موسى بن عمران من سلالة يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام، أحد أولي العزم من الرسل، ومن المقربين إلى الله تعالى، فضله الله تعالى وخصه بأعلى مراتب الوحي، وهو الكلام المباشر دون وساطة الملائكة، فإن موسى عليه السلام كليم الله، ناداه الله تعالى وكلمه بالنبوة والوحي، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، إذ سمع كلاما من عند الله مباشرة دون مبلغ أو غيره، وجاء التأكيد لإثبات حقيقة الكلام المباشر، وذلك حين نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة من جانب الطور الأيمن [القصص: 30]. وما خص الله به موسى من بين الأنبياء غير نبينا محمد ﷺ من الكلام المباشر وقع لنبينا، فقد كلَّم الله سبحانه وتعالى محمَّدا ﷺ كذلك بدون وساطة جبريل ليلة الإِسراءِ والمعراج.
جمع الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام فضائل منها النبوة والرسالة والتكليم والتقريب، ومنّ الله عليه بأن جعل أخاه هارون نبيا ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: 51-53]. وهذا من مظاهر الرحمة والتفضيل الذي منحها الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام.
وما ذكره الله- تعالى- هنا مجملا عن ندائه لموسى من جانب الطور الأيمن، قد جاء مفصلا في مواطن أخرى منها قوله- تعالى-: ﴿فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ، فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [القصص: 30]. ونداء الله لنبيه موسى عليه السلام كان بداية بعثته بالنبوة، واختياره بالرسالة إلى بني إسرائيل، وذلك حين بلغ الأشد.
وبسط ابن عاشور وجه وصف موسى عليه السلام بكونه (مخلصا) [مريم: 51] في الآية الكريمة، وهو خاصية أخرى إلى جانب ماذكر من الأوصاف السابقة، قال ابن عاشور: «وخص موسى بعنوان (المخلص) على الوجهين:
1- لأن ذلك مزيته، فإنه أخلص في الدعوة إلى الله فاستخف بأعظم جبار وهو فرعون، وجادله مجادلة الأكفاء، كما حكى الله عنه في قوله تعالى في سورة الشعراء [18، 19] : ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: 18-19] إلى قوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 30]. وكذلك ما حكاه الله عنه بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: 17]، فكان الإخلاص في أداء أمانة الله تعالى ميزته.
2- ولأن الله اصطفاه لكلامه مباشرة قبل أن يرسل إليه الملك بالوحي، فكان مخلصا بذلك، أي مصطفى، لأن ذلك مزيته قال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]»[1].
منهج القرآن في عرض قصة موسى عليه السلام؟عرض القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن، وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة، ومتوسطة، ومختصرة، وتأتي أحيانا قصته في مجالات الاستشهاد على مجريات الدعوة والتبليغ خلال مراحل حياة موسى عليه السلام.