من أبطال الهجرة.. أبو بكر الصديق
أبو بكر الصديق رفيق النبي في الهجرة هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التميمي كنيته أبو بكر ولقبه الصديق وكنية أبيه أبو قحافة. كان أبو بكر رضي الله عنه يسمى أيضا عتيقا وقيل إن سبب هذه التسمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أنت عتيق من النار (صحيح ابن حبان 6864). وقيل إنه سمي كذلك لحسن وجهه وجماله ولقب بالصديق لتصديقه بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة تصديقه لحديث الإسراء وقد أنكرته قريش كلها. وأبو بكر الصديق أفضل الأمة مكانة ومنزلة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أول من أسلم من الرجال وهو رفيق الرسول في هجرته وخليفته على المسلمين. هجرة أبي بكر الصديقلما أذن الله عز وجل لنبيه بالهجرة إلى المدينة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يهاجروا وجعل أبو بكر يستأذنه في الهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يمهله ويقول له لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا (فقه السيرة 160 حققه الالباني؛ بدون إسناد لكن معناه فيما أخرجه البخاري). حتى نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن قريشا قد خططت لقتله وأمره ألا يبيت ليلته بمكة وأن يخرج منها مهاجرا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وفتيان قريش وفرسانها محيطون ببيته ينتظرون خروجه ليقتلوه ولكن الله أخذ أبصارهم فلم يروه وتناول النبي حفنة من التراب فنثرها على رءوسهم وهم لا يشعرون وذهب إلى بيت أبي بكر وكان نائما فأيقظه وأخبره أن الله قد أذن له في الهجرة. تقول عائشة لقد رأيت أبا بكر عندها يبكي من الفرح ثم خرجا فاختفيا في غار ثور واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار وقال أبو بكر لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! (صحيح البخاري4663). وأقاما في الغار ثلاثة أيام ثم انطلقا وكان أبو بكر أعرف بالطريق وكان الناس يلقونهما فيسألون أبا بكر عن رفيقه فيقول إنه رجل يهديني الطريق وبينما هما في طريقهما إذ أدركهما سراقة بن مالك وكان قد طمع في النياق المائة التي رصدتها قريش لمن يأتيها بمحمد ولما اقترب سراقة رآه أبو بكر فقال يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ودنا سراقة حتى ما كان بينه وبينهما إلا مقدار رمح أو رمحين فكرر أبو بكر مقولته على النبي صلى الله عليه وسلم وبكى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لم تبك؟ قال أبو بكر أما والله ما على نفسي أبكي ولكن أبكي عليك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وقال اللهم اكفناه بما شئت (مسند أحمد122 صححه أحمد شاكر). فساخت قوائم الفرس ووقع سراقة وقال يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه فوالله لأعمين على من ورائي. فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم إلى طلبه ودعاه إلى الإسلام ووعده إن أسلم بسواري كسرى. واستمرا في طريقهما حتى بلغا المدينة واستقبل الصحابة مهاجرين وأنصار رسول الله وصاحبه بسرور وفرح عظيمين وانطلق الغلمان والجواري ينشدون الأنشودة الشهيرةطلع البدر علينا من ثنيات الوداعاضطهاد أبي بكر الصديقكان أبو بكر ذا مكانة ومنعة في قريش فلم ينله من أذاهم ما نال المستضعفين ولكن ذلك لم يمنع أبا بكر من أن يأخذ حظه وقسطه من الأذى فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة واجتمع المشركون عليه وسألوه عن آلهتهم وهو لا يكذب فأخبرهم فاجتمعوا عليه يضربونه وجاء الصريخ أبا بكر يقول له أدرك صاحبك فأسرع أبو بكر إليه وجعل يخلصه من أيديهم وهو يقول ويلكم! أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله. فتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلوا يضربونه حتى حمل أبا بكر إلى أهل بيته وقد غابت ملامحه من شدة الأذى. أعمال أبي بكر الصديقلأبي بكر الصديق رضي الله عنه مواقف وأعمال عظيمة في نصرة الإسلام منها إنفاقه كثيرا من أمواله في سبيل الله؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما نفعني مال قط مثلما نفعني مال أبي بكر. فبكى أبو بكر وقال وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه). وقد أعتق أبو بكر من ماله الخاص سبعة من العبيد أسلموا وكانوا يعذبون بسبب إسلامهم منهم بلال بن رباح وعامر بن فهيرة. لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه قال أبو معاوية لما ثقل جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قلنا يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف تعني رقيق ومتى ما يقوم مقامك يبكي فلا يستطيع فلو أمرت عمر فصلى بالناس فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحبات يوسف قالت فأرسلنا إلى أبي بكر فصلى بالناس فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج إلى الصلاة يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض فلما أحس به أبو بكر ذهب ليتأخر فأومى إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك قال فجاء حتى أجلساه إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبي بكر (صححه الألباني في صحيح ابن ماجه1024). وقال علي بن أبي طالب قدم رسول الله أبا بكر فصلى بالناس وإني لشاهد غير غائب وإني لصحيح غير مريض ولو شاء أن يقدمني لقدمني فرضينا لدنيانا من رضيه الله ورسوله لديننا. عندما قبض النبي صلى الله عليه وسلم فتن الناس حتى إن عمر بن الخطاب قال إن رسول الله لم يمت ولا يتكلم أحد بهذا إلا ضربته بسيفي هذا فدخل أبو بكر وسمع مقالة عمر فوقف وقال قولته الشهيرة أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.... بعد