المقالات الإسلامية المتنوعة

عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان - (31) خاتمة

وفي ختام هذه الوسائل الطيبة التي ذكرتها وغيرها الكثير مما لم أذكره أذكر إن شاء الله خاتمة جليلة تتعلق بذكر هذه الوسائل وأبدأ هذه الخاتمة بسؤال مهم جدا ألا وهو هل هذه الوسائل تكفر الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر فقط؟ فأقول هذه الأعمال لا تكفر الكبائر؛ قال ابن رجب الحنبلي وقد اختلف الناس في مسألتين؛ إحداهما هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال لا تكفر سوى الصغائر؛ وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفر الصغائر وقال سلمان الفارسي في الوضوء إنه يكفر الجراحات الصغار والمشي إلى المسجد يكفر أكبر من ذلك؛ خرجه محمد بن نصر المروزي. وأما الكبائر فلا بد لها من التوبة؛ لأن الله أمر العباد بالتوبة وجعل من لم يتب ظالما واتفقت الأمة على أن التوبة فرض والفرائض لا تؤدى إلا بنية وقصد ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركان الإسلام لم يحتج إلى التوبة وهذا باطل بالإجماع وأيضا فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض وهذا يشبه قول المرجئة وهو باطل هذا ما ذكره ابن عبدالبر في كتابه التمهيد وحكى إجماع المسلمين على ذلك واستدل عليه بأحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم والترمذي وأحمد ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر))؛ وهو مخرج في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض. وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولينأحدهما عن جمهور أهل السنة أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر فإن لم تجتنب لم تكفر هذه الفرائض شيئا بالكلية. والثاني أنها تكفر الصغائر مطلقا ولا تكفر الكبائر إن وجدت لكن يشترط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها. ورجح هذا القول وحكاه عن الحذاق وقوله بشرط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها؛ مراده أنه إذا أصر عليها صارت كبيرة؛ فلم تكفرها الأعمال. وقال ابن رجب في موضع آخر فهذه الأعمال الصالحة مقتضية لدخول الجنة وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع. وقد وردت أحاديث في كبائر الذنوب أنها مانعة لمرتكبها من دخول الجنة فمن ذلك حديث حذيفة رضي الله عنه عند مسلم قال صلى الله عليه وسلم ((لا يدخل الجنة نمام))؛ ورواه البخاري بلفظ ((لا يدخل الجنة قتات))؛ أي نمام وكذا أبو داود وكذا الترمذي وأحمد.  وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم وأحمد؛ قال صلى الله عليه وسلم ((صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)). وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه عند البخاري ومسلم وأحمد قال صلى الله عليه وسلم ((لا يدخل الجنة قاطع))؛ أي قاطع رحمه لا يصلها. وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه عند مسلم وابن ماجه وأحمد قال صلى الله عليه وسلم ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)). وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله عنه عند مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد ومالك والدارمي قال صلى الله عليه وسلم ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة)) فقال له رجل وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال ((وإن كان قضيبا من أراك)).  كما وردت أحاديث أخرى في أن النطق بالشهادتين يدخل الجنة ففي الصحيحين عن عتبان بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((... فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله)).  وفي الصحيحين عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار)). قال صاحب معارج القبول رحمه الله اعلم أن الأحاديث الدالة على أن الشهادتين سبب لدخول الجنة والنجاة من النار لا تناقض بينها وبين أحاديث الوعيد التي فيها من فعل ذنب كذا فالجنة عليه حرام أو لا يدخل الجنة من فعل كذا؛ لإمكان الجمع بين النصوص بأنها جنان كثيرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وبأن أهل الجنة أيضا متفاوتون في دخول الجنة في السبق وارتفاع المنازل فيكون فاعل هذا الذنب لا يدخل الجنة التي أعدت لمن لم يرتكبه أو لا يدخلها في الوقت الذي يدخل فيه من لم يرتكب ذلك الذنب وهذا واضح مفهوم للعارف بلغة العرب. قلت وفي جامع الترمذي وحسنه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ((ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش؛ ما اجتنب الكبائر)). قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في معارج القبولوكذلك لا تناقض بين الأحاديث التي فيها تحريم أهل هاتين الشهادتين على النار وبين الأحاديث التي فيها إخراجهم منها بعد أن صاروا حمما كما في أحاديث الشفاعة المتواترة لإمكان الجمع بأن تحريم من يدخلها بذنبه من أهل التوحيد بأن تحريمه عليها يكون بعد خروجه منها برحمة الله ثم بشفاعة الشافعين ثم يغتسلون في نهر الحياة ويدخلون الجنة فحينئذ قد حرموا عليها فلا تمسهم بعد ذلك أو يكون المراد أنهم يحرمون مطلقا على النار التي أعدت للكافرين التي لا يخرج منها من دخلها وهي ما عدا الطبقة العليا من النار التي يدخلها عصاة أهل التوحيد ممن شاء الله تعالى عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه ثم يخرجون فلا يبقى فيها أحد. قلت ويمكن أن يقال أيضا للجمع بينهما إن أحاديث الشهادتين مطلقة قيدت في نصوص أخرى بالإخلاص والصدق وجاء في أحاديث أخرى ذكر شروط أخرى معها؛ كالصلاة والصيام أو يقال إن الشهادتين سبب لدخول الجنة ومقتضى لذلك ولكن هذا المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه فإن فقد شرط أو وجد مانع انتفى العمل؛ وعلى ذلكفمن جاء بأحد هذه الوسائل أو غيرها مما هو على شاكلتها الموجبة للجنة فهناك وعد من الله تعالى له بدخول الجنة فإن كان مرتكبا لأحد كبائر الذنوب التي ورد الوعيد عليها بحرمان مرتكبها من دخول الجنة فهو بين أمرين إما أن يتوب من هذه الكبيرة أو الكبائر توبة صادقة بشروطها فيغفر الله تعالى بهذه التوبة هذه الكبيرة ويزول الوعيد بدخول النار بسببها فيبقى الوعد بدخول الجنة بفعل الأعمال الموجبة للجنة كما هو فيدخل فاعلها الجنة برحمة الله تعالى وفضله.  