المقالات الإسلامية المتنوعة

ذنوب الخلوات: المقال الخامس

 أقوام ظاهرهم الطاعة وصلاح خارجهم لا تخطئه عينهم قوامون صوامون فيما يبدو للناسوإن حسناتهم من الكثرة لدرجة جعلتها تشبه بالجبال تخيل أنهم يأتون يوم القيامة بجبال من الحسنات وحينئذ ستدرك حالهم الظاهر في الدنيا وإقبالهم المنظور على الطاعات المورثة لتلك الحسنات الوفيرةلكن هذه الجبال لا تلبث إلا وتتصدع وتنهار متحولة إلى هباء منثور السبب لهذا الحبوط المخيف يوضحه النبي صلى الله عليه وسلم في خاتمة الحديثإنها معصية السر ذنوب الخلواتولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوهاتلك هي آفتهم وهذه هي مصيبتهم لكن النبي أيضا تحدث عن خطورة نقيض هذا الفعلخطورة المجاهرة كل أمتي معافى إلا المجاهرين ظاهر الحديث الثاني , تخفيف أثر الإسرار بالذنب وتشديد الترهيب من المجاهرة بهقد يظن البعض أن ثمة تعارض مع الحديث الأول وما كان على شاكلته من ترهيب ووعيد مترتب على معاصي السر فلا يدري إذا ما عليه فعلهأأجهر بالذنب أم أسر به؟ المجاهرة أفضل أم أن العافية في التستر والاستخفاء؟ أسئلة مشروعة هي وقد يكون لها وجه إذا تم التعامل مع الأحاديث منفردة وبمعزل عن الصورة الكاملة للذنوب والمعاصي وحال الإنسان أثناء مقارفتها وطبيعة الدافع من وراء الإسرار أو المجاهرةذكرت من قبل أن تحديد قيمة أي عمل ترتبط بشكل وثيق بحال القلب أثناء ارتكابههذا المتستر قد يكون تستره بالذنب حياء من صالحي قومه أو درءا لمفسدة الاقتداء به وتسهيل المعاصي وهوانها على الخلق وتكثير سواد العصاة وشيوع الفاحشة بين المؤمنين وهو أثناء استخفائه بالذنب لا يستهين بسمع الله وبصره ولا يستخف بمقامه بل ربما كان يرجو منه توبة وعونا على الإقلاع ولا يكاد يفارقه الندم ولا تخبو حرقة الألم من قلبه حتى أثناء وقوعه في الذنب وهو حين تستره يعلم أن مولاه ستير حليم يمهل ويعطي للعبد الفرصة تلو الأخرى لعله يرجع بينما يفعل الناس ضد ذلك ولن يرحموا ضعفه وزلتهصاحب هذا الحال وهذا القلب هو بلا شك وإن عصى سرا أفضل حالا من المجاهر الذي تتحول المعصية معه إلى فجور وفسوق عن أمر ربه يستعرض تفاصيلها ويزهو بارتكابه إياها وهو يدعو الناس ضمنيا لمشاركته فيها أو حتى لا يحمل هم احتمالية اقتدائهم به وشيوع فواحشه فيهم وهذا ما فصله النبي صلى الله عليه وسلم في باقي حديث استثناء المجاهر من العافيةفيقول في خاتمة الحديث وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنهتأمل نداءه.. يا فلانتأمل إيجابيته في الدلالة على الذنب واستنانه سنن السوءتأمل التفاصيل المتنوعة التي يحكيها والتي يشير إليها حرف العطف بين كذا و كذا إنه ليس مجرد مجاهرإنه مجتريء فاجر يستحق بهذا القلب المنكوس استثناءه من المعافاةلكن ليس كل متستر أفضل حالاهنالك ذلك المستخفي الذي استحق حبوط عمله لأن الأصل عنده كان كما ذكر النبي في خاتمة حديث جبال الحسناتالأصل عنده أن الخلوة  انتهاك حرمة أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها هكذا بوضوحشرط وجوابه يلقيان بظلال التلازمهم أناس حولوا كل خلوة إلى فرصة للمعاصي وتدنى مقام الحرمة في قلوبهم إلى درجة يكاد معها كل تعظيم أن يزول ويختفي ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه لعل أخطر ما في هذا النوع من ملازمة الاستخفاء بالمعصية وخشية مقارفها رؤية الناس لحاله أثناءها هو ذلك الافتضاح بينه وبين نفسههذا الصنف لا يستطيع أن ينكر في داخله أنه لو وجدت مقارنة بين مقام الله ومقام الخلق في قلبه فإن كفة ذلك الأخير سترجح ودليل هذا الترجيح دامغ يعرفه هو كلما فعلهإنه استخفاؤه الدائم وهروبه من إبصارهم له ثم عدم اكتراثه التدريجي بسمع وبصر مولاه رغم علمه أنه إليه أسبق وعليه أقدرولو أنه يكترث فعلا كما قد تقنعه نفسه أن يزعم فأين الدليل وها هو واقعه يصرخ بضد ذلك كلما راقبهم و استخفى منهم ولم يستخف منه..  يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا عن هذا الصنف يقول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا عملتهلماذا قال أن هذا الخوف أعظمولماذا قال ابن القيم أن فرحك بالذنب قد يكون أشد عليك من وقوعك في الذنبالإجابة مرة أخرى تتمثل في كلمة واحدةالقلبإنها المشاعر التي تفضح حقائق التعظيم ومقامات الأمورإن وجد مثل ذلك في القلب أثناء الإسرار فقد يجاوز خطورة المجاهر كما فعل ذلك الأخير عندما صاحبت مجاهرته مشاعر الزهو بالذنب والفرح بهإنه المناط نفسهالقلب وما يحويه من مشاعرالخلاصة أن الحالين المجاهرة والإسرار من الخطورة بمكان وهذا المكان يحدده القلب وما يعتريهلذلك كانت وصيته صلى الله عليه وسلم جامعة شاملة وذلك حين أوصى أبا ذر رضي الله عنه قائلا أوصيك بتقوى الله تعالى في سر أمرك وعلانيتهوكذلك فعل في دعائه حين اعتنى بالخطرين معاالسر والعلنلقد كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادةوأيضا ما في صحيح مسلم من دعاء في السجود اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسرههكذا إذا يتضح الهدف غيب وشهادة وسر وعلنالمعصية تذم في كل الأحوال رغم تفاوتها أحياناوالإجابة عن سؤال أيهما أفضل المجاهرة أم الإسرار لا يشترط أن تكون من خلال أحدهماالإجابة نسبية قد تختلف وتتباين حسب الحال كما أوضحتلكن يظل الخيار الأصح بين السر والعلن , لا هذا ولا ذاكالأفضل والأضمن والأسلم توبةفقط التوبةمحمد علي يوسف 

مقالات عشوائية