المقالات الإسلامية المتنوعة

دورة علمية ميسرة - الحلقة (25): السيرة (5): الهجرة إلى الحبشة.

إذا ضاقت الأرض بما وسعت ولم يعد باستطاعة المؤمن أن يظهر شعائر دينه أو يطبقها أو يدعو إليها وقد سلب الأمان والاستقرار هنا على المؤمن أن يبادر بالبحث عن أرض جديدة يحيا فيها بأمان ولو علم الله الخير في قلب المؤمن فسيجند له جنوده ويفتح له قلوب العباد كما فتح قلب النجاشي لأهل الإسلام ورد الله به كيد قريش.أمام الابتلاءات الشديدة التي تعرض لها الصحابة والإيذاء الذي طال شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومساومات المشركين لعمه أبي طالب أن يسلمه إياهم وموقفه ومنعهم من إيذاء ابن أخيه كان القرار1 ـ اختيار دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي مركزا للدعوة ومقرا للتربية.2ـ أمر المسلمين بالهجرة إلى الحبشة.قال المباركفوري في الرحيق المختومدار الأرقم كانت هذه الدار في أصل الصفا بعيدة عن أعين الطغاة ومجالسهم فاختارها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجتمع فيها بالمسلمين سرا فيتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ وليؤدي المسلمون عبادتهم وأعمالهم ويتلقوا ما أنزل الله على رسوله وهم في أمن وسلام وليدخل من يدخل في الإسلام ولا يعلم به الطغاة من أصحاب السطوة والنقمة.الهجرة الأولى إلى الحبشةكانت بداية الاعتداءات في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة بدأت ضعيفة ثم لم تزل تشتد يوما فيوما وشهرا فشهرا حتى تفاقمت في أواسط السنة الخامسة ونبا بهم المقام في مكة وأخذوا يفكرون في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم وفي هذه الظروف نزلت سورة الزمر تشير إلى اتخاذ سبيل الهجرة وتعلن بأن أرض الله ليست بضيقة قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هـذه الدنيا حسنة وأرض اللـه واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر10.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم أن أصحمة النجاشي ملك الحبشة ملك عادل لا يظلم عنده أحد فأمر المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة فرارا بدينهم.وبالفعل هاجر من استطاع الهجرة من الصحابة إلى أرض الحبشة وأقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار..الإشاعة القاتلة وحادثة سجود المشركين مع المسلمين وعودة المهاجرينوفي رمضان من نفس السنة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرم وفيه جمع كبير من قريش فيهم ساداتهم وكبراؤهم فقام فيهم وفاجأهم بتلاوة سورة النجم ولم يكن أولئك الكفار سمعوا كلام الله من قبل؛ لأنهم كانوا مستمرين على ما تواصى به بعضهم بعضا من قولهم لا تسمعوا لهـذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون فصلت26 فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة وقرع آذانهم كلام إلهي خلاب وكان أروع كلام سمعوه قط أخذ مشاعرهم ونسوا ما كانوا فيه فما من أحد إلا وهو مصغ إليه لا يخطر بباله شىء سواه حتى إذا تلا في خواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب ثم قرأ فاسجدوا للـه واعبدوا النجم62 ثم سجد لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدا. وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين.ووصل الأمر بصورة خاطئة إلى مهاجري الحبشة أن المشركين قد دخلوا في الإسلام وأصبحت مكة دار أمان و سلام فعاد من عاد منهم إلى مكة واشتد البلاء بالجميع حتى أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة الثانية إلى الحبشة.الهجرة الثانية إلى الحبشةاستعد المسلمون للهجرة مرة أخرى وعلى نطاق أوسع ولكن كانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها بيد أن المسلمين كانوا أسرع ويسر الله لهم السفر فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا.وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلا إن كان فيهم عمار فإنه يشك فيه وثماني عشرة أو تسع عشرة امرأة.مكيدة قريش بمهاجري الحبشةعز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لأنفسهم ودينهم فاختاروا رجلين جلدين لبيبين وهما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ـ قبل أن يسلما ـ وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم حضرا إلى النجاشي وقدما له الهديا ثم كلماه فقالا لهأيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم؛ لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.وقالت البطارقة صدقا أيها الملك فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى قومهم وبلادهم.ولكن رأي النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية وسماع أطرافها جميعا. فأرسل إلى المسلمين ودعاهم فحضروا وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنا ما كان. فقال لهم النجاشي ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ؟قال جعفر بن أبي طالب ـ وكان هو المتكلم عن المسلمين أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام ونسىء الجوار ويأكل منا القوى الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحدهلا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ فعدد عليه أمور الإسلام ـ فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك.فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال له جعفر نعم. فقال له النجاشي فاقرأه على فقرأ عليه صدرا من كهيعص مريم 1 فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال لهم النجاشي إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون ـ يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه ـ فخرجا فلما خرجا قال عمرو بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة والله لآتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا ولكن أصر عمرو على رأيه.فلما كان الغد قال للنجاشي أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ففزعوا ولكن أجمعوا على الصدق كائنا ما كان فلما دخلوا عليه وسألهم قال له جعفر نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.فأخذ النجاشي عودا من الأرض ثم قال والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته فقال وإن نخرتم والله .ثم قال للمسلمين اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي ـ والشيوم الآمنون بلسان الحبشة ـ من سبكم غرم من سبكم غرم من سبكم غرم ما أحب أن لى دبرا من ذهب وإني آذيت رجلا منكم ـ والدبر الجبل بلسان الحبشة.ثم قال لحاشيته ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لى بها فوالله ما أخذ الله منـي الرشـوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشـوة فيــه وما أطاع الناس في فأطيعـهم فيه.قالت أم سلمة التي تروى هذه القصة فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.مختصر بتصرف من الرحيق المختوم 

مقالات عشوائية