أحكام اللقطة في الإسلام
نتناول في هذا البحث الكلام عن اللقطة في مواضع في مفهومها وفي بيان أنواعها وفي بيان أحكام أخذها وفي بيان ما يصنع بها.المطلب الأول مفهوم اللقطةلغةالأصل اللغوي الثابت لجذر (ل ق ط) هو أخذ الشيء من الأرض يقال لقطه يلقطه لقطا أخذه من الأرض فهو ملقوط ولقيط1 واللقطة بتسكين القاف اسم الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه2.والالتقاط أن يعثر على الشيء من غير قصد وطلب3.شرعاأما اللقطة في الإصلاح وقد ردوها إلى المعنى اللغوي فقال فيها ابن أحمد الأنصاري الشافعي ما وجد من حق ضائع محترم لا يعرف الواجد مستحقه4.وعرفها محمد الخرشي المالكي اللقطة مال معصوم عرض للضياع5.ونقل عن السادة الحنفية أن اللقطة هي رفع شيء ضائع للحفظ على غير لا للتمليك6.وزاد ابن حجر العسقلاني التعريف على عادته وضوحا فقال اللقطة الشيء الذي يلتقط وأضاف وهو أن كل من يراها يميل لأخذها7.عماد التعريففعماد التعريف في اللقطة كل ضائع له قيمة في ذاته أو عند صاحبه يألفه شخص واجد له لا يعرف مالكه سواء كان هذا الضائع ضالة من البهائم أم لقيطا من الآدمي أم معصوما من الأموال فوجد في موضع مملوك أو غير مملوك بسقوط أو غفلة ونحوها لغير حربي وإن كانت لهذا الأخير فهي غنيمة تخمس وليس لقطة.وما خرج من هذا العماد فهو واضح.فخرج بغير مملوك ما وجد في أرض مملوكة؛ فإنه لمالك الأرض إن ادعاه فإن لم يدعه فحينئذ يكون لقطة.أما قولنا بسقوط أو غفلة ونحوها ما إذا ألقت الريح ثوبا في حجر أحدهم أو ألقى في حجره هارب كيسا ولم يعرفه فهو مال ضائع يحفظه ولا يتملكه.المطلب الثاني بيان أنواع اللقطةوفيما يخص أنواعها يمكن الإجمال أنها أربعة ما وجد بغير حرز من الأموال والنقدان الذهب والفضة والعروض.اللقيط وهو الحي المولود الذي طرحه أهله؛ خوفا من الإملاق أو فرارا من تهمة الريبة فواجده غانم؛ لما في إحرازه من إحياء النفس بدفع سبب الهلاك عنها؛ لقوله عز وجل ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا المائدة 32 لهذا كان رفعه من باب الوجوب؛ لما في تركه من ترك الترحم على الصغار؛ قال عليه الصلاة والسلام ت رى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى8.الأنعام من الإبل والبقر والغنم ويسمى هذا النوع بالضالة؛ فقد أخرج الإمام البخاري من طريق زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنه قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما يلتقطه فقال عرفها سنة ثم احفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها قال يا رسول الله فضالة الغنم؟ قال لك أو لأخيك أو للذئب قال ضالة الإبل؟ فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما لك ولها؟! معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر9.ما وجد في الطريق مما هو قابل للأكل و هو قسمانقسم خاص برسول الله يتركه مخافة أن يكون من الصدقة؛ فعن أنس رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق قال لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها10.قسم مجزوم بأكله لغير رسول الله فقد نقل ابن حجر العسقلاني عن ابن أبي شيبة من طريق ميمونة زوج رسول الله أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت لا يحب الله الفساد؛ تعني أنها لو تركت فلم تؤخذ فتؤكل فسدت11. المطلب الثالث بيان أحكام أخد اللقطةأما أخد اللقطة فيدور على أحكام قد يكون مندوب الأخذ وقد يكون مباح الأخذ وقد يكون حرام الأخذ.أما حالة الندب فهو أن يخاف الملتقط عليها الضيعة لو تركها فأخذها لصاحبها أفضل من تركها؛ لأنه إذا خاف عليها كان أخذها لصاحبها إحياء لمال المسلم؛ فكان مستحبا.وذهب الإمام السبكي والشافعية إلى أن الخوف على اللقطة من الضياع يوجب الأخذ وهي بذلك أمانة يجب فيها الامتثال لأمر الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء 58 وإن لم يخف يستحب.