بقوله - تعالى -: { لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } يشعر بأن المسلم إذا اشتغل بجمع المال. وبرعاية الأولاد، دون أن يصرفه ذلك عن طاعة الله، أو عن أداء حق من حقوقه - تعالى -، فإن هذا الاشتغال لا يكون مذموما، بل يكون مرضيا عنه من الله - تعالى -.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه -: { وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } يعود إلى ما سبق ذكره من اللهو عن ذكر الله، بسبب الأموال والأولاد. <br>أى: ومن يشغله حبه لماله وأولاده عن ذكر الله، وعن أداء ما كلفه - سبحانه - به، فأولئك هم البالغون أقصى درجات الخسرات والغفلة، لأنهم خالفوا ما أمرهم به ربهم، وآثروا ما ينفعهم فى عاجلتهم الفانية، على ما ينفعهم فى آجلتهم الباقية، ثم حضهم - سبحانه - على الإِنفاق فى سبيله فقال: { وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ }.<br>والمراد بالإِنفاق: إنفاق المال فى وجوه الخير والطاعات، فيشمل الزكاة المفروضة، والصدقات المستحبة، وغير ذلك من وجوه البر والخير.<br>و \"من\" فى قوله - تعالى - { مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ } للتبعيض إذ المطلوب إنفاقه بعض المال الذى يملكه الإِنسان، وليس كله، وهذا من باب التوسعة منه - تعالى - على  عباده، ومن مظاهر سماحة شريعته - عز وجل -.<br>والمراد بالموت: علاماته وأماراته الدالة على قرب وقوعه.<br>وقوله { فَيَقُولُ } معطوف على قوله { أَن يَأْتِيَ } ومسبب عنه.<br>و { لَوْلاۤ } بمعنى هلا فهى حرف تحضيض.<br>وقوله: { فَأَصَّدَّقَ } منصوب على أنه فى جواب التمنى، وقوله: { وَأَكُن } بالجزم، لأنه معطوف على محل { فَأَصَّدَّقَ } كأنه قيل: إن أخرتنى إلى أجل قريب أتصدق وأكن من الصالحين.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان، لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن طاعة الله - تعالى - بل داوموا عليها كل المداومة، وأنفقوا بسخاء وسماحة نفس مما أعطيناكم من أرزاق كثيرة، ومن نعم لا تحصى، وليكن إنفاقكم من قبل أن تنزل بأحدكم أمارات الموت وعلاماته..<br>وحينئذ يقول أحدكم يارب، هلا أخرت وفاتى إلى وقت قريب من الزمان لكى أتدارك ما فاتنى من تقصير، ولكى أتصدق بالكثير من مالى، وأكون من عبادك الصالحين.<br>وقال - سبحانه -، { مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ } فأسند الزرق إليه، لكى يكون أدعى إلى الامتثال والاستجابة، لأنه - سبحانه - مع أن الأرزاق جميعها منه، إلا أنه - فضلا منه وكرما - اكتفى منهم بإنفاق جزء من تلك الأزراق.<br>وقدم - سبحانه - المفعول وهو \"أحدكم\" على الفاعل وهو \"الموت\"، للإهتمام بالمفعول، وللإِشعار بأن الموت نازل بكل إنسان لا محالة.<br>والتعبير بقوله: { لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ.... } يشعر بأن القائل قد قال ذلك زيادة فى تأميل الاستجابة، فكأنه يقول: يا رب ألتمس منك أن تؤخر أجلى إلى وقت قريب لا إلى وقت بعيد لكى أتدارك ما فاتنى فى هذا الوقت القريب الذى هو منتهى سؤالى، وغاية أملى..<br>وقد بين - سبحانه - بعد ذلك أنه لا تأخير فى الأجل متى انتهى لا من قريب ولا من بعيد.. فقال: { وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ.. }.<br>أى: ولن يؤخر الله - تعالى - نفسا من النفوس، متى انتهى أجلها فى هذه الحياة، وانقضى عمرها من هذه الدنيا، كما قال - سبحانه -: { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وقوله: { وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }  أى: والله - تعالى - مطلع إطلاعا تاما على أعمالكم الظاهرة والباطنة، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب.<br>وبعد فهذا تفسير لسورة \"المنافقون\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعابده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5236",
        "sura_number": "63",
        "ayah_number": "10",
        "aya": "",
        "sura": "المنافقون",
        "mediator": "والمقصود من هذه الآيات الكريمة نهى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين الذين سبق الحديث عنهم بصورة مفصلة، وحضهم على الاستجابة لما كلفهم الله - تعالى - به. أى: يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا، { لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ... } أى: لا تشغلكم أموالكم التى تهتمون بجمعها وتحصيلها.. ولا أولادكم الذين هم أشهى ثمرات حياتكم.. لا يشغلكم ذلك عن أداء ما كلفكم - سبحانه - بأدائه من طاعات، فالمراد بذكر الله، ما يشمل جميع التكاليف من صلاة وزكاة وصيام وحج، وغير ذلك من الطاعات  التى أمر الله - تعالى - بها. <br>وخص الأموال والأولاد بتوجيه النهى عن الاشتغال بهما اشتغالا يلهى عن ذكر الله، لأنهما أكثر الأشياء التى تلهى عن طاعة الله - تعالى..<br>فمن أجل الاشتغال بجمع المال، يقضى الإِنسان معظم حياته، وكثير من الناس من أجل جمع المال، يضحون بما يفرضه عليهم دينهم من واجبات، ومن أخلاق، ومن سلوك وآداب..<br>ومن أجل راحة الأولاد قد يضحى الآباء براحتهم، وبما تقضى به المروءة، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول:  \"الولد مجبنة مبخلة\" .<br>والتعبير بقوله - تعالى -: { لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } يشعر بأن المسلم إذا اشتغل بجمع المال. وبرعاية الأولاد، دون أن يصرفه ذلك عن طاعة الله، أو عن أداء حق من حقوقه - تعالى -، فإن هذا الاشتغال لا يكون مذموما، بل يكون مرضيا عنه من الله - تعالى -.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه -: { وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } يعود إلى ما سبق ذكره من اللهو عن ذكر الله، بسبب الأموال والأولاد. <br>أى: ومن يشغله حبه لماله وأولاده عن ذكر الله، وعن أداء ما كلفه - سبحانه - به، فأولئك هم البالغون أقصى درجات الخسرات والغفلة، لأنهم خالفوا ما أمرهم به ربهم، وآثروا ما ينفعهم فى عاجلتهم الفانية، على ما ينفعهم فى آجلتهم الباقية، ثم حضهم - سبحانه - على الإِنفاق فى سبيله فقال: { وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ }.<br>والمراد بالإِنفاق: إنفاق المال فى وجوه الخير والطاعات، فيشمل الزكاة المفروضة، والصدقات المستحبة، وغير ذلك من وجوه البر والخير.<br>و \"من\" فى قوله - تعالى - { مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ } للتبعيض إذ المطلوب إنفاقه بعض المال الذى يملكه الإِنسان، وليس كله، وهذا من باب التوسعة منه - تعالى - على  عباده، ومن مظاهر سماحة شريعته - عز وجل -.<br>والمراد بالموت: علاماته وأماراته الدالة على قرب وقوعه.<br>وقوله { فَيَقُولُ } معطوف على قوله { أَن يَأْتِيَ } ومسبب عنه.<br>و { لَوْلاۤ } بمعنى هلا فهى حرف تحضيض.<br>وقوله: { فَأَصَّدَّقَ } منصوب على أنه فى جواب التمنى، وقوله: { وَأَكُن } بالجزم، لأنه معطوف على محل { فَأَصَّدَّقَ } كأنه قيل: إن أخرتنى إلى أجل قريب أتصدق وأكن من الصالحين.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان، لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن طاعة الله - تعالى - بل داوموا عليها كل المداومة، وأنفقوا بسخاء وسماحة نفس مما أعطيناكم من أرزاق كثيرة، ومن نعم لا تحصى، وليكن إنفاقكم من قبل أن تنزل بأحدكم أمارات الموت وعلاماته..<br>وحينئذ يقول أحدكم يارب، هلا أخرت وفاتى إلى وقت قريب من الزمان لكى أتدارك ما فاتنى من تقصير، ولكى أتصدق بالكثير من مالى، وأكون من عبادك الصالحين.<br>وقال - سبحانه -، { مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ } فأسند الزرق إليه، لكى يكون أدعى إلى الامتثال والاستجابة، لأنه - سبحانه - مع أن الأرزاق جميعها منه، إلا أنه - فضلا منه وكرما - اكتفى منهم بإنفاق جزء من تلك الأزراق.<br>وقدم - سبحانه - المفعول وهو \"أحدكم\" على الفاعل وهو \"الموت\"، للإهتمام بالمفعول، وللإِشعار بأن الموت نازل بكل إنسان لا محالة.<br>والتعبير بقوله: { لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ.... } يشعر بأن القائل قد قال ذلك زيادة فى تأميل الاستجابة، فكأنه يقول: يا رب ألتمس منك أن تؤخر أجلى إلى وقت قريب لا إلى وقت بعيد لكى أتدارك ما فاتنى فى هذا الوقت القريب الذى هو منتهى سؤالى، وغاية أملى..<br>وقد بين - سبحانه - بعد ذلك أنه لا تأخير فى الأجل متى انتهى لا من قريب ولا من بعيد.. فقال: { وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ.. }.<br>أى: ولن يؤخر الله - تعالى - نفسا من النفوس، متى انتهى أجلها فى هذه الحياة، وانقضى عمرها من هذه الدنيا، كما قال - سبحانه -: { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وقوله: { وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }  أى: والله - تعالى - مطلع إطلاعا تاما على أعمالكم الظاهرة والباطنة، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب.<br>وبعد فهذا تفسير لسورة \"المنافقون\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعابده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5237",
        "sura_number": "63",
        "ayah_number": "11",
        "aya": "",
        "sura": "المنافقون",
        "mediator": "والمقصود من هذه الآيات الكريمة نهى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين الذين سبق الحديث عنهم بصورة مفصلة، وحضهم على الاستجابة لما كلفهم الله - تعالى - به. أى: يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا، { لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ... } أى: لا تشغلكم أموالكم التى تهتمون بجمعها وتحصيلها.. ولا أولادكم الذين هم أشهى ثمرات حياتكم.. لا يشغلكم ذلك عن أداء ما كلفكم - سبحانه - بأدائه من طاعات، فالمراد بذكر الله، ما يشمل جميع التكاليف من صلاة وزكاة وصيام وحج، وغير ذلك من الطاعات  التى أمر الله - تعالى - بها. <br>وخص الأموال والأولاد بتوجيه النهى عن الاشتغال بهما اشتغالا يلهى عن ذكر الله، لأنهما أكثر الأشياء التى تلهى عن طاعة الله - تعالى..<br>فمن أجل الاشتغال بجمع المال، يقضى الإِنسان معظم حياته، وكثير من الناس من أجل جمع المال، يضحون بما يفرضه عليهم دينهم من واجبات، ومن أخلاق، ومن سلوك وآداب..<br>ومن أجل راحة الأولاد قد يضحى الآباء براحتهم، وبما تقضى به المروءة، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول:  \"الولد مجبنة مبخلة\" .<br>والتعبير بقوله - تعالى -: { لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } يشعر بأن المسلم إذا اشتغل بجمع المال. وبرعاية الأولاد، دون أن يصرفه ذلك عن طاعة الله، أو عن أداء حق من حقوقه - تعالى -، فإن هذا الاشتغال لا يكون مذموما، بل يكون مرضيا عنه من الله - تعالى -.<br>واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه -: { وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } يعود إلى ما سبق ذكره من اللهو عن ذكر الله، بسبب الأموال والأولاد. <br>أى: ومن يشغله حبه لماله وأولاده عن ذكر الله، وعن أداء ما كلفه - سبحانه - به، فأولئك هم البالغون أقصى درجات الخسرات والغفلة، لأنهم خالفوا ما أمرهم به ربهم، وآثروا ما ينفعهم فى عاجلتهم الفانية، على ما ينفعهم فى آجلتهم الباقية، ثم حضهم - سبحانه - على الإِنفاق فى سبيله فقال: { وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ }.<br>والمراد بالإِنفاق: إنفاق المال فى وجوه الخير والطاعات، فيشمل الزكاة المفروضة، والصدقات المستحبة، وغير ذلك من وجوه البر والخير.<br>و \"من\" فى قوله - تعالى - { مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ } للتبعيض إذ المطلوب إنفاقه بعض المال الذى يملكه الإِنسان، وليس كله، وهذا من باب التوسعة منه - تعالى - على  عباده، ومن مظاهر سماحة شريعته - عز وجل -.<br>والمراد بالموت: علاماته وأماراته الدالة على قرب وقوعه.<br>وقوله { فَيَقُولُ } معطوف على قوله { أَن يَأْتِيَ } ومسبب عنه.<br>و { لَوْلاۤ } بمعنى هلا فهى حرف تحضيض.<br>وقوله: { فَأَصَّدَّقَ } منصوب على أنه فى جواب التمنى، وقوله: { وَأَكُن } بالجزم، لأنه معطوف على محل { فَأَصَّدَّقَ } كأنه قيل: إن أخرتنى إلى أجل قريب أتصدق وأكن من الصالحين.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان، لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن طاعة الله - تعالى - بل داوموا عليها كل المداومة، وأنفقوا بسخاء وسماحة نفس مما أعطيناكم من أرزاق كثيرة، ومن نعم لا تحصى، وليكن إنفاقكم من قبل أن تنزل بأحدكم أمارات الموت وعلاماته..<br>وحينئذ يقول أحدكم يارب، هلا أخرت وفاتى إلى وقت قريب من الزمان لكى أتدارك ما فاتنى من تقصير، ولكى أتصدق بالكثير من مالى، وأكون من عبادك الصالحين.<br>وقال - سبحانه -، { مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ } فأسند الزرق إليه، لكى يكون أدعى إلى الامتثال والاستجابة، لأنه - سبحانه - مع أن الأرزاق جميعها منه، إلا أنه - فضلا منه وكرما - اكتفى منهم بإنفاق جزء من تلك الأزراق.<br>وقدم - سبحانه - المفعول وهو \"أحدكم\" على الفاعل وهو \"الموت\"، للإهتمام بالمفعول، وللإِشعار بأن الموت نازل بكل إنسان لا محالة.<br>والتعبير بقوله: { لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ.... } يشعر بأن القائل قد قال ذلك زيادة فى تأميل الاستجابة، فكأنه يقول: يا رب ألتمس منك أن تؤخر أجلى إلى وقت قريب لا إلى وقت بعيد لكى أتدارك ما فاتنى فى هذا الوقت القريب الذى هو منتهى سؤالى، وغاية أملى..<br>وقد بين - سبحانه - بعد ذلك أنه لا تأخير فى الأجل متى انتهى لا من قريب ولا من بعيد.. فقال: { وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ.. }.<br>أى: ولن يؤخر الله - تعالى - نفسا من النفوس، متى انتهى أجلها فى هذه الحياة، وانقضى عمرها من هذه الدنيا، كما قال - سبحانه -: { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وقوله: { وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }  أى: والله - تعالى - مطلع إطلاعا تاما على أعمالكم الظاهرة والباطنة، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب.<br>وبعد فهذا تفسير لسورة \"المنافقون\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعابده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5238",
        "sura_number": "64",
        "ayah_number": "1",
        "aya": "",
        "sura": "التغابن",
        "mediator": "سورة \"التغابن\" هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح، فقد قال - سبحانه - فى مطلعها.<br>{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. } أى: ينزه الله - تعالى - عن كل نقص، ويجله عن كل مالا يليق به، جميع الكائنات التى فى سماواته - سبحانه - وفى أرضه، كما قال - عز وجل -: { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع { يُسَبِّحُ } للدلالة على تجدد هذا التسبيح، وحدوثه فى كل وقت وآن.<br>وجىء فى سورة الحديد، والحشر، والصف، بصيغة الماضى (سَبَّحَ). للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله - تعالى - وحده، من قديم الزمان.<br>وقوله - سبحانه -: { لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } مؤكد لما قبله، من بيان أن جميع الكائنات تسبح لله - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق عليها.<br>وتقديم الجار والمجرور { لَهُ } لإِفادة الاختصاص والقصر.<br>أى: له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع مخلوقاته، وليس لغيره شىء منهما، وإذا وجد شىء منهما لغيره فهو من فيضه وعطائه، إذ هو - سبحانه - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته وإرادته شىء.<br>ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال: { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ }.<br>والخطاب فى قوله: { خَلَقَكُمْ } لجيمع المكلفين من هذه الأمة.<br>والفاء فى قوله: { فَمِنكُمْ كَافِرٌ } للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر بالله - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقه، وخلق كل شىء.<br>وقدم ذكر الكافر، لأنه الأهم فى هذا المقام، ولأنه الأكثر عددا فى هذه الحياة.<br>أي هو سبحانه - الذى خلقكم بقدرته، دون أن يشاركه فى ذلك مشارك، وزودكم بالعقول التى تعينكم على معرفة الخير من الشر، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان، وأنزل معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولم يترك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تهديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها.....<br>ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق، المعرض عن الإِيمان بوحدانية الله - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص فى عقيدته لله - تعالى - المؤمن بوحدانيته، المؤدى لجميع التكاليف التى كلفه - سبحانه - بها.<br>قال القرطبى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية -: وقال الزجاج - وقوله أحسن الأقوال، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة -: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإِيمان.<br>والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما، غير الذى قدر عليه، وعلمه منه...<br>وقوله: { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أى: والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>{ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أى: خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث، فالباء فى قوله \"بالحق\" للملابسة.<br>والمراد بالسماوات والأرض: ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من خلق الناس.<br>والمراد بالحق: المقصد الصحيح، والغرض السليم، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ }.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُمْ } من التصوير، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها، وهو ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا، بمعنى تحول إليه، أو من صاره إلى كذا، بمعنى أماله وحوله.<br>أى: وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها، بدليل أن الإِنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه الله عليها، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره.<br>وصدق الله إذ يقول: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال الآلوسى: ولعمرى إن الإِنسان أعجب نسخة فى هذا العالم، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو الأبصار، وكل ما يشاهد من الصور الإِنسانية حسن، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب.. كما قال بعض الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان.<br>وقوله - تعالى - { وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } معطوف على ما قبله، لأن التصوير يقتضى الإِيجاد، فبين - سبحانه - أن هذا الإِيجاد يعقبه الفناء لكل شىء سوى وجهه الكريم.<br>أى: وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية.<br>ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: { يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: هو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السماوات والأرض.<br>{ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } - أيها الناس - والتصريح بذلك مع اندراجه فيما قبله، من علم ما فى السماوات وما فى الأرض، لمزيد التأكيد فى الوعد والوعيد.<br>{ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } والمراد بذات الصدور، النوايا والخواطر التى تخفيها الصدور، وتكتمها القلوب.<br>أى: والله - تعالى - عليم علما تاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها الصدور، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل، كل جملة منها أخص من سابقتها.<br>وجمع - سبحانه - بينها للإِشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات والكليات، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها.<br>وفى هذا رد على أولئك الكفار الجاحدين، الذين استبعدوا إعادتهم إلى الحياة، بعد أن أكلت الأرض أجسادهم، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ يَأْتِكُمْ.. } للتقرير والتبكيت.<br>والمراد بالذين كفروا من قبل: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، من الأقوام الذين أعرضوا عن الحق، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك.<br>والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم، ممن استحبوا العمى على الهدى.<br>والوبال فى الأصل: الشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل للطعام الثقيل على المعدة. المضر لها.. والمراد به هنا: العقاب الشديد الذى نزل بهم فأهلكهم، وعبر عن هذا العقاب بالوبال، للإِشارة إلى أنه عذابا ثقيلا جدا، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه.<br>والمراد بأمرهم: كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم، ومخالفتهم لرسلهم.<br>وقوله { فَذَاقُواْ } معطوف على كفروا، عطف المسبب على السبب والذوق مجاز فى مطلق الإِحساس والوجدان. شبه ما حل بهم من عقاب، بشىء كريه الطعم والمذاق.<br>وعبر عن كفرهم بالأمر، للإِشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح والسوء.<br>والمعنى: لقد أتاكم ووصف إلى علمكم - أيها المشركون - حال الذين كفروا من قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم، فعليكم أن تعتبروا بهم. وأن تفيئوا إلى رشدكم، وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان.<br>فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة هؤلاء السابقين فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا }.<br>أى: ذلك الذى أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار، سببه أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم على سبيل الإِنكار والتكذيب والتعجب: أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق والرشد؟!!.<br>فالباء فى قوله { بِأَنَّهُ } للسببية، والضمير ضمير الشأن لقصد التهويل والاستفهام فى قوله { أَبَشَرٌ } للإِنكار والمراد بالبشر: الجنس، وهو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة { يَهْدُونَنَا }.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه القرآن من قول قوم صالح له: { فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ.. } والفاء فى قوله: { فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } للسببية.<br>أى: فكفروا بسبب هذا القول الفاسد: { وَتَوَلَّواْ } أى: وأعرضوا عن الحق إعراضا تاما { وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } أى: واستغنى الله - تعالى - عنهم وعن إيمانهم، والسين والتاء للمبالغة فى غناه - سبحانه - عنهم.<br>{ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أى: والله - تعالى - غنى عنهم وعن العالمين، محمود من كل مخلوقاته بلسان الحال والمقال وهو - تعالى - يجازى الشاكرين له بما يستحقونه من جزاء كريم. <br>ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث والحساب، ورد عليهم بما يبطلها، ودعاهم إلى الإِيمان بالحق، وحضهم على العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم، وبين أن كل شىء فى هذا الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته، فقال - سبحانه -: { زَعَمَ ٱلَّذِينَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5239",
        "sura_number": "64",
        "ayah_number": "2",
        "aya": "",
        "sura": "التغابن",
