المقالات الإسلامية المتنوعة

سؤال  ... كم أرقني؟!

بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيمفي جنبات الساحة الثقافية.. وفي جنبات كل نفس يؤرقها ضعف المسلمين سؤال ثائر لا يكاد يهدأ وهو كيف أحدث الوحي (كتابا وسنة) هذا التأثير الضخم السريع في أم القرى ومن حولها ولا يحدث ذات التأثير في واقعنا المشاهد؟! رغم أنه هو هو ذات الوحي نؤمن به ونتلوه آناء الله وأطراف النهار؟!ومن زاوية أخرى إذا كانت القضية الرئيسية التي أرسل الله بها محمدا بن عبد الله  هي تحقيق العبودية لله عز وجل يقول الله تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (النحل 36) ويقول الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (الأنبياء25) ويقول الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات 56) وكان حال النبي صلى الله عليه وسلم  وصحابته  على ما وصف الله  محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود (محمد من الآية29).وكأن السجود والركوع حال ملازم لهم لا ينظر إليهم أحد إلا ويراهم متلبسين به؛ وهذا ما قرره ربعي بن عامر حين سئل عن الرسالة التي يحملها أتباع محمد صلى الله عليه وسلم قال الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله1. فكيف استطاع من شغلهم العبادة إصلاح دنيا الناس؟ كيف استطاعوا إقامة هذه الحضارة؟!ومن زاوية ثالثة كيف استطاع هؤلاء الكرام الأفاضل سياسة الناس ولم يتلقوا تعليما في مؤسسات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية؟! كيف تحولوا من رعي الغنم لرعي الأمم ولم يتلقوا غير الوحي (كتابا وسنة)؟كيف تحقق العمران من خلال الامتثال لنصوص الكتاب والسنة؟ ماذا في الكتاب والسنة حقق هذا التأثير الكبير أول مرة ولا يستطيع أن يحققه الآن رغم أنه يتلى آناء الليل وأطراف النهار؟!وفي القرآن الكريم ربط بين تحقيق الإيمان والتقوى من ناحية وعمارة الأرض من ناحية أخرى مثل قول الله تعالى (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولـكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) (سورة الأعراف الآية96) وقول الله تعالى (فقلت ستغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل لسماء عليكم مدرارا. ويمددكم بأمول وبنين ويجعل لكم جنت ويجعل لكم أنهرا) (سورة نوح الآيات 10 13) وقوله تعالى (وألو ستقموا على لطريقة لأسقينهم ماء غدقا) (سورة الجن الآية16). وآيات فيها ربط صريح بين المعصية والفساد (تخريب العمران) مثل قوله تعالى (ظهر لفساد في لبر ولبحر بما كسبت أيدي لناس ليذيقهم بعض لذي عملوا لعلهم يرجعون) (سورة الروم آية41) وقوله تعالى (وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) (الشورى30). ولعل هذا يثير سؤالا على هذا النحو كيف تعمر الأرض بمن غايته عبادة الله وتعبيد الناس لله؟! وفي المقابل كيف تفسد الأرض بمن يجد ويجتهد ويطور أساليب العمارة بل حقق عمرانا في الأبنية والطرقات ووسائل العيش؟!الإجابة في مستويينالمستوى الأول يتعلق بالحقوق التي شرعها الله لعباده في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وذلك أن الشريعة التي أرسل الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم (التشريعات التي جاء بها الوحي) مكنت الناس من كافة القدرات الكامنة في الأرض وما عليها؛ فجعلت  المؤمنين بها شركاء في الماء والنار والكلأ المسلمون شركاء في ثلاث في الكلأ والماء والنار2 وأطلقت أيديهم في التملك والتصرف فكانت الملكية و حق الاستخدام والسيطرة على الأشياء بيد الناس؛ وفي هذا السياق تم تشريع إحياء الموات بالضوابط الفقهية المعروفة وتم توزيع المال (الفيء والزكاة والصدقات) في ذات المكان (المجتمع البلد القرية) الذي يجمع فيه.. على المستحقين للمال المذكورين في آية التوبة إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (التوبة60) وما زاد عن حاجة أهل القرية (البلد المدينة) يدفع للسلطة المركزية لتوزعه لا لتحتفظ به. بمعنى أنه الشريعة نزعت المال (تملكه أو التحكم فيهإدارته) من السلطة. وهذا يعني بالمآل إقصاء السلطة (الدولة) عن التحكم في حركة الناس (المجتمع) إذ المال أول وأهم أدوات السيطرة.