المقالات الإسلامية المتنوعة

العقيدة أساس الإيمان ولبه

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعدفلقد ظهر في الآونة الأخيرة بين المسلمين بعض الجهال الذين يثيرون الشكوك والشبه الباطلة حول العقيدة الإسلامية بحجة أن تعلمها ليس من الأمور المهمة ويقولون يكفي المسلم أن يتعلم الإيمان فقط بدون دراسة العقيدة وتعلمها وفهمها ويحتجون على ذلك بأن لفظ العقيدة لم يرد في الكتاب ولا في السنة. وهذا القول في الحقيقة تناقض ناتج عن عدة أمور أولاها جهل مركب من قبل هؤلاء القوم؛ حيث ظنوا أنه يمكن الحصول على الإيمان بدون عقيدة صحيحة؛ إذ كيف يتعلم المسلم الإيمان أو يصل إلى الإيمان بدون عقيدة وبدون تعلم العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة والتربية عليها؟! ثانيها الجهل بمعنى الإيمان عند أهل السنة فنشأ عن ذلك أن ظنوا أن العقيدة شيء دخيل على الإيمان ولا علاقة لها بالإيمان. ثالثها ضعف التدبر للقرآن الكريم والسنة النبوية وما فيهما من تركيز على أقوال وأعمال القلب من مثل قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلونالأنفال 2 وقوله تعالىفي قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاالبقرة 10 وقوله صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب؛ رواه البخاري كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه وعرضه (رقم 52) ومسلم كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات (107 1599). فلم يعطوا قول القلب وعمله نفس العناية التي أعطاها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لهما وظنوا أن معنى العقيدة لا وجود له في الكتاب والسنة مستدلين بعدم وجود اللفظ. ولذلك اقتضى الأمر توضيح أهمية العقيدة الإسلامية الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة وذكر الفرق بينها وبين الإيمان والرد على هؤلاء المشاغبين من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوضيح الحق ورد الشبهات؛ حماية للشريعة من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وحرصا على عدم الإطالة؛ سيكون هذا البيان في نقاط واضحة؛ طلبا للاختصار. فأقول وبالله التوفيقأولا هناك فرق بين العقيدة والإيمان في اللغة والاصطلاح. فالعقيدة لغة تأتي بمعنى الشد والتوثيق والربط والتأكيد؛ ينظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس (4 8687) ولسان العرب لابن منظور (9 309) والقاموس المحيط للفيروزآبادي (ص 383384) والصحاح للجوهري (ص 186187). والعقيدة اصطلاحا هي ما يعقد ويوثق الإنسان عليه قلبه وضميره ويجزم به؛ حتى يكون من الأمور التي لا تقبل نفسه الشك فيها. والعقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة هي ما يعقد ويوثق المؤمنون المتبعون للنبي صلى الله عليه وسلم قلوبهم وضمائرهم عليه من الأمور التي ذكرها الله في كتابه وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته. أما الإيمان لغة التصديق؛ ينظر لسان العرب لابن منظور مادة أ م ن ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة أ م ن. الإيمان اصطلاحا اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان؛ ينظر شرح الطحاوية لابن أبي العز (ص 332). أو هو قول وعمل يزيد وينقص قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل اللسان والجوارح؛ ينظر التمهيد لابن عبدالبر (9 248) والفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (7 308). فتبين من هذا أن الإيمان أوسع معنى من العقيدة فهو يشمل الاعتقاد والقول والعمل. ثانيا العقيدة أصل الإيمان وأساسه وبدون العقيدة فلا يوجد إيمان؛ لأن الأساس إذا انهدم انهدم الجدار فالعقيدة تمثل اعتقاد القلب وهو قول القلب وعمله وهذا هو أصل وأساس الإيمان فهذا يدل على أهمية العقيدة بالنسبة للإيمان. ثالثا بزيادة قوة العقيدة في القلب يزيد ويقوى الإيمان وبنقص قوة العقيدة من القلب ينقص الإيمان وتنقص أعمال الإيمان فقوة الإيمان وضعفه مرتب على قوة العقيدة وضعفها؛ قال صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب؛ رواه البخاري كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه وعرضه (رقم 52) ومسلم كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات (107 1599).. وهذا هو