العوازل الحرارية (1-2)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد إن يوم القيامة يوم شديد مليء بالكرب والأهوال كرب ستشيب منها الولدان ويفر المرء فيها من الأهل والخلان.فمن الكرب التي سيواجهها الناس يوم القيامة؛ كرب الإغراق بالعرق؛ فقد جاء في الحديث الصحيح أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا أي غير مختونين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية يوم يقوم الناس لرب العالمين المطففين 6 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة ثم لا ينظر الله إليكم (1) .والذي سيزيد هذا الكرب شدة هو الوقوف والانتظار تحت لهيب شمس ستقترب من الرؤوس بمقدار ميل؛ حتى يغرق الناس بعرقهم والعياذ بالله من ذلك الحال والمقام فقد روى المقداد بن عمرو رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل قال سليم بن عامر فوالله ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين قال فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما قال وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه .(2)ويزداد كرب الناس وضنكهم بالعرق ما لا يطيقون إذ يغوص عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ثم يرتفع فيصل عند بعضهم حتى رؤوسهم؛ فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم (3).فماذا أعددنا لذلك الكرب الشديد من عمل؟! إن الناس في فصل الصيف لا يطيقون حرارة الشمس ويتذمرون منها؛ فتراهم يهربون من وهجها وحرارتها إلى أماكن الظل؛ سواء أكانت تلك الأماكن تحت مظلة أو شجرة أو سيارة وقد يبقون في البيت أو يسيحون في بلاد باردة.وإنك تسمع الناس يوصي بعضهم بعضا بعدم المشي في الشمس لكيلا يتعرض الواحد منهم لضربة شمس تخل بدماغه؛ بل ويوصى دوليا وعلى مستوى العالم عبر منظمات حقوق الإنسان؛ بمنع تشغيل العمال ميدانيا؛ إذا تجاوزت الحرارة خمسين درجة مئوية؛ حفاظا على صحة الإنسان وعقله من حرارة الشمس الشديدة والملتهبة صيفا ونسي أولئك الناس أن هذه الشمس التي يهربون منها أنهم ملاقوها يوم القيامة بأشد وأقرب ما يكون؟! ألا ينبغي أن نسأل عما يقينا من حر تلك الشمس التي سنقف تحت وهجها ليس ليوم أو يومين ولا لسنة أو سنتين وإنما لخمسين ألف سنة!! نعم لخمسين ألف سنة؛ حتى إنه روي أن الناس في ذلك اليوم؛ يتمنون لو بدئ بالحساب ليستريحوا من هم ما هم فيه ولو ذهب بهم إلى النار! عياذا بالله من ذلك المقام.فماذا أعددنا لذلك الكرب الشديد من عمل؟! إن الناس اليوم يحرصون على وضع عوازل حرارية في بيوتهم لتقيهم حر شمس الظهيرة؛ لينعموا بجو بارد منعش طوال يومهم وإن الواحد منا إذا قرر بناء منزل تراه يبحث عن أفضل وأجود العوازل الحرارية التي توضع في الجدران والتي توضع على الأسطح ولو كلفه ذلك عشرات الآلاف من الريالات وفوق ذلك كله تراه يضع المكيفات المركزية في كل البيت؛ ليعيش في جو بارد وهادئ لا يعرف فيه الحرارة؛ كل ذلك من أجل أن يتقي حر شمس تبعد عنا مسافة تقدر بحوالي ثلاثة وتسعين مليون ميل ولا تستغرق ذروة أشعتها أكثر من ثمان ساعات يوميا على سطح الأرض خلال فصل الصيف. ولو حسب إجمالي هذه المدة بمتوسط عمر الإنسان نجد أنها لا تزيد على ثمان سنوات متواصلة؛ ومع ذلك يدفع الإنسان مبالغ طائلة تصل إلى عشرات الآلاف؛ ليتقي حر هذه الشمس.وها هو رسولنا صلى الله عليه وسلم يخبرنا وهو الصادق المصدوق أننا سنحشر يوم القيامة ليوم مقداره خمسون ألف سنة تحت أشعة شمس حارقة لا تغرب أبدا! فماذا أعددنا لذلك اليوم من عوازل؟ ألا يجدر بنا أن نسأل عن عوازل تقينا شمس الآخرة؟! وما هي العوازل التي يمكنها مقاومة حرارة تلك الشمس يا ترى؛ التي ستقترب منا بمقدار ميل؟! والميل الشرعي يقدر بحوالي أربعة آلاف ذراعا. وهل يمكن أن ننقل معنا العوازل الحرارية التي صنعناها في دنيانا؟! هل سألت أخي عن الأعمال والعوازل التي تنجي صاحبها من حر شمس يوم القيامة وتحفظه في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله؟إنها عوازل أخبر بها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ليست من البرولايت ولا من الفلين؛ وإنما هي أعمال صالحة أمرنا بالتحلي بها لنستظل بسببها تحت ظل عرش الرحمن في ذلك اليوم العصيب ومن استظل تحت ظل العرش؛ سيمر عليه يوم القيامة كقدر الانتظار ما بين الظهر والعصر! فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا قال قال يوم القيامة كقدر ما بين الظهر والعصر(4) .فإذا كنتم تسألون عن أفضل العوازل الحرارية لبيوتكم فإني سأنبئكم عن أفضل عوازل حرارية ضد شمس يوم القيامة سأذكر لكم طرفا من الأعمال الموجبة لظل عرش الرحمن لعلنا نسارع إليها بعد أن أدركنا وتصورنا وآمنا بأهميتها يوم القيامة.العازل الأول إنظار المعسر حتى يسدد دينه أو تخفف الدين عنه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (5). وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أول من يستظل في ظل الله يوم القيامة لرجل أنظر معسرا أو تصدق عنه وروى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة (6).العازل الثاني الجهاد في سبيل الله بالمال؛ فقد روى سهل بن حنيف عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غارما في عسرته أو مكاتبا في رقبته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله (7). (1) رواه الطبراني (11476) والحاكم في مستدركه (7807).(2) رواه مسلم (2864).(3) رواه البخاري (6532).(4) رواه الحاكم (283).(5) رواه الإمام أحمد (8711) والترمذي (1306).(6) رواه الإمام أحمد (22624) وصححه الأباني في صحيح الترغيب (911).(7) رواه الإمام أحمد (15986) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4555).
مقالات عشوائية