        "mediator": "سورة \"التغابن\" هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح، فقد قال - سبحانه - فى مطلعها.<br>{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. } أى: ينزه الله - تعالى - عن كل نقص، ويجله عن كل مالا يليق به، جميع الكائنات التى فى سماواته - سبحانه - وفى أرضه، كما قال - عز وجل -: { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع { يُسَبِّحُ } للدلالة على تجدد هذا التسبيح، وحدوثه فى كل وقت وآن.<br>وجىء فى سورة الحديد، والحشر، والصف، بصيغة الماضى (سَبَّحَ). للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله - تعالى - وحده، من قديم الزمان.<br>وقوله - سبحانه -: { لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } مؤكد لما قبله، من بيان أن جميع الكائنات تسبح لله - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق عليها.<br>وتقديم الجار والمجرور { لَهُ } لإِفادة الاختصاص والقصر.<br>أى: له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع مخلوقاته، وليس لغيره شىء منهما، وإذا وجد شىء منهما لغيره فهو من فيضه وعطائه، إذ هو - سبحانه - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته وإرادته شىء.<br>ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال: { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ }.<br>والخطاب فى قوله: { خَلَقَكُمْ } لجيمع المكلفين من هذه الأمة.<br>والفاء فى قوله: { فَمِنكُمْ كَافِرٌ } للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر بالله - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقه، وخلق كل شىء.<br>وقدم ذكر الكافر، لأنه الأهم فى هذا المقام، ولأنه الأكثر عددا فى هذه الحياة.<br>أي هو سبحانه - الذى خلقكم بقدرته، دون أن يشاركه فى ذلك مشارك، وزودكم بالعقول التى تعينكم على معرفة الخير من الشر، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان، وأنزل معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولم يترك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تهديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها.....<br>ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق، المعرض عن الإِيمان بوحدانية الله - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص فى عقيدته لله - تعالى - المؤمن بوحدانيته، المؤدى لجميع التكاليف التى كلفه - سبحانه - بها.<br>قال القرطبى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية -: وقال الزجاج - وقوله أحسن الأقوال، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة -: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإِيمان.<br>والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما، غير الذى قدر عليه، وعلمه منه...<br>وقوله: { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أى: والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>{ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أى: خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث، فالباء فى قوله \"بالحق\" للملابسة.<br>والمراد بالسماوات والأرض: ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من خلق الناس.<br>والمراد بالحق: المقصد الصحيح، والغرض السليم، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ }.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُمْ } من التصوير، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها، وهو ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا، بمعنى تحول إليه، أو من صاره إلى كذا، بمعنى أماله وحوله.<br>أى: وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها، بدليل أن الإِنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه الله عليها، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره.<br>وصدق الله إذ يقول: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال الآلوسى: ولعمرى إن الإِنسان أعجب نسخة فى هذا العالم، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو الأبصار، وكل ما يشاهد من الصور الإِنسانية حسن، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب.. كما قال بعض الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان.<br>وقوله - تعالى - { وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } معطوف على ما قبله، لأن التصوير يقتضى الإِيجاد، فبين - سبحانه - أن هذا الإِيجاد يعقبه الفناء لكل شىء سوى وجهه الكريم.<br>أى: وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية.<br>ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: { يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: هو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السماوات والأرض.<br>{ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } - أيها الناس - والتصريح بذلك مع اندراجه فيما قبله، من علم ما فى السماوات وما فى الأرض، لمزيد التأكيد فى الوعد والوعيد.<br>{ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } والمراد بذات الصدور، النوايا والخواطر التى تخفيها الصدور، وتكتمها القلوب.<br>أى: والله - تعالى - عليم علما تاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها الصدور، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل، كل جملة منها أخص من سابقتها.<br>وجمع - سبحانه - بينها للإِشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات والكليات، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها.<br>وفى هذا رد على أولئك الكفار الجاحدين، الذين استبعدوا إعادتهم إلى الحياة، بعد أن أكلت الأرض أجسادهم، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ يَأْتِكُمْ.. } للتقرير والتبكيت.<br>والمراد بالذين كفروا من قبل: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، من الأقوام الذين أعرضوا عن الحق، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك.<br>والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم، ممن استحبوا العمى على الهدى.<br>والوبال فى الأصل: الشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل للطعام الثقيل على المعدة. المضر لها.. والمراد به هنا: العقاب الشديد الذى نزل بهم فأهلكهم، وعبر عن هذا العقاب بالوبال، للإِشارة إلى أنه عذابا ثقيلا جدا، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه.<br>والمراد بأمرهم: كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم، ومخالفتهم لرسلهم.<br>وقوله { فَذَاقُواْ } معطوف على كفروا، عطف المسبب على السبب والذوق مجاز فى مطلق الإِحساس والوجدان. شبه ما حل بهم من عقاب، بشىء كريه الطعم والمذاق.<br>وعبر عن كفرهم بالأمر، للإِشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح والسوء.<br>والمعنى: لقد أتاكم ووصف إلى علمكم - أيها المشركون - حال الذين كفروا من قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم، فعليكم أن تعتبروا بهم. وأن تفيئوا إلى رشدكم، وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان.<br>فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة هؤلاء السابقين فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا }.<br>أى: ذلك الذى أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار، سببه أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم على سبيل الإِنكار والتكذيب والتعجب: أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق والرشد؟!!.<br>فالباء فى قوله { بِأَنَّهُ } للسببية، والضمير ضمير الشأن لقصد التهويل والاستفهام فى قوله { أَبَشَرٌ } للإِنكار والمراد بالبشر: الجنس، وهو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة { يَهْدُونَنَا }.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه القرآن من قول قوم صالح له: { فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ.. } والفاء فى قوله: { فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } للسببية.<br>أى: فكفروا بسبب هذا القول الفاسد: { وَتَوَلَّواْ } أى: وأعرضوا عن الحق إعراضا تاما { وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } أى: واستغنى الله - تعالى - عنهم وعن إيمانهم، والسين والتاء للمبالغة فى غناه - سبحانه - عنهم.<br>{ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أى: والله - تعالى - غنى عنهم وعن العالمين، محمود من كل مخلوقاته بلسان الحال والمقال وهو - تعالى - يجازى الشاكرين له بما يستحقونه من جزاء كريم. <br>ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث والحساب، ورد عليهم بما يبطلها، ودعاهم إلى الإِيمان بالحق، وحضهم على العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم، وبين أن كل شىء فى هذا الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته، فقال - سبحانه -: { زَعَمَ ٱلَّذِينَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5240",
        "sura_number": "64",
        "ayah_number": "3",
        "aya": "",
        "sura": "التغابن",
        "mediator": "سورة \"التغابن\" هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح، فقد قال - سبحانه - فى مطلعها.<br>{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. } أى: ينزه الله - تعالى - عن كل نقص، ويجله عن كل مالا يليق به، جميع الكائنات التى فى سماواته - سبحانه - وفى أرضه، كما قال - عز وجل -: { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع { يُسَبِّحُ } للدلالة على تجدد هذا التسبيح، وحدوثه فى كل وقت وآن.<br>وجىء فى سورة الحديد، والحشر، والصف، بصيغة الماضى (سَبَّحَ). للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله - تعالى - وحده، من قديم الزمان.<br>وقوله - سبحانه -: { لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } مؤكد لما قبله، من بيان أن جميع الكائنات تسبح لله - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق عليها.<br>وتقديم الجار والمجرور { لَهُ } لإِفادة الاختصاص والقصر.<br>أى: له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع مخلوقاته، وليس لغيره شىء منهما، وإذا وجد شىء منهما لغيره فهو من فيضه وعطائه، إذ هو - سبحانه - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته وإرادته شىء.<br>ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال: { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ }.<br>والخطاب فى قوله: { خَلَقَكُمْ } لجيمع المكلفين من هذه الأمة.<br>والفاء فى قوله: { فَمِنكُمْ كَافِرٌ } للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر بالله - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقه، وخلق كل شىء.<br>وقدم ذكر الكافر، لأنه الأهم فى هذا المقام، ولأنه الأكثر عددا فى هذه الحياة.<br>أي هو سبحانه - الذى خلقكم بقدرته، دون أن يشاركه فى ذلك مشارك، وزودكم بالعقول التى تعينكم على معرفة الخير من الشر، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان، وأنزل معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولم يترك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تهديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها.....<br>ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق، المعرض عن الإِيمان بوحدانية الله - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص فى عقيدته لله - تعالى - المؤمن بوحدانيته، المؤدى لجميع التكاليف التى كلفه - سبحانه - بها.<br>قال القرطبى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية -: وقال الزجاج - وقوله أحسن الأقوال، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة -: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإِيمان.<br>والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما، غير الذى قدر عليه، وعلمه منه...<br>وقوله: { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أى: والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>{ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أى: خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث، فالباء فى قوله \"بالحق\" للملابسة.<br>والمراد بالسماوات والأرض: ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من خلق الناس.<br>والمراد بالحق: المقصد الصحيح، والغرض السليم، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ }.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُمْ } من التصوير، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها، وهو ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا، بمعنى تحول إليه، أو من صاره إلى كذا، بمعنى أماله وحوله.<br>أى: وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها، بدليل أن الإِنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه الله عليها، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره.<br>وصدق الله إذ يقول: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال الآلوسى: ولعمرى إن الإِنسان أعجب نسخة فى هذا العالم، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو الأبصار، وكل ما يشاهد من الصور الإِنسانية حسن، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب.. كما قال بعض الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان.<br>وقوله - تعالى - { وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } معطوف على ما قبله، لأن التصوير يقتضى الإِيجاد، فبين - سبحانه - أن هذا الإِيجاد يعقبه الفناء لكل شىء سوى وجهه الكريم.<br>أى: وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية.<br>ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: { يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: هو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السماوات والأرض.<br>{ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } - أيها الناس - والتصريح بذلك مع اندراجه فيما قبله، من علم ما فى السماوات وما فى الأرض، لمزيد التأكيد فى الوعد والوعيد.<br>{ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } والمراد بذات الصدور، النوايا والخواطر التى تخفيها الصدور، وتكتمها القلوب.<br>أى: والله - تعالى - عليم علما تاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها الصدور، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل، كل جملة منها أخص من سابقتها.<br>وجمع - سبحانه - بينها للإِشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات والكليات، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها.<br>وفى هذا رد على أولئك الكفار الجاحدين، الذين استبعدوا إعادتهم إلى الحياة، بعد أن أكلت الأرض أجسادهم، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ يَأْتِكُمْ.. } للتقرير والتبكيت.<br>والمراد بالذين كفروا من قبل: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، من الأقوام الذين أعرضوا عن الحق، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك.<br>والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم، ممن استحبوا العمى على الهدى.<br>والوبال فى الأصل: الشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل للطعام الثقيل على المعدة. المضر لها.. والمراد به هنا: العقاب الشديد الذى نزل بهم فأهلكهم، وعبر عن هذا العقاب بالوبال، للإِشارة إلى أنه عذابا ثقيلا جدا، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه.<br>والمراد بأمرهم: كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم، ومخالفتهم لرسلهم.<br>وقوله { فَذَاقُواْ } معطوف على كفروا، عطف المسبب على السبب والذوق مجاز فى مطلق الإِحساس والوجدان. شبه ما حل بهم من عقاب، بشىء كريه الطعم والمذاق.<br>وعبر عن كفرهم بالأمر، للإِشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح والسوء.<br>والمعنى: لقد أتاكم ووصف إلى علمكم - أيها المشركون - حال الذين كفروا من قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم، فعليكم أن تعتبروا بهم. وأن تفيئوا إلى رشدكم، وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان.<br>فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة هؤلاء السابقين فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا }.<br>أى: ذلك الذى أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار، سببه أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم على سبيل الإِنكار والتكذيب والتعجب: أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق والرشد؟!!.<br>فالباء فى قوله { بِأَنَّهُ } للسببية، والضمير ضمير الشأن لقصد التهويل والاستفهام فى قوله { أَبَشَرٌ } للإِنكار والمراد بالبشر: الجنس، وهو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة { يَهْدُونَنَا }.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه القرآن من قول قوم صالح له: { فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ.. } والفاء فى قوله: { فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } للسببية.<br>أى: فكفروا بسبب هذا القول الفاسد: { وَتَوَلَّواْ } أى: وأعرضوا عن الحق إعراضا تاما { وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } أى: واستغنى الله - تعالى - عنهم وعن إيمانهم، والسين والتاء للمبالغة فى غناه - سبحانه - عنهم.<br>{ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أى: والله - تعالى - غنى عنهم وعن العالمين، محمود من كل مخلوقاته بلسان الحال والمقال وهو - تعالى - يجازى الشاكرين له بما يستحقونه من جزاء كريم. <br>ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث والحساب، ورد عليهم بما يبطلها، ودعاهم إلى الإِيمان بالحق، وحضهم على العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم، وبين أن كل شىء فى هذا الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته، فقال - سبحانه -: { زَعَمَ ٱلَّذِينَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5241",
        "sura_number": "64",
        "ayah_number": "4",
        "aya": "",
        "sura": "التغابن",
        "mediator": "سورة \"التغابن\" هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح، فقد قال - سبحانه - فى مطلعها.<br>{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. } أى: ينزه الله - تعالى - عن كل نقص، ويجله عن كل مالا يليق به، جميع الكائنات التى فى سماواته - سبحانه - وفى أرضه، كما قال - عز وجل -: { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع { يُسَبِّحُ } للدلالة على تجدد هذا التسبيح، وحدوثه فى كل وقت وآن.<br>وجىء فى سورة الحديد، والحشر، والصف، بصيغة الماضى (سَبَّحَ). للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله - تعالى - وحده، من قديم الزمان.<br>وقوله - سبحانه -: { لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } مؤكد لما قبله، من بيان أن جميع الكائنات تسبح لله - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق عليها.<br>وتقديم الجار والمجرور { لَهُ } لإِفادة الاختصاص والقصر.<br>أى: له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع مخلوقاته، وليس لغيره شىء منهما، وإذا وجد شىء منهما لغيره فهو من فيضه وعطائه، إذ هو - سبحانه - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته وإرادته شىء.<br>ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال: { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ }.<br>والخطاب فى قوله: { خَلَقَكُمْ } لجيمع المكلفين من هذه الأمة.<br>والفاء فى قوله: { فَمِنكُمْ كَافِرٌ } للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر بالله - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقه، وخلق كل شىء.<br>وقدم ذكر الكافر، لأنه الأهم فى هذا المقام، ولأنه الأكثر عددا فى هذه الحياة.<br>أي هو سبحانه - الذى خلقكم بقدرته، دون أن يشاركه فى ذلك مشارك، وزودكم بالعقول التى تعينكم على معرفة الخير من الشر، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان، وأنزل معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولم يترك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تهديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها.....<br>ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق، المعرض عن الإِيمان بوحدانية الله - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص فى عقيدته لله - تعالى - المؤمن بوحدانيته، المؤدى لجميع التكاليف التى كلفه - سبحانه - بها.<br>قال القرطبى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية -: وقال الزجاج - وقوله أحسن الأقوال، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة -: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإِيمان.<br>والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما، غير الذى قدر عليه، وعلمه منه...<br>وقوله: { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أى: والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>{ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أى: خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث، فالباء فى قوله \"بالحق\" للملابسة.<br>والمراد بالسماوات والأرض: ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من خلق الناس.<br>والمراد بالحق: المقصد الصحيح، والغرض السليم، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ }.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُمْ } من التصوير، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها، وهو ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا، بمعنى تحول إليه، أو من صاره إلى كذا، بمعنى أماله وحوله.<br>أى: وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها، بدليل أن الإِنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه الله عليها، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره.<br>وصدق الله إذ يقول: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال الآلوسى: ولعمرى إن الإِنسان أعجب نسخة فى هذا العالم، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو الأبصار، وكل ما يشاهد من الصور الإِنسانية حسن، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب.. كما قال بعض الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان.<br>وقوله - تعالى - { وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } معطوف على ما قبله، لأن التصوير يقتضى الإِيجاد، فبين - سبحانه - أن هذا الإِيجاد يعقبه الفناء لكل شىء سوى وجهه الكريم.<br>أى: وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية.<br>ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: { يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: هو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السماوات والأرض.<br>{ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } - أيها الناس - والتصريح بذلك مع اندراجه فيما قبله، من علم ما فى السماوات وما فى الأرض، لمزيد التأكيد فى الوعد والوعيد.<br>{ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } والمراد بذات الصدور، النوايا والخواطر التى تخفيها الصدور، وتكتمها القلوب.<br>أى: والله - تعالى - عليم علما تاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها الصدور، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل، كل جملة منها أخص من سابقتها.<br>وجمع - سبحانه - بينها للإِشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات والكليات، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها.<br>وفى هذا رد على أولئك الكفار الجاحدين، الذين استبعدوا إعادتهم إلى الحياة، بعد أن أكلت الأرض أجسادهم، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ يَأْتِكُمْ.. } للتقرير والتبكيت.<br>والمراد بالذين كفروا من قبل: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، من الأقوام الذين أعرضوا عن الحق، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك.<br>والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم، ممن استحبوا العمى على الهدى.<br>والوبال فى الأصل: الشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل للطعام الثقيل على المعدة. المضر لها.. والمراد به هنا: العقاب الشديد الذى نزل بهم فأهلكهم، وعبر عن هذا العقاب بالوبال، للإِشارة إلى أنه عذابا ثقيلا جدا، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه.<br>والمراد بأمرهم: كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم، ومخالفتهم لرسلهم.<br>وقوله { فَذَاقُواْ } معطوف على كفروا، عطف المسبب على السبب والذوق مجاز فى مطلق الإِحساس والوجدان. شبه ما حل بهم من عقاب، بشىء كريه الطعم والمذاق.<br>وعبر عن كفرهم بالأمر، للإِشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح والسوء.<br>والمعنى: لقد أتاكم ووصف إلى علمكم - أيها المشركون - حال الذين كفروا من قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم، فعليكم أن تعتبروا بهم. وأن تفيئوا إلى رشدكم، وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان.<br>فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة هؤلاء السابقين فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا }.<br>أى: ذلك الذى أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار، سببه أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم على سبيل الإِنكار والتكذيب والتعجب: أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق والرشد؟!!.<br>فالباء فى قوله { بِأَنَّهُ } للسببية، والضمير ضمير الشأن لقصد التهويل والاستفهام فى قوله { أَبَشَرٌ } للإِنكار والمراد بالبشر: الجنس، وهو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة { يَهْدُونَنَا }.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه القرآن من قول قوم صالح له: { فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ.. } والفاء فى قوله: { فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } للسببية.<br>أى: فكفروا بسبب هذا القول الفاسد: { وَتَوَلَّواْ } أى: وأعرضوا عن الحق إعراضا تاما { وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } أى: واستغنى الله - تعالى - عنهم وعن إيمانهم، والسين والتاء للمبالغة فى غناه - سبحانه - عنهم.<br>{ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أى: والله - تعالى - غنى عنهم وعن العالمين، محمود من كل مخلوقاته بلسان الحال والمقال وهو - تعالى - يجازى الشاكرين له بما يستحقونه من جزاء كريم. <br>ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث والحساب، ورد عليهم بما يبطلها، ودعاهم إلى الإِيمان بالحق، وحضهم على العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم، وبين أن كل شىء فى هذا الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته، فقال - سبحانه -: { زَعَمَ ٱلَّذِينَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5242",
