فن تحديد الأهداف وتحقيقها
إذا كنا سنختار شيئا واحدا فقط نعده أهم أسباب النجاح فلا شك عندي أنه تحديد أهداف ذات قيمة ومعرفة السبل الموصلة إليها وهذا ما أثبتته دراسات عدة في هذا المجال؛ فقد تبين أن الناجحين في تحقيق ما يصبون إليه عندهم تعلق شديد بهدف معين وقد لوحظ أنه بمجرد تبين الهدف واتضاحه فإن إمكانات المرء تتضاعف ويزداد نشاطه ويتيقظ عقله وتتحرك دوافعه وتتولد لديه الأفكار التي تخدم غرضه.في منتصف القرن الماضي أخذ فريق للأبحاث السلوكية من كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد عينة عشوائية عددها مائة من طلاب السنة النهائية وسألوهم ماذا يريد كل واحد منهم أن يكون بعد عشر سنوات من تخرجه فأجابوا جميعا إنهم يريدون أن يكونوا قوى مؤثرة في دنيا المال والأعمال.ولاحظ الباحثون أن عشرة طلاب فقط من المائة وضعوا أهدافا محددة مفصلة مكتوبة ووضعوا خططا لتحقيقها.وبعد مرور عشر سنوات قام فريق الأبحاث نفسه بزيارات متابعة لكامل أفراد العينة فوجدوا أن ما يملكه هؤلاء الأشخاص العشرة الذي حددوا أهدافهم كتابة يعادل 96 من إجمالي الثروة التي يملكها الآخرون1.إن الأهداف الواضحة تتيح للفرد أن يتجاوز العقبات والعراقيل وينجز في وقت قصير أضعاف ما ينجزه غيره في وقت أطول؛ ذلك أن المرء بلا هدف إنسان ضائع فهل نتصور قائد طائرة يقلع وليس عنده مكان يريد الوصول إليه ولا خارطة توصله إلى ذلك المكان؟ أين ينتهي به الطيران؟ ربما ينفد وقوده وتهوي طائرته وهو يفكر إلى أين سيذهب وأين المخطط الذي يوصله إلى وجهته!يقول أحد كبار رجال الأعمال إن التركيز الشديد على هدف معين هو العامل الحاسم في النجاح سواء في أمور المال أم في سواه ويضيف قائلا هناك شرطان للنجاح المتألق أن تحدد لنفسك ما تريده بالضبط وأن تعلم الثمن الذي يجب دفعه وتكون مستعدا لدفعه.أغلب الناس يتركون حياتهم تنساق بلا هدف؛ لذلك لا يحققون نجاحا ذا بال والذين يعرفون قيمة تحدي الأهداف تعلموا ذلك؛ إما من أسرهم وإما صادفوا مربيا فاضلا أو أستاذا يدرك قيمة ذلك ففتح عيونهم عليه والمؤسف أن هذا الأمر لا يعلم في المدارس أو الجامعات؛ فقد يمتد تعليم المرء إلى ما يزيد على 16 عاما دون أن يتلقى فيها ساعة واحدة مخصصة للحديث عن (وضع الأهداف وسبل تحقيقها).ويمكن تدريب الصغار على (فن تحديد الأهداف) في سن مبكرة فيضع الوالدان لهم أهدافا سهلة من واقعهم ويشجعانهم على تحقيقها؛ كالاستيقاظ في ساعة معينة أو حفظ بعض السور من القرآن الكريم أو عدد من الأحاديث النبوية الشريفة أو حفظ بعض القصائد أو قراءة بعض الكتب أو إتقان بعض أنواع الرياضة المفيدة؛ كالسباحة والجري وما إلى ذلك.ولعل من أسباب الإعراض عن تحديد الأهداف بعد الجهل بأهميتها الخوف من عدم احترام الآخرين لأهدافنا ونقدهم لها وهنا يمكننا أن نأخذ بالحكمة القائلة استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان فلا نحدث عن أهدافنا إلا من يدرك قيمتها ويشجعنا على المضي قدما في سبيل تحقيقها.