مبايعة أبي بكر بالخلافة أصر على إنفاذ جيش أسامة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جهزه وولى عليه أسامة بن زيد وكان فريق من الصحابة منهم عمر قد ذهبوا لأبي بكر وقالوا له إن العرب قد انتفضت عليك فلا تفرق المسلمين عنك. فقال والذي نفسي بيده لو علمت أن السباع تأكلني بهذه القرية لأنفذت هذا البعث الذي أمر الرسول بإنفاذه ولا أحل لواء عقده رسول الله بيده. واتخذ الجيش سبيله إلى الشام تحت إمرة أسامة. واجه أبو بكر في بدء خلافته محنة كبرى تمثلت في ردة كثير من قبائل العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومنعت بعض القبائل زكاة أموالها وأمام هذه الردة جهز أبو بكر الجيش وقرر حرب المرتدين جميعا واعتزم أن يخرج بنفسه على قيادة الجيش غير أن علي بن أبي طالب لقيه وقد تجهز للخروج فقال له إلى أين يا خليفة رسول الله؟ ضم سيفك ولا تفجعنا بنفسك فوالله لئن أصبنا بك ما يكون للإسلام بعدك نظام أبدا. فرجع أبو بكر وولى خالدا على الجيش وسار خالد فقضى على ردة طليحة الأسدي ومن معه من بني أسد وفزارة ثم توجه إلى اليمامة لحرب مسيلمة بن خسر ومن معه من بني حنيفة وكان يوم اليمامة يوما خالدا كتب الله فيه النصر لدينه وقتل مسيلمة وتفرق جنوده ومضى المسلمون يخمدون نار الفتنة والردة حتى أطفأها الله تعالى ثم استمر جيش خالد في زحفه حتى حقق نصرا عظيما على الروم في معركة اليرموك. لما أحس أبو بكر بقرب أجله شاور بعض كبار الصحابة سرا في أن يولي عمر بن الخطاب الخلافة من بعده فرحبوا جميعا غير أن بعضهم اعترض على غلظة عمر فقال أبو بكر نعم الوالي عمر! أما إنه لا يقوى عليهم غيره وما هو بخير له أن يلي أمر أمة محمد إن عمر رأى لينـا فاشتد ولو كان واليا للان لأهل اللين على أهل الريب. ثم أمر أبو بكر عثمان فكتب كتابا باستخلاف عمر. من أقوال أبي بكر الصديق كان أبو بكر إذا مدحه أحد قال اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون. لما بايعه الناس خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم خطب فيهم فقال أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أخطأت فقوموني ولا تأخذكم في الله لومة لائم ألا إن الضعيف فيكم هو القوي عندنا حتى نأخذ له بحقه والقوي فيكم ضعيف عندنا حتى نأخذ الحق منه طائعا أو كارها أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. عندما امتنع بعض المسلمين عن أداء الزكاة قرر أبو بكر قتالهم فذهب عمر إليه وقال له كيف تقاتلهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإن قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (صحيح مسلم 21) فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة من حق الله والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه. قال عمر فلما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أن الحق معه. من مواعظ أبي بكر الصديق إن العبد إذا دخله العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة. وكان يأخذ بطرف لسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد. اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه فصدقوا قوله وانصحوا كتابته واستضيئوا منه ليوم الظلمة. قبل موته دعا عمر بن الخطاب وقال له إني مستخلفك على أصحاب رسول الله يا عمر إن لله حقـا في الليل لا يقبله في النهار وحقا في النهار لا يقبله في الليل وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقله عليه وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق غدا أن يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفـا.يا عمر إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبا راهبا فلا ترغب رغبة فتتمنى على الله ما ليس لك ولا ترهب رهبة تلقي فيها ما بيديك.يا عمر إنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم ورد عليهم ما كان من حسن فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء وإنما ذكر الله أهل الجنة بأحسن أعمالهم؛ لأنه تجاوز لهم ما كان من سيئ فإذا ذكرتهم قلت أي عمل من أعمالهم أعمل؟ فإن حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو نازل بك وإن ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أكره إليك من الموت ولست تعجزه. وفاة أبي بكر الصديقتوفي أبو بكر رضي الله عنه في شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة قيل يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى وقيل مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. وصلى عليه عمر بن الخطاب وكان أبو بكر قد ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر ومات بعده بسنتين وأشهر مستوفيا ثلاثة وستين عاما وهو نفس العمر الذي مات عنه النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت خلافة أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر وأياما.وقال عمر في حقه رحمة الله على أبي بكر! لقد أتعب من بعده تعبا شديدا.رثاه علي بن أبى طالب وهو يبكي بكاء عظيما يوم موته بكلام طويل منه رحمك الله يا أبا بكر كنت إلف رسول الله وأنيسه ومكان راحته وموضع سره ومشاورته وكنت أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانـا وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق وأشرفهم منزلة وأرفعه درجة وأقربهم وسيلة وأشبههم برسول الله هديا وسمتـا... سماك الله في تنزيله صديقـا فقال والذي جاء بالصدق وصدق به الزمر من الأية33. فالذي جاء بالصدق محمد والذي صدق به أبو بكر. واسيته حين بخل الناس وقمت معه على المكاره حين قعدوا وصحبته في الشدة أكرم صحبة وخلفته في دينه أحسن الخلافة وقمت بالأمر كما لم يقم به خليفة نبي....
مقالات عشوائية