أخذ الميثاق ورفع الطور
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهـد أن محمدا عبده ورسوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون آل عمران102 يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا النساء1 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما الأحزاب 7071.أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. أيها الناس أمتنا أشبه الأمم ببني إسرائيل وأقربها إليها وأكثرها تقليدا لها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟! رواه الشيخان. وأمة بني إسرائيل امتن الله تعالى عليها بالكتاب والتفضيل فهي أفضل من الأمم التي كانت قبلها وكان من الواجب عليهم إزاء هذا التفضيل أن يأخذوا كتابهم بقوة وأن يلتزموا أحكام دينهم ولا يفرطوا في شيء منه ولكنهم لم يفعلوا ذلك فقص الله تعالى علينا أخبارهم في القرآن لنحذر من طريقتهم ونجتنب ما وقعوا هم فيه.وقد كرر في القرآن كثيرا ذكر أخذ الميثاق على بني إسرائيل وإيتائهم الكتاب ولكنهم خالفوا الكتاب ونقضوا الميثاق وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون البقرة 63. والميثاق هو العهد الثقيل المؤكد؛ وسمي بذلك من الوثاق. وهو الحبل الذي يشد به المأسور. وهذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به استعصوا؛ فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة والعهود الموثقة. ومع ذلك لم يمتثلوا بل أعرضوا وتولوا كما خاطبهم الله تعالى بقوله ثم توليتم من بعد ذلك البقرة 64.وفي آية أخرى جاهروا بعصيانهم وإعراضهم عما أنزل الله تعالى عليهم وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا البقرة 93. وبين الله تعالى حقيقتهم في آية أخرى من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين النساء 46.والعجب من بني إسرائيل أن الله تعالى لما أخذ عليهم الميثاق بأن يتبعوا ما جاءهم به موسى عليه السلام؛ أراهم الله تعالى آية بينة تدل على قدرته سبحانه وعلى صدق موسى عليه السلام ولكنهم لم يأبهوا بها ونقضوا ميثاقهم وأعرضوا عن كتابهم وأعنتوا نبيهم ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا النساء 153 154. والطور جبل معين في سيناء ذكره الله تعالى في عدة آيات وهو الذي أقسم الله تعالى به في قوله سبحانه والتين والزيتون وطور سينين التين 12. وذلك أن الله تعالى قلع جبل الطور وجعله فوقهم يخافون سقوطه عليهم وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون الأعراف 171. وهذه آية أظهرها الله تعالى لهم تخويفا لهم لتكون مذكرة لهم فيعقب ذلك أخذ العهد عليهم بعزيمة العمل بالتوراة فكان رفع الطور معجزة لموسى عليه السلام؛ تصديقا له فيما سيبلغهم عن الله من أخذ أحكام التوراة بعزيمة ومداومة. ولكن بني إسرائيل نقضوا عهدهم مع الله تعالى وكذبوا رسلهم وحرفوا كتبهم وأعرضوا عن دينهم فحقت عليهم لعنة الله تعالى وغضبه وطبع على قلوبهم فهم بعيدون عن الإيمان والاهتداء فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به المائدة 13 وفي آية أخرى فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا النساء 155. وما حربهم لأهل الإيمان في القديم والحديث إلا أثر من آثار نقضهم ميثاقهم وإعراضهم عن دينهم.وقد جاء ذكر بعض الشرائع التي أخذ الله تعالى عليهم الميثاق ليقوموا بها فضيعوها؛ وذلك في قول الله تعالى وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة البقرة 83. وهذه الشرائع التي أخذ الميثاق على بني إسرائيل للقيام بها هي من أصول الدين التي أمر الله تعالى بها في كل شريعة؛ لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان ومكان فلا يدخلها نسخ؛ ولهذا أمرنا بها في شريعة الإسلام كما أمر بها بنو إسرائيل وأمر بها من كانوا قبلهم من الأمم.وأخذ الله تعالى على بني إسرائيل الميثاق ببيان ما تضمنه الكتاب المنزل عليهم وهو التوراة وما جاء فيه من البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن لا يكتموا شيئا من كتابهم ولا يخفوه وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه آل عمران 187. وذلك أن الكتاب كتاب الله تعالى والدين دينه والشرع شرعه والرسل رسله؛ فوجب الأخذ بما جاءوا به وتبليغه ولكن ماذا فعلت بنو إسرائيل بهذا العهد؟! قال الله تعالى مخبرا عنهم فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون آل عمران 187.ووعد الله تعالى بني إسرائيل بالجزاء الأوفى إن هم وفوا بميثاقهم وأخذوا بما في كتابهم والتزموا بدينهم وعدهم في الدنيا بالخيرات والبركات وفي الآخرة بتكفير السيئات ودخول الجنات ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل المائدة 12. فنقضوا العهد والميثاق وأعرضوا عما في الكتاب ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون المائدة 65 66.نعوذ بالله تعالى من حالهم ومآلهم ونعتصم به سبحانه أن نسلك مسلكهم ونسأله سبحانه الثبات على الدين الحق إلى الممات.وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...الخطبة الثانية الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله وأطيعوه واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون البقرة 123.أيها المسلمون ذكر أخذ الميثاق على بني إسرائيل بكثافة في القرآن الكريم وفي عدد من السور وبين الله تعالى لنا مواقفهم المخزية مع موسى عليه السلام ومع أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى ومع خاتم النبيين والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ كذبوا به وعاندوه وحاربوه رغم معرفتهم له وتبشير كتبهم به ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون البقرة 101 ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين البقرة 89 90. وهذا التكثيف القرآني في بيان حقيقتهم له فائدتان مهمتانأولاهما بيان أنهم أعداء لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولدينه ولكتابه ولأتباعه وأن عداوتهم لنا لا تنفك عنهم أبدا كما هو صريح القرآن وكما دل عليه التاريخ وواقع الحال بل هم أعداء لأنبيائهم ولو زعموا اتباعهم.والفائدة الثانية أن نحذر من سلوك مسلكهم في نقض ميثاقنا مع ربنا سبحانه وأن نلزم ديننا ونأخذ بكتابنا ونعمل بشرائعنا لا ندخل فيها شيئا ليس منها ولا نبخس ما هو منها. وأن لا نشتري بعهد الله تعالى وأيماننا ثمنا قليلا؛ فنسطوا على الشريعة بالتدوير والتحوير والمحو والإضافة والتبديل كما كانت بنو إسرائيل تصنع.ومن تدبر آيات ميثاق بني إسرائيل ونقضهم له وشراؤهم دنياهم بدينهم ونظر إلى تاريخهم وحالهم؛ علم لم كان هذا التكثيف القرآني في ذكر حال بني إسرائيل مع ميثاقهم وردعته الآيات عن سلوك هذا المسلك الخطير المنذر بالشر الوبيل ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون النحل 95.وصلوا وسلموا على نبيكم...
مقالات عشوائية