ومن أسباب الإعراض عن تحديد الأهداف أيضا خوف الإخفاق.إن أكثر الناس لا يدركون أهمية الإخفاق في التمهيد للنجاح إن النجاح الكبير يسبقه في الغالب إخفاق كبير وقد قام الباحث (نابليون هل) بمقابلة أكثر من 500 شخص حققوا درجات عالية من النجاح فوجدهم جميعا بلا استثناء قد حققوا النجاح بعد مواجهة الإخفاق ولكنهم قرروا أن يمشوا خطوة أخرى بعد الإخفاق فنالوا ما يريدون.إن أعظم مخترع في العصر الحديث توماس إديسون أخفق عشرة آلاف مرة في تجاربه على المصباح الكهربائي قبل أن ينجح في اختراعه! سأله أحد الصحفيين قائلا يا سيد إديسون لقد أخفقت حتى الآن خمسة آلاف مرة في اختراع المصباح الكهربائي فلماذا تصر على المضي قدما في تجاربك؟ فأجابه لقد أخطأت أيها الشاب لقد نجحت في اكتشاف خمسة آلاف طريقة لا توصلني إلى ما أريد!.أغلب الناس يفضلون البقاء في (منطقة الأمان) ومن أجل ذلك يقبلون وضعهم الحالي ولا يفكرون بالتغيير بينما أغلب الذين يحققون نجاحا ذا بال يخرجون من هذه المنطقة ويقبلون بحد معقول من المجازفة إن التغيير أمر لا مفر منه لكن أكثر الناس يخافون منه وفي الوقت نفسه يتمنون أن يتحقق لهم ما يريدون والحكمة تقتضي منا أن نقبل بالتغيير ما دام أمرا لازما وأن نجعله تحت سيطرتنا قدر المستطاع ولأجل ذلك يجب أن تكون عندنا أهداف واضحة.هناك أمور ثلاثة لها أهمية خاصة فيما يتصل بموضوع الأهدافالأول ما يعرف بـ (منطقة التفوق)لكل إنسان ناحية معينة يستطيع أن يتفوق فيها وواجبه نحو نفسه أن يكتشف هذه الناحية ويستغلها أحسن استغلال.من المؤسف أن ترى أناسا يمضون شطرا كبيرا من حياتهم وهم في مجال متواضع قانعون بالدونية لا يبذلون جهدهم للرقي والتقدم إن الذي يسعى للتفوق في المجال الصحيح الذي يناسبه لا يتفوق فحسب بل إن طاقته الإنتاجية وصحته النفسية تتحسنان أيضا لكن من ينظر في المرآة فيرى أمامه شخصا عاديا في كل شيء ليست له أدنى مزية كيف يشعر بتقدير ذاته؟ إنني ما لم أعلم أن هناك مجالا واحدا على الأقل أستطيع التفوق فيه فلا يمكن أن أحترم نفسي وأعطيها حقها اللازم من التقدير.الثاني ما يسمى بـ (حقل الألماس)سبب هذه التسمية قصة مشهورة عن مزارع إفريقي عادي عمل في مزرعته إلى أن تقدم به العمر وذات يوم سمع هذا المزارع أن بعض الناس يسافرون بحثا عن الألماس والذي يجده منهم يصبح غنيا جدا؛ فتحمس للفكرة وباع حقله وانطلق باحثا عن الألماس.ظل الرجل ثلاثة عشر عاما يبحث حتى أدركه اليأس ولم يحقق حلمه فألقى نفسه في البحر ليكون طعاما للأسماك غير أن المزارع الجديد الذي كان قد اشترى حقل صاحبنا بينما كان يعمل في الحقل وجد شيئا يلمع ولما التقطه وجده قطعة صغيرة من الألماس فتحمس وبدأ يحفر وينقب بجد واجتهاد فوجد ثانية وثالثة! يا للمفاجأة فقد كان تحت حقله منجم ألماس!