وإما أنه لا يتوب من هذه الكبيرة ويموت وهو مصر عليها فيكون مستحقا لدخول النار بذلك فيجتمع في حقه وعد بدخول الجنة للإتيان بعمل صالح ووعيد بالحرمان منها بارتكاب كبيرة من الكبائر فيكون بذلك من أصحاب الكبائر وأصحاب الكبائر يوم القيامة في مشيئة الله تعالى إن شاء يؤاخذهم على الإصرار على ارتكاب الكبائر ويتحقق فيهم وعيده فيدخلون النار والعياذ بالله على قدر كبائرهم التي ماتوا مصرين عليها وإن شاء تعالى عفا عنهم ولم يؤاخذهم على كبائرهم التي لم يتوبوا منها ويدخلهم الجنة بأعمالهم الصالحة الموجبة لدخول الجنة برحمة الله وفضله عليهم. شروط الانتفاع بهذه الوسائل وغيرها مما هو على شاكلتها ودخول الجنة بهااعلم يا بن الإسلام حفظك الله أن الانتفاع بهذه الوسائل ودخول الجنة بأدائها يستلزم أمورا يشترط تحققها وهي1 الإيمان إذ إن الكفر والعياذ بالله منه محبط للعمل أيا كان. 2 الإخلاص في العمل لله تعالى وترك الرياء فيبتغي العبد بعمله وجه الله تعالى وحده ورضوانه فلا يرائي ولا يطلب بعمله المدح أو الثناء ولا ينتظر من ورائه أي منفعة أو مكافأة دنيوية. 3 موافقة الشرع فيكون أداء العمل على كيفية خالية من المخالفات الشرعية؛ موافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته؛ إذ إن أداء الكثير من الأعمال على اختلافها لا يخلو لشدة جهل فاعليها بالشرع من المخالفات الشرعية وأصحابها يعتبرونها في ميزان حسناتهم وأنهم بها على خير وصلاح؛ فمن متصدق بأموال اكتسبها بمخالفة الشرع ومن مساعد لظلمة على ظلمهم ومن معاون للعصاة على معصيتهم ومن متستر على من لا يستحق الستر ومن ساكت على منكرات أو داع إلى بدع يظنها لجهله سننا إلى آخر ذلك وأنى لهؤلاء وإن فرضنا حسن نيتهم أن يثابوا وأعمالهم معاص وبدع ومنكرات وإنا لله وإنا إليه راجعون؟! 4 التصديق بالوعد المترتب عليها كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري وأبو داود وأحمد ((أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها؛ رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة)). فيعلم العبد أن هذه الأعمال تدخل الجنة؛ لثبوت ذلك عنده بأحاديث معتبرة ويصدق ذلك؛ إيمانا بسعة رحمة الله تعالى وفضله ومغفرته ويفعلها رجاء ثوابها واحتسابا لأجرها عند الله تعالى ولهذا أوردت هذه الخصال مفصلة بأدلتها الصحيحة لكل خصلة منها بما يفيد كونها موجبة للجنة أو غافرة للذنوب كلها أو منجية من عذاب النار أو موجبة لمحبة الله تعالى للعبد أو دافعة لأهوال يوم القيامة وكرباته ونحو ذلك من الأجر والثواب. 5 ألا يرتكب المؤدي لها كبيرة من الكبائر الموجبة لدخول النار ويصر عليها ولا يتوب منها؛ إذ إن ارتكاب الكبائر الموجبة لدخول النار وعدم التوبة منها يمنع تحقق الوعد المترتب على فعل هذه الخصال الموجبة للجنة؛ إذ تعارض عند ذلك وعد بدخول الجنة مع وعيد بدخول النار ومرتكب الكبيرة المصر عليها ومات على ذلك في مشيئة الله تعالى إن شاء تعالى حاسبه على كبيرته التي لم يتب منها فيدخله النار وإن شاء غفر له تلك الكبيرة وتجاوز له عنها فيدخل بذلك الجنة وقد مر بيان ذلك. تنبيه لا ينتفع بثواب هذه الوسائل إذا تركت الواجبات والفرائضاعلم أخي يا بن الإسلام أن ترك الفرائض التي افترضها الله تعالى على عباده لا ينفع معه الإتيان بهذه الخصال التي هي من المندوبات والمستحبات؛ فإن هذه الخصال مع محبة الله تعالى لها فإن أداء الفرائض التي افترضها الله تعالى أحب إليه منها؛ لذا لا ينتفع العبد من أداء هذه المندوبات مع ترك الواجبات فشرط الانتفاع بثواب هذه المندوبات أداء الواجبات والفرائض فلا ينتفع الإنسان بثواب قيام الليل مثلا وهو مفرط في أداء الصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة ولا ينتفع الإنسان بثواب صيام التطوع وهو مفرط في أداء صيام شهر رمضان وهكذا. وفي الحديث القدسي المرفوع الذي رواه البخاري أن الله تعالى قال ((وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه)). وهذا ينطبق بصورة واضحة على الواجبات التي تركها من كبائر الذنوب وعلى المنهيات التي اقترفها من كبائر الذنوب؛ إذ صاحبها من أصحاب الكبائر وهو في مشيئة الله تعالى إن شاء حاسبه عليها وعاقبه بها وإن شاء عفا عنه ما دام صاحبها على التوحيد إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء 48 كما مر سابقا. وتتضح أهمية المحافظة على أداء الواجبات وترك المحرمات أنها مع ترك الكبائر أسباب لنيل مغفرة الله تعالى وعفوه؛ قال تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما النساء 31 بل ورد في الحديث ما يفيد أن الاكتفاء بأداء الأركان والواجبات المفروضة مع اجتناب المحرمات المنهي عنها يرجى لصاحبها دخول الجنة؛ فلقد روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال ((تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان)) قال والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم ((من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)). وعند مسلم عن أبي عبدالله جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنة؟ قال ((نعم)). وهذا مفهوم أيضا من قوله صلى الله عليه وسلم عند البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد ((دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)). وأخيرا؛ أتناول مسألة اختلاف الثواب المترتب على العمل الواحد؛ فقد ورد في بعض الأعمال أحاديث تبين تعدد الثواب المترتب عليها فكيف يمكن الجمع بين تلك الأحاديث التي تفيد اختلاف الثواب في كل منها عن الآخر للعمل الواحد فيكون في أحد الأحاديث أن ثواب أداء هذا العمل الجنة وفي أخرى أنواع من الثواب دون ذلك؟ والجمع يمكن من وجوه 1 الاختلاف في أداء العمل فإن أداه كاملا على وجهه التام نال أعلى ثواب مذكور في تلك الأحاديث فإن نقص من كماله شيء نقص ثوابه إلى ما هو أدنى حتى إذا بلغ نقص العمل إلى أقل درجة للقبول نال عليه أقل ثواب مذكور في تلك الأحاديث والله أعلم. 2 اختلاف حال المؤدي للعمل فإن أداه بإخلاص كامل وتجرد تام مع خشوع وخشية وشدة رجاء ومحبة زاد أجره إلى أعلى ثواب مذكور وإن قل قل أجره إلى أن يصل إلى أدنى ثواب مذكور. 3 اختلاف الزمان والمكان فإذا وافق أداء العبادة على وجهها زمان فاضل أو مكان يضاعف فيه الثواب نال منه أعلاه؛ كالدعاء في السحر وساعة الإجابة والصلاة في جوف الليل وقيام الليل في ليلة القدر والصلاة في الحرم إلى آخر ذلك وإن لم يوافق ذلك نال الأجر والثواب الأقل. 4 أن الأحاديث التي بها الثواب الأقل هي التي وردت أولا ثم تفضل الله تعالى على عبده بمزيد فضل فضاعف من ثوابه أو زاد تكرما منه ومنة. 5 أن للعمل أكثر من ثواب واحد فينال العبد كل هذه الأجور إذا كانت لا منافاة وتعارض بينها؛ كالصائم يدخل الجنة من باب الريان ويباعد بينه وبين النار عن كل يوم صامه سبعين خريفا وتغفر له كل ذنوبه بصيامه رمضان وقيامه إلى آخر ذلك والله أعلى وأعلم. المسألة الثانية ماذا بعد رمضان؟أخي يا بن الإسلام جاء رمضان ومضى رمضان سوق قام ثم انفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر ويتوجع المسلم لفراق رمضان ويظل يتذكر أيامه ولياليه؛ كيف كانت عامرة بالخيرات ممتلئة بالعبادات منيرة بالطاعات. ينتهي رمضان وإذا بالمساجد تعود مرة أخرى خاوية على عروشها إلا من أهلها الذين هم أهلها ويتباكى الدعاة إلى الله على جهد على مدار الشهر بذلوه وإذا بهم في نهاية الأمر لم يجدوا له الأثر الذي ظنوه وانتظروه! لماذا ينتكس الناس بعد رمضان وينشغلون مرة أخرى بدنياهم بعد أن ذاقوا حلاوة القرب من مولاهم؟! لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف أبو بكر رضي الله عنه يقول من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وهأنذا أقول من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد انقضى ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ قال تعالى ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا النحل 92 هل رأيت امرأة تغزل ثوبا وتغزل ثم تغزل وبعد أن تم لها ذلك قامت فنقضت غزلها؛ أعادت الثوب خيطا كما كان؟! فهل هذا فعل إنسان عاقل؟! إن هذا حالك؛ فبعد أن كنت تقوم الليل إحدى عشرة ركعة يوميا في رمضان تريد أن تترك هذا كله فلا تقوم الليل ولو بأربع ركعات فأين أثر قيام الليل فيك؟! ألست قد وجدت لذة في قيام رمضان؟! فلماذا تحرم نفسك من هذه اللذة؟ لماذا تحرم نفسك من الأجر؟ لماذا تترك سوسة الكسل تنخر في إيمانك؟! أخي يا بن الإسلام إن ديننا هو دين الاستقامة لا يصلح فيه التلون والتفلت والزوغان؛ قال تعالى فاستقم كما أمرت ومن تاب معك هود 112 فاستقم على أمر الله استقم على طاعة الله حتى تلقاه فيكون ذلك يوم عيدك الحقيقي؛ قال ربنا جل جلاله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين الحجر 99؛ واليقين الموت فكن ربانيا ولا تكن رمضانيا. استقم على طاعة الله ولا تتلون لما جاء حذيفة بن اليمان الموت جلس ابن مسعود عند رأسه فقال أوصني فقال له ألم يأتك اليقين؟ قال ابن مسعود بلى وعزة ربي فقال له حذيفة فإياك والتلون؛ فإن دين الله واحد. نعم إنك لا بد أن تخرج من رمضان بقلب قد ألف الطاعة وأحبها واعتادها حتى صارت له كالهواء والماء للإنسان فإياك أن تقتل إيمانك بالتثاقل إلى الأرض والإخلاد إلى الكسل والرضا بالقعود والنكوص إنني أريدك أن تكون شخصية ربانية على مدى حياتك لا على فترات متقطعة فيها فتكون رجل المناسبات. إياك أن تهجر الطاعة لا تهجر حفظ القرآن وتلاوته؛ فالأعمال لم تنقطع بعد رمضان والقلم لم يرفع عنك بعد رمضان واعلم أن أول طريق الفشل والضياع أن تتحكم فيك نفسك وتسيرك كيف شاءت؛ قم تقوم اخرج تخرج نم تنام كل تأكل لا بد أن تمتلك أنت زمام المبادرة لا بد أن تتحكم أنت في نفسك وتذللها لطاعة الملك جل جلاله. أخي يا بن الإسلام ما زالت الأعمال بعد رمضان لم تنقطع؛ فالقرآن لا يهجر بمجرد انتهاء رمضان بل حافظ على وردك الثابت فيه دم على ذلك؛ فالقرآن هو الذي يزكي نفسك ويصلح قلبك ويثبتك على طريق الحق فلتستمر في قراءة القرآن جزأين في اليوم على الأقل ثم زد إلى ثلاثة ثم إلى خمسة؛ لتختم كل أسبوع كما كان يفعل الصحابة. كذلك القيام لم ينقطع؛ قم كل ليلة بإحدى عشرة ركعة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك قيام الليل حتى لو فاته يوما من وجع أو غيره صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة. والصيام لم ينقطع؛ فعليك أن تبادر بصيام ستة من شوال حتى تكون كأنك صمت السنة كلها رمضان ثلاثون يوما والحسنة بعشرة أمثالها فيكون ثلاثمائة وستة أيام بعشرة أمثالها؛ إذا ستون يوما فتكمل السنة كأنك صمت سنة كاملة وهناك الكثير من الصوم المندوب راجعه في الوسائل واسأل الله أن يسهله لك؛ فالصيام مدرسة لتزكية النفس وهو الوصية الخاصة للشباب وخصوصا في هذه الأيام التي امتلأت بالفتن أسأل الله أن ينجيني وإياكم منها. والأعمال الصالحة كلها لم تنقطع؛ فبادر بالأعمال الصالحة فطوبى لمن بادر عمره القصير فعمر به وبادر المصير وتهيأ لحساب الناقد البصير قبل فوات القدرة وإعراض النصير. أخي يا بن الإسلام كان الإمام علي يقول في آخر ليلة من رمضان ليت شعري من هذا المقبول منا فنهنيه؟ ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟ وكذلك كان يقول ابن مسعود من هذا المقبول منا فنهنيه؟ ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟. وكأن المستفاد من ذلك أن قبول الأعمال غيب وأن غاية سعي المكلفين إنما هو في تحصيل صور الأعمال ومظاهرها وأما المعول والذي عليه المدار في القبول؛ إنما هو حقائق الأعمال ومقاصدها فليت شعري من هذا المقبول فنهنيه؟ ومن هذا المحروم فنعزيه؟ إن ذلك غيب لا يدري به أحد.  