وحين نتأمل في دورة رأس المال في الإسلام (مصدره وطريقة إنفاقه أو المصادر التي يوزع فيها) نجد أن القيمة (المبدأ) التي تكمن خلف كسب المال وإنفاقه هي التمكين للدين أو إعانة الناس على تحقيق العبادة وليست تحقيق الرفاهية للأفراد (سياسة الاستهلاك). فمثلا ابن السبيل يعان من المال سواء أكان محتاجا أم لا ولا يطالب بثمن إعانته حين يعود لأهله بل ولا يسأل أميسور تباع له الإعانة أم معسر يعان دون مقابل؟ والهدف هو تأمين الطريق حتى يتدفق الناس على الطرق بأشخاصهم وتجارتهم آمنين مطمئنين وهذا الأمان التام ينعكس على المجتمع ككل؛ ومثلا يعان أصحاب المروءات حين يغرمون لتبقى المروءة وما يترتب عليها من إصلاح ذات البين؛ وكذلك الحال في العاملين عليها وغيرهم ممن ذكر الله في مصارف المال3.  وبهذا تمكن الناس من إدارة شئونهم وفقا لما يحقق مصالحهم كأفراد وتجمعات. فكان المجتمع في الإسلام مدني كلية بمعنى أنه يدار من الأفراد العاديين لا من السلطة (نخبة المال والنفوذالأوليجارشية). بل لا تتدخل السلطة إلا في أضيق الحدود. أصبح الإنسان.. كل الإنسان بعد الإسلام مفعل بأقصى طاقة. فلا مانع يمنعه من الفعل إن أراد أن يفعل ما يقدر عليه قدرة شرعية وذاتية. وهذا المستوى في الإجابة على التساؤلات فصل فيه الأستاذ الدكتور جميل أكبر في مشروعه الفكري الموسوم بـ قص الحق وعمارة الأرض في الإسلام4.  ويتمثل المستوى الثاني في التغيرات التي أحدثها الوحي (كتابا وسنة) في شخص من آمن بالله واتبع الرسول  وذلك أن الوحي أعاد صياغة الإنسان من جديد.. أحياه بعد موات كما قال العليم الخبير سبحانه وتعالى وعز وجل أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها (الأنعام 122) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (الشورى 52) فكان الوحي بمثابة الحياة للناس وتمثل هذا الإحياء في غرس منظومة من القيم (المبادئ العقائد) والمهارات5 فيمن آمن بالله واتبع الرسول  غيرت من آمن تغييرا جذريا وبالتالي غيرت المجتمع فعمر قبل الإسلام ليس هو عمر بعد الإسلام ومكة ويثرب قبل الإسلام ليست هي مكة والمدينة بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؛  ومن أهم هذه القيمأولا الاقتصار على القرآن الكريم والسنة النبوية والأخذ من الآخر بما يتناسب مع الوحي.. بمعنى ضبط الوحي فهما أو فهما وحفظا والانطلاق منه لغيره.ثانيا التأمل (التفكر التدبر) أو تكوين عقلية نقدية. ثالثا جعل التفاضل بين الناس بالتقوى لا بالمال ولا بالحسب والنسب ولا بغير ذلك مما عرف في الجاهلية وبين الأمم الأخرى.رابعا جعل الإتقان قيمة في حد ذاته. سواء في العمل الحسي أو المعنوي. ولبناء هذه القيم كانت المنهجية المتبعة هي التكرار والتصريف والتدرج (النمو التدريجي). وهذا ما سأحاول بحول الله وقوته بيانه مع الأخذ في الاعتبار أن المستوى الثاني والأول مرتبطان فلا يمكن صياغة إنسان بالطريقة الشرعية دون أن يتمكن من حقوقه (المستوى الأول) وغياب منظومة الحقوق هو السبب الرئيسي في تراجع عمليات التربية والبناء الإنساني في هذه الأيام.. يحاولون بناء إنسان على المنهج الرباني (الوحي) دون إعطائه ذات الحقوق التي أخذها الصحابة والتابعون لهم بإحسان ولذا تتعثر التجارب وفي أحسن الأحوال تكون ذات نتيجة محدودة جدا.. تكون النتيجة إن وجدت في المجال الخاص (البيت والأسرة والتعاملات الفردية).محمد جلال القصاصربيع أول 1445هاكتوبر2023  1 ينظر تاريخ الرسل والملوك للإمام محمد بن جرير الطبري (القاهرة دار المعارف 1387هـ1967م) ج3 ص520.2 أخرجه أبو داود وغيره  واللفظ له.3 ينظر إعلام المسلمين والمسلمات بأن إنفاق الزكاة سياسات إعداد مركز الإمام الغزالي للبحوث والدراسات.4 ينظر قص الحق العقل وحتمية الفساد للأستاذ الدكتور جميل أكبر.5 تتشكل القيم والمبادئ في هيئة منظومة.. بمعنى أن الأخلاق لا تتواجد منفردة أو متضاربة. فتكون صفات الشخص (أو الجماعة) إيجابية ويشذ خلق أو موقف وتكون سلبية ويشذ خلق أو موقف.  فمع الإيمان الصدق والصبر والعفاف (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) (الأحزاب35)والحديث عن فصل القيم والتعامل مع الناس حسب الموقف هو حديث من هناك.. من عند غير العقلاء. 

مقالات عشوائية