يوم النحر اليوم الأعظم
لم تنته العشر بعدبقي اليوم الأعظم...بعد قليل يبدأ هذا اليوم الذي اختصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الوصفأعظم يومأعظم الأيام عند الله يوم النحر هكذا صرح الحبيب وبشكل محكم وحاسمهذا هو اليوم الأعظم على الإطلاق!والسؤال الذي أسأله دوما لنفسي هو لماذا؟!لماذا هو الأعظم ؟ لم يقلها النبى صلى الله عليه و سلم عن عرفة ؛ ذلك اليوم المهيب الذى أخذ الله فيه عهد الفطرة على بنى آدم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم فقالوا بلى شهدناولم يقلها عن عاشوراء ؛ ذلك اليوم الذى أظهر الله فيه موسى على فرعون و فرق له البحر فكان كل فرق كالطود العظيم و أغرق فرعون و آله المجرمين الآثمينولا قالها عن أى يوم من سائر أيام الله وما أعظمها جميعالكن الأعظم بلفظ من لا ينطق عن الهوى هو ذلك اليوميوم النحر هل لأنه يوم الحج الأكبر الذى فيه أكثر مناسك الحج من ذكر الله عند المشعر الحرام و رمى للجمار و إهداء للهدى و إفاضة و سعى ؟ ربما أم لأنه يوم بر و إطعام و صدقات و صلة أرحام ؟ ممكن هل لأنه خاتمة أفضل أيام الدنيا أيام العشر الأول من ذى الحجة التى فيها الصالحون الذين هم لأعمال البر عاملون يتنافسون مع المجاهدين فى سبيل الله؟و ما المانع ؟كل ذلك و غيره ربما يكون من العلل المنطقية لفضل هذا اليوم العظيملكننى أرى أن أوقع الأسباب مرتبط باسم اليوم نفسهالنحر....ذلك العمل الذى يميز هذا اليوم بلا منازع والذي ما تقرب أحد إلى الله بشىء فى ذلك اليوم مثلما تقرب بهذه العبادة التي من وجد يسرا فلم يتعبد بها فلا يقربن مصلانا كما ثبت عمن قال له ربه فصل لربك و انحرذلك العمل الذي بلينا بإدراك زمان يتهكم فيه بعض من ينتسب للإسلام على نسكهم ويزدرون شعيرة من شعائر دينهم ويحقرون فيه هدي نبيهم وجد نبيهمإن قضية النحر ليست فقط فى النسك و إهراق الدم قربانا لرب العالمين و هى كبيرة إلا على الطائعين المستسلمين و لنا فى بنى إسرائيل العبرة حين أمروا بذلك فماطلوا و جادلوا ثم ذبحوها و ما كادوا يفعلون !!لكن المعنى الأهم و القيمة الأخطر تقع فى رمزية الفعل نفسه و لا تتبين إلا عند إرجاعه إلى أصله الذى بدأت به تلك السنة و شرعت به هذه الشعيرةإنها التضحيةتلك القيمة التى بدأ بها الأمر كلهحينما هب نبى الله إبراهيم عليه السلام من نومته وقد ثبتت الرؤيا و استقر الوحى و رؤى الأنبياء حق وليست مجرد كابوس كما تشدق بعض المجرمينلقد صدر الأمر بالتضحية و جاء موعد البلاء المبينبعد كل تلك البلاءات المتتابعات من جفوة الأهل و إلقائهم إياه فى برد الجحيم و ارتحال فى البلدان أليم و مراودة لزوجه من أفاك أثيم و تركه لذريته فى واد غير ذى زرع عن الماء عقيمبعد كل ذلك يأتى البلاء المبين و تكون وولدك عند حسن الظن يا إبراهيملقد أقدم الخليل على تلك التضحية التى لا توصف وقال الكلمات لولده الذى طالما انتظره وها هو قد بلغ معه السعى واشتد عوده و آن الوقت ليكون له سندا و عونا فإذا به يؤمر بذبحهترى كيف كانت مشاعره فى تلك اللحظات و هو يتفرس فى ملامحه وينظر إلى قسمات وجهه الذي طالما اشتاق إليه ؟!كيف كان حال قلبه المتدفق بمشاعر الأبوة الحانية و هو يردد على مسامعه يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترىفقال الولد الصالح الذى ورث عن أبيه الخليل أدبه مع الرب الجليل يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرينفلما أسلما و خضعا و استسلما و رقد الغلام على وجهه و صار للأرض الجبين و لامس العنق السكين رفع البلاء المبين و جاء الفداء من الرحيم الكريم وقال وفديناه بذبح عظيمهذا المشهد الذى يحمل أسرارا عميقة و مشاعر يعجز القلم عن وصفها تلخصه كلمة واحدةالتضحيةتضحية ربما لم يعرف العالم مثلهاقد يجوع المرء ليشبع ولده و يتحمل البرد ليدفىء ابنه و قد يحرم نفسه من اللذة و المتاع ليهنأ فلذة كبدهأما والد يقدم على ذبح ولده امتثالا لأمر مولاه و دون لحظة تردد !!