        "sura_number": "64",
        "ayah_number": "5",
        "aya": "",
        "sura": "التغابن",
        "mediator": "سورة \"التغابن\" هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح، فقد قال - سبحانه - فى مطلعها.<br>{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. } أى: ينزه الله - تعالى - عن كل نقص، ويجله عن كل مالا يليق به، جميع الكائنات التى فى سماواته - سبحانه - وفى أرضه، كما قال - عز وجل -: { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع { يُسَبِّحُ } للدلالة على تجدد هذا التسبيح، وحدوثه فى كل وقت وآن.<br>وجىء فى سورة الحديد، والحشر، والصف، بصيغة الماضى (سَبَّحَ). للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله - تعالى - وحده، من قديم الزمان.<br>وقوله - سبحانه -: { لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } مؤكد لما قبله، من بيان أن جميع الكائنات تسبح لله - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق عليها.<br>وتقديم الجار والمجرور { لَهُ } لإِفادة الاختصاص والقصر.<br>أى: له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع مخلوقاته، وليس لغيره شىء منهما، وإذا وجد شىء منهما لغيره فهو من فيضه وعطائه، إذ هو - سبحانه - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته وإرادته شىء.<br>ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال: { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ }.<br>والخطاب فى قوله: { خَلَقَكُمْ } لجيمع المكلفين من هذه الأمة.<br>والفاء فى قوله: { فَمِنكُمْ كَافِرٌ } للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر بالله - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقه، وخلق كل شىء.<br>وقدم ذكر الكافر، لأنه الأهم فى هذا المقام، ولأنه الأكثر عددا فى هذه الحياة.<br>أي هو سبحانه - الذى خلقكم بقدرته، دون أن يشاركه فى ذلك مشارك، وزودكم بالعقول التى تعينكم على معرفة الخير من الشر، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان، وأنزل معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولم يترك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تهديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها.....<br>ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق، المعرض عن الإِيمان بوحدانية الله - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص فى عقيدته لله - تعالى - المؤمن بوحدانيته، المؤدى لجميع التكاليف التى كلفه - سبحانه - بها.<br>قال القرطبى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية -: وقال الزجاج - وقوله أحسن الأقوال، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة -: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإِيمان.<br>والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما، غير الذى قدر عليه، وعلمه منه...<br>وقوله: { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أى: والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>{ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أى: خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث، فالباء فى قوله \"بالحق\" للملابسة.<br>والمراد بالسماوات والأرض: ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من خلق الناس.<br>والمراد بالحق: المقصد الصحيح، والغرض السليم، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ }.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُمْ } من التصوير، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها، وهو ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا، بمعنى تحول إليه، أو من صاره إلى كذا، بمعنى أماله وحوله.<br>أى: وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها، بدليل أن الإِنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه الله عليها، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره.<br>وصدق الله إذ يقول: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال الآلوسى: ولعمرى إن الإِنسان أعجب نسخة فى هذا العالم، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو الأبصار، وكل ما يشاهد من الصور الإِنسانية حسن، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب.. كما قال بعض الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان.<br>وقوله - تعالى - { وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } معطوف على ما قبله، لأن التصوير يقتضى الإِيجاد، فبين - سبحانه - أن هذا الإِيجاد يعقبه الفناء لكل شىء سوى وجهه الكريم.<br>أى: وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية.<br>ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: { يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: هو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السماوات والأرض.<br>{ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } - أيها الناس - والتصريح بذلك مع اندراجه فيما قبله، من علم ما فى السماوات وما فى الأرض، لمزيد التأكيد فى الوعد والوعيد.<br>{ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } والمراد بذات الصدور، النوايا والخواطر التى تخفيها الصدور، وتكتمها القلوب.<br>أى: والله - تعالى - عليم علما تاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها الصدور، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل، كل جملة منها أخص من سابقتها.<br>وجمع - سبحانه - بينها للإِشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات والكليات، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها.<br>وفى هذا رد على أولئك الكفار الجاحدين، الذين استبعدوا إعادتهم إلى الحياة، بعد أن أكلت الأرض أجسادهم، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ يَأْتِكُمْ.. } للتقرير والتبكيت.<br>والمراد بالذين كفروا من قبل: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، من الأقوام الذين أعرضوا عن الحق، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك.<br>والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم، ممن استحبوا العمى على الهدى.<br>والوبال فى الأصل: الشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل للطعام الثقيل على المعدة. المضر لها.. والمراد به هنا: العقاب الشديد الذى نزل بهم فأهلكهم، وعبر عن هذا العقاب بالوبال، للإِشارة إلى أنه عذابا ثقيلا جدا، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه.<br>والمراد بأمرهم: كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم، ومخالفتهم لرسلهم.<br>وقوله { فَذَاقُواْ } معطوف على كفروا، عطف المسبب على السبب والذوق مجاز فى مطلق الإِحساس والوجدان. شبه ما حل بهم من عقاب، بشىء كريه الطعم والمذاق.<br>وعبر عن كفرهم بالأمر، للإِشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح والسوء.<br>والمعنى: لقد أتاكم ووصف إلى علمكم - أيها المشركون - حال الذين كفروا من قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم، فعليكم أن تعتبروا بهم. وأن تفيئوا إلى رشدكم، وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان.<br>فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة هؤلاء السابقين فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا }.<br>أى: ذلك الذى أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار، سببه أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم على سبيل الإِنكار والتكذيب والتعجب: أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق والرشد؟!!.<br>فالباء فى قوله { بِأَنَّهُ } للسببية، والضمير ضمير الشأن لقصد التهويل والاستفهام فى قوله { أَبَشَرٌ } للإِنكار والمراد بالبشر: الجنس، وهو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة { يَهْدُونَنَا }.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه القرآن من قول قوم صالح له: { فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ.. } والفاء فى قوله: { فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } للسببية.<br>أى: فكفروا بسبب هذا القول الفاسد: { وَتَوَلَّواْ } أى: وأعرضوا عن الحق إعراضا تاما { وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } أى: واستغنى الله - تعالى - عنهم وعن إيمانهم، والسين والتاء للمبالغة فى غناه - سبحانه - عنهم.<br>{ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أى: والله - تعالى - غنى عنهم وعن العالمين، محمود من كل مخلوقاته بلسان الحال والمقال وهو - تعالى - يجازى الشاكرين له بما يستحقونه من جزاء كريم. <br>ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث والحساب، ورد عليهم بما يبطلها، ودعاهم إلى الإِيمان بالحق، وحضهم على العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم، وبين أن كل شىء فى هذا الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته، فقال - سبحانه -: { زَعَمَ ٱلَّذِينَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5243",
        "sura_number": "64",
        "ayah_number": "6",
        "aya": "",
        "sura": "التغابن",
        "mediator": "سورة \"التغابن\" هى آخر السور المفتتحة بالتسبيح، فقد قال - سبحانه - فى مطلعها.<br>{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. } أى: ينزه الله - تعالى - عن كل نقص، ويجله عن كل مالا يليق به، جميع الكائنات التى فى سماواته - سبحانه - وفى أرضه، كما قال - عز وجل -: { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } وجىء هنا وفى سورة الجمعة بصيغة المضارع { يُسَبِّحُ } للدلالة على تجدد هذا التسبيح، وحدوثه فى كل وقت وآن.<br>وجىء فى سورة الحديد، والحشر، والصف، بصيغة الماضى (سَبَّحَ). للدلالة على أن التسبيح قد استقر وثبت لله - تعالى - وحده، من قديم الزمان.<br>وقوله - سبحانه -: { لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } مؤكد لما قبله، من بيان أن جميع الكائنات تسبح لله - تعالى - لأنه مالكها وصاحب الفضل المطلق عليها.<br>وتقديم الجار والمجرور { لَهُ } لإِفادة الاختصاص والقصر.<br>أى: له - سبحانه - وحده ملك هذا الكون، وله وحده الحمد التام المطلق من جميع مخلوقاته، وليس لغيره شىء منهما، وإذا وجد شىء منهما لغيره فهو من فيضه وعطائه، إذ هو - سبحانه - القدير الذى لا يقف فى وجه قدرته وإرادته شىء.<br>ثم بين - سبحانه - أقسام خلقه فى هذه الحياة فقال: { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ }.<br>والخطاب فى قوله: { خَلَقَكُمْ } لجيمع المكلفين من هذه الأمة.<br>والفاء فى قوله: { فَمِنكُمْ كَافِرٌ } للتفريع المشعر بالتعجب من وجود من هو كافر بالله - تعالى - مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقه، وخلق كل شىء.<br>وقدم ذكر الكافر، لأنه الأهم فى هذا المقام، ولأنه الأكثر عددا فى هذه الحياة.<br>أي هو سبحانه - الذى خلقكم بقدرته، دون أن يشاركه فى ذلك مشارك، وزودكم بالعقول التى تعينكم على معرفة الخير من الشر، والنافع من الضار وأرسل إليكم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان، وأنزل معه الكتاب الذى يدلكم على أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، وأمركم هذا الرسول الكريم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ولم يترك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تهديكم إلى الحق إلا وأرشدكم إليها.....<br>ومع ذلك وجد منكم المختار للكفر بالحق، المعرض عن الإِيمان بوحدانية الله - تعالى - وكان منكم المستجيب للحق باختياره المخلص فى عقيدته لله - تعالى - المؤمن بوحدانيته، المؤدى لجميع التكاليف التى كلفه - سبحانه - بها.<br>قال القرطبى - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية -: وقال الزجاج - وقوله أحسن الأقوال، والذى عليه الأئمة والجمهور من الأمة -: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإِيمان.<br>والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما، غير الذى قدر عليه، وعلمه منه...<br>وقوله: { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أى: والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>{ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أى: خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث، فالباء فى قوله \"بالحق\" للملابسة.<br>والمراد بالسماوات والأرض: ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من خلق الناس.<br>والمراد بالحق: المقصد الصحيح، والغرض السليم، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها.<br>ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ }.<br>وقوله: { وَصَوَّرَكُمْ } من التصوير، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها، وهو ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا، بمعنى تحول إليه، أو من صاره إلى كذا، بمعنى أماله وحوله.<br>أى: وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها، بدليل أن الإِنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه الله عليها، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره.<br>وصدق الله إذ يقول: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال الآلوسى: ولعمرى إن الإِنسان أعجب نسخة فى هذا العالم، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار، وعلم ما علم منها أولو الأبصار، وكل ما يشاهد من الصور الإِنسانية حسن، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب.. كما قال بعض الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان.<br>وقوله - تعالى - { وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } معطوف على ما قبله، لأن التصوير يقتضى الإِيجاد، فبين - سبحانه - أن هذا الإِيجاد يعقبه الفناء لكل شىء سوى وجهه الكريم.<br>أى: وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية.<br>ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: { يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أى: هو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى السماوات والأرض.<br>{ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } - أيها الناس - والتصريح بذلك مع اندراجه فيما قبله، من علم ما فى السماوات وما فى الأرض، لمزيد التأكيد فى الوعد والوعيد.<br>{ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } والمراد بذات الصدور، النوايا والخواطر التى تخفيها الصدور، وتكتمها القلوب.<br>أى: والله - تعالى - عليم علما تاما بالنوايا والخواطر التى اشتملت عليها الصدور، فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ثلاث جمل، كل جملة منها أخص من سابقتها.<br>وجمع - سبحانه - بينها للإِشارة إلى أن علمه - تعالى - محيط بالجزئيات والكليات، دون أن يعزب عن علمه - تعالى - شىء منها.<br>وفى هذا رد على أولئك الكفار الجاحدين، الذين استبعدوا إعادتهم إلى الحياة، بعد أن أكلت الأرض أجسادهم، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بالسابقين من قبلهم فقال: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.<br>والاستفهام فى قوله { أَلَمْ يَأْتِكُمْ.. } للتقرير والتبكيت.<br>والمراد بالذين كفروا من قبل: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، من الأقوام الذين أعرضوا عن الحق، فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك.<br>والخطاب لمشركى قريش وأمثالهم، ممن استحبوا العمى على الهدى.<br>والوبال فى الأصل: الشدة المترتبة على أمر من الأمور، ومنه الوبيل للطعام الثقيل على المعدة. المضر لها.. والمراد به هنا: العقاب الشديد الذى نزل بهم فأهلكهم، وعبر عن هذا العقاب بالوبال، للإِشارة إلى أنه عذابا ثقيلا جدا، لم يستطيعوا الفرار أو الهرب منه.<br>والمراد بأمرهم: كفرهم وفسوقهم عن أمر ربهم، ومخالفتهم لرسلهم.<br>وقوله { فَذَاقُواْ } معطوف على كفروا، عطف المسبب على السبب والذوق مجاز فى مطلق الإِحساس والوجدان. شبه ما حل بهم من عقاب، بشىء كريه الطعم والمذاق.<br>وعبر عن كفرهم بالأمر، للإِشعار بأنه أمر قد بلغ النهاية فى القبح والسوء.<br>والمعنى: لقد أتاكم ووصف إلى علمكم - أيها المشركون - حال الذين كفروا من قبلكم من أمثال قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وعلمتم أن إصرارهم على كفرهم قد أدى بهم إلى الهلاك وإلى العذاب الأليم، فعليكم أن تعتبروا بهم. وأن تفيئوا إلى رشدكم، وأن تتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان.<br>فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم.<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة هؤلاء السابقين فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا }.<br>أى: ذلك الذى أصاب الأقوام السابقين من هلاك ودمار، سببه أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم على سبيل الإِنكار والتكذيب والتعجب: أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق والرشد؟!!.<br>فالباء فى قوله { بِأَنَّهُ } للسببية، والضمير ضمير الشأن لقصد التهويل والاستفهام فى قوله { أَبَشَرٌ } للإِنكار والمراد بالبشر: الجنس، وهو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره جملة { يَهْدُونَنَا }.<br>وشبيه بهذه الآية ما حكاه القرآن من قول قوم صالح له: { فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ.. } والفاء فى قوله: { فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } للسببية.<br>أى: فكفروا بسبب هذا القول الفاسد: { وَتَوَلَّواْ } أى: وأعرضوا عن الحق إعراضا تاما { وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ } أى: واستغنى الله - تعالى - عنهم وعن إيمانهم، والسين والتاء للمبالغة فى غناه - سبحانه - عنهم.<br>{ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أى: والله - تعالى - غنى عنهم وعن العالمين، محمود من كل مخلوقاته بلسان الحال والمقال وهو - تعالى - يجازى الشاكرين له بما يستحقونه من جزاء كريم. <br>ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث والحساب، ورد عليهم بما يبطلها، ودعاهم إلى الإِيمان بالحق، وحضهم على العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم، وبين أن كل شىء فى هذا الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته، فقال - سبحانه -: { زَعَمَ ٱلَّذِينَ... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5273",
        "sura_number": "66",
        "ayah_number": "6",
        "aya": "",
        "sura": "التحريم",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { قُوۤا } أمر من الوقاية، يقال: وقى يَقِى، كضرب يضرب.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، أبعدوا أنفسكم عن النار عن طريق فعل الحسنات. واجتناب السيئات، وأبعدوا أهليكم - أيضا - عنها، عن طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف. ونهيهم عن المنكر.<br>قال القرطبى، قال قتادة ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم.<br>ففى الحديث الصحيح أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإِمام الذى على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم\" .<br>وقال - صلى الله عليه وسلم -:  \"ما نحل والد ولدا، أفضل من أدب حسن\" .<br>وقال - صلى الله عليه وسلم -:  \"مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم فى المضاجع\" .<br>وقد روى مسلم فى صحيحه  \"أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوتر يقول: قومى فأوترى يا عائشة\" .<br>وذكر القشيرى  \"أن عمر - رضى الله عنه - لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله: نقى أنفسنا فكيف بأهلينا؟<br>فقال: تنهونهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به\" .<br>وجاء لفظ النار منكراً، للتهويل. أى: نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا الله - تعالى -.<br>وقوله: { وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } أى: هذه النار لا توقد كما يوقد غيرها بالحطب وما يشبهها، وإنما مادة اشتعالها تتكون من الناس الذين كانوا فى الدنيا يشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، ومن الحجارة التى كانت تعبد من دونه - تعالى -.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال: { عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }.<br>والغلاظ: جمع غليظ وهو المتصف بالضخامة والغلظة التى هى ضد الرقة.<br>وهذا اللفظ صفة مشبهة، وفعله غلظ ككرم.<br>وشداد: جمع شديد، وهو المتصف بالقوة والشدة، يقال: فلان شديد على فلان، أى: قوى عليه، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب.<br>أى: هذه النار من صفاتها - أيضا - أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها، ملائكة قساة فى أخذهم أهل النار، أقوياء عليهم، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم، أو أن يعصوا لهم أمرا.<br>وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون لله - تعالى - أمرا. وإنما ينفذون ما يكلفهم - سبحانه - به تنفيذا تاما.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون.. ويفعلون فى معنى واحد؟<br>قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه.<br>ثم بين - سبحانه - ما تقوله الملائكة لأهل النار عند ما يعرضون عليها فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ } والمراد باليوم، يوم القيامة فأل فيه للعهد.<br>أى: تقول الملائكة لهم فى هذا اليوم العسير على سبيل التبكيت والتوبيخ - لا تعتذروا - أيها الكافرون عن كفركم، بأن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير أو بأن غيرنا أضلنا، أو بأننا ما كنا مشركين.. فإن هذه الأعذار لن تنفعكم، وأنتم فى هذا اليوم إنما تعاقبون على كفركم فى الدنيا، وعلى إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموت.<br>فالآية الكريمة تبيوخ الكافرين، وتيئيس لهم من قبلو أعذارهم الكاذبة.<br>ثم يرشد - سبحانه - المؤمنين، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً.. }.<br>والتوبة: العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم على ما فعله منها فى الماضى، والنصوح صيغة مبالغة من النصح، وصفت بها التوبة على سبيل الإِسناد المجازى، والمقصود وصف التائبين بها، من نصح فلان التوب إذا خاطه، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية. أو من قولهم: عسل ناصح.<br>وقد ذكروا فى معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجهاً.<br>قال القرطبى ما ملخصه: اختلفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب، فى التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا، فقيل: هى التى لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.<br>وقال قتادة: النصوح الصادقة الناصحة.. الخالصة.<br>وقال القرطبى: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإِقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سىء الإِخوان.<br>وقال الفقهاء: التوبة التى لا تعلق لها بحق آدمى لها ثلاثة شروط: احدها أن يقلع عن المعصية، وثانيها: أن يندم على ما فعله، وثالثها: أن يعزم على أن لا يعود إليها.<br>فإذا اجتمعت هذه الشروط فى التوبة كانت نصوحا.<br>وإن كانت تتعلق بحق  آدمى، فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن كانت غيبة استحله منها.<br>وهى واجبة من كل معصية على الفور، ولا يجوز تأخيرها...<br>وقوله - سبحانه - { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }.<br>والرجاء المستفاد من فعل { عَسَىٰ } مستعمل هنا فى الوعد الصادق منه - تعالى - على سبيل الكرم والفضل، فقد قالوا إن كل ترج فى القرآن واقع منه - تعالى - فضلا منه وكرما.