المقالات الإسلامية المتنوعة

نقض العرى رؤية في البديل الغربي للتيار الإسلامي

  عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله لله عليه وسلم لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة؛ فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها (انظر مجمع الزوائد ورواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح). إن حزب النقض كان ولا يزال يكيد لهذه الأمة ويمكر بها ويلفتها عن دينها وإن المتتبع للمكر العالمي يرى تبرما من ظهور نهج أهل السنة والجماعة في الفهم والسلوك فأجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم. وقد ظهر جليا أن من أهم أهداف الخطة الأمريكية المسماة بـ (مشروع الشرق الأوسط الكبير) محاربة التيارات الإسلامية التي تتصدى للعدوان الأمريكي تحت شعار (محاربة الإرهاب). ويرى المروجون لهذا المشروع أن القوة المادية عسكرية كانت أم اقتصادية لا تكفي لهدم فكرة وبناء أخرى؛ فلا بد إذن من تيار إسلامي معارض لتلك التيارات منسجم مع الرؤية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط. يقول المستشرق الفرنسي المسلم إريك جيوفروي المتخصص في الصوفية بجامعة لوكسمبورج شمال فرنسا في حوار صحفي وفي علاقتها بالحركات الإسلامية بالذات نجد أن الأنظمة العربية عملت على إدماج الصوفية في الحكم بهدف محاربة الظاهرة الإسلامية (حاوره هادي يحمد إسلام أون لاين في 2062004م وانظر أيضا جريدة الراية القطرية الأحد 3012005م). ويعد (برنارد لويس) أن تفاقم تأثير الحركات الأصولية الدينية في أواخر السبعينيات والثمانينيات قضى نهائيا على أفكار غربيين كانوا يعتقدون أن التصوف الإسلامي السياسي يحد من تأثير الإسلام السياسي؛ فمقاومة السلطة السياسية من ملوك وأباطرة وفراعنة كما يؤكد دانيال بايبس وجد له الأصوليون تفسيرا في القانون الإسلامي ولذا فإن الغرب يسعى إلى مصالحة (التصوف الإسلامي) ودعمه لكي يستطيع ملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة وإقصائه نهائيا عن قضايا السياسة والاقتصاد وبالطريقة نفسها التي استخدمت في تهميش المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة (جريدة الزمان العدد 1633 التاريخ 12102003م وهو رئيس منتدى الشرق الأوسط بالولايات المتحدة). 1 ثم يقول إذا أخذنا هذه الصورة المتنوعة بعين الاعتبار؛ فكيف يجب على الصوفية أن تدخل في الإستراتيجية الأمريكية للتعامل مع العالم الإسلامي؟ من الواضح جدا أن على الأمريكيين أن يتعلموا المزيد عن الصوفية وأن يتعاملوا مع شيوخها ومريديها وأن يتعرفوا على ميولها الأساسية... يجب على أعضاء السلك الديبلوماسي الأمريكي في المدن الإسلامية من بريشتينا في كوسوفو إلى كشغار في غرب الصين ومن فاس في المغرب إلى عاصمة إندونيسيا جاكرتا أن يضعوا الصوفيين المحليين على قائمة زياراتهم الدورية. يجب أن ينتهز الطلاب الأمريكيون ورجال الأعمال وعمال الإغاثة والسائحون فرص التعرف على الصوفيين. الأهم من ذلك أن أي شخص داخل أو خارج الحكومة يشغل موقعا يسمح له بالتأثير على مناقشة ورسم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط يمكنه أن يستفيد من فهم هذا التقليد الفطري من التسامح الإسلامي (عن مجلة ويكلي ستاندرد , 7 شباط 2005م). 3 وتستطرد قائلة وقد حذرت التعاليم الإسلامية الكلاسيكية علماء الدين من التقرب الكبير من السلطة السياسية. 