إن العجوز بحث عن الألماس في كل مكان ولم يبحث في حقله ولعله وجد ألماسة فلم يلق لها بالا؛ لأن الألماسة لا تصبح جميلة إلا بعد القطع والتشكيل والصقل ومغزى القصة أن سر التفوق قد يكون أقرب إلى أحدنا من موضع قدميه لكننا لا ننتبه إليه ثم إن الموهبة كقطعة الألماس لا تخلب النظر إلا بعد القطع والصقل؛ لذا فحينما يريد المرء وضع أهداف له كي يسعى إلى تحقيقها عليه أن ينظر فيما عنده ولا يرحل إلى آخر الدنيا بحثا عن هدف جدير بالتحقيق.الثالث توازن الأهداف اللازم لتوازن الشخصيةلكي يكون هناك توازن في الأهداف ناجم عن شخصية متوازنة يحتاج المرء إلى أن يكون له هدف واحد على الأقل يندرج تحت كل من اللياقات الست فإذا حققه انتقل إلى سواه.ومن المهم ألا تكون الأهداف متناقضة فلا يجوز مثلا أن يكون هدفي قضاء نصف وقتي في التسلية واللعب والتفوق في العمل في الوقت نفسه كذلك يجب أن تكون أهدافنا قابلة للتحقيق؛ فلا نضع هدفا خياليا مستحيل التحقيق نقضي العمر في الجري وراءه ولا ندركه.وفيما يلي عدد من الأسئلة تساعد المرء على تحديد أهدافه اذكر خمسة أشياء تعدها أهم ما تريد الحصول عليه وتكون مستعدا للبذل من أجلها. في ثلاثين ثانية اكتب أهم ثلاثة أهداف تريد الحصول عليها في الوقت الحاضر وقد أعطينا مدة قصيرة جدا؛ لأن ما تكتبه دون روية وتفكير يكون هدفا حقيقيا بعيدا عن تزيين الخيال وتجميله. لو أعطيت مبلغا كبيرا من المال ما أول شيء تفعله؟ وما ثاني شيء؟ لو علمت أنك ستعيش ستة أشهر فقط ماذا تفعل؟ اذكر هدفا تحن إليه لكنك تخاف وتتراجع عن السعي له إن خوفك هذا قد لا يكون له رصيد من الواقع لكنه خوف يقترن عادة بالنجاح. ما الأحوال والظروف التي تعطيك أعلى درجات تحقيق الذات؛ أي الشعور بالقيمة والأهمية؟ الجواب عن هذا السؤال يحدد لك مجال التفوق لديك ويساعدك في توجيه حياتك نحوه.وبعد الاستعانة بهذه الأسئلة اختر لنفسك هدفا واحدا واضحا تعده أهم مما عداه ولا تزد على هدف واحد تبدأ به؛ فكثير من الناس يخطئون عندما يريدون أن يبدؤوا بأهداف متعددة وبعد تحديد هذا الهدف الأساسي لا بأس بتحديد أهداف أخرى ثانوية يمكن تحقيقها في الطريق إليه.طريقة مقترحة لتحقيق الأهدافهناك طريقة ناجحة في تحقيق الأهداف تم التأكد من نجاحها في مئات الحالات طريقة إذا اتبعتها تحقق لك في سنة واحدة ما لا يحققه غيرها في سنوات بفضل الله وحسن توفيقه. وتتكون هذه الطريقة من الخطوات التالية1. الرغبةابدأ برغبة قوية صادقة يجب أن يكون هدفك مرغوبا جدا عندك ونابعا من داخلك لا أن يكون رغبة يريدها غيرك لك.2. الثقةولد في نفسك الثقة الكاملة بأنك ستحصل على هدفك إن شاء الله دون شك أو ريب؛ لأن عقلك الواعي إذا صدق أهدافك تصديقا كاملا فإن عقلك الباطن (أو لاشعورك) سيصدق تلك الأهداف وبالتالي يوجه سلوكك نحو تحقيقها ولتكن أهدافك واقعية فمثلا إذا كان وزنك 100 كجم فلا يكن هدفك الأول إنقاص 30 كجم منها ابدأ بـ 5 كجم ثم انتقل إلى الخمسة الأخرى ولكن لا تجعل