<br>أى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان، توبوا إلى الله - تعالى - \"توبة صادقة\" بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب، وتعزمون على عدم العودة إليها، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم.. فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله - تعالى - لكم ذنوبكم: وكفر عنكم سيئاتكم، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار.<br>قال صاحب الكشاف: قوله: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ }: إطماع من الله لعباده. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإِجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثانى: أن يجىء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء...<br>والظرف فى قوله - سبحانه -: { يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك: { وَيُدْخِلَكُمْ }، أو بفعل مضمر تقديره: اذكر.<br>وقوله: { لاَ يُخْزِى } من الخزى بمعنى الافتضاح: يقال أخزى الله فلانا إذا فضحه، والمراد به هنا: عذاب النار.<br>وقوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } معطوف على النبى، وجملة { نُورُهُمْ يَسْعَىٰ } مستأنفة.<br>أى: يدخلكم الله - بفضله وكرمه - { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } يوم القيامة، يوم ينجى - سبحانه - النبى - صلى الله عليه وسلم - وينجى الذين آمنوا معه من عذاب النار، ومن خزى هذا اليوم العصيب.<br>وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - نورهم وهم على الصراط، يسعى ويمتد وينتشر { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }.<br>أى أمامهم { وَبِأَيْمَانِهِمْ } أى: وعن أيمانهم.<br>ويقولون - على سبيل الحمد والشكر لله - تعالى - يا ربنا { أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك.<br>{ وَٱغْفِرْ لَنَآ } يا ربنا ذنوبنا { إِنَّكَ } يا ربنا، { عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.<br>وفى عطف الذين آمنوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - إشعار بأن سبب انتفاء خزيهم، هو إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، وصحبتهم الكريمة للنبى - صلى الله عليه وسلم -.<br>والضمير فى قوله { نُورُهُمْ } يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه.<br>وخص - سبحانه - الأَمامَ واليمين بالذكر، لفضل هذين المكانين، إذ النور عندما يكون من الأمام يستمتع الإِنسان بمشاهدته، وعندما يكون من جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به.<br>والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم، وهو نور حقيقى يكرم الله - تعالى - به عباده الصالحين.<br>وختموا دعاءهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم -: { إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } للإِشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم، لأنهم يسألون ويدعون الله - تعالى - الذى لا يقف أمام قدرته شىء.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا كبيرا فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ }.<br>وخص النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالجهاد، مع أن الأمر به يشمل المؤمنين معه، لأنه - صلى الله عليه وسلم - هو قائدهم ورائدهم.<br>وجهاده - صلى الله عليه وسلم - للكفار يكون بدعوتهم إلى الحق حتى يسلموا، فإذا لم يستجيبوا جاهدهم بالسيف والسلاح حتى يزهق باطلهم.<br>وجهاده للمنافقين يكون بتأديبهم وزجرهم وإلقاء الرعب فى قلوبهم، حتى يأمن المؤمنون شرهم، وحتى يشعروا بأن النبى والمؤمنين لهم بالمرصاد.<br>والغلظة فى الأصل: تطلق على الشىء الصلب الغليظ، والمراد بها هنا: معاملتهم بالشدة والخشونة والقسوة.. حتى يأمن المؤمنون جانبهم، ويتقوا شرهم.<br>أى: يا أيها النبى الكريم جاهد أنت ومن معك من المؤمنين، الكفار والمنافقين. وعاملهم جميعا بالخشونة والغلظة.. حتى يهابوك أنت ومن معك، وحتى تكونوا فى مأمن منهم ومن أذاهم إذ الحق لا بد له من قوة تحميه وتدفع عنه كيد أعدائه.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين والمنافقين، حالهم فى الدنيا المجاهدة والمعاملة التى لا تسامح معها ولا تساهل، حتى تكون كلمتهم السفلى، وكلمة الله - تعالى - هى العليا.<br>أما حالهم فى الآخرة، فالإِلقاء بهم فى جهنم، وبئس المأوى والمسكن جهنم، فالمخصوص بالذم محذوف، وهو جهنم، أو المأوى.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أرشدت النبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، إلى ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم.<br>وبعد هذه النداءات، للمؤمنين، وللكافرين وللنبى - صلى الله عليه وسلم - ضرب - سبحانه - مثلين لنساء كافرات فى بيوت أنبياء، ولنساء مؤمنات فى بيوت كفار، لتزداد الموعظة وضوحا، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وليشعر الجميع - ولا سيما أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - أنهم مسئولون أمام الله - تعالى - عن أعمالهم.. فقال - تعالى -: { ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5274",
        "sura_number": "66",
        "ayah_number": "7",
        "aya": "",
        "sura": "التحريم",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { قُوۤا } أمر من الوقاية، يقال: وقى يَقِى، كضرب يضرب.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، أبعدوا أنفسكم عن النار عن طريق فعل الحسنات. واجتناب السيئات، وأبعدوا أهليكم - أيضا - عنها، عن طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف. ونهيهم عن المنكر.<br>قال القرطبى، قال قتادة ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم.<br>ففى الحديث الصحيح أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإِمام الذى على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم\" .<br>وقال - صلى الله عليه وسلم -:  \"ما نحل والد ولدا، أفضل من أدب حسن\" .<br>وقال - صلى الله عليه وسلم -:  \"مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم فى المضاجع\" .<br>وقد روى مسلم فى صحيحه  \"أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوتر يقول: قومى فأوترى يا عائشة\" .<br>وذكر القشيرى  \"أن عمر - رضى الله عنه - لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله: نقى أنفسنا فكيف بأهلينا؟<br>فقال: تنهونهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به\" .<br>وجاء لفظ النار منكراً، للتهويل. أى: نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا الله - تعالى -.<br>وقوله: { وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } أى: هذه النار لا توقد كما يوقد غيرها بالحطب وما يشبهها، وإنما مادة اشتعالها تتكون من الناس الذين كانوا فى الدنيا يشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، ومن الحجارة التى كانت تعبد من دونه - تعالى -.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال: { عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }.<br>والغلاظ: جمع غليظ وهو المتصف بالضخامة والغلظة التى هى ضد الرقة.<br>وهذا اللفظ صفة مشبهة، وفعله غلظ ككرم.<br>وشداد: جمع شديد، وهو المتصف بالقوة والشدة، يقال: فلان شديد على فلان، أى: قوى عليه، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب.<br>أى: هذه النار من صفاتها - أيضا - أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها، ملائكة قساة فى أخذهم أهل النار، أقوياء عليهم، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم، أو أن يعصوا لهم أمرا.<br>وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون لله - تعالى - أمرا. وإنما ينفذون ما يكلفهم - سبحانه - به تنفيذا تاما.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون.. ويفعلون فى معنى واحد؟<br>قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه.<br>ثم بين - سبحانه - ما تقوله الملائكة لأهل النار عند ما يعرضون عليها فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ } والمراد باليوم، يوم القيامة فأل فيه للعهد.<br>أى: تقول الملائكة لهم فى هذا اليوم العسير على سبيل التبكيت والتوبيخ - لا تعتذروا - أيها الكافرون عن كفركم، بأن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير أو بأن غيرنا أضلنا، أو بأننا ما كنا مشركين.. فإن هذه الأعذار لن تنفعكم، وأنتم فى هذا اليوم إنما تعاقبون على كفركم فى الدنيا، وعلى إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموت.<br>فالآية الكريمة تبيوخ الكافرين، وتيئيس لهم من قبلو أعذارهم الكاذبة.<br>ثم يرشد - سبحانه - المؤمنين، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً.. }.<br>والتوبة: العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم على ما فعله منها فى الماضى، والنصوح صيغة مبالغة من النصح، وصفت بها التوبة على سبيل الإِسناد المجازى، والمقصود وصف التائبين بها، من نصح فلان التوب إذا خاطه، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية. أو من قولهم: عسل ناصح.<br>وقد ذكروا فى معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجهاً.<br>قال القرطبى ما ملخصه: اختلفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب، فى التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا، فقيل: هى التى لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.<br>وقال قتادة: النصوح الصادقة الناصحة.. الخالصة.<br>وقال القرطبى: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإِقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سىء الإِخوان.<br>وقال الفقهاء: التوبة التى لا تعلق لها بحق آدمى لها ثلاثة شروط: احدها أن يقلع عن المعصية، وثانيها: أن يندم على ما فعله، وثالثها: أن يعزم على أن لا يعود إليها.<br>فإذا اجتمعت هذه الشروط فى التوبة كانت نصوحا.<br>وإن كانت تتعلق بحق  آدمى، فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن كانت غيبة استحله منها.<br>وهى واجبة من كل معصية على الفور، ولا يجوز تأخيرها...<br>وقوله - سبحانه - { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }.<br>والرجاء المستفاد من فعل { عَسَىٰ } مستعمل هنا فى الوعد الصادق منه - تعالى - على سبيل الكرم والفضل، فقد قالوا إن كل ترج فى القرآن واقع منه - تعالى - فضلا منه وكرما.<br>أى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان، توبوا إلى الله - تعالى - \"توبة صادقة\" بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب، وتعزمون على عدم العودة إليها، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم.. فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله - تعالى - لكم ذنوبكم: وكفر عنكم سيئاتكم، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار.<br>قال صاحب الكشاف: قوله: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ }: إطماع من الله لعباده. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإِجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثانى: أن يجىء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء...<br>والظرف فى قوله - سبحانه -: { يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك: { وَيُدْخِلَكُمْ }، أو بفعل مضمر تقديره: اذكر.<br>وقوله: { لاَ يُخْزِى } من الخزى بمعنى الافتضاح: يقال أخزى الله فلانا إذا فضحه، والمراد به هنا: عذاب النار.<br>وقوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } معطوف على النبى، وجملة { نُورُهُمْ يَسْعَىٰ } مستأنفة.<br>أى: يدخلكم الله - بفضله وكرمه - { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } يوم القيامة، يوم ينجى - سبحانه - النبى - صلى الله عليه وسلم - وينجى الذين آمنوا معه من عذاب النار، ومن خزى هذا اليوم العصيب.<br>وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - نورهم وهم على الصراط، يسعى ويمتد وينتشر { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }.<br>أى أمامهم { وَبِأَيْمَانِهِمْ } أى: وعن أيمانهم.<br>ويقولون - على سبيل الحمد والشكر لله - تعالى - يا ربنا { أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك.<br>{ وَٱغْفِرْ لَنَآ } يا ربنا ذنوبنا { إِنَّكَ } يا ربنا، { عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.<br>وفى عطف الذين آمنوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - إشعار بأن سبب انتفاء خزيهم، هو إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، وصحبتهم الكريمة للنبى - صلى الله عليه وسلم -.<br>والضمير فى قوله { نُورُهُمْ } يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه.<br>وخص - سبحانه - الأَمامَ واليمين بالذكر، لفضل هذين المكانين، إذ النور عندما يكون من الأمام يستمتع الإِنسان بمشاهدته، وعندما يكون من جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به.<br>والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم، وهو نور حقيقى يكرم الله - تعالى - به عباده الصالحين.<br>وختموا دعاءهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم -: { إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } للإِشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم، لأنهم يسألون ويدعون الله - تعالى - الذى لا يقف أمام قدرته شىء.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا كبيرا فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ }.<br>وخص النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالجهاد، مع أن الأمر به يشمل المؤمنين معه، لأنه - صلى الله عليه وسلم - هو قائدهم ورائدهم.<br>وجهاده - صلى الله عليه وسلم - للكفار يكون بدعوتهم إلى الحق حتى يسلموا، فإذا لم يستجيبوا جاهدهم بالسيف والسلاح حتى يزهق باطلهم.<br>وجهاده للمنافقين يكون بتأديبهم وزجرهم وإلقاء الرعب فى قلوبهم، حتى يأمن المؤمنون شرهم، وحتى يشعروا بأن النبى والمؤمنين لهم بالمرصاد.<br>والغلظة فى الأصل: تطلق على الشىء الصلب الغليظ، والمراد بها هنا: معاملتهم بالشدة والخشونة والقسوة.. حتى يأمن المؤمنون جانبهم، ويتقوا شرهم.<br>أى: يا أيها النبى الكريم جاهد أنت ومن معك من المؤمنين، الكفار والمنافقين. وعاملهم جميعا بالخشونة والغلظة.. حتى يهابوك أنت ومن معك، وحتى تكونوا فى مأمن منهم ومن أذاهم إذ الحق لا بد له من قوة تحميه وتدفع عنه كيد أعدائه.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين والمنافقين، حالهم فى الدنيا المجاهدة والمعاملة التى لا تسامح معها ولا تساهل، حتى تكون كلمتهم السفلى، وكلمة الله - تعالى - هى العليا.<br>أما حالهم فى الآخرة، فالإِلقاء بهم فى جهنم، وبئس المأوى والمسكن جهنم، فالمخصوص بالذم محذوف، وهو جهنم، أو المأوى.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أرشدت النبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، إلى ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم.<br>وبعد هذه النداءات، للمؤمنين، وللكافرين وللنبى - صلى الله عليه وسلم - ضرب - سبحانه - مثلين لنساء كافرات فى بيوت أنبياء، ولنساء مؤمنات فى بيوت كفار، لتزداد الموعظة وضوحا، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وليشعر الجميع - ولا سيما أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - أنهم مسئولون أمام الله - تعالى - عن أعمالهم.. فقال - تعالى -: { ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5275",
        "sura_number": "66",
        "ayah_number": "8",
        "aya": "",
        "sura": "التحريم",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { قُوۤا } أمر من الوقاية، يقال: وقى يَقِى، كضرب يضرب.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، أبعدوا أنفسكم عن النار عن طريق فعل الحسنات. واجتناب السيئات، وأبعدوا أهليكم - أيضا - عنها، عن طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف. ونهيهم عن المنكر.<br>قال القرطبى، قال قتادة ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم.<br>ففى الحديث الصحيح أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإِمام الذى على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم\" .<br>وقال - صلى الله عليه وسلم -:  \"ما نحل والد ولدا، أفضل من أدب حسن\" .<br>وقال - صلى الله عليه وسلم -:  \"مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم فى المضاجع\" .<br>وقد روى مسلم فى صحيحه  \"أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوتر يقول: قومى فأوترى يا عائشة\" .<br>وذكر القشيرى  \"أن عمر - رضى الله عنه - لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله: نقى أنفسنا فكيف بأهلينا؟<br>فقال: تنهونهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به\" .<br>وجاء لفظ النار منكراً، للتهويل. أى: نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا الله - تعالى -.<br>وقوله: { وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } أى: هذه النار لا توقد كما يوقد غيرها بالحطب وما يشبهها، وإنما مادة اشتعالها تتكون من الناس الذين كانوا فى الدنيا يشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، ومن الحجارة التى كانت تعبد من دونه - تعالى -.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال: { عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }.<br>والغلاظ: جمع غليظ وهو المتصف بالضخامة والغلظة التى هى ضد الرقة.<br>وهذا اللفظ صفة مشبهة، وفعله غلظ ككرم.<br>وشداد: جمع شديد، وهو المتصف بالقوة والشدة، يقال: فلان شديد على فلان، أى: قوى عليه، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب.<br>أى: هذه النار من صفاتها - أيضا - أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها، ملائكة قساة فى أخذهم أهل النار، أقوياء عليهم، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم، أو أن يعصوا لهم أمرا.<br>وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون لله - تعالى - أمرا. وإنما ينفذون ما يكلفهم - سبحانه - به تنفيذا تاما.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون.. ويفعلون فى معنى واحد؟<br>قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه.<br>ثم بين - سبحانه - ما تقوله الملائكة لأهل النار عند ما يعرضون عليها فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ } والمراد باليوم، يوم القيامة فأل فيه للعهد.<br>أى: تقول الملائكة لهم فى هذا اليوم العسير على سبيل التبكيت والتوبيخ - لا تعتذروا - أيها الكافرون عن كفركم، بأن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير أو بأن غيرنا أضلنا، أو بأننا ما كنا مشركين.. فإن هذه الأعذار لن تنفعكم، وأنتم فى هذا اليوم إنما تعاقبون على كفركم فى الدنيا، وعلى إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموت.<br>فالآية الكريمة تبيوخ الكافرين، وتيئيس لهم من قبلو أعذارهم الكاذبة.<br>ثم يرشد - سبحانه - المؤمنين، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً.. }.<br>والتوبة: العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم على ما فعله منها فى الماضى، والنصوح صيغة مبالغة من النصح، وصفت بها التوبة على سبيل الإِسناد المجازى، والمقصود وصف التائبين بها، من نصح فلان التوب إذا خاطه، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية. أو من قولهم: عسل ناصح.<br>وقد ذكروا فى معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجهاً.<br>قال القرطبى ما ملخصه: اختلفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب، فى التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا، فقيل: هى التى لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.<br>وقال قتادة: النصوح الصادقة الناصحة.. الخالصة.<br>وقال القرطبى: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإِقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سىء الإِخوان.<br>وقال الفقهاء: التوبة التى لا تعلق لها بحق آدمى لها ثلاثة شروط: احدها أن يقلع عن المعصية، وثانيها: أن يندم على ما فعله، وثالثها: أن يعزم على أن لا يعود إليها.<br>فإذا اجتمعت هذه الشروط فى التوبة كانت نصوحا.<br>وإن كانت تتعلق بحق  آدمى، فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن كانت غيبة استحله منها.<br>وهى واجبة من كل معصية على الفور، ولا يجوز تأخيرها...<br>وقوله - سبحانه - { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }.<br>والرجاء المستفاد من فعل { عَسَىٰ } مستعمل هنا فى الوعد الصادق منه - تعالى - على سبيل الكرم والفضل، فقد قالوا إن كل ترج فى القرآن واقع منه - تعالى - فضلا منه وكرما.<br>أى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان، توبوا إلى الله - تعالى - \"توبة صادقة\" بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب، وتعزمون على عدم العودة إليها، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم.. فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله - تعالى - لكم ذنوبكم: وكفر عنكم سيئاتكم، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار.<br>قال صاحب الكشاف: قوله: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ }: إطماع من الله لعباده. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإِجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثانى: أن يجىء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء...<br>والظرف فى قوله - سبحانه -: { يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك: { وَيُدْخِلَكُمْ }، أو بفعل مضمر تقديره: اذكر.<br>وقوله: { لاَ يُخْزِى } من الخزى بمعنى الافتضاح: يقال أخزى الله فلانا إذا فضحه، والمراد به هنا: عذاب النار.<br>وقوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } معطوف على النبى، وجملة { نُورُهُمْ يَسْعَىٰ } مستأنفة.<br>أى: يدخلكم الله - بفضله وكرمه - { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } يوم القيامة، يوم ينجى - سبحانه - النبى - صلى الله عليه وسلم - وينجى الذين آمنوا معه من عذاب النار، ومن خزى هذا اليوم العصيب.<br>وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - نورهم وهم على الصراط، يسعى ويمتد وينتشر { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }.<br>أى أمامهم { وَبِأَيْمَانِهِمْ } أى: وعن أيمانهم.<br>ويقولون - على سبيل الحمد والشكر لله - تعالى - يا ربنا { أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك.<br>{ وَٱغْفِرْ لَنَآ } يا ربنا ذنوبنا { إِنَّكَ } يا ربنا، { عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.<br>وفى عطف الذين آمنوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - إشعار بأن سبب انتفاء خزيهم، هو إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، وصحبتهم الكريمة للنبى - صلى الله عليه وسلم -.<br>والضمير فى قوله { نُورُهُمْ } يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه.<br>وخص - سبحانه - الأَمامَ واليمين بالذكر، لفضل هذين المكانين، إذ النور عندما يكون من الأمام يستمتع الإِنسان بمشاهدته، وعندما يكون من جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به.<br>والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم، وهو نور حقيقى يكرم الله - تعالى - به عباده الصالحين.<br>وختموا دعاءهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم -: { إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } للإِشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم، لأنهم يسألون ويدعون الله - تعالى - الذى لا يقف أمام قدرته شىء.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا كبيرا فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ }.<br>وخص النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالجهاد، مع أن الأمر به يشمل المؤمنين معه، لأنه - صلى الله عليه وسلم - هو قائدهم ورائدهم.<br>وجهاده - صلى الله عليه وسلم - للكفار يكون بدعوتهم إلى الحق حتى يسلموا، فإذا لم يستجيبوا جاهدهم بالسيف والسلاح حتى يزهق باطلهم.<br>وجهاده للمنافقين يكون بتأديبهم وزجرهم وإلقاء الرعب فى قلوبهم، حتى يأمن المؤمنون شرهم، وحتى يشعروا بأن النبى والمؤمنين لهم بالمرصاد.<br>والغلظة فى الأصل: تطلق على الشىء الصلب الغليظ، والمراد بها هنا: معاملتهم بالشدة والخشونة والقسوة.. حتى يأمن المؤمنون جانبهم، ويتقوا شرهم.<br>أى: يا أيها النبى الكريم جاهد أنت ومن معك من المؤمنين، الكفار والمنافقين. وعاملهم جميعا بالخشونة والغلظة.. حتى يهابوك أنت ومن معك، وحتى تكونوا فى مأمن منهم ومن أذاهم إذ الحق لا بد له من قوة تحميه وتدفع عنه كيد أعدائه.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين والمنافقين، حالهم فى الدنيا المجاهدة والمعاملة التى لا تسامح معها ولا تساهل، حتى تكون كلمتهم السفلى، وكلمة الله - تعالى - هى العليا.<br>أما حالهم فى الآخرة، فالإِلقاء بهم فى جهنم، وبئس المأوى والمسكن جهنم، فالمخصوص بالذم محذوف، وهو جهنم، أو المأوى.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أرشدت النبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، إلى ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم.<br>وبعد هذه النداءات، للمؤمنين، وللكافرين وللنبى - صلى الله عليه وسلم - ضرب - سبحانه - مثلين لنساء كافرات فى بيوت أنبياء، ولنساء مؤمنات فى بيوت كفار، لتزداد الموعظة وضوحا، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وليشعر الجميع - ولا سيما أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - أنهم مسئولون أمام الله - تعالى - عن أعمالهم.. فقال - تعالى -: { ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5276",
