حياء.. لا خجل
خلق عظيم حث عليه الشرع وجعله خلق الإسلام ومن شعب الإيمان؛ فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان ))؛ رواه البخاريوقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن ماجه (( إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء )) ومعناه إن كل دين له طبع وسجية؛ وإن طبع هذا الدين وسجيته التي بها قوامه الحياء.وفي الحديث أيضا (( الحياء والإيمان قرنا جميعا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر )) صحيح الجامع .والسر في كون الحياء من الإيمان أن كلا منهما داع إلى الخير مقرب منه صارف عن الشر مبعد عنه فالحياء خلق يكف العبد عن ارتكاب القبائح والرذائل ويحثه على فعل الجميل وأحق من يستحيى منه هو الله سبحانه وتعالى فإذا خفي الإنسان عن أعين الناس وتيسرت له أسباب المعصية تذكر أن الله يراه فاستحيا منه ولم يجعله أهون الناظرين إليه وإذا رأى غيره قد سبقه إلى فعل الطاعات استحى أن يكون في مؤخرة الركب؛ عن سعيد بن يزيد الأزدي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال (( أوصيك أن تستحيي من الله عز وجل كما تستحيي من الرجل الصالح ))؛ رواه الإمام أحمد وصححه الألباني .قال ابن جرير هذا أبلغ موعظة وأبين دلالة بأوجز إيجاز وأوضح بيان؛ إذ لا أحد من الفسقة إلا وهو يستحي من عمل القبيح عن أعين أهل الصلاح وذوي الهيئات والفضل؛ أن يراه وهو فاعله والله مطلع على جميع أفعال خلقه فالعبد إذا استحيى من ربه استحياءه من رجل صالح من قومه تجنب جميع المعاصي الظاهرة والباطنة فيا لها من وصية ما أبلغها! وموعظة ما أجمعها!؛ انتهى.ولذلك قال بعض السلف خف الله على قدر قدرته عليك واستحي منه على قدر قربه منك!!ثم يأتي الحياء من الناس وقد نصب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحياء حكما على أفعال المرء وجعله ضابطا وميزانا؛ فقال (( ما كرهت أن يراه الناس فلا تفعله إذا خلوت )) حسنه الألباني .وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال لا خير فيمن لا يستحيي من الناس .وإذا كبرت عند العبد نفسه فسيكون استحياؤه منها أعظم من استحيائه من غيره؛ قال بعض السلف من عمل في السر عملا يستحيي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر.قال الراغب الأصفهاني رحمه الله في الذريعة إلى مكارم الشريعة حق الإنسان إذا هم بقبيح أن يتصور أجل من في نفسه حتى كأنه يراه فالإنسان يستحيي ممن يكبر في نفسه؛ ولذلك لا يستحيي من الحيوان ولا من الأطفال ولا من الذين لا يميزون ويستحيي من العالم أكثر مما يستحيي من الجاهل ومن الجماعة أكثر ما يستحيي من الواحد.والذين يستحيي منهم الإنسان ثلاثة البشر وهم أكثر من يستحيي منه ثم نفسه ثم الله تعالى ومن استحيى من الناس ولم يستحي من نفسه؛ فنفسه عنده أخس من غيره ومن استحيى منها ولم يستحي من الله فلعدم معرفته بالله فالإنسان يستحيي ممن يعظمه ويعلم أنه يراه أو يسمع نجواه فيبكته ومن لا يعرف الله فكيف يعظمه؟! وكيف يعلم أنه مطلع عليه؟!؛ انتهى.ومن الحياء أن نستحيي من الملائكة؛ قال بعض الصحابة إن معكم من لا يفارقكم فاستحيوا منهم وأكرموهم.معك ملائكة لا يتركونك ليلا ولا نهارا يحصون أنفاسك وحركاتك وسكناتك يرصدون كل ذلك في صحيفة أعمالك.تخيل لو علمت أن هناك من يعيش معك يراقبك ويسجل جميع أعمالك ويقدم عنها تقريرا لمديرك يا ترى كيف كان سيكون حالك؟!ولكن هذا الخلق الكريم استبدله بعض الناس في زماننا بالجرأة التي قد تصل أحيانا إلى حد الوقاحة فنرى المعاصي ترتكب جهارا عيانا دون حياء من الله ولا من الناس وما غاب الستر عن النساء إلا حين نزعن ثوب الحياء وما تجرأ الابن على أبيه وأمه إلا حين غاب الحياء وما ضاعت مكرمة أو ظهرت فاحشة إلا حين فقد الحياء من مرتكبها.قال صلى الله عليه وسلم (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ))؛ رواه البخاري وهذا الحديث يحتمل معنيينأحدهما أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد والمراد إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت فإن الله يجازيك على ما صنعت.والآخر أنه أمر بمعنى الخبر والمراد أن من لم يستحي صنع ما شاء؛ فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء فمن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر.ولا منافاة بين الحياء وقوة القلب وشجاعته؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس ومع ذلك كان أشد حياء من العذراء في خدرها! ولم يمنعه حياؤه عن قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغضب لله إذا انتهكت محارمه.وأكثر من اشتهر بالحياء عثمان بن عفان رضي الله عنه ولأجل عظم هذه الخصلة الحميدة التي لا تأتي إلا بخير كانت الملائكة تستحيي منه ما لا تستحيي من غيره.وعلى النقيض من الجرأة يأتي الحياء المذموم أو الخجل والخجل لغة؛ يعني الإحراج أو الشعور المؤلم المصاحب للذنب واصطلاحا هو حالة من الضعف النفسي؛ ويعني عدم قيام الفرد بأفعال معينة عادية نتيجة الخوف من الناس.فمن الحياء أن يمتنع الشخص عن فعل كل نقيصة أمام الناس؛ لكن من الخجل انكماشه وانطواؤه وتجافيه عن ملاقاة الآخرين؛ إذا الخجل هو ذلك الحياء الذي يحول بين المرء وبين قول الحق وفعل الخير فقد يصده عن طلب العلم الواجب ويجر صاحبه إلى فعل المحرمات والوقوع في الكذب ويجر إلى ترك الواجبات والفرائض؛ عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه ((مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها ولا يتحات)) فقال القوم هي شجرة كذا هي شجرة كذا فأردت أن أقول هي النخلة وأنا غلام شاب فاستحييت فقال هي النخلة وعن شعبة حدثنا خبيب بن عبدالرحمن عن حفص بن عاصم عن ابن عمر... مثله فحدثت به عمر فقال لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا؛ رواه البخاري.فتمنى عمر رضي الله عنه أن يجيب ابنه عبدالله بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليزداد منه حظوة ولعله بهذا أن يحصل على دعوة منه صلى الله عليه وسلم.وقال البخاري في صحيحه في كتاب العلم وقال مجاهد لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر وقالت عائشة نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.وكانت أم سليم رضي الله عنها تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل دقيقة من أحكام النساء وتستفتح سؤالها بقولها يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق.فإذا خجل المتعلم من سؤال ما أشكل عليه والمناقشة فيما خفي عليه ليتضح له فلن يتعلم ولن يرفع عنه الجهل وقد يقع في محرم أو يفوته ثواب عظيم بسبب خجله ذاك.جاء في سير أعلام النبلاء أن ابن عباس رضي الله عنه قال عن نفسه إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمر رضي الله عنه إذا ذكر ابن عباس قال ذلك فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول؛ فليس من الحياء الامتناع عن طلب العلم وتعلمه وليس من الحياء الخجل الذي يفوت على صاحبه خيرا ونفعا.
مقالات عشوائية