حين ظهر كتابُ “دراسات قرآنية” لجون وانسبرو (John Wansbrough) سنة 1977م، كان من الميسور الوقوفُ على دلالة هذا العنوان الذي يُومئ إلى مجموعٍ من الدراسات التي تتناول القرآنَ وتفسيرَهُ. على أن هذا الاصطلاح نفسَه الوارد في عنوان الكتاب المرجعي المعنون بـ “مرجع أكسفورد في الدراسات القرآنية” (وهو الكتابُ الذي سنشير إليه من الآن فصاعدًا بـ”المرجع”) يحمل معنًى مغايرًا، إذ أمسى الآن دالًّا على مبحثٍ معرفيٍّ مستقلٍّ بذاته، أو على الأقل صار دالًّا على حقل فرعي أساسي من حقول الدراسات الإسلامية.
وقد برز هذا التعبيرُ الاصطلاحيُّ [وأعني به “الدراسات القرآنية”] بوجه خاص في العالم الناطق بالإنجليزية، وإن كان ثمة تطوراتٌ مشابهةٌ وقعت في بعض الأقطار الأخرى. فثمة ابتداءً دوريتان للدراسات القرآنية تَصْدُران بالإنجليزية، بالإضافة إلى جمعية أكاديمية واحدة على الأقل، وطائفة من المؤتمرات والحلقات النقاشية التي تُعْقَد على نحو مطرد في موضوع “الدراسات القرآنية”. وهذا كلُّه أمرٌ جديدٌ نسبيًّا.
وفي الحق أن مصطلح “علوم القرآن” كان موجودًا منذ أمدٍ بعيدٍ. فهل تُعَدُّ لفظة “دراسات” الامتدادَ المباشرَ لكلمة “علوم”؟ لستُ أدري كيف يمكن الإجابةُ عن هذا السؤال، بيد أنه من المفيد أن نقارن كتاب “مرجع أكسفورد في الدراسات القرآنية” بالمصنَّف الكلاسيكي (الصغير نسبيًّا) “الإتقان” لجلال الدين السيوطي (ت911هـ/1505م)، الذي يندرج تحت فنِّ “علوم القرآن”.
الإتقان في علوم القرآن للسيوطيو”الإتقانُ في علوم القرآن” عملٌ فيلولوجيٌّ في العموم؛ فهو يُعالج النصَّ القرآنيَّ، ويتناول طريقة استعماله للغة، ويُولي اهتمامًا فائقًا لإثبات النص وروايته (فكيف أُوحي به؟ ثم كيف جُمِعَ؟ ومتى؟ وأين؟ وفي بعض الأحيان لماذا؟)، ويوضِّح لنا كذلك كيف نفهمُ معانيَهُ، ولا سيما من حيثُ تفسير مقاصد آياته المختلفة وتبويبها. فهذا الكتابُ إذن لا يفسِّر لنا القرآنَ، ولكنه يَقِفُنَا على ما ينبغي علينا معرفتُهُ حتى يستقيمَ لنا هذا التفسيرُ. زِد على ذلك أنه يُصَوِّر سماتِ الأسلوب القرآني وخصائصَهُ البيانية، عن طريق السَّبْر والتقسيم عادةً.
الإتقان في علوم القرآن للسيوطي