        "sura_number": "66",
        "ayah_number": "9",
        "aya": "",
        "sura": "التحريم",
        "mediator": "وقوله - تعالى -: { قُوۤا } أمر من الوقاية، يقال: وقى يَقِى، كضرب يضرب.<br>والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، أبعدوا أنفسكم عن النار عن طريق فعل الحسنات. واجتناب السيئات، وأبعدوا أهليكم - أيضا - عنها، عن طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف. ونهيهم عن المنكر.<br>قال القرطبى، قال قتادة ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم.<br>ففى الحديث الصحيح أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:  \"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإِمام الذى على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم\" .<br>وقال - صلى الله عليه وسلم -:  \"ما نحل والد ولدا، أفضل من أدب حسن\" .<br>وقال - صلى الله عليه وسلم -:  \"مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم فى المضاجع\" .<br>وقد روى مسلم فى صحيحه  \"أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوتر يقول: قومى فأوترى يا عائشة\" .<br>وذكر القشيرى  \"أن عمر - رضى الله عنه - لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله: نقى أنفسنا فكيف بأهلينا؟<br>فقال: تنهونهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به\" .<br>وجاء لفظ النار منكراً، للتهويل. أى: نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا الله - تعالى -.<br>وقوله: { وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } أى: هذه النار لا توقد كما يوقد غيرها بالحطب وما يشبهها، وإنما مادة اشتعالها تتكون من الناس الذين كانوا فى الدنيا يشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، ومن الحجارة التى كانت تعبد من دونه - تعالى -.<br>ثم أضاف - سبحانه - إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال: { عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }.<br>والغلاظ: جمع غليظ وهو المتصف بالضخامة والغلظة التى هى ضد الرقة.<br>وهذا اللفظ صفة مشبهة، وفعله غلظ ككرم.<br>وشداد: جمع شديد، وهو المتصف بالقوة والشدة، يقال: فلان شديد على فلان، أى: قوى عليه، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب.<br>أى: هذه النار من صفاتها - أيضا - أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها، ملائكة قساة فى أخذهم أهل النار، أقوياء عليهم، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم، أو أن يعصوا لهم أمرا.<br>وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون لله - تعالى - أمرا. وإنما ينفذون ما يكلفهم - سبحانه - به تنفيذا تاما.<br>قال صاحب الكشاف: فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون.. ويفعلون فى معنى واحد؟<br>قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه.<br>ثم بين - سبحانه - ما تقوله الملائكة لأهل النار عند ما يعرضون عليها فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ } والمراد باليوم، يوم القيامة فأل فيه للعهد.<br>أى: تقول الملائكة لهم فى هذا اليوم العسير على سبيل التبكيت والتوبيخ - لا تعتذروا - أيها الكافرون عن كفركم، بأن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير أو بأن غيرنا أضلنا، أو بأننا ما كنا مشركين.. فإن هذه الأعذار لن تنفعكم، وأنتم فى هذا اليوم إنما تعاقبون على كفركم فى الدنيا، وعلى إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموت.<br>فالآية الكريمة تبيوخ الكافرين، وتيئيس لهم من قبلو أعذارهم الكاذبة.<br>ثم يرشد - سبحانه - المؤمنين، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً.. }.<br>والتوبة: العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم على ما فعله منها فى الماضى، والنصوح صيغة مبالغة من النصح، وصفت بها التوبة على سبيل الإِسناد المجازى، والمقصود وصف التائبين بها، من نصح فلان التوب إذا خاطه، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية. أو من قولهم: عسل ناصح.<br>وقد ذكروا فى معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجهاً.<br>قال القرطبى ما ملخصه: اختلفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب، فى التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا، فقيل: هى التى لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.<br>وقال قتادة: النصوح الصادقة الناصحة.. الخالصة.<br>وقال القرطبى: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإِقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سىء الإِخوان.<br>وقال الفقهاء: التوبة التى لا تعلق لها بحق آدمى لها ثلاثة شروط: احدها أن يقلع عن المعصية، وثانيها: أن يندم على ما فعله، وثالثها: أن يعزم على أن لا يعود إليها.<br>فإذا اجتمعت هذه الشروط فى التوبة كانت نصوحا.<br>وإن كانت تتعلق بحق  آدمى، فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن كانت غيبة استحله منها.<br>وهى واجبة من كل معصية على الفور، ولا يجوز تأخيرها...<br>وقوله - سبحانه - { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }.<br>والرجاء المستفاد من فعل { عَسَىٰ } مستعمل هنا فى الوعد الصادق منه - تعالى - على سبيل الكرم والفضل، فقد قالوا إن كل ترج فى القرآن واقع منه - تعالى - فضلا منه وكرما.<br>أى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان، توبوا إلى الله - تعالى - \"توبة صادقة\" بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب، وتعزمون على عدم العودة إليها، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم.. فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله - تعالى - لكم ذنوبكم: وكفر عنكم سيئاتكم، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار.<br>قال صاحب الكشاف: قوله: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ }: إطماع من الله لعباده. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإِجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثانى: أن يجىء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء...<br>والظرف فى قوله - سبحانه -: { يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك: { وَيُدْخِلَكُمْ }، أو بفعل مضمر تقديره: اذكر.<br>وقوله: { لاَ يُخْزِى } من الخزى بمعنى الافتضاح: يقال أخزى الله فلانا إذا فضحه، والمراد به هنا: عذاب النار.<br>وقوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } معطوف على النبى، وجملة { نُورُهُمْ يَسْعَىٰ } مستأنفة.<br>أى: يدخلكم الله - بفضله وكرمه - { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } يوم القيامة، يوم ينجى - سبحانه - النبى - صلى الله عليه وسلم - وينجى الذين آمنوا معه من عذاب النار، ومن خزى هذا اليوم العصيب.<br>وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - نورهم وهم على الصراط، يسعى ويمتد وينتشر { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }.<br>أى أمامهم { وَبِأَيْمَانِهِمْ } أى: وعن أيمانهم.<br>ويقولون - على سبيل الحمد والشكر لله - تعالى - يا ربنا { أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك.<br>{ وَٱغْفِرْ لَنَآ } يا ربنا ذنوبنا { إِنَّكَ } يا ربنا، { عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.<br>وفى عطف الذين آمنوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - إشعار بأن سبب انتفاء خزيهم، هو إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، وصحبتهم الكريمة للنبى - صلى الله عليه وسلم -.<br>والضمير فى قوله { نُورُهُمْ } يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه.<br>وخص - سبحانه - الأَمامَ واليمين بالذكر، لفضل هذين المكانين، إذ النور عندما يكون من الأمام يستمتع الإِنسان بمشاهدته، وعندما يكون من جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به.<br>والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم، وهو نور حقيقى يكرم الله - تعالى - به عباده الصالحين.<br>وختموا دعاءهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم -: { إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } للإِشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم، لأنهم يسألون ويدعون الله - تعالى - الذى لا يقف أمام قدرته شىء.<br>ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا كبيرا فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ }.<br>وخص النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالجهاد، مع أن الأمر به يشمل المؤمنين معه، لأنه - صلى الله عليه وسلم - هو قائدهم ورائدهم.<br>وجهاده - صلى الله عليه وسلم - للكفار يكون بدعوتهم إلى الحق حتى يسلموا، فإذا لم يستجيبوا جاهدهم بالسيف والسلاح حتى يزهق باطلهم.<br>وجهاده للمنافقين يكون بتأديبهم وزجرهم وإلقاء الرعب فى قلوبهم، حتى يأمن المؤمنون شرهم، وحتى يشعروا بأن النبى والمؤمنين لهم بالمرصاد.<br>والغلظة فى الأصل: تطلق على الشىء الصلب الغليظ، والمراد بها هنا: معاملتهم بالشدة والخشونة والقسوة.. حتى يأمن المؤمنون جانبهم، ويتقوا شرهم.<br>أى: يا أيها النبى الكريم جاهد أنت ومن معك من المؤمنين، الكفار والمنافقين. وعاملهم جميعا بالخشونة والغلظة.. حتى يهابوك أنت ومن معك، وحتى تكونوا فى مأمن منهم ومن أذاهم إذ الحق لا بد له من قوة تحميه وتدفع عنه كيد أعدائه.<br>وقوله - تعالى -: { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين والمنافقين، حالهم فى الدنيا المجاهدة والمعاملة التى لا تسامح معها ولا تساهل، حتى تكون كلمتهم السفلى، وكلمة الله - تعالى - هى العليا.<br>أما حالهم فى الآخرة، فالإِلقاء بهم فى جهنم، وبئس المأوى والمسكن جهنم، فالمخصوص بالذم محذوف، وهو جهنم، أو المأوى.<br>وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أرشدت النبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، إلى ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم.<br>وبعد هذه النداءات، للمؤمنين، وللكافرين وللنبى - صلى الله عليه وسلم - ضرب - سبحانه - مثلين لنساء كافرات فى بيوت أنبياء، ولنساء مؤمنات فى بيوت كفار، لتزداد الموعظة وضوحا، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وليشعر الجميع - ولا سيما أزواج النبى - صلى الله عليه وسلم - أنهم مسئولون أمام الله - تعالى - عن أعمالهم.. فقال - تعالى -: { ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً... }.<br>"
    },
    {
        "id": "5355",
        "sura_number": "68",
        "ayah_number": "44",
        "aya": "",
        "sura": "القلم",
        "mediator": "الفاء فى قوله: { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها.<br>والفعل: { ذرنى } من الأفعال التى يأتى منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه. ومنه قوله - تعالى - { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } والمراد بالحديث { بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } ما أوحاه - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها للناس.<br>والاستدراج: استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا: التمهل فى إنزال العقوبة.<br>والإِملاء: الإِمداد فى الزمن، والإِمهال والتأخير، مأخوذ من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل: والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم.<br>يقال: أملى فلان لبعيره، إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى.<br>والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.<br>وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.<br>والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.<br>والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء..<br>وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" .<br>وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإِحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.<br>قال الآلوسى: وقوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ... } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.<br>وقوله: { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.<br>وقوله: { وَأُمْلِي لَهُمْ } أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أى: لا يُدفَع بشئ.<br>وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر والجحود..<br>ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام الإِنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }؟<br>والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره.<br>والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها.<br>والمراد بالغيب: علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير { أَجْراً } دنيويا { فَهُمْ } من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟.<br>أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!.<br>الحق الذى لا حق سواه، أن هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشئ من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل..<br>وما دام الأمر كما ذكرنا لك { فَٱصْبِرْ } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.<br>{ وَلاَ تَكُن } - أيها الرسول الكريم - { كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ } وهو يونس - عليه السلام -.<br>أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم..<br>والظرف فى قوله: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } منصوب بمضاف محذوف، وجملة { وَهُوَ مَكْظُومٌ } فى محل نصب على الحال من فاعل \"نادى\".<br>والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به.<br>أى: لا يكن حالك كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت.<br>وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ. فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه -: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.. } استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -.<br>و { لَّوْلاَ } هنا حرف امتناع لوجود، و { أَن } يجوز أن تكون مخففة من { أَن } الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } خبرها.<br>ويجوز أن تكون مصدرية، أى: لولا تدارك رحمة من ربه.<br>والتدارك: تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا: المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - .<br>قال الجمل: قرأة العامة: { تَدَارَكَهُ }، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تدراكته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم.<br>والمراد بالنعمة: رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته، وإجابة دعائه..<br>والنبذ: الطرح والترك للشئ، والعراء: الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره.<br>والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران.. وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه..<br>ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا..<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه..<br>قال الجمل ما ملخصه: قوله: { وَهُوَ مَذْمُومٌ } أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من مرفوع \"نُبِذ\"، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى المنفية لا النبذ بالعراء..<br>أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم..<br>فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه..<br>وقوله: { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر.<br>أى: فتدراكته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.   وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض، يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء.<br>قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه.<br>و { إن } هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و \"لما\" ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك..<br>أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم..<br>{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم..<br>{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا.<br>وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع، للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.<br>وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما }، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ.<br>وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها.<br>وقوله - سبحانه - : { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم، وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا.<br>ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ... } أى: ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم..<br>قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ }: لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيعَينوك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم.<br>وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.<br>ثم ساق -رحمه الله  - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم -، أودم لا يرقأ\" .<br>وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين\" .<br>وعن ابن عباس - أيضا - قال:  \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامة\" .<br>وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين\" .<br>وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"ن\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5356",
        "sura_number": "68",
        "ayah_number": "45",
        "aya": "",
        "sura": "القلم",
        "mediator": "الفاء فى قوله: { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها.<br>والفعل: { ذرنى } من الأفعال التى يأتى منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه. ومنه قوله - تعالى - { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } والمراد بالحديث { بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } ما أوحاه - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها للناس.<br>والاستدراج: استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا: التمهل فى إنزال العقوبة.<br>والإِملاء: الإِمداد فى الزمن، والإِمهال والتأخير، مأخوذ من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل: والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم.<br>يقال: أملى فلان لبعيره، إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى.<br>والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.<br>وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.<br>والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.<br>والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء..<br>وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" .<br>وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإِحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.<br>قال الآلوسى: وقوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ... } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.<br>وقوله: { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.<br>وقوله: { وَأُمْلِي لَهُمْ } أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أى: لا يُدفَع بشئ.<br>وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر والجحود..<br>ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام الإِنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }؟<br>والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره.<br>والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها.<br>والمراد بالغيب: علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير { أَجْراً } دنيويا { فَهُمْ } من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟.<br>أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!.<br>الحق الذى لا حق سواه، أن هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشئ من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل..<br>وما دام الأمر كما ذكرنا لك { فَٱصْبِرْ } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.<br>{ وَلاَ تَكُن } - أيها الرسول الكريم - { كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ } وهو يونس - عليه السلام -.<br>أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم..<br>والظرف فى قوله: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } منصوب بمضاف محذوف، وجملة { وَهُوَ مَكْظُومٌ } فى محل نصب على الحال من فاعل \"نادى\".<br>والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به.<br>أى: لا يكن حالك كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت.<br>وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ. فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه -: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.. } استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -.<br>و { لَّوْلاَ } هنا حرف امتناع لوجود، و { أَن } يجوز أن تكون مخففة من { أَن } الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } خبرها.<br>ويجوز أن تكون مصدرية، أى: لولا تدارك رحمة من ربه.<br>والتدارك: تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا: المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - .<br>قال الجمل: قرأة العامة: { تَدَارَكَهُ }، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تدراكته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم.<br>والمراد بالنعمة: رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته، وإجابة دعائه..<br>والنبذ: الطرح والترك للشئ، والعراء: الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره.<br>والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران.. وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه..<br>ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا..<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه..<br>قال الجمل ما ملخصه: قوله: { وَهُوَ مَذْمُومٌ } أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من مرفوع \"نُبِذ\"، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى المنفية لا النبذ بالعراء..<br>أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم..<br>فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه..<br>وقوله: { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر.<br>أى: فتدراكته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.   وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض، يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء.<br>قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه.<br>و { إن } هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و \"لما\" ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك..<br>أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم..<br>{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم..<br>{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا.<br>وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع، للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.<br>وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما }، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ.<br>وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها.<br>وقوله - سبحانه - : { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم، وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا.<br>ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ... } أى: ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم..<br>قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ }: لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيعَينوك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم.<br>وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.<br>ثم ساق -رحمه الله  - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم -، أودم لا يرقأ\" .<br>وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين\" .<br>وعن ابن عباس - أيضا - قال:  \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامة\" .<br>وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين\" .<br>وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"ن\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5357",
