في مدرسة الهجرة الشريفة - (3) الله تعالى يؤيد رسله بالمعجزات
الله تعالى قد يبتلي أولياءه وأحبابه من أصحاب الرسالات والدعوات بالمحن والشدائد ولكن لا يتركهم لتلك المحن والشدائد حتى تعصرهم بل يمحصهم ويرفع من قدرهم ثم يؤيدهم بالمعجزات التي ثبت صدق دعواهم قال تعالى إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور الحج38وفي رحلة الهجرة الشريفة تجلت معجزات وآيات وبراهين تؤكد صدق دعوى النبي صلى الله عليه وسلم فهل رأيتم رجلا أعزلا محاصرا يخرج إلى المجرمين ويخترق صفوفهم فلا يرونه ويذر التراب على رؤوسهم ويمضي.وهل رأيتم فريقا من المجرمين يصعدون الجبل ويقفون على الباب فلا يطأطئ أحدهم رأسه لينظر في الغار .. هل رأيتم فرس سراقة تمشي في أرض صلبه فتسيخ قدماها في الأرض وكأنما هي تسير في الطين .. هل رأيتم شاة أم معبد الهزيلة يتفجر ضرعها باللبن. قال البوصيريوما حوى الغـــار من خير ومن كرم وكــل طرف من الكفار عنه عميفالصدق في الغــار والصديق لم يرمـا وهم يقولون مـا بالغــار من أرمظنوا الحمــامة وظنوا العنكبوت على خــير البريـة لم تنسـج ولم تحموقـــاية الله أغنت عن مضــاعفة من الدروع وعن عــال من الأطمإن هذه المعجزات لهي من أعظم دلائل قدرة الله تعالى وإذا أراد الله نصر المؤمنين خرق القوانين وقلب الموازين إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون يس82 .ومن المعجزات التي حدثت في طريق الهجرة المبارك1ـ روى البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليها الشمس فنزلنا عنده وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانا بيدي ينام عليه وبسطت عليه فروة وقلت نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا فقلت له لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة. قلت أفي غنمك لبن؟ قال نعم. قلت أفتحلب؟ قال نعم. فأخذ شاة فقلت انفض الضرع من التراب والشعر والقذى فحلب في قعب كثبة من لبن ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوى منها يشرب ويتوضأ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه فوافقته حين استيقظ فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم قال ألم يأن للرحيل؟ قلت بلى قال فارتحلنا.2ـ في اليوم الثاني أو الثالث من الهجرة مر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه بخيمتي أم معبد الخزاعية؛ وهي عاتكة بنت كعب الخزاعية وهي أخت خنيس بن خالد الخزاعي الذي روى قصتها وهي قصة تناقلها الرواة وأصحاب السير وقال عنها ابن كثير وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا (البداية والنهاية (3188)) وكان موقعهما بالمشلل من ناحية قديد على بعد نحو 130 كيلو مترا من مكة يقول خالد بن خنيس الخزاعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة وخرج منها مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن الأريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبة ثم تسقي وتطعم فسألوهما لحما وتمرا ليشتروه منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك وكان القوم مرملين مسنتين فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة فقال ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت خلفها الجهد عن الغنم قال فهل بها من لبن؟ قالت هي أجهد من ذلك قال أتأذنين أن أحلبها؟ قالت بلى بأبي أنت وأمي نعم إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وسمى الله عز وجل ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيها ثجا حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم صلى الله عليه وسلم ثم أراضوا ثم حلب فيها ثانيا بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها ثم بايعها وارتحلوا عنها. فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا ضحى مخهن قليل فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب حيال ولا حلوبة في البيت؟ .قالت لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا قال صفيه لي يا أم معبد قالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه نحلة ولا تزر به صعلة وسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صوته صهل وفي عنقه سطع ىوفي لحيته كثاثة أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب حلو المنطق فصل لا هذر ولا نزر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربع لا يأس من طول ولا تقتحمه العين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفون به إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا مفند . قال أبو معبد هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا فأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقولجزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبدهما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمدفيال قصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجازى وسؤددسلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهددعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبدفغادره رهنا لديها لحالب بدرتها في مصدر ثم موردفلما سمع حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله شبب يجاوب الهاتف وهو يقوللقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقدس من يسري إليه ويغتديترحل عن قوم فزالت عقولهم وحل على قوم بنور مجددوهل يستوي ضلال قوم تسفهوا عمى وهداة يقتدون بمهتدينبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهدوإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في ضحوة اليوم أو غدليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعدويهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمسلمين بمرصد3 أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم حيا أو ميتا فله مائة ناقة وانتشر هذا الخبر عند قبائل الأعراب الذين في ضواحي مكة وطمع سراقة بن مالك بن جعشم في نيل الكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهد نفسه لينال ذلك ولكن الله بقدرته التي لا يغلبها غالب جعله يرجع مدافعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما كان جاهدا عليه. قال ابن شهاب وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل منها لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة. بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهى من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عالية حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام؛ تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال أخف عنا فسألته أن يكتب لي في كتاب آمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مما اشتهر عند الناس من أمر سراقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن مالك كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ فألبسه الله إياه بعد القادسية, كان سراقة في بداية أمره يريد القبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلمه لزعماء مكة لينال مائة ناقة وإذا بالأمور تنقلب رأسا على عقب ويصبح يرد الطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده قائلا كفيتم هذا الوجه فلما اطمأن إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى المدينة المنورة جعل سراقة يقص ما كان من قصته وقصة فرسه واشتهر هذا عنه وتناقلته الألسنة حتى امتلأت به نوادي مكة فخاف رؤساء قريش أن يكون ذلك سببا لإسلام بعض أهل مكة وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم فكتب أبو جهل إليهمبني مدلج إني أخاف سفيهكم سراقة مستغو لنصر محمدعليكم به ألا يفرق جمعكم فيصبح شتى بعد عز وسؤددفقال سراقة يرد على أبي جهلأبا حكم والله لو كنت شاهدا لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمهعلمت ولم تشكك بأن محمدا رسول وبرهان فمن ذا يقاومهعليك فكف القوم عنه فإنني أرى أمره يوما ستبدو معالمهبأمر تود الناس فيه بأسرهم بأن جميع الناس طرا مسالمهوكان مما اشتهر عند الناس من أمر سراقة ما ذكره ابن عبد البر وابن حجر وغيرهما قال ابن عبد البر روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن مالك كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ قال فلما أتى عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياها وكان سراقة رجلا أزب. كثير شعر الساعدين وقال له ارفع يديك فقال الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول أنا رب الناس وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيا من بني مدلج ورفع بها عمر صوته ثم أركب سراقة وطيف به المدينة والناس حوله وهو يرفع عقيرته مرددا قول الفاروق الله أكبر الحمد الله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابيا من بني مدلج. (تاريخ الطبري 3118 الكامل في التاريخ 1434 البداية والنهاية 7 73 الروض الأنف (4218)).بدر عبد الحميد هميسه
مقالات عشوائية