الأقوال الراجحة المتعقلة في أن ليلة القدر متنقلة
يتناقل الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي رسائل مفادها ترسيخ عقلية المسلم بأن ليلة 27 من رمضان هي ليلة القدر. ويحرص بعضهم على إقامة الدلائل والبراهين على ذلك.ويلاقي هذا القول فرحة عارمة عند كثير من الناس؛ فما أهون عليهم أن يحصروا همتهم وشرتهم في ليلة واحدة في العمر الرمضاني! ويخلدون إلى الراحة والدعة والعادة مغترين بليلة 27 أو ليلة 29 (ليلة الختم).وتنبيها على مغبة قصر الناس في عبادتهم على ليلة واحدة أو ليلتين وتثبيط عزائمهم وتوهين هممهم كتبت هذه الكلمات؛ ابتغاء لتصحيح المفاهيم المغلوطة ورأفة بحال الأمة المسلمة المغلوبة. أولاوردت أقوال كثيرة لأهل العلم في تحديد ليلة القدر أوصلها الحافظ ولي الدين العراقي إلى خمسة وعشرين قولا. وأوصلها الإمام ابن حجر إلى ستة وأربعين قولا. وأوصلها الإمام السيوطي إلى خمسين قولا. وأقرب الأقوال في ذلك أنها تنتقل في العشر الأواخر من رمضان وفيما يلي كلام بعض المحققين عن ذلك قال النووي (وهذا هو الظاهر المختار؛ لتعارض الأحاديث الصحيحة في ذلك ولا طريق إلى الجمع بين الأحاديث إلا بانتقالها).وقال ابن تيمية (وبعضهم يعين لها ليلة من العشر الأواخر. والصحيح أنها في العشر الأواخر تنتقل).وقال العراقي (وذهب جماعة من العلماء إلى أنها تنتقل؛ فتكون سنة في ليلة وسنة في ليلة أخرى وهكذا. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي قلابة وهو قول مالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وغيرهم وعزاه ابن عبد البر للشافعي ولا نعرفه عنه ولكن قال به من أصحابه المزني وابن خزيمة وهو المختار عند النووي وغيره واستحسنه الشيخ تقي الدين؛ للجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك؛ فإنها اختلفت اختلافا لا يمكن معه الجمع بينها إلا بذلك).وقال ابن حجر (وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب).وقال ابن باز (وهذا هو الصواب؛ أنها تنتقل في العشر).وهو ما رجحه ابن عثيمين.رحم الله الجميع.ثانياالأحاديث الصحيحة عن المبلغ عن الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم تباينت في تحديدها كثيرا؛ فمنها حديث أنها في العشر الأواخر. وحديث أنها في التسع الأواخر. وحديث أنها في السبع الأواخر. وحديث أنها في الوتر من العشر الأواخر. وحديث أنها في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى. وحديث أنها في تسع يمضين أو في سبع يبقين. وحديث أنها في التاسعة والسابعة والخامسة. وحديث أنها ليلة إحدى وعشرين. وحديث أنها ليلة ثنتين وعشرين. وحديث أنها ليلة ثلاث وعشرين. وحديث أنها ليلة أربع وعشرين. وحديث أنها ليلة سبع وعشرين. وحديث أنها آخر ليلة من رمضان.وهناك أحاديث مقاربة ومشابهة.كل هذه الروايات ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ولا ناسخ فيها ولا منسوخ؛ فبأيها نأخذ؟؟إن طريق الجمع بين هذه الأحاديث يقتضي العمل بجميعها وإعمال الكلام أولى من إهماله ولا مصير إلى ذلك إلا بالقول بتنقلها من سنة إلى أخرى؛ فكان أعدل الأقوال وأعقلها وأقربها أن ليلة القدر متنقلة لكنها لا تبرح العشر الأواخر من رمضان.وقد نقل إجماع الصحابة على هذا القدر وهو كونها في العشر الأواخر من رمضان؛ فقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ليلة القدر؟ فأجمعوا أنها في العشر الأواخر.... ثالثا مرجحات عدم تعيين ليلة القدر 1 الإشكال في مبدأ الشهر؛ ففي أحايين كثيرة يكون دخول شهر رمضان غير قطعي فرب ليال تعدها أوتارا هي في واقع الأمر شفعا ليست بوتر.2 الإشكال في منتهى الشهر؛ صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال التمسوها في العشر الأواخر من رمضان؛ يعني ليلة القدر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى. (رواه البخاري). ووجه الإشكال أنه إذا كان الشهر تاما فتكون في الأشفاع تاسعة تبقى ليلة 22 وإذا كان الشهر ناقصا فتكون في الأوتار تاسعة تبقى ليلة 21. 