خوف الصحابة رضي الله عنهم -1
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين....أما بعدفمن أسماء الله الحسنى العزيز الجبار المتكبر القهار القوى المتين؛ قال سبحانه وتعالى هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون الحشر 23 فالله جل وعلا له عز القوة والامتناع والقهر والغلبة لجميع الكائنات.وقال عز وجل وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير الأنعام 18 فهو جل وعلا قد ذلت له جميع المخلوقات وقال جل جلاله إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذاريات 58 فهو سبحانه وتعالى شديد القوة الذي لا يعجزه شيء ولا يغلبه غالب.ولإيمان المسلم بهذا الأسماء آثار عظيمة وثمار مباركة كثيرة؛ منها استشعار الخوف الشديد من الله سبحانه وتعالى والخوف من الله جل جلاله عبادة عظيمة بتكميلها يكمل توحيد العبد وبنقصها يكون النقص لكمال توحيده وقد أمر الله بالخوف منه وخشيته في مواضع كثيرة من كتابه الكريم؛ قال الله جل وعلا وإياي فارهبون البقرة 40؛ أي فاخشوني وقال سبحانه وتعالى فلا تخشوا الناس واخشون المائدة 44.وهناك فروق بين الخشية والخوف ذكرها أهل العلم؛ منهاأن الخشية تكون عن علم والخوف قد يكون عن علم وقد يكون بدون علم ومنها أن الخشية تكون لعظمة المخشي أما الخوف فقد يكون لضعف الخائف وإن لم يكن المخوف قويا. وقد ورد عن السلف رحمهم الله أقوال تبين أهمية هذه العبادة في حياة المسلم منها ما فارق الخوف قلبا إلا خرب. الخائف هارب من ربه إلى ربه. لا يمحو الشهوات إلا خوف مزعج أو شوق مقلق. التقوى تتولد من الخوف. أصل كل خير الخوف من الله. إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها. صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا. إن من خاف الله خاف منه كل شيء ومن لم يخف الله خاف من كل شيء.والخوف من الله جل جلاله من لوازم الإيمان؛ قال عز وجل فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين آل عمران 175 قال العلامة السعدي رحمه الله وعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله؛ قال العلامة ابن القيم رحمه الله الخوف علامة صحة الإيمان وترحله من القلب علامة ترحل الإيمان منه.ومن بكى من خشية الله لم يلج النار ولم تمس النار عينيه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله...) ؛ أخرجه الترمذي وقال علية الصلاة والسلام عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله ؛ أخرجه الترمذي.ومن خاف الله بادر إلى عمل الطاعات واجتناب المنكرات؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية إلا إن سلعة الله الجنة أخرجه الترمذي.ومن خاف الله فرج الله له وأخرجه من الضائقات ونجاه من الكروب فالثلاثة الذين انطبق عليهم الغار ولم يستطيعوا الخروج منه قال بعضهم لبعض لن ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فأحدهم ذكر أنه راود ابنة عم له عن نفسها بمائة دينار فأبت ثم إنها ألمت بها لائمة فجاءت إليها ومكنته من نفسها فلما قعد بين رجليها قالت له اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه قال فقمت عنها وتركت لها المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا.والعلماء هم أخشى الناس لله جل جلاله؛ لأنهم أعلم وأعرف الناس بالله؛ قال سبحانه وتعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر 28 قال الحافظ ابن رجب رحمه الله من كان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم كان له أخشى وأتقى وإنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله.والملائكة الذين هم في غاية الطاعة لله عز وجل قولا وفعلا مشفقون من خشية الله جل جلاله؛ قال سبحانه وتعالى عنهم وهم من خشيته مشفقون الأنبياء 28 وكثير من المسلمين يرتكبون المعاصي ولا يحرك ذلك في قلوب بعضهم ساكنا فتراهم لا يخافون من تلك المعاصي ولا من آثارها وتبعاتها في الدنيا والآخرة مع أن الواجب على المؤمن أن يخاف من ذنوبه ويرى أنها عظيمة كأنها جبل فوقه سيسقط عليه؛ كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله قوله (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن تقع عليه) قال ابن أبي جمرة السبب في ذلك أن قلب المؤمن منور فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه والحكمة في التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه في العادة وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان فلا يأمن العقوبة بسببها وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله الصالح ويخشى من صغير عمله السيئ قوله (وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب)؛ أي ذنبه سهل عنده لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر كما ضرر الذباب عنده سهل وكذا دفعه عنه قال المحب الطبري إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة والفاجر قليل المعرفة بالله فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية وقال ابن أبي جمرة السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم فوقوع الذنب عنده خفيف عنده ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وعظ يقول هذا سهل وقال ويستفاد من الحديث أن قلة خوف المؤمن ذنوبه وخفته عليه يدل على فجورهوالذي ينبغي على المؤمن أن يخاف ذنوبه ويبكي عليها عن عقبة الجهني رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال (أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك)أخرجه الترمذيوعن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله قول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة المؤمنون 60 أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال (لا يا بنت الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منهأخرجه الترمذي قال الحسن رحمه الله عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم.وهذا هو حال الصحابة رضي الله عنهم لهم اجتهاد في العبادة والطاعة ومع ذلك يخافون ولا تغرهم تلك الطاعات والعبادات ولهم مواقف تبين شدة خوفهم؛ منهاخوفهم النفاق على أنفسهمفعن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل؛ أخرجه البخاري قال الحافظ ابن حجر رحمه الله والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلهم عائشة وأختها أسماء وأم سلمة والعبادلة الأربعة وأبو هريرة... وقد جزم بأنهم يخافون النفاق في الأعمال وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعهم منهم بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى رضي الله عنهم. وأمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخاف النفاق على نفسه وكان يسأل حذيفة رضي الله عنه هل ذكره رسوله صلى الله عليه وسلم وعده من المنافقين؟ وكان حذيفة يجيبه بالنفي.خوفهم رضي الله عنهم من الفتنعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما فقلت طوبى لك! صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة فقال يا بن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده؛ أخرجه البخاري.قال الحافظ ابن حجر رحمه الله قوله (إنك لا تدري ما أحدثنا بعده) يشير إلى موقع لهم من الحروب وغيرها فخاف غائلة ذلك وذلك من كمال فضله.قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله هذا من خوف الصحابة رضي الله عنهم من الذنوب والفتن التي حصلت في أواخر عهد الصحابة.خوفهم رضي الله عنهم أيهم يكون الناجي من بعث النارعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (يقول الله عز وجل يوم القيامة يا آدم يقول لبيك ربنا وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار قال يا رب وما بعث النار؟ قال من كل ألف أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة) فكبرنا ثم قال (ثلث أهل الجنة) فكبرنا ثم قال (شطر أهل الجنة) فكبرنا ؛ أخرجه البخاري ومسلم قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله ومن فوائد الحديث شدة مخافة الصحابة رضي الله عنهم من الله؛ لأنه لما ذكر بعث النار وقال (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) يعني وواحد في الجنة شق ذلك عليهم حتى تغيرت وجوههم وفي رواية أخرى قالوا يا رسول الله أينا ذلك الواحد؟ يعني الذي ينجو ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن منا واحدا ومن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين.شدة خوف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهعن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب ثكلت أم عمر! نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك قال عمر فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فقلت لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) ثم قرأ إنا فتحنا لك فتحنا مبينا؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في الحديث دليل على فوائد؛ منها شدة خوف عمر رضي الله عنه وكان عمر رضي الله عنه على شدته من أخوف الناس من عذاب الله حتى إنه أحيانا يمرض إذا قرأ بعض الآيات التي فيها التخويف ويعاد ويبقى أسبوعا مريضا من شدة ما سمع رضي الله عنه ولذلك هرب من عند النبي علية الصلاة والسلام وتقدم خوفا من أن ينزل فيه قرآن وهذا لشدة ما وجد في نفسه.وقد قال لابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنهما أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت نعم قال قد خبت وخسرت أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكي؟ قال العلامة محمد العثيمين رحمه الله وفيه شدة خوف عمر رضي الله عنه من الله سبحانه وتعالى؛ حيث قال أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم؟خوف الصحابي ثابت بن قيس رضي الله عنه أن يكون حبط عملهعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الحجرات 2 إلى قوله وأنتم لا تشعرون الحجرات 2 وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا من أهل النار وجلس في بيته حزينا فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له تفقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ فقال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر بالقول حبط عملي وأنا من أهل النار فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال فقال (لا بل هو من أهل الجنة)؛ متفق عليهقال العلامة العثيمين رحمه الله في هذا دليل على أن الخوف قد تكون عاقبته خيرا فهذا الرجل خاف أن يكون من أهل النار؛ لأنه كان جهوري الصوت وكان أحد خطباء النبي صلى الله عليه وسلم, وكان فصيحا بليغا رضي الله عنه فلما نزلت هذه الآية فلشدة خوفه من الله عز وجل احتبس في بيته يبكي حتى كان لا يحضر مجالس النبي صلى الله عليه وسلم ففقده النبي علية الصلاة والسلام وسأل عنه فقال رجل أنا أخبرك خبره فذهب إليه فقال ما الذي حبسك؟ قال (شر) يعني بحسب ظنه لا بحسب الواقع, وهو أنه كان يرفع صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم فخاف أن يحبط عمله وهو لا يشعر هكذا قال الرجل فأخبر الرجل النبي صلى الله عليه وسم بذلك ولكنه بشره هذه البشارة العظيمة قال له (إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة) وقال في رواية (أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة) وقتل رضي الله عنه شهيدا في غزوة اليمامة.
مقالات عشوائية