شخصية داوود 1
لقد كان نبي الله داوود عليه السلام نموذجا فريدا بحق.. كان مثالا لتوازن من نوع خاص يجمع بين شتى مجالات الدين والدنيا في نسق بديع في انتظامه مبهر في إحكامه وعدم طغيان بعضه على بعضإن شخصية هذا النبي تعد ردا عمليا على كل من يزعم استحالة التميز أو التفوق في أكثر من جانب من جوانب الحياةعلى أولئك الذين يركنون لمحدودية القدرة البشرية ويصرون على تضييق المضامير التي يمكنها السبق فيها أولئك الذين يعلقون فشلهم وعدم إحكام موازينهم على قلة الوقت أو ضياع بركته ويزعمون انشغالهم عن أداء تكاليفهم أو القيام بواجباتهمأمثال هؤلاء عليهم أن يتوقفوا طويلا وينظورا مليا لجوانب تلك الشخصية الفريدة.. شخصية داوودلقد استطاع نبي الله داوود عليه السلام أن يسبق في شتى ميادين الدين والدنيابل إن شئت فقل أنه في الحقيقة لم يخض مضمارا تقريبا إلا وكان السبق له حليفالنبدأ مثلا بمضمار التعبد.. لقد كان نبي الله داوود عابدا لا يشق له غبار في ذلك المضمار كانت عباداته ليست كأي عبادات وكان ناسكا متبتلا ليس كأي ناسك متبتللقد كان له من العبودية ما يتفرد به عن غيره ويشكل في جنباته نسيجا وحدههذا السكون اللطيف الذي يغلف الكون في حياء نقي، لا يعكر صفو نسيمه شىء، ولا يخترق صمته إلا صوتا بديعا يتنامى من بعيد، بزجل رائق، يتعالى تدريجيا كلما اقتربت من مصدره.. يتعالى وتتردد أصداؤه في تلك المنطقة الجبلية التي تحدها عن اليمين والشمال سلاسل جبلية عالية، تمتد على مرمى البصر..لحظة!!إن هذا الترداد ليس مجرد صدىً عادي لذاك الصوت البديع..ليس هذا دأب الصدى المتكرر والمتقطع المتخافت تدريجيا كما نعرفه..إنه صوت أعمق بكثيرصوت يثير مكامن الشعور، ويستجيش حسنه، وتستدر معانيه أنهار العبرات من المآقى، مهما بلغت قسوتها..تري: ما أنت أيها الصوت البديع؟!من أين تأتى أنغامك التي تشبه معازف لا عزف فيها؟!هذه الحالة الكونية التي تكاد ترى الجبال المحيطة بالمدينة تتمايل لرقتها وعذوبتها..من أين أتت؟؟على منبعها دلوني!وعن مصدرها حدثوني..هنالك تجد المنبع الناغم منشدا قصيدة تصدح بسر الوجود..إنه ذكر داوودتسبيحهتأويبه تلك اللحظات التي يقتنصها ليخلو فيها بربه، ويتعالى صوته العذب بتلك التسابيح الخلابة، التي لم تتحمل الصخور الراسيات أن تسكت عنها، فسارعت لترديدها معه، منافسة بذلك الطيور، التي ما انفكت عن التأويب والتغنى معه بذكر الإله الحبيب .. {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ}إنه التأويبنوع خاص من الذكر تمتزج فيها كينونة داوود بالمخلوقات من حوله ليتناغموا جميعا في منظومة كونية تتعالى مزاميرها منتشرة في أرجاء السماوات والأرض مرددة شعارا واحداشعار التسبيحالكل يردد ويأوب الجبال الطير الحجر والشجرالكل يسبح ويذكر {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [ اﻷنبياء 79] كان هذا شيئا من ذكره وتأويبه وتسبيحه الذي جعله وبجدارة مستحقا للتشريف الرباني الذي أسبغه الله عليهإِنَّهُ أَوَّابٌهكذا قال عنه ربه مذكرا خليله محمد بسيرة هذا العابد{اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}ولكن ليس التأويب والتسبيح فقط هو ما أعطى لداوود السبق بمضمار التعبدلقد كانت لداوود علاقته الوثيقة أيضا بالاستغفار{وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ }لمجرد بوادر ظن بورود الفتنة تصدر الاستغفار المشهدلكن لماذا خرّ النبي داوود راكعا ساجدا؟!هل هو انبعاث لشوق في قلب لم يحتمل فراق الذكر فهوى ساجدا يسبح؟!أم هي سجدة ندم وتوبة يستغفر لأجل ظن كان به في أحد الرجلين، أدى لفزعه منهما، كما ذهب بعض العلماء أم أنه ندم على حكم قد أصدره بسماع طرف دون طرف حين قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه؟!