        "sura_number": "68",
        "ayah_number": "46",
        "aya": "",
        "sura": "القلم",
        "mediator": "الفاء فى قوله: { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها.<br>والفعل: { ذرنى } من الأفعال التى يأتى منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه. ومنه قوله - تعالى - { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } والمراد بالحديث { بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } ما أوحاه - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها للناس.<br>والاستدراج: استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا: التمهل فى إنزال العقوبة.<br>والإِملاء: الإِمداد فى الزمن، والإِمهال والتأخير، مأخوذ من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل: والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم.<br>يقال: أملى فلان لبعيره، إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى.<br>والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.<br>وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.<br>والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.<br>والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء..<br>وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" .<br>وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإِحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.<br>قال الآلوسى: وقوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ... } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.<br>وقوله: { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.<br>وقوله: { وَأُمْلِي لَهُمْ } أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أى: لا يُدفَع بشئ.<br>وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر والجحود..<br>ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام الإِنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }؟<br>والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره.<br>والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها.<br>والمراد بالغيب: علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير { أَجْراً } دنيويا { فَهُمْ } من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟.<br>أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!.<br>الحق الذى لا حق سواه، أن هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشئ من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل..<br>وما دام الأمر كما ذكرنا لك { فَٱصْبِرْ } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.<br>{ وَلاَ تَكُن } - أيها الرسول الكريم - { كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ } وهو يونس - عليه السلام -.<br>أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم..<br>والظرف فى قوله: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } منصوب بمضاف محذوف، وجملة { وَهُوَ مَكْظُومٌ } فى محل نصب على الحال من فاعل \"نادى\".<br>والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به.<br>أى: لا يكن حالك كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت.<br>وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ. فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه -: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.. } استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -.<br>و { لَّوْلاَ } هنا حرف امتناع لوجود، و { أَن } يجوز أن تكون مخففة من { أَن } الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } خبرها.<br>ويجوز أن تكون مصدرية، أى: لولا تدارك رحمة من ربه.<br>والتدارك: تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا: المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - .<br>قال الجمل: قرأة العامة: { تَدَارَكَهُ }، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تدراكته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم.<br>والمراد بالنعمة: رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته، وإجابة دعائه..<br>والنبذ: الطرح والترك للشئ، والعراء: الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره.<br>والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران.. وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه..<br>ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا..<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه..<br>قال الجمل ما ملخصه: قوله: { وَهُوَ مَذْمُومٌ } أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من مرفوع \"نُبِذ\"، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى المنفية لا النبذ بالعراء..<br>أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم..<br>فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه..<br>وقوله: { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر.<br>أى: فتدراكته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.   وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض، يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء.<br>قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه.<br>و { إن } هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و \"لما\" ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك..<br>أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم..<br>{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم..<br>{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا.<br>وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع، للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.<br>وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما }، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ.<br>وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها.<br>وقوله - سبحانه - : { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم، وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا.<br>ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ... } أى: ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم..<br>قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ }: لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيعَينوك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم.<br>وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.<br>ثم ساق -رحمه الله  - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم -، أودم لا يرقأ\" .<br>وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين\" .<br>وعن ابن عباس - أيضا - قال:  \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامة\" .<br>وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين\" .<br>وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"ن\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5358",
        "sura_number": "68",
        "ayah_number": "47",
        "aya": "",
        "sura": "القلم",
        "mediator": "الفاء فى قوله: { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها.<br>والفعل: { ذرنى } من الأفعال التى يأتى منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه. ومنه قوله - تعالى - { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } والمراد بالحديث { بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } ما أوحاه - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها للناس.<br>والاستدراج: استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا: التمهل فى إنزال العقوبة.<br>والإِملاء: الإِمداد فى الزمن، والإِمهال والتأخير، مأخوذ من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل: والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم.<br>يقال: أملى فلان لبعيره، إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى.<br>والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.<br>وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.<br>والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.<br>والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء..<br>وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" .<br>وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإِحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.<br>قال الآلوسى: وقوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ... } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.<br>وقوله: { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.<br>وقوله: { وَأُمْلِي لَهُمْ } أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أى: لا يُدفَع بشئ.<br>وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر والجحود..<br>ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام الإِنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }؟<br>والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره.<br>والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها.<br>والمراد بالغيب: علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير { أَجْراً } دنيويا { فَهُمْ } من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟.<br>أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!.<br>الحق الذى لا حق سواه، أن هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشئ من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل..<br>وما دام الأمر كما ذكرنا لك { فَٱصْبِرْ } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.<br>{ وَلاَ تَكُن } - أيها الرسول الكريم - { كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ } وهو يونس - عليه السلام -.<br>أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم..<br>والظرف فى قوله: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } منصوب بمضاف محذوف، وجملة { وَهُوَ مَكْظُومٌ } فى محل نصب على الحال من فاعل \"نادى\".<br>والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به.<br>أى: لا يكن حالك كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت.<br>وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ. فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه -: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.. } استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -.<br>و { لَّوْلاَ } هنا حرف امتناع لوجود، و { أَن } يجوز أن تكون مخففة من { أَن } الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } خبرها.<br>ويجوز أن تكون مصدرية، أى: لولا تدارك رحمة من ربه.<br>والتدارك: تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا: المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - .<br>قال الجمل: قرأة العامة: { تَدَارَكَهُ }، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تدراكته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم.<br>والمراد بالنعمة: رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته، وإجابة دعائه..<br>والنبذ: الطرح والترك للشئ، والعراء: الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره.<br>والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران.. وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه..<br>ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا..<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه..<br>قال الجمل ما ملخصه: قوله: { وَهُوَ مَذْمُومٌ } أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من مرفوع \"نُبِذ\"، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى المنفية لا النبذ بالعراء..<br>أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم..<br>فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه..<br>وقوله: { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر.<br>أى: فتدراكته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.   وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض، يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء.<br>قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه.<br>و { إن } هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و \"لما\" ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك..<br>أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم..<br>{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم..<br>{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا.<br>وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع، للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.<br>وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما }، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ.<br>وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها.<br>وقوله - سبحانه - : { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم، وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا.<br>ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ... } أى: ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم..<br>قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ }: لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيعَينوك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم.<br>وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.<br>ثم ساق -رحمه الله  - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم -، أودم لا يرقأ\" .<br>وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين\" .<br>وعن ابن عباس - أيضا - قال:  \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامة\" .<br>وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين\" .<br>وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"ن\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5359",
        "sura_number": "68",
        "ayah_number": "48",
        "aya": "",
        "sura": "القلم",
        "mediator": "الفاء فى قوله: { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها.<br>والفعل: { ذرنى } من الأفعال التى يأتى منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه. ومنه قوله - تعالى - { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } والمراد بالحديث { بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } ما أوحاه - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها للناس.<br>والاستدراج: استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا: التمهل فى إنزال العقوبة.<br>والإِملاء: الإِمداد فى الزمن، والإِمهال والتأخير، مأخوذ من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل: والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم.<br>يقال: أملى فلان لبعيره، إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى.<br>والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.<br>وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.<br>والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.<br>والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء..<br>وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" .<br>وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإِحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.<br>قال الآلوسى: وقوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ... } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.<br>وقوله: { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.<br>وقوله: { وَأُمْلِي لَهُمْ } أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أى: لا يُدفَع بشئ.<br>وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر والجحود..<br>ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام الإِنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }؟<br>والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره.<br>والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها.<br>والمراد بالغيب: علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير { أَجْراً } دنيويا { فَهُمْ } من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟.<br>أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!.<br>الحق الذى لا حق سواه، أن هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشئ من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل..<br>وما دام الأمر كما ذكرنا لك { فَٱصْبِرْ } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.<br>{ وَلاَ تَكُن } - أيها الرسول الكريم - { كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ } وهو يونس - عليه السلام -.<br>أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم..<br>والظرف فى قوله: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } منصوب بمضاف محذوف، وجملة { وَهُوَ مَكْظُومٌ } فى محل نصب على الحال من فاعل \"نادى\".<br>والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به.<br>أى: لا يكن حالك كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت.<br>وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ. فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه -: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.. } استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -.<br>و { لَّوْلاَ } هنا حرف امتناع لوجود، و { أَن } يجوز أن تكون مخففة من { أَن } الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } خبرها.<br>ويجوز أن تكون مصدرية، أى: لولا تدارك رحمة من ربه.<br>والتدارك: تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا: المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - .<br>قال الجمل: قرأة العامة: { تَدَارَكَهُ }، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تدراكته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم.<br>والمراد بالنعمة: رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته، وإجابة دعائه..<br>والنبذ: الطرح والترك للشئ، والعراء: الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره.<br>والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران.. وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه..<br>ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا..<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه..<br>قال الجمل ما ملخصه: قوله: { وَهُوَ مَذْمُومٌ } أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من مرفوع \"نُبِذ\"، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى المنفية لا النبذ بالعراء..<br>أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم..<br>فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه..<br>وقوله: { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر.<br>أى: فتدراكته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.   وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض، يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء.<br>قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه.<br>و { إن } هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و \"لما\" ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك..<br>أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم..<br>{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم..<br>{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا.<br>وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع، للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.<br>وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما }، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ.<br>وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها.<br>وقوله - سبحانه - : { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم، وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا.<br>ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ... } أى: ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم..<br>قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ }: لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيعَينوك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم.<br>وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.<br>ثم ساق -رحمه الله  - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم -، أودم لا يرقأ\" .<br>وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين\" .<br>وعن ابن عباس - أيضا - قال:  \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامة\" .<br>وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين\" .<br>وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"ن\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5360",
        "sura_number": "68",
        "ayah_number": "49",
        "aya": "",
        "sura": "القلم",