4 ويقول الباحث د. عبد الوهاب المسيري مما له دلالته أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام يشجع الحركات الصوفية. ومن أكثر الكتب انتشارا الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين بن عربي وأشعار جلال الدين الرومي وقد أوصت لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات الدينية بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية؛ فالزهد في الدنيا والانصراف عنها وعن عالم السياسة يضعف ولا شك صلابة مقاومة الاستعمار الغربي.... ويؤكد المستشرق الألماني شتيفان رايشموت أستاذ علم الإسلاميات وتاريخ الإسلام بجامعة بوخوم أن مستقبل العالم الإسلامي سيكون حتما للتيار الصوفي (من مقال بعنوان الصوفية هل تكون النموذج الأمريكي للتغيير؟ د. عمار علي حسن 2622005م إسلام أون لاين). ومن الجدير بالملاحظة أنه في عام 2001م؛ أطلقت مجموعة من الخطابات السياسية حول الإسلام الذي يريده الغربيون؛ فقد شرح رئيس الوزراء البريطاني المقصود بهذا في خطاب موجه للزعماء والمسؤولين بالدول الإسلامية دعاهم فيه إلى أن يعملوا جاهدين على أن يهيمن الإسلام (العادي أو الرئيسي) استخدم لفظ ( ) بحيث يخضع له جميع المسلمين في شتى أنحاء العالم والفكرة نفسها عبر عنها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في شهر نوفمبر 2001م؛ في خطاب ألقاه بجامعة لويسفيل بولاية كنتاكي حيث أشار إلى تبلور رؤية أمريكية للمجتمعات الإسلامية تقوم على أساس من قيم معينة تمس التكوين الثقافي والسياسي والعقدي لتلك المجتمعات (الأهرام 18122001م مقال بعنوان فرض الإسلام المعدل؛ بعد 11 سبتمبر 2001م 14102002م وانظر أيضا جريدة السفير اللبنانية في 22122001م). وفي يناير عام 2001م؛ أقيم المؤتمر العالمي الأول لدراسات الشرق الأوسط الذي عقد بمدينة ماينز الألمانية وقد كان برنامج المؤتمر مكتظا بالبحوث والدراسات المتنوعة؛ أما ما يتعلق بالإسلام والحضارة الإسلامية فثمة بحثان هما الإسلام الحديث والطريقة النقشبندية المجددية الصوفية والأولياء الصوفيون وغير الصوفيين5. 6 هذا بالإضافة إلى أن هذا العالم الإسلامي المفضل ملزم بالمساهمة في منع أي (صدام للحضارات) بكل صوره المتاحة والممكنة الممتدة من القلاقل المحلية المتصاعدة بسبب الصراعات بين الأقليات المسلمة والمواطنين (الأصليين) في الغرب؛ إلى العمليات العسكرية المتصاعدة عبر العالم الإسلامي وما ينتج عنها من إرهاب وعدم استقرار. ومن ثم؛ فإن من الحكمة والاتزان تشجيع تلك العناصر الموجودة في داخل الخلطة الإسلامية التي تظهر أكبر قدر ممكن من التعاطف والانسجام تجاه السلام العالمي والمجتمع الدولي والديمقراطية والحداثة. إلا أن الأمر لا يبدو بهذه السهولة؛ فتعريف تلك العناصر وإيجاد الأسلوب الأمثل والأنسب للتعامل معها ليس بالأمر الهين. ثم رصد التقرير أربعة عناصر موجودة على الساحة الإسلامية وهي الأصوليون الذين يرفضون القيم الديمقراطية والثقافة الغربية الراهنة. التقليديون الذين يسعون إلى خلق مجتمع محافظ. الحداثيون (أهل الحداثة) الذين يبغون عالما إسلاميا مندمجا في داخل الحداثة العالمية. العلمانيون وهم يريدون عالما إسلاميا مختزلا للدين في الدوائر الخاصة على غرار الديمقراطيات الغربية. ثم يوصي التقرير بوصايا متعددة للتعامل مع هذه التصنيفات؛ ومن هذه الوصايا 8 في 3012004م؛ نشرت جريدة (يني شفق) التركية خبرا مفاده أن الرئيس الأمريكي (جورج بوش) عرض على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال استقباله في البيت الأبيض يوم 2812004م؛ معالم المشروع الأمريكي الجديد لـ (الشرق الأوسط الكبير) الذي يمتد من المغرب حتى إندونيسيا