المقالات الإسلامية المتنوعة

العقل الصريح

العقل الصريحالعقل مصدر من مصادر المعرفة الدينية إلا أنه ليس مصدرا مستقلا؛ بل يحتاج إلى تنبيه الشرع وإرشاده إلى الأدلة؛ لأن الاعتماد على محض العقل سبيل للتفرق والتنازع    فالعقل لن يهتدي إلا بالوحي والوحي لا يلغي العقل.وقد رفع الوحي من قيمة العقل وحث على التعقل وأثنى على العقلاء قال تعالى  فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب  الزمر 1718.والنصوص الشرعية قد جاءت متضمنة الأدلة العقلية صافية من كل كدر فما على العقل إلا فهمها وإدراكها فمن ذلك قوله تعالى  لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون  الأنبياء 22.وقال سبحانه  أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون  الطور35. وقال جل وعلا ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا  سورة النساء 82. وخوض العقل في أمور الإلهيات باستقلال عن الوحي مظنة الهلاك وسبيل الضلال.يقول ابن رشد الفيلسوف وهو ممن خاض بالعقل في مسائل الاعتقاد وطالت تجربته لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان وهم الأنبياء  . والمقارنة بين طريقة الوحي وطرق الفلاسفة والمتكلمين في بحث أمور العقيدة هي مقارنة بين الصواب والخطأ والصحيح والفاسد والنافع والضار.يقول الرازي بعد طول بحث ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن. وقال لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن.. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي   .فميزان صحة المعقولات هي الموافقة للكتاب والسنة. قال في (الحجة) وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم وطلبوا الدين من قبلهما وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقا لهما قبلوه وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه وإن وجدوه مخالفا لهم تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ورجعوا بالتهمة على أنفسهم   . والعقل قد يهتدي بنفسه إلى مسائل الاعتقاد الكبار على سبيل الإجمال كإثبات وجود الله مع ثبوت ذلك في الفطرة أولا.قال شيخ الإسلام ابن تيمية واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار مما يعلم بالعقل   .أما مسائل العقيدة التفصيلية مما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ورسوله وأنبيائه وما يجب لهم وما يستحيل فما كانت العقول لتدركها لولا مجيء الوحي.قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني ولأن العقل لا مجال له في إدراك الدين بكماله وبالعلم يدرك بكماله   ويقصد بالعلم الوحي.قال شيخ الإسلام رحمه الله لا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجه اليقين   .وقال اللالكائي رحمه الله سياق ما يدل من كتاب الله عز وجل وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل قال الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بلفظ خاص والمراد به العام  فاعلم أنه لا إله إلا الله  محمد 19 وقال تبارك وتعالى  وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون  الأنبياء 25 فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد...وكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع قال الله تبارك وتعالى  قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون  الأعراف 158.. فدل على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله عز وجل وهذا مذهب أهل السنة والجماعة   .ثم إن كثيرا من مسائل الاعتقاد بعد معرفتها والعلم بها لا تدرك العقول حقيقتها وكيفيتها وذلك كصفات الله تعالى وأفعاله وحقائق ما ورد من أمور اليوم الآخر من الغيبيات التي لا يحيلها أو يردها العقل ولا يوجبها أو يطلبها.(ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في القرآن الكريم لتقرير مسائل الغيب تنبيها للعقول على إمكان وجودها فاستدل على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى وعلى خلق الإنسان بخلق السماوات والأرض وهي أعظم وأبلغ في القدرة وعلى البعث بعد الموت بإحياء الأرض الميتة بعد إنزال الماء عليها)   .قال السفاريني رحمه الله لو كانت العقول مستقلة بمعرفة الحق وأحكامه لكانت الحجة قائمة على الناس قبل بعث الرسل وإنزال الكتب واللازم باطل بالنص  وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا  الإسراء 15 فكذا الملزوم   .وأخيرا فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح؛ فالأول خلق الله تعالى والثاني أمره ولا يتخالفان؛ لأن مصدرهما واحد وهو الحق سبحانه  ألا له الخلق والأمر  الأعراف 54.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛ لأن ما خالف العقل الصريح باطل وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس أو يفهمون منها معنى باطلا فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة)   .ولذا قال الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله (من الله عز وجل العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم)    (وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل وهو أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد؛ بل هو دون ذلك بكثير فإن العامي يمكنه أن يصير عالما ولا يمكن للعالم أن يصير نبيا رسولا 

مقالات عشوائية