        "mediator": "الفاء فى قوله: { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها.<br>والفعل: { ذرنى } من الأفعال التى يأتى منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه. ومنه قوله - تعالى - { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } والمراد بالحديث { بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } ما أوحاه - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها للناس.<br>والاستدراج: استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا: التمهل فى إنزال العقوبة.<br>والإِملاء: الإِمداد فى الزمن، والإِمهال والتأخير، مأخوذ من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل: والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم.<br>يقال: أملى فلان لبعيره، إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى.<br>والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.<br>وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.<br>والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.<br>والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء..<br>وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" .<br>وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإِحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.<br>قال الآلوسى: وقوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ... } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.<br>وقوله: { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.<br>وقوله: { وَأُمْلِي لَهُمْ } أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أى: لا يُدفَع بشئ.<br>وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر والجحود..<br>ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام الإِنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }؟<br>والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره.<br>والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها.<br>والمراد بالغيب: علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير { أَجْراً } دنيويا { فَهُمْ } من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟.<br>أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!.<br>الحق الذى لا حق سواه، أن هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشئ من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل..<br>وما دام الأمر كما ذكرنا لك { فَٱصْبِرْ } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.<br>{ وَلاَ تَكُن } - أيها الرسول الكريم - { كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ } وهو يونس - عليه السلام -.<br>أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم..<br>والظرف فى قوله: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } منصوب بمضاف محذوف، وجملة { وَهُوَ مَكْظُومٌ } فى محل نصب على الحال من فاعل \"نادى\".<br>والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به.<br>أى: لا يكن حالك كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت.<br>وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ. فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه -: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.. } استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -.<br>و { لَّوْلاَ } هنا حرف امتناع لوجود، و { أَن } يجوز أن تكون مخففة من { أَن } الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } خبرها.<br>ويجوز أن تكون مصدرية، أى: لولا تدارك رحمة من ربه.<br>والتدارك: تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا: المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - .<br>قال الجمل: قرأة العامة: { تَدَارَكَهُ }، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تدراكته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم.<br>والمراد بالنعمة: رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته، وإجابة دعائه..<br>والنبذ: الطرح والترك للشئ، والعراء: الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره.<br>والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران.. وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه..<br>ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا..<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه..<br>قال الجمل ما ملخصه: قوله: { وَهُوَ مَذْمُومٌ } أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من مرفوع \"نُبِذ\"، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى المنفية لا النبذ بالعراء..<br>أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم..<br>فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه..<br>وقوله: { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر.<br>أى: فتدراكته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.   وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض، يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء.<br>قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه.<br>و { إن } هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و \"لما\" ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك..<br>أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم..<br>{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم..<br>{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا.<br>وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع، للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.<br>وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما }، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ.<br>وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها.<br>وقوله - سبحانه - : { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم، وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا.<br>ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ... } أى: ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم..<br>قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ }: لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيعَينوك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم.<br>وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.<br>ثم ساق -رحمه الله  - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم -، أودم لا يرقأ\" .<br>وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين\" .<br>وعن ابن عباس - أيضا - قال:  \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامة\" .<br>وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين\" .<br>وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"ن\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5361",
        "sura_number": "68",
        "ayah_number": "50",
        "aya": "",
        "sura": "القلم",
        "mediator": "الفاء فى قوله: { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها.<br>والفعل: { ذرنى } من الأفعال التى يأتى منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه. ومنه قوله - تعالى - { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } والمراد بالحديث { بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } ما أوحاه - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها للناس.<br>والاستدراج: استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا: التمهل فى إنزال العقوبة.<br>والإِملاء: الإِمداد فى الزمن، والإِمهال والتأخير، مأخوذ من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل: والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم.<br>يقال: أملى فلان لبعيره، إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى.<br>والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.<br>وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.<br>والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.<br>والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء..<br>وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" .<br>وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإِحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.<br>قال الآلوسى: وقوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ... } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.<br>وقوله: { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.<br>وقوله: { وَأُمْلِي لَهُمْ } أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أى: لا يُدفَع بشئ.<br>وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر والجحود..<br>ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام الإِنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }؟<br>والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره.<br>والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها.<br>والمراد بالغيب: علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير { أَجْراً } دنيويا { فَهُمْ } من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟.<br>أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!.<br>الحق الذى لا حق سواه، أن هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشئ من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل..<br>وما دام الأمر كما ذكرنا لك { فَٱصْبِرْ } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.<br>{ وَلاَ تَكُن } - أيها الرسول الكريم - { كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ } وهو يونس - عليه السلام -.<br>أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم..<br>والظرف فى قوله: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } منصوب بمضاف محذوف، وجملة { وَهُوَ مَكْظُومٌ } فى محل نصب على الحال من فاعل \"نادى\".<br>والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به.<br>أى: لا يكن حالك كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت.<br>وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ. فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه -: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.. } استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -.<br>و { لَّوْلاَ } هنا حرف امتناع لوجود، و { أَن } يجوز أن تكون مخففة من { أَن } الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } خبرها.<br>ويجوز أن تكون مصدرية، أى: لولا تدارك رحمة من ربه.<br>والتدارك: تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا: المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - .<br>قال الجمل: قرأة العامة: { تَدَارَكَهُ }، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تدراكته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم.<br>والمراد بالنعمة: رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته، وإجابة دعائه..<br>والنبذ: الطرح والترك للشئ، والعراء: الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره.<br>والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران.. وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه..<br>ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا..<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه..<br>قال الجمل ما ملخصه: قوله: { وَهُوَ مَذْمُومٌ } أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من مرفوع \"نُبِذ\"، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى المنفية لا النبذ بالعراء..<br>أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم..<br>فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه..<br>وقوله: { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر.<br>أى: فتدراكته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.   وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض، يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء.<br>قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه.<br>و { إن } هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و \"لما\" ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك..<br>أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم..<br>{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم..<br>{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا.<br>وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع، للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.<br>وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما }، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ.<br>وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها.<br>وقوله - سبحانه - : { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم، وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا.<br>ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ... } أى: ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم..<br>قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ }: لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيعَينوك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم.<br>وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.<br>ثم ساق -رحمه الله  - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم -، أودم لا يرقأ\" .<br>وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين\" .<br>وعن ابن عباس - أيضا - قال:  \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامة\" .<br>وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين\" .<br>وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"ن\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5362",
        "sura_number": "68",
        "ayah_number": "51",
        "aya": "",
        "sura": "القلم",
        "mediator": "الفاء فى قوله: { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها.<br>والفعل: { ذرنى } من الأفعال التى يأتى منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه. ومنه قوله - تعالى - { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } والمراد بالحديث { بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } ما أوحاه - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها للناس.<br>والاستدراج: استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا: التمهل فى إنزال العقوبة.<br>والإِملاء: الإِمداد فى الزمن، والإِمهال والتأخير، مأخوذ من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل: والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم.<br>يقال: أملى فلان لبعيره، إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى.<br>والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.<br>وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.<br>والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.<br>والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء..<br>وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" .<br>وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإِحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.<br>قال الآلوسى: وقوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ... } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.<br>وقوله: { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.<br>وقوله: { وَأُمْلِي لَهُمْ } أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أى: لا يُدفَع بشئ.<br>وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر والجحود..<br>ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام الإِنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }؟<br>والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره.<br>والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها.<br>والمراد بالغيب: علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير { أَجْراً } دنيويا { فَهُمْ } من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟.<br>أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!.<br>الحق الذى لا حق سواه، أن هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشئ من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل..<br>وما دام الأمر كما ذكرنا لك { فَٱصْبِرْ } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.<br>{ وَلاَ تَكُن } - أيها الرسول الكريم - { كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ } وهو يونس - عليه السلام -.<br>أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم..<br>والظرف فى قوله: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } منصوب بمضاف محذوف، وجملة { وَهُوَ مَكْظُومٌ } فى محل نصب على الحال من فاعل \"نادى\".<br>والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به.<br>أى: لا يكن حالك كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت.<br>وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ. فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه -: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.. } استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -.<br>و { لَّوْلاَ } هنا حرف امتناع لوجود، و { أَن } يجوز أن تكون مخففة من { أَن } الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } خبرها.<br>ويجوز أن تكون مصدرية، أى: لولا تدارك رحمة من ربه.<br>والتدارك: تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا: المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - .<br>قال الجمل: قرأة العامة: { تَدَارَكَهُ }، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تدراكته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم.<br>والمراد بالنعمة: رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته، وإجابة دعائه..<br>والنبذ: الطرح والترك للشئ، والعراء: الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره.<br>والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران.. وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه..<br>ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا..<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه..<br>قال الجمل ما ملخصه: قوله: { وَهُوَ مَذْمُومٌ } أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من مرفوع \"نُبِذ\"، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى المنفية لا النبذ بالعراء..<br>أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم..<br>فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه..<br>وقوله: { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر.<br>أى: فتدراكته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.   وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض، يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء.<br>قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه.<br>و { إن } هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و \"لما\" ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك..<br>أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم..<br>{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم..<br>{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا.<br>وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع، للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.<br>وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما }، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ.<br>وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها.<br>وقوله - سبحانه - : { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم، وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا.<br>ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ... } أى: ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم..<br>قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ }: لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيعَينوك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم.<br>وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.<br>ثم ساق -رحمه الله  - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم -، أودم لا يرقأ\" .<br>وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين\" .<br>وعن ابن عباس - أيضا - قال:  \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامة\" .<br>وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين\" .<br>وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"ن\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5363",
        "sura_number": "68",
        "ayah_number": "52",
        "aya": "",
        "sura": "القلم",
        "mediator": "الفاء فى قوله: { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } لترتيب ما بعدها على ما قبلها.<br>والفعل: { ذرنى } من الأفعال التى يأتى منها الأمر بالمضارع، ولم يسمع لها ماض، وهو بمعنى أترك. يقال: ذَرْهُ يفعل كذا، أى: اتركه. ومنه قوله - تعالى - { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } والمراد بالحديث { بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ... } ما أوحاه - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم، ومن توجيهات حكيمة، لكى يبلغها للناس.<br>والاستدراج: استنزال الشئ من درجة إلى أخرى، والانتقال به من حالة إلى أخرى، والسين والتاء فيه للطلب والمراد به هنا: التمهل فى إنزال العقوبة.<br>والإِملاء: الإِمداد فى الزمن، والإِمهال والتأخير، مأخوذ من الملاوة والملوة، وهى الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل: والنهار، والمراد به هنا: إمدادهم بالكثير من النعم.<br>يقال: أملى فلان لبعيره، إذا أرخى له فى الزمام، ووسع له فى القيد، ليتسع المرعى.<br>والكيد كالمكر، وهو التدبير الذى يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع الممكور به، فلا يفطن لما يراد به، حتى يقع عليه ما يسوؤه.<br>وإضافة الكيد إليه - تعالى - يحمل على المعنى اللائق به كإبطال مكر أعدائه، وكإمدادهم بالنعم. ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.<br>والمقصود بهاتين الآيتين الكريمتين: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه.<br>والمعنى: إذا كانت أحوال هؤلاء المشركين، كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - فكِلْ أمرهم إلىَّ، واترك أمر هؤلاء الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عندنا إلى ربك، ولا تشغل بالك بهم. فإنى سأقربهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، بأن أسوق لهم النعم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج، ثم إنى أمد لهم فى أسباب الحياة الرغدة، ليزدادوا إثما، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا لون من ألوان كيدى الشديد القوى، الذى لا يفطن إليه أمثال هؤلاء الجاهلين الأغبياء..<br>وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" .<br>وقال الحسن البصرى: كم من مستدرج بالإِحسان، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.<br>قال الآلوسى: وقوله: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ... } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الكلام السابق إجمالا.<br>وقوله: { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أى: من حيث لا يعلمون أنه استدراج، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم.<br>وقوله: { وَأُمْلِي لَهُمْ } أى: وأمهلهم ليزدادوا إثما. { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أى: لا يُدفَع بشئ.<br>وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه فى صورته - حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا، ومراده - عز وجل - به الضرر، لما علم من خبث جبلتهم، وتماديهم فى الكفر والجحود..<br>ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم، بأسلوب الاستفهام الإِنكارى، الذى تكرر فيها كثيرا، فقال - تعالى -: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ }؟<br>والمغرم والغرامة: ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره.<br>والمثقلون: جمع مثقل، وهو من أثقلته الديون، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها.<br>والمراد بالغيب: علم الغيب، وهو ما غاب عن علم البشر، فالكلام على حذف مضاف.<br>والمعنى: بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير { أَجْراً } دنيويا { فَهُمْ } من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية، وعاجزون عن دفعها لك.. فترتب على هذا الغرم الثقيل. أن أعرضوا عن دعوتك، وتجنبوا الدخول فى دينك؟.<br>أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه فى اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا.. فهم يكتبون ذلك، ثم يصدرون أحكامهم. ويجادلونك فى شأنها. وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور!.<br>الحق الذى لا حق سواه، أن هؤلاء القوم، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، ولا علم عندهم بشئ من الغيوب التى لا يعلمها أحد سوانا، وكل ما يزعمونه فى هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل..<br>وما دام الأمر كما ذكرنا لك { فَٱصْبِرْ } أيها الرسول الكريم - لحكم ربك، ولقضائه فيك وفيهم، وسر فى طريقك التى كلفناك به، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس.. وستكون العاقبة لك ولأتباعك.<br>{ وَلاَ تَكُن } - أيها الرسول الكريم - { كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ } وهو يونس - عليه السلام -.