عقبة التعرض للفتن
من عقبات طريق السير إلى الله تعالى عقبة التعرض للفتن1. قال ابن القيم رحمه الله وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع والهوى على العقل2. عن سفيان الثوري رحمه الله يقال تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل وفتنة العالم الفاجر؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون3. قال ابن تيمية رحمه الله وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك ولا يطلبه ولا يرضى لرضا الله ورسوله ولا يغضب لغضب الله ورسوله بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه ويكون مع ذلك معه شبهة دين وقد نقل عن سلفنا الصالح قولهم احذروا من الناس صنفين صاحب هوى قد فتنه هواه وصاحب دنيا أعمته دنياه4. واجتناب الفتن من سعادة المرء؛ قال صلى الله عليه وسلم إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها 5. وكثير من الناس تتخطفهم في الفتن آراء الرجال وأهواء السفهاء وزلات العلماء وحظوظ النفوس؛ ولهذا لا عجب أن ترى المتناقضات وافتراق الناس وإعجاب كل ذي رأي برأيه وإن خالف الحق والعقل وقليل من الناس من يتلقى الفتن بالأصول الشرعية وإن خالفت الهوى. والواجب على المسلم في الفتن أن يتعامل معها بالأمر الشرعي بنصوصه وقواعده ومقاصده في دفع الفتن أو الوقاية منها وما وقع منها بالكسب فالعبد مسؤول عنه إنشاء واتقاء وأثرا بمعنى أن تبعاتها تقع على منشئها والباعث عليها وأن الواجب على كل مكلف اتقاء الفتنة بحيث لا يتسبب في وجودها أو إثارتها أو إذكائها واستمرارها. يقول شيخ الإسلام فهذه المحن والفتن إذا لم يطلبها المرء ولم يتعرض لها بل ابتلي بها ابتداء أعانه الله تعالى عليها بحسب حال ذلك العبد عنده؛ لأنه لم يكن منه في طلبها فعل ولا قصد حتى يكون ذلك ذنبا يعاقب عليه ولا كان منه كبر واختيال مثل دعوى قوة أو ظن كفاية بنفسه حتى يخذل بترك توكله ويوكل إلى نفسه فإن العبد يؤتى من ترك ما أمر به. والتعرض للفتنة هو من باب الذنوب فالمؤمن الصادق لا يفعل إلا ما أمر به فإن ذلك هو عبادة ولا يستعين إلا بالله فإذا أوجب هو بنفسه أو حرم هو بنفسه خرج عن الأول فإن وثق بنفسه خرج عن الثاني فإذا أذنب بعد ذلك فقد يتوب بعد الذنب فيعينه حينئذ وقد يكون له حسنات راجحة يستحق بها الإعانة وقد يتداركه الله برحمته فيسلم أو يخفف عليه. والتوبة بفعل المأمور وترك المحظور في كل حال بحسبه ليست ترك ما دخل فيه فإن ذلك قد لا يمكنه إلا بذنوب هي أعظم من ذنوبه مع مقامه فتدبر هذا. والمبتلى من غير تعرض قد يفرط بترك المأمور وفعل المحظور حتى يخذل ولا يعان فيؤتى من ذنوبه لا من نفس ما ابتلي به؛ كما قال تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم آل عمران 155 وهذا كثير أكثر من الذي قبله فأما المؤمنون الذين لم يكن منهم تفريط ولا عدوان فإذا ابتلوا أعينوا. قال وقد تبين أن التعرض للفتن بالإيجاب والتحريم بالعهود والنذور وطلب الولاية وتمني لقاء العدو ونحو ذلك هو من الذنوب6. ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع وكذلك قاعدة سد الذرائع إلى المحرمات ولا يخفى خطورة تعريض من فيهم صلاح واستقامة لمثل هذه المواقع المفسدة فإن المرء لا يأمن على نفسه فضلا عن غيره إن عرضها للفتن والسلامة لا يعدلها شيء7. قال ابن بطال رحمه الله قد علمنا رسول الله أن التعرض للفتن مما لا ينبغي فإن الاحتراس منها أحزم. وقال ابن حجر رحمه الله المرء مأمور بألا يتعرض للفتن وإلزام نفسه ما لعله لا يقوى عليه8. وقد شدد الشرع وكرر في بيان خطر الفتنة بالنساء فهي أول ما بدئ به من الشهوات؛ في قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث آل عمران 14؛ قال ابن كثير بدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد؛ أ.هـ. أنواع الفتنقال ابن القيم رحمه الله الفتنة نوعان فتنة الشبهات وهي أعظم الفتنتين وفتنة الشهوات وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة وقلة العلم ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى فهنالك الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد الحاكم عليه الهوى لا الهدى مع ضعف بصيرته وقلة علمه بما بعث الله به رسوله فهو من الذين قال الله فيهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس النجم 23. وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق وهي فتنة المنافقين وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل والهدى بالضلال... ولا ينجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول وتحكيمه في دق الدين وجله ظاهره وباطنه عقائده وأعماله حقائقه وشرائعه فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام أما النوع الثاني من الفتنة ففتنة الشهوات9. من أسباب الوقوع في الفتنمن أول أسباب الوقوع في الفتنة استعداد القلب لقبولها؛ كما في الحديث تعرض الفتن على القلوب... وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء . ومن أسباب الوقوع في الفتنة قبول السعي فيها؛ ففي الصحيح ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي ومن يشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به 10؛ أي من تطلع لها صرعته فيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك الصبر فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في عمله يؤمر بالصبر فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور وإن كان