مرورا بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز. وحسب ما جاء في الصحيفة؛ فإن المشروع طبقا لما عرضه الرئيس الأمريكي جعل من تركيا عمودا فقريا حيث تريد واشنطن منها أن تقوم بدور محوري فيه حيث تتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وعاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي لكي يتولوا التبشير بنموذج الاعتدال المطبق في بلادهم وأن هذا النموذج هو الأصلح للتطبيق في العالم الإسلامي ومن ثم الأجدر بالتعميم لأسباب ثلاثة أولها أنه ملتزم بالعلمانية التي تهمش دور الدين إلى حد كبير بل وتعارض أي دور للدين في الحياة العامة. السبب الثاني أن تركيا تعتبر نفسها جزءا من الغرب وموالاتها للولايات المتحدة ثابتة ولا شبهة فيها ومن ثم فهي تعد جزءا من العائلة الغربية وتحتفظ مع العالم الإسلامي بعلاقات شكلية. 9 10 11 وتؤكد بعض الدراسات أن هناك تطورات تشير إلى أنهم يبحثون عن ضالتهم في الجماعات الإسلامية التركية التي يغلب على معظمها الصبغة الصوفية بأشكالها المختلفة... واستنادا لتقارير نشرتها بعض الصحف التركية خلال الأيام الأخيرة فإن مسؤولين من السفارة الأمريكية في أنقرة قاموا بزيارات إلى بعض الجماعات الإسلامية والمؤسسات الخيرية لدراسة مدى شعبية ونفوذ كل جماعة وتشير المصادر نفسها إلى أن الأمريكيين يعرضون على زعماء الجماعات التي يزورونها التعاون الاستراتيجي في نشر ما يسمى بـ (الإسلام المعتدل) في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير وتقديم الدعم المادي والسياسي لجماعاتهم وفتح مجال الدراسة لطلابهم في الولايات المتحدة. 12 النشاط الصوفي بعد أحداث سبتمبر ويلحظ المتابع للحركة الصوفية النشاط المتسارع بعد الحادي عشر من سبتمبر بافتتاح المدارس والأكاديميات والأربطة لاستقبال المريدين والقيام بالمؤتمرات الدولية حول الصوفية والتصوف ودعم وسائل النقل الثقافي ففي 2832001م عقد في مدينة بامبرج الألمانية المؤتمر الثامن والعشرين للمستشرقين الألمان ومن ضمن البحوث التي قدمت في المؤتمر بحث بعنوان الأخوة الصوفية كحركات اجتماعية و(الحركة النقشبندية في داغستان) و(التيجانية) في غرب أفريقيا وصورة الموالد الشعبية في مصر (انظر جريدة الشرق الأوسط الأربعاء 4 محرم 1422 هـ 28 مارس 2001م العدد 8156). وفي عام 2002م؛ تم افتتاح أقسام لتعليم اللغات (الإنجليزية والفرنسية والإسبانية) في المعاهد الشرعية التابعة للشيخ (أحمد كفتارو) النقشبندي وهذه الأقسام تستقبل الطلبة الناطقين بهذه اللغات أو تعلم الطلبة العرب هذه اللغات كي يقوموا بالتدريس في هذه الدول بعد ذلك (وكالة الأنباء الفرنسية سبتمبر 2002م). 13 وفي أغسطس عام 2003م الموافق جمادى الآخرة 1424هـ؛ صدر العدد الأول من المجلة المنعوتة بـ (مجلة البحوث والدراسات الصوفية) وهي من مطبوعات جمعية العشيرة المحمدية بمصر وتقع في حوالي 600 صفحة وتصدر عن المركز العلمي الصوفي الذي يهدف إلى (إحياء التصوف في الأمة ونشره على كافة مستوياتها وبين كل فئاتها وفي مختلف أوجه أنشطتها)! (مجلة البحوث والدراسات الصوفية العدد الأول من مقدمة المجلة). وفي عام 2003م؛ شهدت مدينة (الإسكندرية) في الفترة من 1821 إبريل المؤتمر العالمي للطريقة الشاذلية بمدينة الإسكندرية وقد انعقدت جلسات المؤتمر بمكتبة الإسكندرية بالتعاون مع (منظمة اليونسكو) و(المركز الوطني الفرنسي للبحوث والدراسات العلمية) و(المعهد الفرنسي لآثار الشرقية) و(الوزارة الفرنسية للبحث العلمي) و(وزارة الخارجية الفرنسية) و(دار العلوم الإنسانية بفرنسا) وأخيرا (وزارة السياحة المصرية) (انظر مجلة البحوث والدراسات الصوفية؛ العدد الأول صفحة 595). 