<br>أى: لا يوجد منك ما وجد منه، من الضجر، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا، ففارقهم دون أن يأذن له ربه بمفارقتهم..<br>والظرف فى قوله: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } منصوب بمضاف محذوف، وجملة { وَهُوَ مَكْظُومٌ } فى محل نصب على الحال من فاعل \"نادى\".<br>والمكظوم - بزنة مفعول -: المملوء غضبا وغيظا وكربا، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به.<br>أى: لا يكن حالك كحال صاحب الحوت، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا، لما حدث له مع قومه، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت.<br>وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى -: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ. فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقوله - سبحانه -: { لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.. } استئناف لبيان جانب من فضله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -.<br>و { لَّوْلاَ } هنا حرف امتناع لوجود، و { أَن } يجوز أن تكون مخففة من { أَن } الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو ومحذوف، وجملة { تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ } خبرها.<br>ويجوز أن تكون مصدرية، أى: لولا تدارك رحمة من ربه.<br>والتدارك: تفاعل من الدرك - بفتح الدال - بمعنى اللحاق بالغير. والمقصود به هنا: المبالغة فى إدراك رحمة الله - تعالى - لعبده يونس - عليه السلام - .<br>قال الجمل: قرأة العامة: { تَدَارَكَهُ }، وهو فعل ماضى مذكر، حمل على معنى النعمة، لأن تأنيثها غير حقيقى، وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تدراكته - على لفظ النعمة - وهو خلاف المرسوم.<br>والمراد بالنعمة: رحمته - سبحانه - بيونس - عليه السلام - وقبول توبته، وإجابة دعائه..<br>والنبذ: الطرح والترك للشئ، والعراء: الأرض الفضاء الخالية من النبات وغيره.<br>والمعنى: لولا أن الله - تدارك عبده يونس برحمته، وبقبول توبته.. لطرح من بطن الحوت بالأرض الفضاء الخالية من النبات والعمران.. وهو مذموم، أى: وهو ملوم ومؤاخذ منا على ما حدث منه..<br>ولكن ملامته ومؤاخذته منا قد امتنعت، لتداركه برحمتنا، حيث قبلنا توبته، وغسلنا حوبته، ومنحناه الكثير من خيرنا وبرنا..<br>فالمقصود من الآية الكريمة بيان جانب من فضل الله - تعالى - على عبده يونس - عليه السلام -، وبيان أن رحمته - تعالى - به، ونعمته عليه، قد حالت بينه ويبن أن يكن مذموما على ما صدر منه، من مغاضبة لقومه ومفارقته لهم بدون إذن من ربه..<br>قال الجمل ما ملخصه: قوله: { وَهُوَ مَذْمُومٌ } أى: ملوم ومؤاخذ بذنبه والجملة حال من مرفوع \"نُبِذ\"، وهى محط الامتناع المفاد بلولا، فهى المنفية لا النبذ بالعراء..<br>أى: لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه رُحِم فنبذ غير مذموم..<br>فلولا - هنا -، حرف امتناع لوجود، وأن الممتنع القيد فى جوابها لا هو نفسه..<br>وقوله: { فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } تأكيد وتفصيل لنعمة الله - تعالى - التى أنعم بها على عبده يونس - عليه السلام -، وهو معطوف على مقدر.<br>أى: فتدراكته النعمة فاصطفاه ربه - عز وجل - حيث رد عليه الوحى بعد انقطاعه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون من الناس، وقبل توبته، فجعله من عباده الكاملين فى الصلاح والتقوى، وفى تبليغ الرسالة عن ربه.<br>ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال - تعالى - : { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.   وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ }.<br>وقوله: { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين -، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض، يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء.<br>قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه، أى: أزل رجله.. وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه.<br>و { إن } هى المخففة من الثقيلة، - واسمها ضمير الشأن محذوف، و \"لما\" ظرفية منصوبة بيزلقونك. أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك..<br>أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم..<br>{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم..<br>{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته.. وشرف لهم وللعالمين جميعا.<br>وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع، للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل.<br>وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى، لوقوعه مع { لما }، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ.<br>وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها.<br>وقوله - سبحانه - : { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم، وإبطال لأقوالهم الزائفة، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس.. لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا.<br>ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ... } أى: ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم..<br>قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ }: لينفذونك بأبصارهم، أى: لَيعَينوك بأبصارهم، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايتك منهم.<br>وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل -، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.<br>ثم ساق -رحمه الله  - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، منها ما رواه أبو داود فى سننه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم -، أودم لا يرقأ\" .<br>وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين\" .<br>وعن ابن عباس - أيضا - قال:  \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل -، ومن كل عين لامة\" .<br>وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  \"العين حق حتى لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتى فى العين\" .<br>وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة \"ن\" نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.<br>والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..<br>"
    },
    {
        "id": "5956",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "1",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5957",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "2",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5958",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "3",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5959",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "4",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5960",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "5",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5961",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "6",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5962",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "7",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5963",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "8",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5964",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "9",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5965",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "10",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5966",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "11",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5967",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "12",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5968",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "13",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5969",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "14",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5970",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "15",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5971",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "16",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5972",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "17",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5973",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "18",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5974",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "19",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5975",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "20",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5976",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "21",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "5977",
        "sura_number": "85",
        "ayah_number": "22",
        "aya": "",
        "sura": "البروج",
        "mediator": "والبروج: جمع برج. وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله - تعالى - { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة.<br>والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وهى اثنا عشر منزلا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.<br>وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها.<br>قال القرطبى: قوله: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }: قسم أقسم الله - عز وجل - به. وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم. الثانى: ذات القصور.. الثالث: ذات الخَلْق الحسن. الرابع: ذات المنازل.. وهى اثنا عشر منزلا..<br>وقوله: { وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ } المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.<br>وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى -. والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية، فالشاهد هو الرائى، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده.<br>والمشهود: اسم مفعول، وهو هنا الشىء المرئى، أو المشهود عليه بأنه حق.<br>فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين، وما يراه فيه من عجائب وأهوال، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره، من الشهادة على الخصم.<br>وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين، ما يقرب من عشرين وجها.<br>قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم. وبالمشهود: ما فى ذلك اليوم من عجائبه. ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية ويوم عرفة. وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى. وقيل: الحفظة وبنو آدم..<br>ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، والرائى لأهواله وعجائبه.<br>وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان.<br>وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير، لتهويل أمرهما، وتفخيم شأنهما.<br>وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } جواب القسم بتقدير اللام وقد.<br>أى: وحق السماء ذات البروج، وحق اليوم الموعود، وحق الشاهد والمشهود، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم.<br>والأخدود: وهو الحفرة العظيمة  المستطيلة فى الأرض، كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجارى الدمع، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها.<br>ويقال: تخدد وجه الرجل، إذا صارت فيه التجاعيد.. ومنه قول الشاعر:ووجه كأن الشمس ألقت رداءهاعليه، نقى اللون لم يتخددوقيل: إن جواب القسم محذوف، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود.<br>وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض، ثم أضرموها بالنار، ثم ألقوا فيها المؤمنين، الذين خالفوهم فى كفرهم، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده.<br>وقوله - سبحانه -: { ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود.<br>والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه. وذات الوقود: صفة للنار.<br>أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد، لكى يلقوا المؤمنين فيها.<br>والظرف فى قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى - :{ قتل }. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين.<br>فالضمير \"هم\" يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك.<br>و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها، لإِلقاء المؤمنين فيها.<br>وجملة { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير فى قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ }. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين، لم يكتفوا بإشعال النار، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك، أنهم يشهدون تعذيبهم، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم، فقوله { شهود } بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين، وهذا الفعل منهم. يدل على نهاية القسوة والظلم، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة.<br>قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون.. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك، كما قال - تعالى - : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } <br>وقيل: \"على\" بمعنى مع. أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم..<br>ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ. ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }.<br>والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية. يقال: نقَم فلان هذا الشئ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره.<br>أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب، إلا لشئ واحد، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة، والحمد المطلق، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده، أو حال من أحوالهم.<br>فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين، حيث عذبوا المؤمنين، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار.<br>وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء فى قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ... } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل:ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائبوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم.<br>وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.<br>ثم ذكر -رحمه الله  - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.<br>وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين.<br>ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين، فقال - تعالى -: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ }.<br>وقوله: { فتنوا } من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته، والمراد به هنا: التعذيب والتحريق بالنار.<br>أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات، فلهم فى الآخرة عذاب جهنم، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق.<br>والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش، كأبى جهل وأمية ابن خلف. وغيرهما، فقد عذبوا بلالا، وعمار بن ياسر، وأباه وأمه سمية.<br>ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم.<br>ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات، ويدخل فيه أصحاب الأخدود، وكفار قريش دخولا أوليا.<br>وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم، وبين عذاب الحريق، لبيان أن العذاب لهم مضاعف، بسبب طغيانهم وشركهم.<br>ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }.<br>والبطش: هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف. أى: إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف: فمر أصحابك فليصبروا على الأذى، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم.<br>{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدئ البطش بالكفار فى الدنيا ثم يعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى.<br>وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين، لقصد العموم، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما.<br>{ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه.<br>{ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه -، وهو { المجيد } أى: العظيم فى ذاته وصفاته.<br>{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شئ يريده. دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره هو السارى والمطاع.<br>وجاءت كلمة \"فعال\" بصيغة المبالغة، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه.<br>ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك، ما يدل على شدة بطشه، ونفاذ أمره فقال: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ }.<br>والاستفهام هنا: للتقرير والتهويل. والمراد بالجنود: الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر، وقوله: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من الجنود.<br>والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والباطل على الحق. أى: لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم. وآذوه، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء.<br>وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا، جزاء كفرهم وبغيهم.<br>وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم.<br>وقوله - سبحانه - :{ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لم يتعظوا بمن سبقهم.<br>أى: لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم، بل استمروا فى تكذيبهم لك، وفى إعراضهم عنك.. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل، فهم تحت قبضته وسلطانه، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده.<br>وقوله - سبحانه - : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } إضراب انتقالى آخر، من بيان شدة تكذيبهم للحق، إلى بيان القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.<br>أى: ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين.. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة.<br>وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل، ومن وصول الشياطين إليه. ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى -، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه.. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "6260",
        "sura_number": "110",
        "ayah_number": "1",
        "aya": "",
        "sura": "النصر",
        "mediator": "النصر: التغلب على العدو، والإِعانة على بلوغ الغاية، ومنه قولهم: قد نصر الغيث الأرض، أى: أعان على إظهار نباتها.<br>والمراد به هنا: إعانة الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه، حتى حقق له النصر عليهم.<br>والفتح: يطلق على فتح البلاد عَنْوَةً والتغلب على أهلها، ويطلق على الفصل والحكم بين الناس، ومنه قوله - تعالى -: { رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ } والمراد به: هنا فتح مكة. وما ترتب عليه من إعزاز الدين، وإظهار كلمة الحق.<br>قال الإِمام ابن كثير: والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم - أى: تنتظر - بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبى، فلما فتح الله عليه مكة، دخلوا فى دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت - أى: اجتمعت - جزيرة العرب على الإِيمان، ولم يبق فى سائر قبائل العرب إلا مظهر للإِسلام، ولله الحمد والمنة.<br>والأفواج: جمع فوج، وهو الجماعة والطائفة من الناس وقوله { فَسَبِّحْ } جواب إذا.<br>والمعنى: إذا أتم الله - عليك - أيها الرسول الكريم - وعلى أصحابك النصر، وصارت لكم الكلمة العليا على أعدائكم، وفتح لكم مكة، وشاهدت الناس يدخلون فى دين الإِسلام، جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال يذكر.<br>إذا علمت ورأيت كل ذلك، فداوم وواظب على تسبيح ربك، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به شكرا له على نعمه، وداوم - أيضا - على طلب مغفرته لك وللمؤمنين.<br>{ إنه } عز وجل - { كان } وما زال { توابا } أى: كثير القبول لتوبة عباده التائبين إليه، كما قال - سبحانه -: { وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "6261",
        "sura_number": "110",
        "ayah_number": "2",
        "aya": "",
        "sura": "النصر",
        "mediator": "النصر: التغلب على العدو، والإِعانة على بلوغ الغاية، ومنه قولهم: قد نصر الغيث الأرض، أى: أعان على إظهار نباتها.<br>والمراد به هنا: إعانة الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه، حتى حقق له النصر عليهم.<br>والفتح: يطلق على فتح البلاد عَنْوَةً والتغلب على أهلها، ويطلق على الفصل والحكم بين الناس، ومنه قوله - تعالى -: { رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ } والمراد به: هنا فتح مكة. وما ترتب عليه من إعزاز الدين، وإظهار كلمة الحق.<br>قال الإِمام ابن كثير: والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم - أى: تنتظر - بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبى، فلما فتح الله عليه مكة، دخلوا فى دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت - أى: اجتمعت - جزيرة العرب على الإِيمان، ولم يبق فى سائر قبائل العرب إلا مظهر للإِسلام، ولله الحمد والمنة.<br>والأفواج: جمع فوج، وهو الجماعة والطائفة من الناس وقوله { فَسَبِّحْ } جواب إذا.<br>والمعنى: إذا أتم الله - عليك - أيها الرسول الكريم - وعلى أصحابك النصر، وصارت لكم الكلمة العليا على أعدائكم، وفتح لكم مكة، وشاهدت الناس يدخلون فى دين الإِسلام، جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال يذكر.<br>إذا علمت ورأيت كل ذلك، فداوم وواظب على تسبيح ربك، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به شكرا له على نعمه، وداوم - أيضا - على طلب مغفرته لك وللمؤمنين.<br>{ إنه } عز وجل - { كان } وما زال { توابا } أى: كثير القبول لتوبة عباده التائبين إليه، كما قال - سبحانه -: { وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    },
    {
        "id": "6262",
        "sura_number": "110",
        "ayah_number": "3",
        "aya": "",
        "sura": "النصر",
        "mediator": "النصر: التغلب على العدو، والإِعانة على بلوغ الغاية، ومنه قولهم: قد نصر الغيث الأرض، أى: أعان على إظهار نباتها.<br>والمراد به هنا: إعانة الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه، حتى حقق له النصر عليهم.<br>والفتح: يطلق على فتح البلاد عَنْوَةً والتغلب على أهلها، ويطلق على الفصل والحكم بين الناس، ومنه قوله - تعالى -: { رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ } والمراد به: هنا فتح مكة. وما ترتب عليه من إعزاز الدين، وإظهار كلمة الحق.<br>قال الإِمام ابن كثير: والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم - أى: تنتظر - بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبى، فلما فتح الله عليه مكة، دخلوا فى دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت - أى: اجتمعت - جزيرة العرب على الإِيمان، ولم يبق فى سائر قبائل العرب إلا مظهر للإِسلام، ولله الحمد والمنة.<br>والأفواج: جمع فوج، وهو الجماعة والطائفة من الناس وقوله { فَسَبِّحْ } جواب إذا.<br>والمعنى: إذا أتم الله - عليك - أيها الرسول الكريم - وعلى أصحابك النصر، وصارت لكم الكلمة العليا على أعدائكم، وفتح لكم مكة، وشاهدت الناس يدخلون فى دين الإِسلام، جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال يذكر.<br>إذا علمت ورأيت كل ذلك، فداوم وواظب على تسبيح ربك، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به شكرا له على نعمه، وداوم - أيضا - على طلب مغفرته لك وللمؤمنين.<br>{ إنه } عز وجل - { كان } وما زال { توابا } أى: كثير القبول لتوبة عباده التائبين إليه، كما قال - سبحانه -: { وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا.<br>وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.<br>"
    }
]