مجتهدا في معرفة الحق ولم يصبر فليس هذا بوجه الحق مطلقا لكن هذا وجه نوع حق فيما أصابه فينبغي أن يصبر عليه وإن كان مقصرا في معرفة الحق فصارت ثلاثة ذنوب أنه لم يجتهد في معرفة الحق وأنه لم يصبه وأنه لم يصبر11. سبيل النجاة من الفتنمن المنجيات من الفتن أن تتنازل عن حقك في الدنيا وإن كان الصبر على ذلك شاقا على النفس؛ كما جاء في سنن أبي داود ((إن السعيد لمن جنب الفتن ثلاثا ولمن ابتلي فصبر فواها)). ومن كانت الفتنة تحيط به ولا منجى له منها فليفر بدينه من الفتن أو ليكثر من العبادة؛ كما في الحديث العبادة في الفتنة كالهجرة إلي 12. والتزود بالأعمال الصالحة مطلوب للوقاية من الفتنة قبل وقوعها؛ قال صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا 13. يقول النووي رحمه الله في الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتراكمة المتكاثرة14. أشد فتن هذا الزمان فتنة النساء أشد وأعظم من فتنة المال؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء 15 وهو صريح في ذلك. ورؤوس الفتن في الدنيا فتنة المال وفتنة الأولاد وفتنة الشيطان وفتنة العلم وفتنة الملك. كيف ينجو الإنسان من الفتن؟طريق النجاة من الفتن هو التمسك بكتاب الله وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام والحرص على الدعاء وتعلم العلم الشرعي والمحافظة على الصلوات الخمس والبحث عن الرفيق الصالح فإن وجدته فعض عليه بالنواجذ وأن تجعل لنفسك وردا من كتاب الله تعالى وأن تجعل نفسك في صحبة الأخيار وأن تكون لك علاقة بكتاب الله تعالى في قيام الليل. يقول ابن عثيمين رحمه الله الهروب من الفتن يكون بالخروج من المدن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن 16. ولكن من أمكنه أن يبقى ويصبر ويدعو الناس إلى الخير كان هذا أوجب وأنفع له17. يقول ابن القيم والقلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر ويعرى كما يعرى الجسم وزينته التقوى ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة18. ويقول أيضا فإذا عزمت التوبة وصحت ونشأت من صميم القلب أحرقت ما مرت عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له19. وقال رحمه الله القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ20. وحري بكل مسلم ومسلمة أن يسعى في صلاح قلبه ومن أهم الطرق هو هجر المعاصي والإلحاح بالدعاء وملازمة القرآن ففيه شفاء قلبك؛ قال الحق يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين يونس 57. وليكن في المخيلة هذا الحديث ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب 21. وليعلم أن سفر الدار الآخرة والسير إلى الله تبارك وتعالى يقطع بالقلوب لا بالأقدامقطع المسافة بالقلوب إليه لا بالسير فوق مقاعد الركبان كيف تعرض الفتن على القلوب؟عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه 22. متى تظهر الفتن؟تظهر الفتن التي لم تكن موجودة في زمن النبوة ولا في صدر الخلافة الراشدة؛ عند موت العلماء وفشو الجهل بين الناس وكثرة الهرج؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم يقبض العلم ويظهر الجهل وتظهر الفتن ويكثر الـهرج قيل يا رسول الله وما الـهرج؟ قال القتل23. أكد صلى الله عليه وسلم أن الهرج هو القتل ولم يكن موجودا في زمنه ولا بعد زمنه بعشرين عاما أو أقل من ذلك ثم ظهر القتل في الأمة إلى يومنا هذا فعلى المؤمنين أن يتقوا الله ويعتصموا بحبله ويسيروا على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين؛ فإن النجاة من الفتن في ذلك وإن خالف هواك وقلاك الناس أو رأيت في ذلك غضاضة عليك؛ فإن العاقبة للتقوى وأهلها. وإياك أيها المؤمن والانحراف عن هذا المنهج القويم إلى أهواء الذين لا يعلمون والتشبه بالذين لا يؤمنون وإن وافق ما في النفس فإن النفوس لا بد من أطرها على الحق وإلزامها بالشرع وإن أبت والأمر جلل والفتن عدوى والاستعانة بالله وحده والحق فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم اعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ونق قلوبنا من الحقد والحسد واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه واجعلنا هداة مهديين. 1 ينظر عقبات في طريق السير إلى الله تعالى أ.د. محمود عبدالعزيز يوسف.2 ينظر إغاثة اللهفان ابن القيم (1 167).3 ينظر أخلاق العلماء للآجري (63).4 ينظر اقتضاء الصراط المستقيم 1191.5 أخرجه أبو داود (4263) والبزار (2112).6 ينظر المستدرك على مجموع الفتاوى (5 124 125).7 ينظر موسوعة فتاوى الشبكة الإسلامية.8 ينظر فتح الباري.9 ينظر إغاثة اللهفان (1 165 167).10 أخرجه البخاري (3601) ومسلم (2886).11 ينظر الاستقامة (1 39 40).12 أخرجه أحمد (20311) وابن أبي شيبة (38454) وأبو نعيم في حلية الأولياء (362).13 رواه مسلم في صحيحه برقم 118.14 ينظر شرح النووي على مسلم وأمراض القلوب اجتنبوا الفتن الشبكة الإسلامية.15 متفق عليه أخرجه البخاري (5096) ومسلم (2740).16 أخرجه البخاري برقم (19).17 ينظر الفرار من الفتن الشيخ محمد بن صالح العثيمين.18 ينظر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان.19 ينظر الوابل الصيب.20 ينظر كتاب الروح.21 أخرجه البخاري (52) ومسلم (1599).22 رواه مسلم في الإيمان؛ باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا وأنه يأرز بين المسجدين (144).23 أخرجه البخاري في صحيحه برقم 85 وأحمد في المسند.الكاتب أ.د. محمود عبدالعزيز يوسف حجاب
مقالات عشوائية