المقالات الإسلامية المتنوعة

ما أثمن الكتابة رغم كونها مكابدة مخاض - إسلام أون لاين

ما أثمن الكتابة رغم كونها مكابدة مخاض - إسلام أون لاين

عمري أنفقته في القراءة والكتابة، أنظر لكتابتي بوصفها محاولات في فهم الوجود، واكتشاف ذاتي، وتفسير طبيعة الإنسان، ومعرفة العالم الذي أعيش فيه، وتحري وجوه الحقيقة وتعبيراتها المتنوعة، وأقرب وأوضح ما يوصل إليها من الطرق. لا أرى كتابتي جزميات ويقينيات نهائية، ذلك ما يجعلني أعيد النظر فيها وأمحصها وأغربلها، وأحاول اكتشاف ثغراتها وأخطائها قبل غيري، وتصويبها، من غير أن يؤذيني ذلك، بل يعزز ثقتي في كلماتي بعد تصويبها وتنقيحها.
كتابتي أثمن ما أنجزته في محطات حياتي، وإن كانت كتابتي وجع ومكابدة مخاض، لكن عندما أكتب عن الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين، والإيمان والمحبة والتراحم، أشعر كأني أنصت لصوت الله في الوجود.

وعندما أدعو للإيمان والمحبة والتراحم والعيش في إطار التنوع والاختلاف، وأحاول أرسم بالكلمات صورة لله تضيؤها محبةُ الإنسان، تتكرس سكينة روحي وسلامي الداخلي.

لا أرى نفسي مخترِعًا أو مكتشفًا، أنا إنسان مثابر على مهمتي، مدمن على القراءة والكتابة، لا أعبث بوقتي، لدي عجز مزمن في ميزانية الوقت. لم أكن أتوقع في بداية حياتي أن أصبح كاتبًا، وإن كنت أتوق لذلك منذ سنوات العمر المبكرة. وما أدركت لأول وهلة ورطة الكتابة، إلى أن تحولتْ إلى صنعة العمر، فصرت أراقب كتابتي بحذر، وأتتبع انطباعات القراء الخبراء وأرصد تصويباتهم، وما ينبغي عليّ أن أقدمه لهم.

تولد كتابتي بسلسلة مراحل، ما يقرأه القارئ في الكتاب هو المرحلة الأخيرة في سلسلة الولادات. ‏أكتب العبارات في ذهني، وأعيد صياغتها مرات متعددة، قبل كتابتها. في الفراش وأنا أحاول النوم أنشغل بهذا النوع من الكتابة الذهنية، وإن كانت هذه الكتابة زئبقية، لحظة أتكاسل عن تدوينها لا أعثر عليها حين استيقظ صباحًا، قلما التقط الفكرة بعد فوات أوان حضورها الذهني، حتى لو فتشت عنها بهدوء في الذاكرة لا أراها. أسعفني الهاتف الذكي منذ سنوات، إذ منحني فرصة كتابة هذه العبارات حيثما أكون، أُملي على الهاتف ما يخطر لي، وهو يدوّن ما أقول، ولاحقًا أعود لتحريره.

الكاتب مدين للقراء، وعليه مسؤولية كبرى يفرضها ضميره الأخلاقي ليكون وفيًا لهم، القراء يأتمنون الكاتب الذي يثقون بوعيه على عقولهم وقلوبهم وأرواحهم، فعليه ألا يخذلهم، ولا يعبث بهذه الثقة الغالية. أنا قارئ شغوف بالمعرفة، عندما أقرأ بعض الكتابات وأشعر بالضجر، أتذكر مَن يقرأ كتاباتي ويعاني مثل هذا الشعور كما أعاني من تلك الكتابات، ذلك ما يستحثّني على إنفاق وقتي وطاقتي القصوى في الكتابة وإعادة الكتابة مرات متوالية.

لو أردت الكتابة أفكر طويلًا، وأقرأ كلَّ ما يتوفر في مكتبتي، وهي مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب المتنوعة، منتقاة بعناية قارئ محترف لتأمين ما يتطلبه شغفه بالقراءة وكتاباته. كنت أبحث في المكتبات الورقية، واليوم في الإنترنت، عما يخصّ الموضوع الذي أكتبه، أسعى بحدود قدرتي لدراسة الموضوع وبحثه من مداخله كافة، وصياغة رؤيتي بشأنه. لدي عادة، لا أعرف هل هي حسنة أو سيئة، كلُّ كتاب أعيد النظر فيه عند تقديمه لطبعة جديدة أعيد تأليفه، لذلك يرى القارئ الطبعة الجديد للكتاب ذاته وكأنه كتاب آخر، وإن كنت اليوم لم يعد وقتي يتسع للمزيد من عمليات إعادة الكتابة والتحرير.

خلق الخيال للإنسان، عبر الكتابة، عالمًا موازيًا للعالم الواقعي الذي يعيش فيه، ويتألم ويرتاح، ويحزن ويفرح، ويبكي ويضحك. الكتابة بمختلف فنونها وأجناسها وفرت للإنسان ملاذًا آمنًا يحميه من عبء الواقع ووطأته القاسية وعنفه. العالم الذي تصنعه الكتابة يجعل الإنسان يمتلك ما يبحث عنه، وإن كان يفشل بالظفر به في الواقع. بالكتابة يفرغ الكاتب آهاته ومواجعه بصورة كلمات، أكتم بداخلي شيئًا من آهاتي وحكايات مواجع حياتي وأخشى أن أموت قبل كتابتها. أكثر الكتّاب يداوون جروحهم بالكتابة، لولا الكتابة للبث الصراخ والآهات والأنين بين الضلوع، فمزّق الكاتب من الداخل. الكتابة تقاوم الشعور بعبثية الحياة وافتقارها للمعنى. الكتابة تضاعف قوة الذات وتخفض شعورها بالعجز، وتعزز شجاعة التفكير، وتعمل على تصلب الإرادة وتنميتها.

الكتابة تخفض شعور الكاتب بقلق الموت، بل تسعى لتحدى الموت عبر تنمية الشعور بالخلود الأبدي. الكتابة مخاض لكنها كلّما تقدّم عمري ترفد سلامتي النفسية. على الرغم من إرهاق الكتابة ومشقاتها، لكن لو لم أكتب أتعب نفسيًا جدًا. أحيانًا أنقطع عن الكتابة مدة، فأشعر ببؤس حياتي وضنكها، الكتابة تنهكني لكنها تنقذني من الشعور بضراوة آلام الحياة، وهشاشة الإنسان في خوض صراعاتها المتواصلة، وتمكّني من الاصرار على الحضور في تحدياتها المنهكة.اقرأ أيضا:

مقالات عشوائية