عشريات ابن القيّم - (3) عشرة أسباب تعين على الصبر عن المعصية (2/3)
السبب السابع قوة العلم بسوء عاقبة المعصية وقبح أثرها والضرر الناشيء منهامن سواد الوجه وظلمة القلب وضيقه وغمه وحزنه وألمه وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه وتمزق شمله وضعفه عن مقاومة عدوه وتعريه من زينته والحيرة في أمره وتخلي وليه وناصره عنه وتولي عدوه المبين له وتواري العلم الذي كان مستعدا له عنه ونسيان ما كان حاصلا له أو ضعفه ولا بد ومرضه الذي إذا استحكم به فهو الموت ولا بد؛ فإن الذنوب تميت القلوب. ومنها ذله بعد عزه. ومنها أنه يصير أسيرا في يد أعدائه بعد أن كان ملكا متصرفا يخافه أعداؤه. ومنها أنه يضعف تأثيره فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج؛ فلا رعيته تطيعه إذا أمرها ولا ينفذ في غيرهم. ومنها زوال أمنه وتبدله به مخافة؛ فأخوف الناس أشدهم إساءة. ومنها زوال الأنس والاستبدال به وحشة وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة. ومنها زوال الرضا واستبداله بالسخط. ومنها زوال الطمأنينة بالله والسكون إليه والإيواء عنده واستبداله بالطرد والبعد منه. ومنها وقوعه في بئر الحسرات؛ فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطرا أو إلى غيرها إن قضى وطره منها وما يعجز عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه؛ فيا لها نارا قد عذب بها القلب في هذه الدار قبل نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. ومنها فقره بعد غناه؛ فإنه كان غنيا بما معه من رأس مال الإيمان وهو يتجر به ويربح الأرباح الكثيرة؛ فإذا سلب رأس ماله أصبح فقيرا معدما؛ فإما أن يسعى بتحصيل رأس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير وإلا فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأس ماله. ومنها نقصان رزقه فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه. ومنها ضعف بدنه. ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة؛ فتبدل بها مهانة وحقارة. ومنها حصول البغضة والنفرة منه في قلوب الناس. ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض منه ولا يعود إليه أبدا. ومنها طمع عدوه فيه وظفره به؛ فإنه إذا رآه منقادا مستجيبا لما يأمره اشتد طمعه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير هو وليه دون مولاه الحق. ومنها الطبع والرين على قلبه؛ فإن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء؛ فإن تاب منها صقل قلبه وإن أذنب ذنبا آخر نكت فيه نكتة أخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه؛ فذلك هو الران قال الله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون المطففين14. ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة؛ فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة؛ فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد. ومنها أن تمنع قلبه من ترحله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة؛ فإن القلب لا يزال مشتتا مضيعا حتى يرحل من الدنيا وينزل في الآخرة؛ فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيق والعناية من كل جهة واجتمع على جمع أطرافه وقضاء جهازه وتعبئة زاده ليوم معاده وما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرها؛ فالتعب والعناء والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا محالة. ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه؛ فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه؛ فأعرضت عنه ملائكته وعباده كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه. ومنها أن الذنب يستدعي ذنبا آخر ثم يقوى أحدهما بالآخر؛ فيستدعيان ثالثا ثم تجتمع الثلاثة فتستدعي رابعا وهلم جرا حتى تغمره ذنوبه وتحيط به خطيئته قال بعض السلف إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها. ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها؛ فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة كما قال تعالى ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها الأحقاف من الآية20 فالمؤمن لا يذهب طيباته في الدنيا بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة؛ فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته في الدنيا. ومنها علمه بأن أعماله هي زاده ووسيلته إلى دار إقامته؛ فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجناة وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته. ومنها علمه بأن عمله هو وليه في قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه؛ فإن شاء جعله له وإن شاء جعله عليه. ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به؛ فبحسب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها وأعمال الفجور تهوي به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث يستقر به؛ قال الله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر من الآية10 وقال تعالى إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء الأعراف من الآية40؛ فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أغلقت عنها وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين. ومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعة على من دخله فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبا للصوص وقطاع الطريق؛ فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة إلى خربة موحشة هي مأوى اللصوص وقطاع الطريق؛ فهل يتركون معه شيئا من متاعه؟! ومنها أنه بالمعصية قد تعرض لمحق بركته.وبالجملة؛ فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علما وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علما فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته. يتبع.. عبد العزيز بن داخل المطيري
مقالات عشوائية