أما حالة الإباحة فهي ألا يخاف عليها الضيعة فيأخذها لصاحبها وهذا مذهب السادة الحنفية وإليه ذهب صاحب المبسوط بقوله والمذهب عند علمائنا رحمهم الله وعامة الفقهاء أن رفعها أفضل من تركها؛ لأنه لو تركها لم يأمن أن تصل إليها يد خائنة فيكتمها عن مالكها12.وحالة الحرمة هو أن يضمها لنفسه؛ لأجل نفسه لا لأجل صاحبها بالرد عليه فقد أخرج الإمام مسلم من طريق زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها13.وقد أجمع علماء الأمة قاطبة على أن اللقيط الطفل المفقود أخذه فرض كفاية ويترتب على قاذفه الحد وأن حريته ثابتة من حيث الظاهر وينفق عليه من باب سد الرمق والشيعة الزيدية مقرون بذلك أيضا14. المطلب الرابع بيان ما يصنع باللقطةأما بيان ما يصنع بها فالكلام في ثلاثة مواضع الأول في التعريف بها والثاني في مدة التعريف والثالث في بيان مكان التعريف.الموضع الأول التعريف باللقطةفقد أخرج الإمام البخاري رحمه الله تعالى من طريق زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فزعم أنه قال اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة 15.وفي رواية أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها فإن جاء ربها فأدها إليه16.فالحديثان دليلان على وجوب التعريف باللقطة بصفاتها وجنسها وقدرها؛ لذلك أجاب عليه السلام السائل بقوله اعرف عفاصها ووكاءها.والعفاص بكسر العين هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدا كان أو غيره.والوكاء بكسر الواو هو الخيط الذي يشد به الوعاء التي تكون فيه النفقة17.وقد ذكر الإمام النووي أن الواجب على الملتقط أن يعرف علامات لقطته؛ حتى يعرف صدق واصفها إذا وصفها من كذبه ولئلا يختلط بماله ويشتبه18.الموضع الثاني مدة التعريففقوله صلى الله عليه وسلم ثم عرفها سنة ظاهره وجوب التعريف وظاهره أيضا التعريف ظرف سنة وبه قال الجمهور19.ووقع في رواية عند الإمام البخاري من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه بلفظ أخذت صرة مائة دينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال عرفها حولا فعرفتها حولا فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال عرفها حولا فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثلاثا فقال احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت فلقيته بعد بمكة فقال لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا20 وذكر الإمام الحديث في موضع من صحيحه فزاد ثم أتيته الرابعة فقال اعرف عدتها ووكاءها ووعاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها21.والجمع بين حديث أبي وحديث زيد بن خالد الجهني المذكور فيه سنة فقط أن حديث أبي محمول على الورع والمبالغة في التعفف عن اللقطة وحديث زيد على ما لا بد منه ويحتمل أن يكون عليه السلام عرف أن تعريفها لم يقع على الوجه المطلوب الذي ينبغي فأمر ثانيا بإعادة التعريف ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها22.أما قوله فاستمتع بها فعن أبي حنيفة قال إن كان غنيا تصدق بها وإن جاء صاحبها تخير بين إمضاء الصدقة أو تغريمه23.أما الضوال والهوافي من الحيوان فقد سئل عليه السلام عن ضالة الغنم قال لك أو لأخيك أو للذئب قال وضالة الإبل؟ فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما لك ولها؟ معها حذاؤها خفها وسقاؤها جوفها ترد الماء وتأكل الشجر24.قال الإمام ابن حجر كأنه أفرد الغنم بترجمة؛ ليشير إلى افتراق حكمها عن الإبل وقد انفرد مالك بتجويز أخذ الشاة وعدم تعريفها متمسكا بقوله لك وأجيب بأن اللام ليست للتمليك كما أنه قال أو للذئب والذئب لا يملك باتفاق وقد أجمعوا على أن مالكها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لأخذها منه أما حكمة النهي عن التقاط الإبل أن بقاءها حيث ضلت أقرب إلى وجدان مالكها لها من تطلبه لها في رحال الناس25.