المقالات الإسلامية المتنوعة

قبل الرحيل

لم يشعر أبدا أنها بعض من نفسهأنها جزء منهدوما كان يشعر بأن ما يقدمه لها  محض فضل وتكرم منهأو هو على أفضل تقدير كان يعتبره واجبا ثقيلا عليه إن أداه لذا لم يشعرها قط بما كانت تحتاج إلى أن يبثها إياه..لم يشعرها أنها شريكته!هي أيضا لم تشعر قط أنها جزء من حياة.. أن هذا بيتها بل مملكتهالم يتسرب قط إلى قلبها إحساس المسؤولية والرغبة في الأفضل للكيان كله وليس فقط لها أو حتى له..دوما كانت تصر على التعامل من منطلق الضيافة وكأنها في زيارة مؤقتة لن تلبث إلا وتنتهي بعد حينهل كان هو المتسبب في ذلك؟ أم كانت هي؟ أم كان إصرار كل منهما في البداية على تكامل تلك الصورة الرومانسية الخيالية التي يحرص البعض على قصر الزواج عليهاثم بعد أن خبت جذوتها  انصرف كل لشأنهربما كل منهما كان يتحمل شيئا من المسؤوليةلكن النتيجة النهائية أنهما ليسا شريكينوأن بيتهما ليس كيانا واحدا راسخاهما جزيرتان تنأي ضفة كل منهما عن الأخرى! ثم بعد حين تنشأ في مضيقهما جُزُر أخرى بنون وبنات يحتفظ كل منهما بنفس خاصية الوالدين؛ خاصية الجُزر المتباعدةوفجأة ينتبه أو تنتبه هي أن هذه ليست حياةفهل يحاول المنتبه مدَّ جسر أو حتى إلقاء حبل لجزيرة صاحبه؟ كلا.. بل مزيد من التبرير وإلقاء اللوم على الآخر ومن ثم مزيد من التباعد والجفاءثم يأتي وقت الرحيل رحيل أبدان سبقه رحيل أرواح ربما لم تكن قد حطت يوما رحالها"إن أقل البيوت الذي يبنى على الحب"هكذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه هكذا يحطم بكلماته العاقلة الواعية تلك الأسطورة التي يصرون على حبس الزواج في سجنها الذهبي البراقأسطورة تصلح فقط لكلمات أشعار وسيناريوهات يطلبون من خلفها رزقا حلَّ أو حرُمأما البيوت فإنما تبنى على ذلك الذي يكمل بيانه الفاروق رضي الله عنه:"ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والإحسان"الإسلام وحقوقه وواجباتهوالإحسان الذي كتبه الله على كل شيءحتى إن لم تكن جذوة الحب دائمة الاشتعالوحتى إن خبتهي في النهاية رزق "إني قد رُزِقْتُ حُبَّها" قال تلك العبارة نبيكم صلى الله عليه وسلم عن زوجه وأمِّنا؛ خديجة رضي الله تعالى عنها.قالها مبينا حقيقة كون الحب رزق من الرزاقولا حيلة في الرزق كما لا شفاعة في الموتلأجل ذلك لم يكن هو عماد قيام البيوت وحده{فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [سورة النساء 19]تأملليس فقط غاب الحب ولكن حضر نقيضهرغم ذلك أكد خالق يعلم من خلق أن الخير لم يغببل الخير الكثيروعماد ذلك جملة سبقت بل أمر إلهي حاسمأمر بالمعروف" {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} "على ذلك تقوم البيوت وتتكامل منظومتهاومن هنا تأتي المشاركةتلك الصفة التي هي من أفضل الصفات التي يمكن أن يجدها زوج في زوجه بعد دينها وخلقهاوالعكسالشعور بالمشاركة الكيان الواحدالمنظومة المتكاملة التي يقيمانها سوياأن تشعر المرأة أنها فعلا جزء من تلك الحياة الزوجية، وأنها مسؤولة مع زوجها عن كل تفاصيل تلك الحياة وحريصة على كل جزئياتهاجزء لا يستهان به مما شهدت من بيوت تهدمت أركانها كان بسبب غياب ذلك الشعور واختفاء تلك القيمة واستبدالها بشعور الزوجة أنها ضيفة وينبغي أن تعامل معاملة الضيف مما يشكل نوعا من العبء الدائم على الزوج ماديا ومعنويا وذلك الأخير أشق وأقسىوأن يصر هو في المقابل على المنِّ والأذى والإشعار المستمر قولا وفعلا أنه يتفضل ويتكرم أو أنه مضطر مكرهوفي نفس كل منهما حسرة ألا يجد في صحراء ما كان يسمى يوما بيتا  تلك الصورة زاهية الألوان التي حرص البعض على تلقينها الناس صورة الحبوليست حقيقتهوالحب رزق أنّى يؤتاه أولئك الذين لم يدركوا أنه كذلكمن ثم لم يطلبوه في مظانهولم يعرفوا رازقه 

مقالات عشوائية