3 الإشكال في حديث أبي داود بسند حسن صحيح عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه قال كنت في مجلس بني سلمة وأنا أصغرهم فقالوا من يسأل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان؟ فخرجت فوافيت مع رسول الله صلاة المغرب ثم قمت بباب بيته فمر بي فقال ادخل فدخلت فأتي بعشائه فرآني أكف عنه من قلته فلما فرغ قال ناولني نعلي فقام وقمت معه فقال كأن لك حاجة قلت أجل؛ أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر فقال كم الليلة؟ فقلت اثنتان وعشرون قال هي الليلة ثم رجع فقال أو القابلة يريد ليلة ثلاث وعشرين. 4 ما سبب رفع تعيين ليلة القدر؟قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين (التلاحي المنازعة والمشاتمة) فقال النبي صلى الله عليه وسلم خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم؛ فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. (رواه البخاري).وورد سبب آخر في رفع تعيينها؛ قال أبو هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها فالتمسوها في العشر الغوابر. (رواه مسلم. والعشر الغوابر أي العشر البواقي).ويمكن الجمع بين الحديثين بأن يقال إن المعنى في سبب رفعها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمها فلما أيقظه بعض أهله فسمع تلاحي الرجلين فاشتغل بالحجز بينهما فنسيها.فيا لله كم حرمت هذه الأمة من الأجر والنصر والخير بسبب الشحناء والبغضاء والنزاع والشقاق! رابعا أرأيتم الحكمة من إخفاء ليلة القدر؟أخفيت ليلة القدر في ليالي رمضان وفي العشر الأواخر بالأخص؛ لتقام لياليه كلها وظل المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى توفاه الله يعتكف كل العشر الأواخر؛ طلبا لها ورفع العلم بها عنده صلى الله عليه وسلم وأخفي عنه علمها بسبب تلاحي رجلين.فهل من الخير لنا أن نعينها الآن؟!هل من الخير أن يصاب الناس بغرور الطاعة والاغترار بقيام ليلة واحدة؛ عوضا عن التحفز في اقتناصها كل ليالي العشر؟!أليس من الخير أن يوجه المسلمون إلى العيش في احتفاء مفعم بالعبودية لله عز وجل في العشر الأواخر كلها حتى إذا ما قصر أحدهم في ليلة ما تحسر على التفريط وسعى حثيثا إلى التدارك؛ ليستشعر برد اليقين.وما شغل المسلمون بتعيين ما لم يطلب منهم تعيينه إلا بقدر ما قصروا فيما هو واضح متعين عليهم.فيا سبحان الله !! يخفي الله عنهم ليلة القدر؛ ليجتهدوا وتزداد أجورهم ثم يطلبون تعيينها في ليلة محددة؛ ليقصروا بالاقتصار على قيامها!!أو يظنون استواء من اجتهد في العشر كلها بمن قام ليلة يظنها ليلة القدر ثم يفرط في سائر العشر؟!لا يستوون...رمضان كله كما قال الله أياما معدودات البقرة 184.وهذه العشر إنما هي ثلث الأيام المعدودات؛ فعجبا لمن يتطاولها ويتكاسل فيها ويستثقلها!! وخلاصة الرد العلمي على من يكد ويجد ويكدح ويصدح في تعيين ليلة القدرهو الرد الشرعي النبوي تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. متفق عليه.إذا كان الأمر كذلك فإن العبد المسدد لا يقصر نشاطه على الأوتار من العشر بل يجتهد في العشر كلها؛ مؤتسيا في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح وعباد الله الصالحين.وما عهدنا الصالحين إلا مشمرين محسنين؛ كانوا قليلا من الليل ما يهجعونوبالأسحار هم يستغفرون الذاريات 1718.اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا وارزقنا خيرها وبركتها واشغلنا بما يرضيك عنا وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
مقالات عشوائية