هدفك سهلا جدا؛ لأن التحدي ضروري لإيجاد الدافع لبذل الجهد.3. اكتب أهدافككتابة الأهداف على ورقة أمر كبير الأهمية؛ فهو مثل كتابة برنامج (الكومبيوتر) يدخل العقل الباطن اكتب الهدف بكل تفصيلاته الممكنة؛ فإذا كنت تريد الحصول على بيت جميل فلا تكتب أريد بيتا جميلا ولكن اكتب مثلا أريد بيتا فيه ست غرف في حي راق له حديقة وشرفة واسعة وإطلالته جديدة و... لقد قال المتخصصون في علم نفس الأهداف إن الهدف إذا لم يكتب هو رغبة وليس هدفا.4. حدد منفعتك من تحقيق هدفكاكتب كل المنافع التي ستحصل عليها إذا تحقق هدفك فإذا ظهر أن المنافع قليلة فإن سعيك لتحقيق الهدف سيكون ضعيفا أما إذا كانت كثيرة مهمة فإن الهدف يصبح ذا جاذبية لا تقاوم.5. حدد أين أنت الآن وأين تريد الوصولفإذا كنت تريد أن تخفض من وزنك فتأكد من وزنك الحالي وحدد كم تريد أن تصب في المرحلة التالية.6. حدد موعدا لبلوغ الهدففهذا يساعدك على أن يكون هدفك قابلا للقياس؛ فأنت لن تحقق نجاحا يذكر حتى تعرف عدد الخطوات التي يجب عليك اتخاذها وكم قطعت منها وكم بقي عليك.7. حدد العقبات التي عليك أن تجتازهاإذا لم يكن هناك عقبات فليس ما تبحث عنه هدفا بل مجرد نشاط وحركة وستلاحظ أن العقبات التي كانت تبدو كبيرة ستبدو أصغر بعد أن تكتبها.8. حدد المعلومات اللازمة للوصول إلى الهدفإن أغلب الأهداف في عصرنا الحاضر يحتاج تحقيقها إلى معرفة جيدة قد تكون المعرفة اللازمة موجودة في الكتب أو في السوق أو لدى بعض الأشخاص أو تستطيع الحصول عليها من (الإنترنت).9. حدد الناس الذين تحتاج إلى مساعدتهم لتحقيق الهدفربما تستطيع الاستعانة بأحد للوصول إلى هدفك فلماذا لا تطلب مساعدته؟ قد يكون فردا أو هيئة أو جمعية أو شركة.وفي هذا الصدد تذكر أن الحياة أخذ وعطاء فإذا كان بإمكانك أن تقدم شيئا لمن تطلب مساعدته فافعل اسأل نفسك ماذا أستطيع أن أعطي الآخرين قبل أن يعطوني؟ إن العظماء على مدار التاريخ يعطون أكثر مما يأخذون لكن أغلب الناس مع الأسف يريدون أن يحصلوا على ما ينفعهم بأقل قدر ممكن من البذل والعطاء وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (البخاري ومسلم وغيرهما) فكن في حاجة الناس ييسر الله عليك أمورك ويكن في حاجتك.10. ارسم خطة عملضع خطة عمل مستفيدا من النقاط التي سبق ذكرها اكتب النشاطات التي ستقوم بها ورتب الأولويات وحدد الوقت اللازم ثم عدل الخطة كلما تقدمت في التنفيذ أو حصلت على معلومات جديدة أو ظهرت لك أخطاء أو قامت في وجهك عقبات جديدة إن الذين يحققون أعلى درجات النجاح لديهم دائما خطة تحدد العمل على مدى الأيام والأسابيع والشهور.11. تصور أن هدفك قد تحققتخيل بوضوح أن هدفك قد تحقق فعلا وكأنك تراه على شاشة التلفاز كرر ذلك كثيرا فمقدار تحقق الهدف يكون بمقدار وضوح صورته في ذهنك.1 (التخطيط أول خطوات النجاح جيمس شرمان ترجمة محمد طه علي دار المعرفة للتنمية البشرية 3132).
مقالات عشوائية