14 وفي سبتمبر من عام 2004م؛ تم افتتاح الأكاديمية الصوفية بمصر (نشر في 1472004م؛ في موقع إسلام أون لاين نت 2004م انظر أخبار الأكاديمية على هذا الرابط ...). وفي 912004م أعلن في العراق عن تشكيل (الأمانة العليا للإفتاء والتدريس والبحوث والتصوف الإسلامي) التي من أهدافها إنشاء المدارس الدينية ودعم الطرق الصوفية (جريدة الشرق الأوسط الجمعة 16 ذو القعدة 1424 هـ 9 يناير 2004م العدد 9173). وفي 1092004م؛ أقيم مؤتمر هو اللقاء الأول من لقاءات سيدي شيكر العالمية للمنتسبين إلى التصوف) تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس (وكالة الأنباء المغربية؛ في 1092004م). 15 وفي ديسمبر من عام 2004م؛ أقيم في عاصمة مالي باماكو المؤتمر العالمي الأول للطرق الصوفية بغرب أفريقيا تحت شعار (التصوف أصالة وتجدد).....1. وفي الفاتح من سبتمبر من عام 2005م؛ أقامت الجماهيرية الليبية مؤتمرا دوليا بعنوان (الطرق الصوفية في أفريقيا؛ حاضرها ومستقبلها) ومن أهداف المؤتمر اقتراح الخطط والوسائل والبرامج التي تساعد على تفعيل دوره أما شعار المؤتمر فهو (معا من أجل تفعيل دور الطرق والزوايا الصوفية في أفريقيا)..1.. وفي 5 يوليو 2005م؛ أقيم مؤتمر (حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر) الذي بدأ أعماله في العاصمة الأردنية (عمان) برعاية العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وقد قرر في خطابه فكرة التصوف واصفا له بالتصوف المعتدل فقال لقد أفتى شيخ الأزهر بأن الفكر الصوفي المعتدل مقبول ما دام يستند إلى الشهادتين؛ ذلك أن الاعتراف بالمذاهب هو اعتراف بمنهجية الإفتاء وتحديد من هو المؤهل لهذه المهمة مما يؤدي إلى عدم تكفير بعضنا بعضا وإغلاق الباب أمام الجاهلين الذين يمارسون أعمال القتل والإرهاب باسم الإسلام والإسلام منها بريء (انظر جريدة الرياض الثلاثاء 28 جمادى الأولى 1426هـ الموافق 5 يوليو 2005م العدد 13525). إن هذه المؤتمرات المتلاحقة حول التصوف تنبئ أن وراء الأكمة ما وراءها وأن الأمة مقبلة على مد صوفي يراد إحياؤه من جديد بعد أن بدأ بالخمود سواء أكان هذا التحرك ذاتيا من قبل الجماعات الصوفية أم هو بتحريك غربي عربي؛ فالخطر العقائدي لا يزال قائما. إنها مخططات واضحة جلية ودراسات تعي ما تريد وتخطط لما تطرح بخطوات ثابتة بل توصي مثل هذه الدراسات بألا تقوم الولايات المتحدة بتدريب الأئمة المحليين في المساجد والمراكز الإسلامية لدعم الصوفية بنفسها بل تمول في ذلك السلطات المحلية على أن يتم بشكل مواز دعم التعليم العلماني في هذه المنطقة جنبا إلى جنب مع تقديم منح مالية لترميم ورعاية الأضرحة الصوفية والعناية بالمخطوطات والتراث الثقافي الصوفي. والخطوة الأكثر أهمية هي تعيين أئمة المساجد وخطبائها وتخصيص مناصب وزارية للمتعاطفين مع الصوفية؛ بحيث يتم إعادة ترتيب الأدمغة التي (أفسدها الأصوليون قليلو البضاعة الفقهية). نحن إذن أمام سيناريو يعيد إلى الأذهان الأسلوب السوفييتي القديم الذي اعتمد على احتضان ما اصطلح على تسميته بـ إسلام السلطة في مقابل ممارسات إسلامية تخضع للمراقبة والمتابعة الأمنية تعيش تحت الأرض سميت في ذلك العهد بـ (الإسلام السري) أو الموازي 34. يقول الباحث الدكتور عامر النجار إنه قد يكون مما ساعد على انتشار الطرق الصوفية في مصر انتشارا عجيبا واندفاع عشرات الألوف من المصريين للانضمام تحت لواء هذه