المقالات الإسلامية المتنوعة

دراسة فقهية الحد الأدنى للأجور

دراسة فقهية الحد الأدنى للأجور

حين يقرع صوت النذير العريان الأسماع تفزع القلوب ويشتد الانتباه، لكن قد يكشف التبين أن الأمر لا يستدعي كل ذلك، لولا تفنن ذلك النذير في طرق شد الانتباه، التي قد تجعل مما له مثال سابق أمرا في غاية الطرافة! ذلكم هو شأن الدعوة إلى وضع حد أدنى للأجور التي تحمل لواءها بعض المنظمات الدولية، وتُعْزى المبادئ التي قامت عليها إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ثم تصدر بعد ذلك إلى العالم الإسلامي.

وهذا ما يثير الاستغراب؛ إذ الواقع أن الإعلان العالمي المؤسس لتلك المبادئ إنما صدر سنة: 1948م، أي بعد مُضِيِّ ما يزيد على ثلاثة عشر قرنا ونصف من نزول شريعة الإسلام، بما تحمله من مبادئ تربو عددا، وتعلو سُمُوًّا على تلك المبادئ، وفي هذا يرد قول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “إن المبادئ التي طالما صدرناها للناس يعاد تصديرها إلينا على أنها كشف إنساني ما عرفناه يوما، ولا عشنا به دهرا ..!! ولا غرو، لقد كان ظهور هذه المبادئ منذ اندلاع الثورة الفرنسية شيئا جديدا في حياة الغرب، والكعكة في يد اليتيم عجب!([1]).

لكن لا ينبغي أن نجادل في الأمر كثيرا، فالحسن حسن من أي جهة جاء، ومجيئه أو لنقل: رجوعه إلى منبعه ليس من المنكر، بل الحاجة داعية إليه، فالأصل الموجود في العالم الإسلامي يشكو كثيرا من الإهمال وتراكم الإعراض، حتى صارت المنظمات الدولية هي المنادية الداعية إلى مضمون المبادئ الإسلامية، وتريد من الدول الإسلامية أن تلتزم بها وتطبقها، وهذا أمر مؤسف! وفيه يرد المثل العربي: “استنوق الجمل”!.

ركزت جهود بعض المنظمات الدولية على مراعاة حقوق العمال، فعملت على التعريف بها، والسعي إلى وصولهم إليها، ويمكن القول إن تلك الجهود قد أثمرت شكلا عرفيا عالميا لمضمون العقود، يسعى لضبط حقوق العامل وحمايتها، ومن أبرز الحقوق التي تدعو إليها تلك المنظمات: تحديد الحد الأدنى للأجور، فكيف اعتنت الشريعة الإسلامية بالأجور؟ وما الوسائل التي شرعتها لتكون الأجور في المستوى المقبول؟ وما حكم تحديد الحد الأدنى لها؟

خطة بحث دراسة الحد الأدنى للأجوركيف اعتنت الشريعة الإسلامية بالأجور؟ وما الوسائل التي شرعتها لتكون الأجور في المستوى المقبول؟ وما حكم تحديد الحد الأدنى لها؟ تعريف الأجر في اللغة والاستعمال الشرعي.كيف تنظر الشريعة الإسلامية إلى الأجور؟ما تعريف التسعير، وما حكمه؟الإجابة على الأسئلة الثلاثة: ما حكم التسعير؟ وما صفة التراضي الذي تصح به العقود؟ وهل يشرع تدخل ولي الأمر بين التعاقدين؟  الرضا لا يحصل مع الإكراه، فهل يحصل مع الاضطرار أو الحاجة الشديدة؟ ما حكم بيع المضطر؟هل تكمل أهلية التعاقد مع الاضطرار أو الحاجة الشديدة؟ وما ضابط الحاجة التي لا تقدح في الرضا؟الإجابة عن أدلة القول بعدم جواز التسعير.بيان أدلة جواز التسعير، ومنه تحديد الحد الأدنى للأجور.كيف نحقق الحد الأدنى للأجور؟تعريف الأجور

أولا تعريف الأجر لغة: الأجور لغة جمع أجر، ومادة (أ ج ر) ترد لعدة معان، يقال: أجره الله أجرا من باب قتل وضرب، وآجره بالمد لغة ثالثة إذا أثابه، وآجرت الدار والعبد باللغات الثلاث، قال الزمخشري: وآجرت الدار على أفعلت فأنا مؤجر ولا يقال مؤاجر، وبعضهم يقول فهو مؤاجر في تقدير فاعلته، والأجرة الكراء والجمع أجر مثل غرفة وغرف، وربما جمعت أجرات بضم الجيم وفتحها، ويستعمل الأجر بمعنى الإجارة وبمعنى الأجرة، وجمعه أجور مثل فَلس وفلوس، وأعطيته إجارته بكسر الهمزة أي: أجرته، وبعضهم يقول: أجارته بضم الهمزة لأنها هي العمالة فتضمها كما تضمها([2]).

ثانيا الأجر في الاستعمال الشرعي: وقد ورد الأجر في القرآن لمعان:

الأَول: بمعنى المهر: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24]، والثاني: بمعنى ثواب الطَّاعة: {وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا أَجْرَهُمْ} [النحل: 96]، والثالث: بمعنى الجُعْل والغُرْم: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ: 47]، {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [القلم: 40]، الرّابع: بمعنى ما تستحقه الأم في مقابل إرضاع الولد، {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]، والأَجر في الأصل: ما يعود من العمل، دنيويّاً أَو أَخرويّاً، ويعبر بالأُجرة عن العائد الدّنيوي، كما يعبر بالأجْر عن الثواب في الآخرة، والأجر والجزاء يلتقيان في الدلالة على ما يعود بالنفع، وينفرد الجزاء بالدلالة على ما يعود بالضر أيضا، قال تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً} [الإنسان: 12]، وقال تعالى: {جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ} [الكهف: 106].([3])

وجاء استخدام الأجر في الحديث النبوي بمعنى الثواب الدنيوي والأخروي، قال ﷺ: “في كل ذات كبد رطبة أجر”([4])، وقال ﷺ: قال الله تعالى: “ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أَعْطَى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفى منه ولم يعطه أجره”([5]).

الخلاصة: أن معنى الأجر في الأدلة الشرعية لا يختلف عن المعنى اللغوي، فهو ليس من الألفاظ ذات المعنى الاصطلاحي.اقرأ أيضا:

مقالات عشوائية