دورة علمية ميسرة - الحلقة(29): السيرة (9): هجـرة النبـي صلى الله عليه وسلم
الدورة العلمية الميسرة الحلقة (29) السيرة(9) هجـرة النبـي صلى الله عليه وسلمبعد أن وطأ مصعب المدينة لمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصبحت وكل دورها قد دخله الإسلام ومع اشتداد عناد المعاندين من كفار قريش والذي وصل بهم إلى وضع الخطة لقتل النبي صلى الله عليه وسلم على أيدي شباب بطون قريش مجتمعين وحددوا الموعد.لم يعد أمام النبي صلى الله عليه وسلم إلا ترك أرضه التي يحبها والتحول إلى دار جديدة اختار أهلها الإسلام بل أضحوا في أشد القلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم يتشوقون أشد الشوق إلى انتقاله إليهم.والرسول صلى الله عليه وسلم ينتظر الأمر من الله حتى يبدأ فعليا في الانتقال إلى الدار الجديدة التي استقبلت الإسلام وقبلت أن تكون مركز الحضارة والفتح الإسلامي للعالم خلال سنوات قليلة.وألخص أهم أحداث الهجرة من (الرحيق المختوم ) للمباركفوري رحمه اللهبين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه وتعالىمن طبيعة مثل هذا الاجتماع السرية للغاية وألا يبدو على السطح الظاهر أي حركة تخالف اليوميات وكان هذا مكرا من قريش ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى فخيبهم من حيث لا يشعرون. فقد نزل جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوحى من ربه تبارك وتعالى فأخبره بمؤامرة قريش وأن الله قد أذن له في الخروج وحدد له وقت الهجرة وبين له خطة الرد على قريش فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة قالت عائشة رضي الله عنها بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمى والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أخرج من عندك. فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله . قال فأني قد أذن لى في الخروج فقال أبو بكر الصحبة بأبي أنت يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم.ثم أبرم معه خطة الهجرة ورجع إلى بيته ينتظر مجىء الليل. وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة أو لأي أمر آخر اتقاء مما قررته قريش.تطويق منزل الرسول صلى الله عليه وسلم أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد سرا لتنفيذ الخطة المرسومة التى أبرمها برلمان مكة دار الندوة صباحا واختير لذلك أحد عشر رئيسا وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام يصلي فيه قيام الليل فأمر عليا رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه ويتسجى ببرده الحضرمي الأخضر وأخبره أنه لا يصيبه مكروه.فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء ونام عامة الناس جاء المذكورون إلى بيته صلى الله عليه وسلم سرا واجتمعوا على بابه يرصدونه وهم يظنونه نائما حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه ونفذوا ما قرروا فيه.الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر بيته وقد فشلت قريش في خطتهم فشلا ذريعا مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت واخترق صفوفهم وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رءوسهم وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه وهو يتلو وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون يس9. فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ومضى إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلا حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمن.وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم ورآهم ببابه فقال ما تنتظرون؟ قالوا محمدا. قال خبتم وخسرتم قد والله مر بكم وذر على رءوسكم التراب وانطلق لحاجته قالوا والله ما أبصرناه وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم.ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليا فقالوا والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. وقام على عن الفراش فسقط في أيديهم وسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا علم لي به.من الدار إلى الغارغادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة الموافق 1213 سبتمبر سنة 622م.ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشا ستجد في الطلب وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسى المتجه شمالا فسلك الطريق الذي يضاده تماما وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور .إذ هما في الغار ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر والله لا تدخله حتى أدخل قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخل فكسحه ووجد في جانبه ثقبا فشق إزاره وسدها به وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع رأسه في حجره ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما لك يا أبا بكر؟ قال لدغت فداك أبي وأمي فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده.وكمنا في الغار ثلاث ليال ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد. وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما. قالت عائشة وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام وكان يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل ـ وهو لبن منحتهما ورضيفهما ـ حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليعفي عليه.ولما لم يحصلوا من علي على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر فقالوا لها أين أبوك؟ قالت لا أدرى والله أين أبي؟ فـرفع أبو جهل يـده ـ وكان فاحشا خبيثا ـ فلطم خـدها لطمـة طـرح منها قرطها.(ملحوظة لم يقتحموا البيت ولم يعتقلوا أسماء ليضطر أبوها للعودة ... وهم كفار قريش )وقررت قريش إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين كائنا من كان.وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب وانتشروا في الجبال والوديان والوهاد والهضاب لكن من دون جدوى وبغير عائدة.وقد وصل المطاردون إلى باب الغار ولكن الله غالب على أمره روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدام القوم فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما وفي لفظ ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما.وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة.في الطريق إلى المدينةوحين خمدت نار الطلب وتوقفت أعمال دوريات التفتيش وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة.وكانا قد استأجرا عبد الله بن أريقط الليثى وكان هاديا خريتا ـ ماهرا بالطريق ـ وكان على دين كفار قريش وأمناه على ذلك وسلما إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام فشقت نطاقها باثنين فعلقت السفرة بواحد وانتطقت بالآخر فسميت ذات النطاقين.بعض ما وقع في الطريقفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتى أم معبد الخزاعية وكان موقعهما بالمشلل من ناحية قديد على بعد نحو 130 كيلو مترا من مكة وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة ثم تطعم وتسقى من مر بها فسألاها هل عندها شيء؟ فقالت والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى والشاء عازب وكانت سنة شهباء.فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة فقال ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت شاة خلفها الجهد عن الغنم فقال هل بها من لبن؟ قالت هي أجهد من ذلك. فقال أتأذنين لى أن أحلبها؟ قالت نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها وسمى الله ودعا فتفاجت عليه ودرت فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا ثم شرب وحلب فيه ثانيا حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها فارتحلوا.وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعونه ولا يرون القائل جزى الله رب العرش خير جزائه رفيقين حلا خيمــتى أم معبــد هـمـا نزلا بالبـــر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمــد فيا لقصى مــا زوى الله عنكــم به من فعال لا يحاذى وســؤدد ليهن بني كعـب مكــان فتاتهــم ومقعدهـا للمؤمنـين بمرصـد سلوا أختكم عن شاتهـا وإنائهـا فإنكم إن تسألوا الشـاة تشـهـــدقالت أسماء ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات والناس يتبعونه ويسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من أعلاها. قالت فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة.وتبعهما في الطريق سراقة بن مالك. قال سراقة بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة أني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتى أن تخرج فرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها على وأخذت رمحى فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسى فركبتها فرفعتها تقرب بى حتى دنوت منهم فعثرت بى فرسى فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره فركبت فرسي ـ وعصيت الأزلام ـ تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ـ ساخت يدا فرسى في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزأني ولم يسألأني إلا أن قال أخف عنا فسألته أن يكتب لى كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب لى في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.وفي الطريق ـ في بطن رئم ـ لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وهو في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بياضا.النزول بقباءوفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة ـ وهي السنة الأولى من الهجرة ـ الموافق 23 سبتمبر سنة 622م نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء.قال عروة بن الزبير سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفي رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح. وتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة.قال ابن القيم وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف وكبر المسلمون فرحا بقدومه وخرجوا للقائه فتلقوه وحيوه بتحية النبوة فأحدقوا به مطيفين حوله والسكينة تغشاه والوحى ينزل عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير التحريم4.
مقالات عشوائية