الطرق هو تشجيع الحكام أنفسهم لحركات الطرق الصوفية ليشغلوا الشعب المصري عن التفكير في أحوال البلاد؛ فبدلا من أن ينشغل الإنسان المصري بالتفكير في ظروفه الاجتماعية والاقتصادية السيئة وبدلا من أن يفكر في فقره وبلائه وبدلا من أن يفكر في طريقة للخلاص من وضعه السيئ بالثورة على الحاكم؛ فإن الحاكم نفسه يعمل على شغل فكره من خلال تشجيعه إلى الانضمام إلى إحدى الطرق الصوفية فيجد عالمه وخلاصه في رحاب الطريق. وهكذا انشغل المصريون كلهم في هذه الحقبة من الزمن بالطرق الصوفية وتركهم الحكام (الطرق الصوفية في مصر؛ د. عامر النجار 282). ومن البدهي أن نقول إن هذه المؤتمرات بعناصرها وأوراق العمل التي تعرض فيها هي برامج للتنفيذ والعمل المباشر؛ وهذا ما نلحظه من خلال الواقع الذي نعيشه. إن المتأمل للنشاط الصوفي المعاصر يجد نفسه أمام تيار جديد صوفي المشرب متحضر الأدوات واسع النظرة يتعامل مع الواقع السياسي ويتبنى العمل التربوي المنظم من افتتاح حلقات تحفيظ القرآن واللقاءات المنظمة واستخدام الدعوة الفردية إلى تهيئة رحلات ودروس خاصة للمريد مع لقاءات تتلى فيها البردة في حلقات فلكلورية يردد فيها لفظ الجلالة إلى حد الفناء والجذب. وليكن معلوما؛ أن التصوف بطرقه ورجالاته ومريديه وأربطته لم يعد حالة من الزهد والتعبد الفردي كما بدأ؛ بل صار مؤسسات ضخمة لها امتداد عابر للقارات بعضها يجتهد في أن يلعب دورا دينيا وسياسيا واجتماعيا وبعضها تماهى في الفلكلور وتم اختزاله إلى ظاهرة احتفالية بعد أن التصقت بثوب التقليدية وتكلست عن إنتاج أي ممارسات سياسية إيجابية إلا ما تستفيد منه السلطة في تكريس نفسها. 17 وبناء على هذا؛ فإنه لا يصح شرعا وواقعا أيضا جعل الصوفية والمنتسبين إليها في سلة واحدة أو أن نحكم عليها بحكم عام يشمل جميع المتصوفة لا من جهة المواجهة ولا من جهة الحكم الشرعي التوصيفي؛ فلا بد إذن من معرفة الواقع الذي تعيشه هذه الجماعات حتى يتم الحكم والتعامل معها بناء على أسس علمية جلية. إننا أمام مفارقة تاريخية تحتاج إلى الرصد والمتابعة. مظاهر تسترعي الانتباه حين دخلت القوات الصليبية الأمريكية والبريطانية إلى البلاد الأفغانية كان أول ما قاموا به أنهم فتحوا المزارات والأضرحة وسمحوا للموالد أن تقام وروجوا لها. يقول أحد شيوخ الطرق واسمه صوفي محمد وهو في الستين من عمره لوكالة (رويترز) إن حركة طالبان المتعصبة أغلقت المزارات وأوقفت الاحتفالات ومنعتنا من حلقات الذكر والإنشاد طوال فترة حكمها رغم أنها لم تتوقف حتى في وجود الحكم الشيوعي والاحتلال الروسي! وأنا سعيد جدا بسقوط تلك الحركة المتعصبة وأمريكا سمحت لنا بممارسة طقوسنا وإقامة موالدنا ونحن نشكر لها ذلك وبشدة! هكذا قال وهكذا فعلت أمريكا فتحت الأضرحة وأقامت الموالد لإحياء البدعة ومحاربة السنة ولتشويه الإسلام! (انظر....). وفي صيف 2001م؛ شنت الحكومة اليمنية هجمة شرسة على جميع المعاهد الدينية بحجة مكافحة الإرهاب فقامت بإغلاقها عدا دار المصطفى بـ تريم وهي تتبنى النهج الصوفي (جريدة الشرق الأوسط 10122001م). وفي زيارة هامة للرئيس الباكستاني برفيز مشرف إلى الهند شملت إجراء محادثات مع رئيس الوزراء الهندي (مانموهان سينج). توجه الرئيس مشرف لولاية راجستان بغرب الهند لزيارة ضريح إسلامي بارز ثم توجه إلى العاصمة دلهي (موقع شبكة البي بي سي وانظر أيضا جريدة الراية القطرية الأحد 2432005م). 18 وفي 16 شوال 1426هـ؛ حضر مولد البدوي السفير الأمريكي في القاهرة معلنا عن إعجابه الشديد بعالم التصوف الإسلامي لافتا إلى ما تنطوي عليه الصوفية من تسامح وما تجسده من قيم ومبادئ إسلامية رفيعة مثل الحق والخير والجمال!19. 