ففي الحديث أشار عليه السلام إلى عدم التقاط الإبل؛ لما ركب في طباعها من جلد وصبر على العطش والمأكول؛ لذا غضب عليه السلام واحمر وجهه لما سئل عن الإبل فزاد في رواية أخرى دعها حتى يجدها ربها.الموضع الثالث مكان التعريفوالتعريف بها يكون في مجمع الناس ومحافلهم كالأسواق وأبواب المساجد؛ لأن التعريف في هذه الأماكن أسرع إلى تشهير الخبر وإذاعته ثم يقول (من ضاعت له نفقة) ونحو ذلك من العبارات ولا يذكر شيئا من الصفات.وبعد التعريف بها إن جاء صاحبها وأقام البينة أنها ملكه أخذها.وعند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في المال يعرفه سنة ثم يأكله إن شاء فإن جاء صاحبه غرمه له وقال يعرفها سنة ثم يأكلها موسرا كان أو معسرا إن شاء إلا أني لا أرى له أن يخلطها بماله ولا يأكلها حتى يشهد على عددها ووزنها وظرفها وعفاصها ووكائها فمتى جاء صاحبها غرمها له وإن مات كانت دينا عليه في ماله ولا يكون عليه في الشاة يجدها بالمهلكة تعريف إن أحب أن يأكلها فهي له ومتى لقي صاحبها غرمها له وليس ذلك له في ضالة الإبل ولا البقر؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما26.إذا عرفها حولا ولم يحضر صاحبها كان له أن ينتفع بها وإن كان غنيا وتكون قرضا عليه.وفي الختامتجدر الإشارة إلى أن لقطة الحرم المكي تعرف أبدا ولا ينتفع بها؛ لما روي من طريق ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تلتقط لقطتها أي مكة إلا لمعرف وفي رواية لا تحل لقطتها إلا لمنشد27؛ أي لا يلتقطها إلا من أراد التعريف بها فالنهي عن الالتقاط للتملك لا للحفظ.وقال أكثر المالكية هي كغيرها من البلاد وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف28. الكاتب د. عبد الحكيم درقاويـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1 محمد بن محمد بن عبدالرزاق الحسيني تاج العروس من جواهر القاموس مادة لقط.2 محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري لسان العرب مادة لقط دار صادر بيروت الطبعة الأولى 7 392.3 أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري النهاية في غريب الحديث والأثر المكتبة العلمية بيروت 1979م 4 534.4 أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري الشافعي شرح البهجة الوردية 12 439.5 محمد الخرشي المالكي شرح مختصر خليل 21107.6 رد المحتار 16 401.7 ابن حجر أحمد العسقلاني فتح الباري 7318.8 صحيح الإمام البخاري كتاب الأدب باب رحمة الناس والبهائم رقم الحديث 1083 المكتبة العصرية صيدا بيروت 2003م.9 صحيح الإمام البخاري كتاب اللقطة باب ضالة الإبل رقم الحديث 2427.10 صحيح الإمام البخاري كتاب اللقطة باب إذا وجد تمرة في الطريق رقم الحديث 2431.11 ابن حجر أحمد العسقلاني فتح الباري 7328.12 سليمان بن عمر بن محمد البجيرمي الشافعي حاشية البجيرمي على المنهج 10408 شمس الدين السرخسي محمد بن أحمد بن سهل, المبسوط في شرح الكافي 1322.13 صحيح الإمام مسلم كتاب اللقطة باب في لقطة الحاج رقم الحديث 2253.14 أحمد قاسم الصنعاني الزيدية البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار مكتبة اليمن 12114.15 صحيح الإمام البخاري كتاب اللقطة باب ضالة الغنم رقم الحديث 2428.16 صحيح الإمام مسلم كتاب اللقطة رقم الحديث 3248.17 العلامة محمد بن علي الشوكاني نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار المكتبة العصرية صيدا بيروت2000 4156.18 محيي الدين أبو زكرياء النووي شرح النووي على مسلم 6156.19 نيل الأوطار 4157.20 صحيح الإمام البخاري كتاب اللقطة باب وإذا أخبره رب اللقطة بالعلامة دفع إليه رقم الحديث 2426.21 صحيح الإمام البخاري كتاب اللقطة باب هل يأخذ اللقطة ولا يدعها تضيع رقم الحديث 2438.22 نيل الأوطار 4 157 158.23 فتح الباري 8322.24 سبق تخريجه.25 فتح الباري 8321.26 أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي الأم 468.27 صحيح الإمام البخاري كتاب اللقطةباب كيف تعرف لقطة أهل مكة رقم الحديث2434.28 الفتح 83322.
مقالات عشوائية