الذي قرره العلماء سلفا وخلفا. رابعا العقيدة الصحيحة تورث إيمانا صحيحا على اللسان والجوارح والعقيدة المنحرفة في القلوب تورث إيمانا منحرفا على اللسان والجوارح فالصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن اقتدى بهم لما كان الاعتقاد في قلوبهم صحيحا موافقا للكتاب والسنة كان إيمانهم صحيحا فكانوا خير أمة أخرجت للناس ورضي الله عنهم ورضوا عنه ولننظر إلى فرقة منحرفة كالمرجئة مثلا لما انحرفت العقيدة في قلوبهم عن الكتاب والسنة واعتقدوا أن الإيمان هو المعرفة في القلب فقط وأخرجوا العمل من مسمى الإيمان انحرف إيمانهم فصار عندهم مرتكب كبائر الذنوب والمعاصي مثل المؤمن المطيع لله عز وجل المجتنب لمعصيته. والخوارج لما انحرفت العقيدة في قلوبهم عن الكتاب والسنة واعتقدوا أن الإيمان شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله انحرف إيمانهم فكفروا مرتكب الكبيرة واستحلوا دمه وهذا كله بسبب الانحراف في العقيدة فانحراف العقيدة يؤدي إلى انحراف أعمال الإيمان والعكس بالعكس. خامسا الذنب المتعلق بالعقيدة خطير جدا لا يغفره الله إذا مات الإنسان مصرا عليه ولم يتب؛ قال تعالىإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاءالنساء 48 والشرك ذنب كبير متعلق بالعقيدة. أما الذنب الذي لا يتعلق بالعقيدة كبعض الأقوال والأفعال فإذا مات صاحبها مصرا عليها ولم يتب فهو في مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه؛ قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاءالنساء 48. سادسا الإيمان عند إطلاقه يشمل الدين بأكمله أما العقيدة فتشمل أهم شيء في الدين وهو قول القلب وعمله. سابعا العقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة تنجي صاحبها من النار ولو بعد حين والدليل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه (رقم 6480) أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة ذاك الرجل الذي لم يعمل خيرا قط فأمر أولاده إذا مات أن يحرقوه ويذروه في الريح؛ خوفا من الله أن يعذبه وظن أنه بهذا العمل ينجو ويهرب من الله فجمعه الله عز وجل بقول كن وسأله عن سبب فعله لهذا العمل ثم أدخله الجنة؛ لخوفه من الله وتيقنه بقدرة الله. وكذلك حديث صاحب البطاقة الذي رواه الترمذي وغيره (رقم 2639) وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 1776) أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل ليس له حسنة واحدة إلا بطاقة مكتوب فيها لا إله إلا الله وأن هذه البطاقة رجحت بالميزان وطاشت جميع سجلات الذنوب ودخل الرجل الجنة بكلمة التوحيد والعقيدة. وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه (رقم 304) أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من خير والمقصود أن أهل العقيدة الصحيحة يدخلون الجنة ولو بعد حين ولا يخلدون في النار أبدا. ثامنا أعمال الإيمان الأعمال الصالحة بدون عقيدة صحيحة لا تنجي صاحبها من النار والدليل على ذلك أن المنافقين الذين يظهرون الإيمان والعمل الصالح ويعتقدون الكفر في قلوبهم لم تنفعهم أعمالهم الصالحة الظاهرة بدون عقيدة سليمة فهم في الدرك الأسفل من النار؛ قال تعالىإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراالنساء 145. وكذلك الكفار إذا عملوا أعمالا صالحة لا تنفعهم يوم القيامة؛ لأن عقيدتهم غير صحيحة؛ قال تعالى وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراالفرقان 23 وغير ذلك والمقصود أن أعمال الإيمان بدون عقيدة وإخلاص فإنها لا تنفع صاحبها يوم القيامة. تاسعا العقيدة الصحيحة وهي توحيد الله دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم بخلاف أعمال الإيمان والشرائع فالرسل مختلفون فيها؛ قال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوتالنحل 36 فهذه هي دعوة الرسل جميعا عبادة الله وحده وهو التوحيد وأساسه العقيدة واجتناب الطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله وأساس ذلك الاجتناب العقيدة وقال تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاالمائدة 48؛ أي إن الرسل مختلفون في الشرائع والأحكام وأعمال الإيمان وهذا واضح ولله الحمد وهو يدل على أهمية العقيدة الصحيحة عقيدة الكتاب والسنة التي التزم بها السلف الصالح ومن سار على نهجهم. عاشرا السؤال في القبر إنما يكون على العقيدة من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ وليس على أعمال الإيمان وهذا يدل على أهمية العقيدة في الدنيا والآخرة. أحد عشر كلمة الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله يشترط لقبولها عند الله ممن نطق بها بلسانه عقيدة صحيحة وإلا فإنها غير مقبولة فيشترط لقبولها 1 العلم بمعناها. 