إن القلب الذى تشرب العلم بالله ومعرفة أسمائه وصفاته ونعمه وآلائه لا يحتمل أن يمكث للحظات تحت وطأة فتنة أو أن يطول عليه الأمد داخل دائرة الاحتمالات والاتهامات بمجرد أن تبدو مثل تلك الأشياء في أفق حياته حتى يسارع للاستغفار و التوبة و الأوبة إلى رحاب ربه لأنه يعلم جيدا "أن الله هو يقبل التوبة عن عباده " وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو لا يعنيني كثيرا في هذه السطور تحديد سبب الاستغفار والسجود وما طبيعة الفتنة التي ظن داوود أنه فيها قد وقع، وفى ذلك ليختلف المختلفون، وليتنازع المتنازعون وبيان ذلك سيأتي في السطور القادمة مفصلالكن ما يعنيني أنه قد رجع..قد استغفر وركع.. هكذا كان داوود وكذلك قد بلغ المنزلةمنزلة الأوابين{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}ولقد كان داوود ذا أيد.. هذا هو الوصف الرباني الذي اختاره الله لعبده داوود مبينا ذلك الجانب من جوانب شخصيته الذي نتحدث عنهجانب البذل والتعبدالأيد.. إنه اللفظ نفسه الذي اختاره الله سبحانه ليصف به فعلا عظيما من أفعاله تجلى فيه شيء من باهر قدرته{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأيد القوة وفي شأن أيدي داوود قال مجاهد: الأيد، القوة في الطاعة. وقال قتادة: أعطي داوود قوة في العبادة وفقهاً في الإسلاملقد كانت لداوود قوة ملحوظة وقدرة مشهودة أنعم الله عليه بها واستعملها بشكل أساسي فيما يحبه من أنعم عليه بهافي أكثر ما يحبهالعبادةإن تلك الأيدي والقدرات التي أوتيها داوود أهلته لمزيد من السبق في مضمار التعبدأهلته ليكون صاحب أفضل قيام وأفضل صيام في تاريخ البشرية، بشهادة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. « أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا »هكذا بين رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه [البخاري ومسلم] من حديث عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضى الله عنهمافي الصيام كان له السبقلقد كان يصوم نصف الدهرنصف عمره قضاه ممسكا عن الطعام والشراب والشهوة تقربا لمولاهوعن الصلاة والقيام فحدث ولا حرجلقد كان ليله حيا بذكر الله وضيئا بالركوع والسجود ومحرابه يشهدوعند المحراب لنا أيضا وقفاتفلقد كان لداوود محرابه كعادة العُبَّاد خصوصا عُبَّاد بني إسرائيل وأنبيائهمكان لزكريا محرابه الذي نادته الملائكة بينما هو قائم فيه يصليالمحراب الذي خرج منه على قومه فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياوكان لمريم محرابها الذي طالما دخل عليها زكريا فيه معاينا لكراماتها شاهدا على رزق الله لهاوكان لجريج العابد محرابه وصومعته ولسليمان محاريبه التي طالما كلف الجن أن يصنعوها {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ}المحاريب إذن كانت دوما حاضرة بقوة كلما ورد ذكر أنبياء وعُبَّاد بني إسرائيللكن محراب داوود كان مختلفالقد كان محرابا ذا أسوار{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}ولكن هل للمحاريب أسوار؟!إنها أماكن عبادة وصلاة، فما الداعى لتلك الأسوار؟ هل لأنه كان يريد أن يحرس خلوته ويصون ورده؟أم هو حرص على لحظات أنسه؟أو لعله تشبث بحق قلبه..أم أنه أدعى لاستجماع مكامن الخشوع، ومنابع الذكر والفكر والخضوع؟إنها ليست إذاً مجرد أسوار..إنها لَرعاية وإنها لعناية وإنها لحجر محجور، وحجاب مستور، بينه وبين منغصات الشعور، وبواعث الفتور.. لعمرى كم يحتاج كل عابد للحظات مسوَّرة..لسويعات خلوة مع الخالق لا يقطع صفوها مخلوق لأسوار من الحرص، وسياج من العزم، وساتر من الإخلاص والصدق، تحوط محراب عبوديته.. ليس شرطا أن يكون محرابا كمحراب داوود، أو محاريب ولده سليمان، أو محراب مريم أو كفيلها زكريا عليهم السلام..وربما لا تكون صومعة كصومعة جريج، أو غيره من العباد والنساك..لكنها لحظة خلوة همسة مناجاةجوهرة عبودية تحتاج إلى مثل هذا السور..أي نبي الله... كم يغبطك على أسوار محرابك كل طالب أنس بمولاه طامح للحظات المناجاة وراغب في جواره الكريم!
مقالات عشوائية