واستفدنا كذلك أنه لا بد بعد انقضاء العمل من وقفة المحاسبة للنفس والنظر فيما كان فيه هذا العمل وهل وقع من الله موقع القبول أو كان هذا العمل في محل الرد والحرمان؟ فاكتسبت النفس لذلك وجلا بعدما ظنت انقضاء زمان السعي والمجاهدة جاءها زمان آخر؛ زمان المحاسبة والمعاقبة على التقصير والمجاهدة لشكر نعم الله عليها.  واستفدنا كذلك من قول الصحابيين الجليلين أن لا يزال العبد واقفا بباب الله فهذا المقبول لا ينقضي بعمله المقبول سعيه بل يقتضي هذا العمل المقبول سعيا موصولا في شكر نعمة الله التي آتاه وفي القيام بحق الله في التوفيق للعمل الصالح وفي مزيد التنعم بما أذاقه الله تعالى من حلاوة الطاعة وكذلك المحروم؛ لا ينقطع به الرجاء من ربه الكريم بل إن حرمانه ذلك يعني ذهاب جولة من جولات السعي؛ بسبب سوء فعله ومرذول قصده فإذا حصل له التنبه لذلك فلا بد أن تكون جولة سعيه الأخرى أحظى بالقبول وأرجى لاستحقاق رحمة أرحم الراحمين. من هذا المقبول الذي أعين على الصيام والقيام وعلى إصلاح وظائف الأعمال من الصلوات المكتوبات والجماعات؟ من هذا المقبول الذي أعين على وظيفة الصدقة ووظيفة تلاوة القرآن وختم له رمضان بالسداد في الأعمال الصالحات؟ من هذا المقبول فنهنيه؟! مقتضيات القبولأولا الانكسار لعظمة الله؛ وتهانينا إليه بفضل الله الذي آتاه وأن ذلك يعني منه مزيد انكسار لعظمة الله تعالى ومزيد سعي لشكران تلك النعم؛ فعن أبي عمران الشيباني أن موسى عليه السلام قال يوم الطور يا رب إن أنا صليت فمن قبلك وإن أنا تصدقت فمن قبلك وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك فكيف أشكرك؟ فقال تعالى الآن شكرتني. فهذا قول الكليم وهو قول العارف بفضل الله المقر بإحسانه؛ يقول إن أنا صليت فمن قبلك؛ لا من سعي نفسي ولا من تحصيلها فلو وكلت إلى نفسي ولو وكلت النفس إلى ما فيها لما كان من العبد إلا العجز والتقصير والتواني والذنب والخطيئة والسيئات فلو كانت الصلاة شكرا فما هي من سعيي والشكر فعل ينسب إلى العبد لا إلى صاحب الإنعام والإكرام وكذلك الصدقة والبيان عن الله ذهبت حيل السعاة في شكر الله وعجزوا عن شكر الله على نعمه فأصبح إقرارهم بالعجز هو إعلانهم بالشكر. إقرارك بعجزك عن الشكر هو حقيقة ذلك الشكر؛ فإن شكر نعمة الله يكون بنعمة أخرى من الله وفضل وإحسان يستوجب شكرا آخر حتى يكون الشكر الآخر نعمة أخرى تستوجب شكرا آخر وهكذا فيفضي الحال إلى الإقرار بالعجز والإعلان بالقصور وأن شكر نعمة الله هو الإعلان بالعجز عن شكره. ثانيا شهود منة الله؛ فليت شعري من المقبول فنهنيه على فضل الله الذي آتاه؟! وأن ذلك يقتضي الإعلان بشكر نعمة الله والإعلان بالعجز عن القيام بذلك وأن ذلك يقتضي مع تلك التهنئة الالتفات للعمل والنظر إليه حتى يشهد منة الله فيما كان وحتى يرى تقصير نفسه في كل عبادة يرى فيها أوجه عجزه وأبواب قصوره وضعفه وتوانيه وتباطئه مع فضل الله السابق وإحسانه الغالب عليه. ثالثا مطالعة عيب النفس والعمل؛ فتهنئة المقبولين تعني التفاتا إلى نعمة رب العالمين وتعني رجوعا إلى هذه الأعمال التي كانت؛ بالنظر إليها والتفتيش في أوجه القصور والنقص فيها وأنه كان ينبغي أن تكون هذه الأعمال أفضل مما تأدت وأن حق الله أعظم من ذلك وأن حق خطايا هؤلاء المقبولين وسيئاتهم يقتضي عملا أكثر فما يزيل أدران قلوبهم أضعاف أضعاف ما قدموا بل إن هذه السيئات والعيوب تقتضي منهم سعيا موصولا وعبادة غير منقطعة وشغلا دؤوبا بذكر الله ومحبته إلى الممات لا يقوم حق الله بدون ذلك. رابعا استقامة القلب؛ فليت شعري من هذا المقبول فنهنيه؟ حتى تكون تهنئتنا له على ما نال قلبه من ذل لله وتعظيم لأمره وانكسار من ذلك القلب ورقة على الخلق؛ ليستديم ذلك الحال وليتحول إلى شخص آخر بعد منحة الله تعالى له في رمضان وعطائه إليه وإحسانه. خامسا الثبات على العمل الصالح؛ فليت شعري من المقبول فنهنيه؟ بأن يرجو موسم رمضان آخر بينهما عبادة موصولة وشغل بالله وطاعته وخدمته ومحبته شغل دائم غير منقطع؛ ليتحول إلى شخص مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان عمله ديمة كما في الصحيحين وفيهما ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)). وليت شعري من هذا المحروم فنعزيه؟ حتى يرى أن مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا وأن الضر الذي في عمله الصالح ينبغي أن يكون أشد عليه من ضره في بدنه أو ماله وأنه مهما أصابه من مصائب الدنيا فحق جبرانها وتعويضها مضمون وأما مصيبة الدين فحظه من الله قد ذهب وحظه من الآخرة قد ولى. مقتضيات الحرمانأولا الإقرار بظلمه لنفسه؛ فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه وكلنا ذلك المحروم؟ حتى يعلم أن ما أصابه بكسبه ومرذول عمله وسيئاته في قصده ووجهته وأن ذلك مع إحسان الله وفضله غير لائق منه وغير مناسب لعقله وإيمانه وأن الله لم يظلمه شيئا ولكن ظلم نفسه. ثانيا التنبه لشؤم السيئات؛ فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه؟ ويعلم أن هذه السيئات والتفريطات إنما هي نتاج سابق السيئات والتفريطات وأن جزاء الحسنة التوفيق لحسنة بعدها وأن عقوبة السيئة الخذلان حتى يقع في سيئة تتلوها. ثالثا لزوم الوقوف بالباب؛ فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه؟ ويكون عزاؤنا أن فضل الله الواسع يقتضي لزوم الوقوف بالباب وألا يفارق العبد باب ربه مهما كان من ظلم العبد أو سوء فعله فلا يزال من الله الإحسان والعطاء وإن كان من المكلفين الإساءة وسوء الفعل. رابعا لزوم التوبة؛ فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه؟ ويعلم أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ويعلم أن باب الله لا يزال مفتوحا وأن الله لا يرد توبة التائب فلا تزال التوبة متاحة ما لم تبلغ روحك أيها المحروم حلقومك فمتى أمدك الله وأفسح في أجلك فلا تزال مدة تراجعك قائمة ولا يزال أمر توبتك لازما غير معفي أنت منه. خامسا إصلاح العمل؛ فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه؟ حتى يعلم أنه لا بد له من أن يصلح عمله حتى يكون عمله ذلك بالنية الخالصة لرب العالمين وحتى يكون عمله ذلك وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحتى يكون عمله ذلك خاليا من آفة الغرور وآفة العجب فلا يرى عملا يعجب به بل يرى فضل الله الذي يستوجب انكساره وذله لربه وإعلانه بالعجز عن شكره ولا يرى نفسه التي تأدى منها العمل بل يرى نفسه التي هي أسباب القصور في العمل والعجز عن القيام بحق الله تعالى. سادسا إنما يتقبل الله من المتقين؛ قال علي رضي الله عنه كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتماما بالعمل ألم تسمعوا الله عز وجل يقول إنما يتقبل الله من المتقين المائدة 27؟. فإذا ذهبت مواسم الطاعات بقي بعد ذلك استكمال حقوق هذه الطاعات واستتمام ما يكون من لوازمها؛ من النظر فيها والتفتيش في آفاتها والحذر من إفشائها؛ حتى يكون أبعد عن الرياء. وقد يسأل سائلكيف أعرف أنني من المقبولين؟والجواب والله أعلم 1 أن يجد قلبه أقرب إلى الله وآنس به وأحب إليه فهذه ثمرة الطاعة وعلامات القبول. 2 أن يحب الطاعات ويقبل عليها ويشعر أن أبوابها تتفتح له وييسر له فعلها ويشعر أن أبواب المعاصي تغلق عنه ويصرف عنها ويكرهها ويستنكف عن فعلها. 3 ألا يفقد الطاعات التي كان يقوم بها في رمضان بل يواظب عليها بل ويستحدث بعد رمضان أعمالا لم تكن له قبل رمضان. 4 ألا يعود إلى الذنوب التي تاب منها في رمضان؛ فقد تكلم العلماء فيمن تاب من ذنب ثم عاد إليه بأن هذا دليل على أن توبته لم تقبل؛ لأنها لو قبلت لما عاد إلى الذنب مرة أخرى؛ ولذلك ثبت في الصحيحين أن ((من أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر))؛ أي عوقب بذنوبه السابقة أيضا؛ لأن في الإساءة بعد التوبة حبوط للتوبة ولعل من أسرار هذا الأمر بالعمل الصالح بعد التوبة؛ كما قال تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما الفرقان 70 وفي الحديث الذي أخرجه أحمد وحسنه الألباني ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) فاشتراط العمل الصالح بعد التوبة حزم في منع الرجوع إلى الذنب. 5 استشعار المنة وعدم الإدلال بالعمل؛ فقد يبتلى العبد بعد رمضان بشعور غامر أنه أدى ما عليه وحبس نفسه في رمضان عن أشياء كثيرة مما يشتهيه فتجده يوم العيد عاصيا! وهذه من علامات عدم القبول؛ أن ينقلب على عقبيه بعد رمضان مباشرة؛ ولذلك من علامات القبول أن تجده خائفا على العمل وجلا ألا يتقبل مستشعرا فضل الله ونعمته عليه متحدثا بذلك شاكرا لأنعم الله مواصلا للذكر. 6 ذكر ابن رجب أن من علامات قبول رمضان صيام ست من شوال وذكر لصيام الست فوائد عظيمة لا أستطيع أن أغفلها فخذها هنيئا مريئا وافرح إن صمت الأيام الست بهذه النيات ولعل فهمك لهذه الفوائد وعملك بها رزق ساقه الله إليك ليقبلك فهيا أيها المقبول أبشر بعد أن تعمل. فوائد صيام ست من شوال بعد رمضان1 تحصيل ثواب صيام الدهر وقد سبق بيان ذلك. 2 صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها فيكمل بذلك ما حصل في الفرائض من خلل ونقص؛ فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة كما ورد عن النبي من وجوه متعددة. 3 معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبوله؛ فإن الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح فمن رام أن يعلم مدى قبول عمله من ذلك فليعود نفسه على الصيام والقيام من جديد حتى يكون صيامه الثاني علامة قبول صيامه الأول وحتى يكون قيامه الآخر علامة على قبول قيامه السابق عليه. 4 صيام رمضان يستوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب والصائمون يوفون أجورهم يوم الفطر فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرا لهذه النعمة فإن شكر النعمة إنما يكون بفعل من جنسها حتى يكون الصيام نعمة تستوجب شكرا بصيام آخر ويكون ذلك الصيام نعمة تستوجب شكرا بصيام غيره وهكذا وكان وهيب بن الورد يسأل عن ثواب شيء من الأعمال؛ كالطواف ونحوه فيقول لا تسألوا عن الثواب ولكن سلوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر؛ للتوفيق والإعانة عليه. 5 كثير من الناس يفرح بانقضاء رمضان؛ لاستثقال الصيام وملله وطوله عليهم ومن كان هذا حاله فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعا فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تكره به. 6 في صيام هذه الأيام الستة من شوال استدراك لما فات العبد من وظائف الصيام؛ من وظائف إصلاح نفسه وإقامتها على أمر الله ومن الوظائف المرجوة كذلك من الصيام؛ من الإحسان إلى الفقراء ومن إدراك نعمة الله في الأموال ومن شكر نعم الله ومن تخلي العبد للذكر والفكر؛ فإن شأنه في الفطر أن يكون مشغولا عن الذكر والفكر والصيام معين له على ذكر الله تعالى والتفكر في آخرته. 7 في صيام أيام شوال إعلان ببقاء وظائف العبادة ما بقي العبد دهره فليست تذهب مع المواسم الطاعات بل إن ذهبت المواسم فلا يزال الله أهل العفو وأهل المغفرة ولا تزال مغفرته وعفوه يرجوان بالعبادة من الصيام والقيام فما تنقضي أبد الدهر وظيفة الصيام وما تنقضي مدة حياة العبد وظيفة القيام وتلاوة القرآن. 8 في صيام هذه الأيام من شوال وفى إتباعها رمضان من غير مهلة ولا تراخ إعلان بعدم سآمة العبد من العبادة وأنه لم ينتظر ذهاب رمضان وانقضائه وأنه ما مل وقوفه بباب ربه وما سئم التعرض لفضله وعطائه ونواله وأنه لا يزال باقيا مصرا باقيا على وظيفة العبادة مصرا على التعرض لفضل الله وعطائه. مسألة قضاء رمضان أولا أم ست من شوال؟عن أم سلمة أنها كانت تأمر أهلها من كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفطر فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوال؛ فإنه أسرع لبراءة ذمته وهو أولى من التطوع بصيام ست من شوال فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض هل يجوز أن يتطوع قبله أم لا؟ وعلى قول من جوز التطوع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فمن كان عليه قضاء من رمضان ثم بدأ بصيام ست من شوال تطوعا لم يحصل له ثواب من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال؛ حيث لم يكمل عدة رمضان كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لغير عذر بصيامه ستة من شوال أجر صيام السنة بغير إشكال. ومن بدأ بالقضاء في شوال ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ست من شوال بعد تكملة قضاء رمضان كان حسنا؛ لأنه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان؛ لأن صيام الست من شوال إنما يكون بعد إكمال عدة رمضان.  ومن علامات القبول أيضا أن تسارع إلى الطاعة محبا لها وتترك المعصية أنفة منها وإذا رأيت أبواب الخير تتفتح لك كما في رمضان أو أزيد مثل البكاء ورقة القلب والسهر وقلة النوم وغيرها فهذه من علامات القبول. وأيضا إذا كنت بعد رمضان أفضل مما كنت عليه قبل رمضان وتستشعر أن لك قلبا جديدا ينبض بحب الله وتحس أنك تحب ربك أكثر وتحب ذكره والقيام بين يديه وتحب شكره وتحب الإقبال عليه.  إن حق كل عمل صحب بالإخلاص فكانت النية فيه غير مشوبة برياء أو سمعة أن يكون لهذا العمل حراسة؛ حتى لا يتطرق إليه ضرب من ضروب الخلل وهذه الحراسة تكون بما يلي1 بالحذر من الإدلال بالطاعة؛ فلا يحصل من العبد من على الله تعالى أو على خلقه بذلك العمل. 2 بالحذر من العجب؛ فلا يدرك النفس بهذا العمل عجب ودفع العجب يكون بشهود منة الله تعالى عليك وتقصير نفسك فتندفع رؤيتك لعملك حين تكون مستغرقا برؤية نعمة الله تعالى لا برؤية عملك. 3 بالحذر من الغرور وغرور النفس مبني على نسبة ما كان من السعي لكسبها ومن العمل لتحصيلها وهي نسبة كاذبة غير صحيحة فما كان من سعي أو كسب فذلك فضل الله لا نسبة لشيء من ذلك للعبد ألبتة. 4 بالمداومة على الطاعات؛ فعلامة قبول العمل التوفيق لنظائره وأمثاله بعد انقضائه وحق ذلك العمل أن يعلم أن انقضاء موسم ذلك العمل يعني استجماع عدوه قوته في حبسه عن المزيد من ذلك العمل حتى يجمع العدو اللعين كل الموانع والقواطع عن الصيام والقيام وتلاوة القرآن فيحصل بعد رمضان انحدار شديد لما كان من الأعمال الصالحة بذهابها وفواتها. 5 بالاستعانة بالله لدفع الشواغل؛ فحق تلك الأعمال التي آتانا الله إياها وأعاننا عليها أن نحذر لها من مكايد العدو المتربص بها حتى إذا جمع الشواغل وكثر الهموم والموانع والقواطع كان عندنا من استعانتنا بالله تعالى واستمدادنا لقوته ما يدفع الشواغل والموانع والقواطع وإلا فإن أي استسلام لذلك يعني ذهاب رمضان وانقطاعه بأعماله الصالحات ويعني رجوع العبد إلى مرذول عاداته وسيئ مألوفاته التي هي حبس عن الله تعالى وانقطاع عن السير إليه وتقصير في تحصيل أسباب النجاة. أخي يا بن الإسلاماعلم أن الراحة لا تنال بالراحة ومعالي الأمور لا تنال بالفتور ومن زرع حصد ومن جد وجد لله در أقوام شغلهم تحصيل زادهم عن أهاليهم وأولادهم ومال بهم ذكر المآل عن المال في معادهم وصاحت بهم الدنيا فما أجابوا شغلا بمرادهم وتوسدوا أحزانهم بدلا من وسادهم واتخذوا الليل مسلكا لجهادهم واجتهادهم وحرسوا جوارحهم من النار عن غيهم وفسادهم. أقبلت قلوبهم ترعى حق الحق فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى والقلوب في رياض الملكوت ترعى نازلهم الخوف فصاروا والهين وناجاهم الفكر فعادوا خائفين وجن عليهم الليل فباتوا ساهرين وناداهم منادي الصلاح حي على الفلاح فقاموا متهجدين وهبت عليهم ريح الأسحار فتيقظوا مستغفرين وقطعوا بند المجاهدة فأصبحوا واصلين فرجعوا وقت الفجر بالأجر فيا خيبة النادمين. أخي يا بن الإسلام إن عمل الصالحات لا ينقطع عنك ما دامت فيك روح فعل الطاعات لا يسقط عنك ما دام يتردد فيك نفس وأينما وجدت خيرا فسارع إليه وشارك اللهم ارزقنا فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم خذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة؛ إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير وحسبنا الله ونعم الوكيل. عباد الله هذه الشهور والأعمال والليالي والأيام كلها مقادير للآجال ومواقيت للأعمال ثم تنقضي سريعا وتمضي جميعا والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل وأودعها باق لا يزول ودائم لا يحول هو في جميع الأوقات إله واحد ولأعمال عباده رقيب مشاهد. فسبحان من قلب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم؛ ليسبغ عليهم فيها فواضل النعم ويعاملهم بنهاية الجود والكرم لما انقضت الأشهر الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام وآخرها شهر الصيام أقبلت بعدها الأشهر الثلاثة؛ أشهر الحج إلى البيت الحرام فكما أن من صام رمضان وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه فمن حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف ويتقرب بها إلى مولاه وهو راج خائف والمحب لا يمل من التقرب بالنوافل إلى مولاه ولا يأمل إلا قربه ورضاه. أخي يا بن الإسلام ليس من رغب إلى الله كمن رغب عن الله ليس من بقي مع الله كمن بقي عن الله ليس من عمره كله رمضان كمن عمره كله للجشاء والطعام فالحذر الحذر من المعاصي فكم سلبت من نعم وكم جلبت من نقم وكم خربت من ديار وكم أخلت ديارا من أهلها فما بقي منهم ديار كم أخذت من العصاة بالثمار وكم محت لهم من آثار! فيا من ذنوبه كثيرة لا تعد ووجه صحيفته بمخالفته قد اسود كم أدعوك إلى الصيام وتأبى إلا الصد! أما الموت قد سعى نحوك وجد؟! أما عزم أن يلحقك بالأب والجد؟! أما ترى منعما قد أترب الثرى منه الخد فاحذر أن يأتي على المعاصي فإنه إذا أتى أبى الرد. فاغتنموا إخواني زمنكم وبادروا بالصحة سقمكم واحفظوا أمانة التكليف لمن أمنكم وكأنكم بالحميم وقد دفنكم وبالعمل في القبر وقد رهنكم؛ قال بعضهم صم الدنيا واجعل فطرك الموت! الدنيا كلها شهر رمضان؛ المتقون يصومون فيه عن الشهوات المحرمات فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد الفطر فمن صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته ومن تعجل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته؛ شاهد ذلك أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون الأحقاف 20. يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي يا شموس التقوى والإيمان اطلعي يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي يا قلوب الصائمين اخشعي يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي يا عيون المجتهدين لا تهجعي يا ذنوب التائبين لا ترجعي يا أرض الهوى ابلعي ماءك ويا سماء النفوس اقلعي يا بروق العشاق للعشاق المعي يا خواطر العارفين ارتعي يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي. قد مدت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوام فما منكم إلا من دعي يا قومنا أجيبوا داعي الله الأحقاف 31 ويا همم المؤمنين أسرعي فطوبى لمن أجاب وأصاب وويل لمن طرد عن الباب وما دعي. يا من طالت غيبته عن الله أبشر فقد قربت أيام المصالحة ويا من دامت خسارته طول العام أبشر فقد جاءت أيام التجارة الرابحة من لم يربح في رمضان فمتى يربح؟! ومن لم يتب فيه إلى مولاه فهو على بعده لا يبرح! كم ينادى حي على الفلاح وأنت خاسر! وكم تدعى إلى الصلاح وأنت على الفساد مثابر! إذا رمضان أتى مقبلا فأقبل فبالخير يستقبل لعلك تخطئه قابلا وتأتي بعد فلا تقبل فمن يضمن أن يعيش إلى رمضان؟! كم من آمل أن يصوم هذا الدهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر كم من مستقبل يوما لا يستكمله! ومؤمل غدا لا يدركه! إنكم والله لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره لقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها السموات والأرض فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت واقتراب مواقيته وإني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي ولكني أستغفر الله وأتوب إليه فاللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا. إخوتي تالله لو قيل لأهل القبور تمنوا لتمنوا يوما من رمضان ونحن ما زلنا على قيد الحياة فالله الله اغتنموا هذه الفضيلة في هذه الأيام القليلة تعقبكم النعمة الجزيلة والدرجة الجليلة والراحة الطويلة والحالة الرضية والجنة السرية والعيشة الرضية لا تنال إلا بالوقار في هذا الشهر ومن لا يوقره كان مصيره إلى النار وبئس القرار. يا إخوتاه أيام رمضان أيام محو ذنوبكم فاستغيثوا إلى مولاكم من عيوبكم هذه أيام الإنابة فيها تفتح أبواب الإجابة فأين اللائذ بالجناب؟! وأين المتعرض بالباب؟! أين الباكي على ما جنى؟! أين المستغفر لأمر قد دنا؟! أين المعتذر مما جناه؛ فقد اطلع عليه مولاه؟! أين الباكي على تقصيره قبل تحسره في مصيره؟! يا مطرودا ما درى تعاتب ولا تفهم ما جرى؟! متى ترى على الباب ترى يا مضيعا اليوم تضييعه أمس تيقظ ويحك فقد قتلت النفس واحفظ بقية العمر فقد بعت الماضي بالبخس. يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه يا مؤثرا الهوى على التقى لقد ضاع حزمه يا معتقدا صحته فيما هو سقمه يا من كلما زاد عمره زاد إثمه يا طويل الأمل وقد رق عظمه يا لديغ الأمل وقد بالغ فيه سمه يا قليل العبر وقد رحل أبوه وأمه يا من سيجمعه اللحد عن قريب ويضمهكيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه؟! كيف يوقظ من نام قلبه لا عينه ولا جسمه؟! يا من قد سارت بالمعاصي أخباره يا من قد قبح إعلانه وإسراره أتؤثر الخسران قل لي وتختاره؟! يا كثير الذنوب وقد دنا إحضاره نقدك بهرج إذا حك معياره قد ضاعت في الذنوب الأعمار فأين يكون لهذا الغرس إثمار؟! من رحم في رمضان فهو المرحوم ومن حرم خيره فهو المحروم ومن لم يتزود لمعاده فهو ملوم فإلى متى أنت في ثياب البطر؟! أما تعلم مصير الصور؟! أما ينفعك ما ترى من العبر؟! أصم السمع أم غشي البصر؟! تالله إنك لعلى خطر آن الرحيل ودنا السفر وعند الممات يأتيك الخبر كلما خرجت من ذنوب دخلت في أخر يا قليل الصفا إلى كم هذا الكدر؟! أنت في رمضان كما كنت في صفر؟! يا من إذا تاب نقض يا من إذا عاهد غدر. يا من إذا قال كذب كم سترناك على معصية؟! وكم غطيناك على مخزية؟! فارجع إلى سيدك ومولاك فإن عطاياه مجزية. أخي يا بن الإسلام خذ عدتك والبس لأمتك وأصلح نيتك واشحذ عزيمتك وامض ولا تلتفت متوكلا على الله ربك هيا أخي خذ كتابي عملا وبادر به الأجل. دبر لدينك كما دبرت لدنياك لو دخلت في قدميك شوكة لسهرت تتألم شاكيا طالبا الطبيب وهذه أشواك المعاصي ملأت قلبك منذ سنين فأين صوت الأنين؟! وأين طلب المعين؟! ويحك ألا تتألم لقلبك كما تألمت لبدنك؟! قالوا إن السمكة إذا وقعت في شباك الصياد ظلت تبحث عن ثقب تهرب منه حتى إذا ما وجدته رجعت إلى الوراء ثم اندفعت بأقصى قوة لتنجو من ضيق الأسر إلى سعة الحرية فإن لم تعزم هذه العزمة شوتها النيران بعد ساعة وأنت أخي أحوج ما تكون إلى مثل هذه العزمة؛ فالشيطان ألقى عليك شباكه وأحكم وثاقه وخطة مكره هدفها في النهاية أن تكون رفيقه في رحلة العذاب الأبدي وأن تشترك معه في قيد واحد؛ وأنتما تشويان سويا في نار جهنم! فماذا أنت فاعل وكل شيء عليك؟! نفسك التي بين جنبيك دنياك التي تلهيك هواك الذي يريد أن يدمرك شهواتك المصممة على إهلاكك لكن حسبك أن الله معك؛ قد ضاعف لك الثواب وأغدق فرص الرضوان وسلسل جند الشيطان والدور عليك الآن. نعم أخي يا بن الإسلام الدور عليك؛ أن تجعل من رمضان محطة تزود للجنة دورك أخي أن تتسلح فيه بالطاقة وتتجهز بالعزم دورك أن تجعل منه وقفة حساب وصفحة مراجعة وخطة إصلاح ووثبة انطلاق. أخي يا بن الإسلام أيام رمضان أيام تصان هي كالتاج على رأس الزمان وصل توقيع القدم من الرحيم الرحمن شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن البقرة 185 يا له من وقت عظيم الشان تجب حراسته مما إذا حل شان كأنكم به قد رحل وبان ووجه الصالح مع الله ما بان فسوف يكون عليك شاهد شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فمن اللازم أن تحرس فيه العينان من الواجب أن يحفظ فيه اللسان من المتعين أن تمنع من الخطا في الخطأ القدمان؛ فإنه شهر عظيم الشان شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن .إخوتي زنوا أعمالكم في هذا الشهر بميزان واشتروا خلاصكم بما عز وهان فإن عجزتم فسلوا المعين وقد أعان إن كان في الماضي قد قبح الوصف فتب الآن شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن قد ذهبت السنة وضاعت البضاعة ما بين التفريط والإضاعة والتسويف يمحق ساعة بعد ساعة والشمس والقمر بحسبان شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن . يا واقفا في مقام التحير هل أنت على عزم التغير؟! إلى متى ترضى بالنزول في منزل الهوان؟! شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هل مضى من عمرك يوم صالح؟! سلمت فيه من جرائم القبائح تالله لقد سبق المتقي الرابح وأنت راض بالخسران! شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن . عينك مطلقة في الحرام ولسانك منبسط في الآثام ولأقدامك على الذنوب إقدام والكل مثبت في الديوان شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن قلبك غائب في صلواتك وفكرك غارق في شهواتك فإن ركن إليك راكن في معاملاتك دخلت به خان من خان شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن . يا هذا أكثر كلامك لهو وهذر والوقت بالتفريط شزر مزر فإن تغتب مسلما لم تبق ولم تذر الأمان منك الأمان ولو في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن . تالله لو عقلت حالك أو ذكرت ارتحالك أو تصورت أعمالك لبنيت بيت الأحزان واعتكفت في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن . أخي يا بن الإسلام سيشهد رمضان عليك بنطق لسانك ونظر عينيك وسيشار يوم الجمع إليك شقي فلان بن فلان؛ لأنه ضيع شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن . أخي في كل لحظة تقترب من قبرك فانظر لنفسك في تدبير أمرك وما أراك إلا في أول شهرك الأول والآخر سيان متى تصبح في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن . يا بن الإسلام أين حالك من قوم صاموا بالنهار بلا فتور نصبوا الأقدام في الديجور ببكاء مطرود مهجور فامتلأت بالخيرات يرجون تجارة لن تبور فاطر 29 رفضوا الدنيا شغلا عن الزينة وأذلوا أنفسهم فعادت مسكينة وعلموا الدنيا سفينة فتأهبوا للعبور يرجون تجارة لن تبور يؤثرون بالطعام ويؤثرون الصيام يؤملون فضل الإنعام فما كانت إلا أيام حتى اخضرت البذور يرجون تجارة لن تبور . العليل عليل والأنين طويل والعيون تسيل وما مضى إلا القليل حتى فرح الصبور يرجون تجارة لن تبور بخلوف عبد مسكين نالوا المقام الأمين وانشعب قلب الحزين بأكمل الحبور يرجون تجارة لن تبور سبحان من قضى لقوم سرورا وعلى آخرين ثبورا فما لهم من نور يرجون تجارة لن تبور . فطوبى لعبد صام نهاره وقام أسحاره يا حسنه ومصابيح النجوم تزهر والناس قد ناموا وهو في الخير يسهر غسل وجهه من ماء عينه وماء العين أطهر. يا رمضان بلغ ربنا عنا لأجل الله صلينا وجاهدنا وضحينا وجافينا فراش النوم والغفلات جافينا وأقبلنا على رضوانه نرجو كرامته حوالينا وأسرعنا إلى قرآنه شوقا وبالتقوى تداوينا إلى أنواره لذنا وفى محرابه ذبنا تناجينا فيا ضيفا أيا رمضان ودمع العين منهمر غزير مذ تلاقينا فكيف الحال حين تغيب يا ويلي إلى أين؟! إلى رب تغادرنا لتشهد أننا قوم تسامينا؟! أو الأخرى نسينا عهد مولانا على الدنيا تباكينا؟! فناشد ربنا عفوا يسر القلب والعين أليس العفو من سيماه؟! أليس هلاكنا لولاه؟! أليس يجيب من ناداه؟! يمد إلى العصاة يداه؟ لذا عدنا ولبينا. يا رب تم نورك فهديت فلك الحمد عظم حلمك فغفرت فلك الحمد بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد ربنا وجهك أكرم الوجوه وجاهك أعظم الجاه وعطيتك أفضل العطية وأهناها؛ تطاع ربنا فتشكر وتعصى فتغفر وتجيب المضطر وتكشف الضر وتشفي السقيم وتغفر الذنب وتقبل التوبة ولا يجزي بآلائك أحد ولا يبلغ مدحتك قول قائل. يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون ولا تغيره الحوادث ولا يخشى الدوائر ويعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد قطر الأمطار وعدد ورق الأشجار وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار ولا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا بحر ما في قعره ولا جبل ما في وعره اجعل خير أعمارنا أواخرها وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك فيه. اللهم لك الحمد أن أكرمتنا بهذا الضيف دون صالح عمل منا أو فضل ولك الحمد أن أذنت لنا بذكرك؛ بل أمرتنا به ولك الحمد أن سمحت لنا بسؤالك؛ بل أثبتنا عليه ولك الحمد أن أوجبت علينا شكرك لتهبنا المزيد وهل بعد هذا الكرم من كرم؟! ومن أحق بالرجاء منك؟! إلهنا لطفك في البدايات جعلنا نطمع في لطف النهايات وإحسانك إلينا قبل أن نطلب جعلنا نثق في أنك لن تخيب رجاء من يطلب وتبليغك إيانا هذا الشهر رغم تفريطنا في جنبك جعلنا نرجو ما لا نستحق من الكرامة لكن حسبنا أن حجتنا لديك حاجتنا وكنزنا عندك فاقتنا وسبيلنا إليك إنعامك وشفيعنا لديك إحسانك فيا من وثقت بعفوه زفرات المذنبين فما خذلها ويا من خرقت السبع الطباق دعوات التائبين فما ردها وقفت سائلا ببابك باكيا على أعتابك ورست سفينة نفسي على شاطئ كرمك ترجو الجواز إلى رحمتك ورضوانك فكيف تخذلني؟! اللهم لا تبعد من اقترب منك ولا تطرد من ابتعد عنك اللهم إني أعوذ بك من روغان القلوب وتبعات الذنوب ومرديات الأعمال ومضرات الأنفس اللهم إنك تعلم أنى ما كتبت من كلمة إلا أردت بها وجهك وما رسمت حرفا إلا ليخر على الورق إجلالا لعظمتك فتقبل حسناتي واغفر فجراتي ولا تؤاخذني على زلاتي واغفر لمن مرت عينه على كلماتي ولا تجعل حالي مع إخواني وأخواتي طبيبا يداوي والطبيب مريض! وهذا آخر ما أردت كتابته في هذه الرسالة وقد جاءت بحمد الله مهذبة المباني مشيدة المعاني محكمة الأحكام مستوفية الأنواع والأقسام تقر بها عين الودود وتكمد بها عين الحسود إن يحسدوني فإني غير لائمهم  قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهم  ومات أكثرنا غيظا بما يجد أنا الذي يجدوني في صدورهم  لا أرتقي صدرا منها ولا أرد

مقالات عشوائية