20 وأخيرا نقول إننا نخشى أن يؤاخذنا الله بعدم تبليغ دينه كما يريده سبحانه ونخشى من انطماس حقائق الديانة وانتشار الطائفين حول الأضرحة والقبور بحجة العبادة وحلول الأذكار المبتدعة بالحركات الراقصة محل الأذكار النبوية التي تطمئن بها القلوب المؤمنة وانتشار الخرافة والجهل محل العلم واليقين وتعطل الأسباب بحجة الكرامات وفهم الدين عن أرباب التصوف. يقول الأستاذ محمد فريد وجدي يجب أن نعذر الأوروبيين إذا صدقوا جميع الأكاذيب الملفقة عن الإسلام والمسلمين وهم غير ملومين إذا أظهروا العداوة لديننا ما داموا لا يجدون نصب أعينهم غير مشاهد البدع التي أحدثها رجال ذوو فكر سقيم وارتضاها الناس وزادوا عليها وما إلى ذلك من الهرطقات والأخطاء المتنافية مع الطبيعة البشرية ومع نواميس المدنية وكيف نرجو أن يفهم الأوروبيون روح ديننا نفسها وهو الدين الوحيد الذي يكفل السعادة الكاملة ما داموا لا يعرفون غير بعض مظاهر الإسلام الخارجية التي يشهدونها كل يوم مثل الحشود الضاجة في الشوارع السائرة خلف الرايات والطبول والاحتفالات المستهجنة المنافية لكل منطق أخلاقي والتي تقام في جميع مدن مصر يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وعقد حلقات الذكر الضخمة أمام جمهور يتألف من آلاف الناس وإرسال الابتهالات الصوفية في صوت جهوري وعلى وقع الانحناءات ذات اليمين وذات اليسار وما شابه ذلك؟ (انظر كتاب دفاع عن الإسلام؛ الكاتب لورا فيشيا فاغليري 122). ويقول الباحث د. عامر النجار وإذا كان القرن السابع الهجري في مصر يمثل في أغلب فتراته اضمحلالا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا؛ إلا أنه كان عصر انتشار الطرق الصوفية البدوية والشاذلية والدسوقية وازدهرت فيه وقويت طريقتا الرفاعية والقادرية (الطرق الصوفية في مصر؛ د. عامر النجار 282). ثم يعقب قائلا مما يجعلني أقول بحذر شديد حتى أوضح هذه الفكرة إنه يحتمل مع وجود تدهور في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لدى شعب من الشعوب أن يبدأ انسحاب الناس وتلمس أثر الهزيمة واضحا في فكرهم بعضهم يهرب من الحياة منعزلا في صومعة يعبد ربه بعد أن أخفق في الحياة التي أجبرته ظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على الانسحاب من أنشطتها. ثم ينقل عن الباحث هيلر قوله إن ذيوع التصوف يصحب تدهور الحضارات ثم يقول والذي يفهم من هذا الرأي ببساطة هو أن نضج التصوف وتطوره يصاحب دائما تدهور الحضارة أي أنه لا يمكن أن تكون هناك حضارة متقدمة وزاهية يصاحبها تصوف ناضج ومكتمل (انظر كتاب التصوف طريقا ومذهبا؛ الدكتور محمد كمال جعفر 283). ولكن مع هذه التحركات التي يراد منها ولها أن تنشر الخرافة والشرك بين جنبات الأمة وتميت روح العزة والفداء وتنهمك في حلقات راقصة من الذكر المزعوم وتعتمد اعتمادا كليا على كرامات مدعاة في تعلق عجيب؛ أقول إن نظامنا العقدي هو أقوى من كل الأنظمة وإن لدينا من القيم والمناهج ما يمكننا من أن نقدم رؤية متكاملة لإصلاح الفساد القائم؛ لكننا نحتاج أن نغادر مرحلة الانطواء إلى مرحلة بناء الخطوط المتقدمة وفتح خطوط حيوية في أرض الآخرين. أسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. ــــــــــــ المراجع 1 (وهو صاحب كتاب وجهة الإسلام الأصولية السعودية ودورها في الإرهاب). 2 (هذه الأوصاف ليست بغريبة على أمثاله؛ إذ يتوقع منهم مع الشنآن الفجور في الخصومة). 