مع القرآن (من لقمان إلى الأحقاف ) - قال قائل منهم إني كان لي قرين
قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين ها هم أهل الجنة يتذاكرون بينهم قرناء السوء في الدنيا سواء من الإنس أو الجن ووسوستهم بإنكار البعث ورميهم للشبهات والحض على إشباع الشهوات فلا حساب ولا سؤال بعد الموت .ثم يتطلع أهل الجنة إلى مكانة قرناء السوء في الآخرة فإذا هم في سواء الجحيم يصلون ما يستحقون من جزاء عادل , فيقول الرجل الصالح لقرين السوء والله كدت تهوي بي معك إلى جهنم لولا رحمة ربي الذي هداني لمفارقة وسوستك في الدنيا وعدم الإيمان بما كنت تلح به أو العمل بما كنت تغري به.ويزداد فرح أهل الجنة بما هم فيه عند تذكرهم أن لا موت بعد الموتة الأولى وأنهم خالدون في الجنة مقيمون في النعيم.هذا والله هو الفوز وتلك المكانة و هذا النعيم هو ما يستحق العمل لأجله في الدنيا فاللهم اهدنا سبلك و تقبل منا و ثبتنا و أحسن خاتمتنا.قال تعالى فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون الصافات 50 61قال السعدي في تفسيرهلما ذكر تعالى نعيمهم وتمام سرورهم بالمآكل والمشارب والأزواج الحسان والمجالس الحسنة ذكر تذاكرهم فيما بينهم ومطارحتهم للأحاديث عن الأمور الماضية وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل حتى أفضى ذلك بهم إلى أن قال قائل منهم إني كان لي قرين في الدنيا ينكر البعث ويلومني على تصديقي به.و يقول لي أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون أي مجازون بأعمالنا؟ أي كيف تصدق بهذا الأمر البعيد الذي في غاية الاستغراب وهو أننا إذا تمزقنا فصرنا ترابا وعظاما أننا نبعث ونعاد ثم نحاسب ونجازى بأعمالنا؟.أي يقول صاحب الجنة لإخوانه هذه قصتي وهذا خبري أنا وقريني ما زلت أنا مؤمنا مصدقا وهو ما زال مكذبا منكرا للبعث حتى متنا ثم بعثنا فوصلت أنا إلى ما ترون من النعيم الذي أخبرتنا به الرسل وهو لا شك أنه قد وصل إلى العذاب.فـ هل أنتم مطلعون لننظر إليه فنزداد غبطة وسرورا بما نحن فيه ويكون ذلك رأي عين؟ والظاهر من حال أهل الجنة وسرور بعضهم ببعض وموافقة بعضهم بعضا أنهم أجابوه لما قال وذهبوا تبعا له للاطلاع على قرينه. فاطلع فرأى قرينه في سواء الجحيم أي في وسط العذاب وغمراته والعذاب قد أحاط به.فـ قال له لائما على حاله وشاكرا لله على نعمته أن نجاه من كيده تالله إن كدت لتردين أي تهلكني بسبب ما أدخلت علي من الشبه بزعمك. ولولا نعمة ربي على أن ثبتني على الإسلام لكنت من المحضرين في العذاب معك. أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين أي يقوله المؤمن مبتهجا بنعمة الله على أهل الجنة بالخلود الدائم فيها والسلامة من العذاب استفهام بمعنى الإثبات والتقرير أي يقول لقرينه المعذب أفتزعم أننا لسنا نموت سوى الموتة الأولى ولا بعث بعدها ولا عذابوقوله فأقبل بعضهم على بعض يتساءلو ن وحذف المعمول والمقام مقام لذة وسرور فدل ذلك على أنهم يتساءلون بكل ما يلتذون بالتحدث به والمسائل التي وقع فيها النزاع والإشكال.ومن المعلوم أن لذة أهل العلم بالتساؤل عن العلم والبحث عنه فوق اللذات الجارية في أحاديث الدنيا فلهم من هذا النوع النصيب الوافر ويحصل لهم من انكشاف الحقائق العلمية في الجنة ما لا يمكن التعبير عنه.فلما ذكر تعالى نعيم الجنة ووصفه بهذه الأوصاف الجميلة مدحه وشوق العاملين وحثهم على العمل فقال إن هذا لهو الفوز العظيم الذي حصل لهم به كل خير وكل ما تهوى النفوس وتشتهي واندفع عنهم به كل محذور ومكروه فهل فوز يطلب فوقه؟ أم هو غاية الغايات ونهاية النهايات حيث حل عليهم رضا رب الأرض والسماوات وفرحوا بقربه وتنعموا بمعرفته واستروا برؤيته وطربوا لكلامه؟ لمثل هذا فليعمل العاملون فهو أحق ما أنفقت فيه نفائس الأنفاس وأولى ما شمر إليه العارفون الأكياس والحسرة كل الحسرة أن يمضي على الحازم وقت من أوقاته وهو غير مشتغل بالعمل الذي يقرب لهذه الدار فكيف إذا كان يسير بخطاياه إلى دار البوار؟أبوالهيثممعالقرآن
مقالات عشوائية