2 الإخلاص في قولها. 3 المحبة لها ولأهلها. 4 الصدق فيها.5 الانقياد لها ولما تقتضيه من توحيد الله والأصل في الانقياد القلب.6 القبول لها ولمقتضياتها. 7 اليقين بها.8 الكفر بما سواها وأساس ذلك يكون في القلب وهذه كلها شروط اعتقادية نابعة من القلب؛ مما يدل على أن الاعتقاد الصحيح أساس وأصل الدخول في الإسلام. والمقصود أن هذه الكلمة كلمة التوحيد والعقيدة وإذا قيلت من غير عقيدة صحيحة فإنها لا تكون مقبولة عند الله عز وجل وهذا بإجماع العلماء. اثني عشر أن الحب والبغض والمولاة والمعاداة إنما هي بحسب العقيدة فالكافر المنافق نبغضه ونعاديه بغضا مطلقا؛ لكفره وفساد عقيدته والمؤمن نحبه حبا مطلقا؛ لإيمانه وصلاح عقيدته والمسلم العاصي يحب ويوالى بحسب ما عنده من عقيدة صحيحة. فهذا رجل كان يشرب الخمر وكان يؤتى به كثيرا عند النبي صلى الله عليه وسلم فيقيم عليه الحد فأتي به ذات مرة فقال بعض الصحابة اللهم العنه؛ ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله؛ رواه البزار (رقم 269) إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنه؛ لأن لديه عقيدة صحيحة عقيدة الكتاب والسنة وهي حب الله ورسوله. ثلاثة عشر ومما يدل على أهمية العقيدة خصوصا في هذا الزمان جهل المسلمين بالعقيدة الصحيحة ومن ثم وقوعهم في أخطاء شنيعة فبعض المسلمين يقدس القبور ويرتكب الشركيات والمخالفات في التوحيد والبعض الآخر ظل مدة غير قصيرة يذكر للناس موعد ظهور الدجال ونزول عيسى عليه السلام وظهور المهدي بل لدرجة أنه يزعم أنه رأى المسيح الدجال يمشي في بعض الشوارع... إلى آخر مثل هذا الكلام. ونحن المسلمين مأمورون بالعمل للدين؛ حتى يظهر المهدي الذي وعدنا به النبي صلى الله عليه وسلم ولسنا مأمورين بالانتظار والقعود حتى يظهر المخلص كما يفعل اليهود والشيعة وهذا من الانحراف في العقيدة. وبعض المسلمين راح يقدم العقل على النصوص الشرعية فوقع في مخالفات خطيرة فأنكر بعض هؤلاء العصريين الماديين السحر وتلبس الجن بالإنس ووجوب الحكم بالشريعة ووجوب معاداة أعداء الله وغير ذلك من أمور العقيدة التي جاءت الشريعة بإثباتها؛ مما يدل على أهمية تعلم ونشر ودراسة العقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة. أربعة عشر ومما يدل على أهمية العقيدة الصحيحة أيضا سعي أهل العقائد المنحرفة من الكفار كالنصارى مثلا ومن أهل البدع إلى نشر عقائدهم بكل الوسائل؛ مما يوجب على المسلمين دفع هذا المنكر عن طريق نشر عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة السلف الصالح وإنقاذ الناس من هذه العقائد المنحرفة وعلى كل حال فالتهوين من شأن العقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة فكرة خاطئة تضر بالإسلام والمسلمين وهي فكرة عقلانية مادية جاءت من الفكر الغربي ممن لا يريدون الخير للإسلام والمسلمين فليتق الله الذين يروجون لمثل هذا الفكر المنحرف وليتفقهوا في دين الله؛ فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. ختاماالعقيدة هي أساس الدين وجميع الأعمال لا قيمة لها إذا لم تكن نابعة عن عقيدة صحيحة فالعبادات ومكارم الأخلاق والسياسة الشرعية وجميع أعمال الخير لا قيمة لها إذا لم تكن خالصة لوجه الله نابعة من اعتقاد القلب بعبودية الله وحده وهذا الذي ذكرته إنما هو بيان مختصر جدا لم أقصد فيه استقصاء كل شيء؛ إذ إن الكلام عن أهمية العقيدة طويل جدا وكيف لا والعقيدة أساس الدين وأصله؟! وإنما قصدت بهذا البيان المختصر لفت النظر إلى أهميتها ورد شبه الجهال والمتعصبين والزائغين ونصرة الدين الذي جاء به الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم والتفصيل له موضع غير هذا. فأسأله تبارك وتعالى النفع بهذه الكلمات لجميع المسلمين والقبول والإخلاص.. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. الكاتب عبد الكريم بن هاشم سلطان.

مقالات عشوائية