3 (بقلم فارينا علم المقال على موقع ؛ وهو بعنوان المبادئ الخمس لمستقبل الإسلام في 2742005م وهي صحفية بريطانية من أصل بنغلاديشي مقيمة في لندن وترأس تحرير مجلة ). 4 (نيويورك صن 23112004م للكاتب النصراني دانيال بايبس؛ وهو رئيس مؤسسة منبر الشرق الأوسط للأبحاث ومقره ولاية فلادلفيا وله كتابات عدة في التهجم على الإسلام والمسلمين وقد قام مؤخرا بإنشاء مركز التعددية الإسلامية أعلن أن الهدف منه هو تشجيع الإسلام المعتدل في الولايات المتحدة والعالم ومحاربة نفوذ الإسلام المسلح وإحباط جهود المنظمات ذات التوجه الوهابي المتطرف على حد قوله من خلال وسائل الإعلام وبالتعاون مع المنظمات الحكومية الأمريكية أما عن مسؤولي المركز وعن مصادر تمويله فمديره أمريكي مسلم اسمه ستيفن شوارتز كان شيوعيا متطرفا تروتسكيا ثم دخل في الإسلام من باب التصوف وفي تصوفه تطرف أيضا وأصبحت معركته في الحياة هي مواصلة الحرب ضد ما يسميه بالوهابية. أما مساعده فهو أزهري مصري اسمه الدكتور أحمد صبحي منصور كان قد فصل من الأزهر في الثمانينيات بسبب إنكاره للسنة النبوية ومن أبرز الداعمين للمشروع نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفوتيز؛ مهندس الحرب على العراق وأحد أبرز اليهود الناشطين بين المحافظين الجدد ورئيس البنك الدولي مؤخرا وجيمس وولسي مدير المخابرات المركزية السابق انظر وكالة انترناشيونال برس سيرفيس في 742004م). 5 (أقيم هذا المؤتمر بجامعة يوهانسن جوتنبرج كما أن المبادرة إلى عقده جاءت من رابطة دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية وتقرر أن يعقد تحت الإشراف المشترك لهذه الرابطة والرابطة الأوروبية لدراسات الشرق الأوسط والروابط الفرنسية والألمانية والبريطانية والإيطالية لدراسات العالمين العربي والإسلامي وقد حضره ألفا باحث وعالم ومفكر. كما شارك في المؤتمر قرابة الألف من السياسيين الرسميين وغير الرسميين الأهرام 25 محرم 1423 هـ الموافق 8 إبريل 2002م العدد 42126). 6 (تأسست هذه المؤسسة منذ خمسين سنة وهي مؤسسة غير ربحية ترتكز على إيجاد حلول للتحديات التي تواجه القطاعات العامة والخاصة في العالم). 7 (التقرير من صياغة شاريل بينارد؛ وهي متزوجة من زلماي خليل زاده الذي يشغل الآن منصب المساعد الخاص للرئيس بوش وكبير مستشاري الأمن القومي المسؤول عن الخليج العربي وجنوب شرق آسيا وقد عين مؤخرا سفيرا للولايات المتحدة لدى العراق ويعتبر خليل زاده الأمريكي من أصل أفغاني الوحيد الذي ينتمي إلى المحافظين الجدد ويعرف بآرائه المتطرفة. التقرير من ترجمة وتحرير شيرين حامد فهمي انظر موقع إسلام أون لاين في 1852004م. ومجلة المجتمع 1072004م وانظر أيضا مجلة الحوادث الأسبوعية في عددها 2495 2782004م). 8 (انظر الملحق الأسبوعي للعرب اليوم الأردنية في 2542005م وانظر أيضا الطبعة الإلكترونية من مجلة يو إس نيوز آند وورلد ريبورت الأمريكية العدد 2542005م ). 9 (جريدة يني شفق التركية في 3042003م وانظر أيضا .....). 10 (.. من مقال بعنوان فزاعة الإسلاميين؛ حق الانتفاع ينتقل لواشنطن. من المعلوم لكل متابع التهافت الشديد من قبل السلطة في تركيا على الانضمام للاتحاد الأوروبي والذي بدوره استغل الفرصة وبدأ يملي شروطه على الحكومة التركية إلى درجة التدخل في القوانين التركية الداخلية؛ فعندما نوقش قانون الجزاء التركي جرى تعديله بحيث تحاكم المرأة إذا لجأ زوجها إلى المحاكم يتهمها بالزنا وعلى الفور صاح الأوروبيون وقالوا هل ستدخلون الإسلام وأخلاقيات الإسلام في تشريعات دولة تطلب الانضمام إلى أوروبا؟ فسحبوا التعديل واعتذروا للأوروبيين بطاقة الهوية التي يحملها التركي تتضمن ديانة حاملها بذكر كونه مسلما أو غير ذلك وتدخل الأوروبيون مرة أخرى؛ وطالبوا بحذف الدين من بطاقة الهوية وعندما استجابت الحكومة علق أحد النواب بأنهم لن يدخلوا إلى أوروبا إلا بعد أن ينتزعوا منا ديننا اجتمع رئيس الوزراء التركي مع مديري المصارف). (وعندما سأله مدير أحد المصارف الإسلامية عن الفائدة الربا قال هذا نظام عالمي لا بد من الالتزام به! عندما خرجت مئات الألوف من الطالبات المحجبات في مظاهرات في جميع المدن التركية يطالبن بإعادتهن إلى مدارسهن وجامعاتهن باعتبار الحجاب حرية فردية وأمرا دينيا لا يجوز أن تتدخل فيه الحكومة اعترض الجيش واعترضت أوروبا وقالا الحجاب هو تعبير عن الهوية الإسلامية لا يمكن القبول به وعندما سئل رئيس الوزراء عن ذلك قال ليست هذه من أولوياتنا بعض التعديلات طلبها الاتحاد الأوروبي ولم يوافق عليها إلى الآن رئيس الوزراء التركي وهي مقدار العقوبة التي يتحملها المعلم أو الأب إذا علم ابنه القرآن في البيت قبل أن يبلغ الحادية عشرة من عمره! انظر مجلة المجتمع العدد 1664 رجب 1426هـ الموافق اغسطس 2005م). 11 (الطبعة الإلكترونية من مجلة يو إس نيوز آند وورلد ريبورت الأمريكية 254 2005م ). 12 (من مقال بعنوان ماذا وراء التقرب الأمريكي من الجماعات الصوفية في تركيا؟! في 1632004م لإسماعيل باشا إسلام أون لاين). 13 (انظر جريدة الشرق الأوسط السبت 13 جمادى الأولى 1424 هـ 12 يوليو 2003م العدد 8992 المحاضران هما ألكسندر فسلينوف والبروفيسور تسفيتان تيوفانوف الأستاذ في قسم الاستشراق بجامعة صوفيا ومما يذكر أن الأساتذة فسلينوف وتيوفانوف وبليف كانوا قد أشهروا إسلامهم في أوقات سابقة وينشطون حاليا في مجال نشر الحقيقة عن الدين الحنيف في أوساط الرأي العام في بلغاريا). 14 (.. من الدعاة المعاصرين للتصوف في أوروبا عبد الواحد يحيى رينيه جينو الشاذلي؛ والذي تذكر عنه مجلة البحوث والدراسات الصوفية أنه له أتباع بالملايين في فرنسا ودول أوروبا وما زال تلاميذه يقومون برسالته حتى الآن ومنهم الصوفي الفرنسي عبد الله كوديوفتش الذي يقوم بترجمة كتاب الفتوحات المكية لابن عربي إلى الفرنسية؛ وهو يحمل لواء نشر الإسلام والفكر الصوفي في أوروبا انظر مجلة الدراسات والبحوث الصوفية صفحة 196). 15 (يقول شعراوي جمعة وزير داخلية مصر في عهد جمال عبد الناصر حينما مات ناصر كان علينا وسط مشاهد الحزن ومشاعره الفياضة أن نعمل على وضع ترتيبات خاصة لحماية الجثمان؛ فقد وصلتنا معلومات تفيد بأن الطرق الصوفية ستتكالب على النعش وتخطفه لتطوف به كافة مساجد وأضرحة أولياء الله الصالحين في القاهرة شعراوي جمعة وشهادته للتاريخ؛ صحيفة العربي السنة الأولى العدد 47 ص 9). 16 (.. من مقال بعنوان استدعاء الصوفية). 17 (ذكرت جريدة الشرق الأوسط أن حزب العدالة والتنمية الصوفي النقشبندي قرر في عام 2004م عدم اعتبار الزنا جريمة مع أن هذا يعد مخالفة صريحة لنص القرآن انظر جريدة الشرق الأوسط الجمعة الموافق 2972005م العدد 9740). 18 (. وانظر أيضا جريدة الشرق الأوسط الإثنين 25 ذو الحجة 1424هـ الموافق 16 فبراير 2004م العدد 9211 وانظر أيضا جريدة الراية القطرية الخميس 432004م).   19 (انظر جريدة الخليج الإماراتية الصادرة في 17 شوال 1426هـ الموافق 19 نوفمبر 2005م العدد 9680 وانظر جريدة الشرق الأوسط الصادرة في 16 شوال 1426هـ). 20 (.. السبت 22 رجب 1426هـ الموافق 27 أغسطس 2005م).    

مقالات عشوائية