إن هذا لشىء عجابو بيده هو و ليس بيد غيره و رغم ذلك يقبل و يقبل الولد و كأنما يقولان للعالم بلسان الحال لا نقدم شيئا على تعظيمنا لله لا شىء يقف بيننا و بين مراد اللهلن يعطلنا عن إرضائه و امتثال أمره شىء و لو كان أقرب الناس إلى قلوبنا و فلذات أكبادناهذا فى تقديرى أهم معنى ينبغى أن يستقر فى قلوبنا و نحن نقدم على هذه القربى و الأضحيةمعنى التضحيةالمعنى الذى لا يستقر إلا فى قلب المعظملذا أجدنى أميل إلى أن هذا السبب أن اليوم هو الأعظم لأنه يوم التعظيميوم الإعلان و الصدع بهذه القيمةأنه لا شىء و لا شخص و لا محبوب و لا مرغوب و لا مرجو أعظم فى قلبى من الله و أننى على استعداد لأن أضحى بكل شىء فى سبيل رضاهلهذا استحق أن يكون الأعظم و الله تعالى أعلى و أعلمو التضحية فى الحقيقة هى نتيجة و ليست أصلاالأصل هو التعظيم و حينما يأتى التعظيم تأتى التضحيات و المجاهدات و تظهر البطولات و تتحدد الاختيارات فالتضحية قرينة التعظيمو ما من مضح يضحى إلا إن كان معظما لما يضحى لأجله فتهون بالمقارنة قيمة أى شىء يضحى به حتى لو كان ولده !أو أحب ماله إليه كما في فعل سليمان عليه السلام حين شغلته الصافنات الجياد عن ذكر ربه فطفق مسحا بالسوق والأعناق وذبحها قربانا إلى الله معلنا أنه لن يقف شىء بينه وبين طاعة مولاهبل حتى لو كانت نفسهلذا كانت عبادات التضحية أعظم العبادات لأنها أوضح الأدلة على وجود هذا التعظيمفالجهاد ذورة سنام الدين وهو جهد النفس و المال و لقيام الرجل فى الصف فى سبيل الله أعظم من قيام ستين سنة و ما وجد النبى صلى الله عليه و سلم عملا يعدل الجهاد فى سبيل اللهو الشهادة تلك المنزلة العظيمة ما نالها صاحبها إلا لأنه اختار أن يضحى بنفسه فى سبيل الله و ذلك من تمام التعظيم و أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة يضحك إليهم ربك فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه كما ورد بسند صحيحوسيد الشهداء رجل قام إلى إمام جائر ينهاه عن منكره وظلمه ويصدع بكلمة الحق في وجهه حيث يغلب على ظنه أن الجائر الظالم لن يتقبل أمره بمعروف أو نهيه عن منكر مضحيا في تلك اللحظات بأمنه ونفسه حين يقتله هذا الجائرو أفضل الصلاة بعد المكتوبة تلك التى فى جوف الليل لما فيها من تضحية بنوم هانىء و فراش وثير دافىء تعظيما لم يقوم القائم لأجلهو أفضل الصدقة جهد المقل لما فيها من تضحية ذلك المقل بمال هو أصلا قليل لكن قلته لم تمنعه عن إنفاقه لأن مقام الله فى نفسه أعظمو أفضل الرقاب التى تعتق هى أغلاها و أنفسها عند أهلهاو هكذا تجد الأمر مطرداكلما زادت التضحية دل ذلك على زيادة التعظيم فى القلب و من ثم كان الفضلو لقد قعد الشيطان بأطرق التضحية لأنها كما قلت أبلغ الدلائل على حال المعظم لربه فكما فى حديث سبرة بن فاكه المخزومى أن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال له أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك ؟ قال فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول قال فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال هو جهد النفس والمال فتقاتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال فعصاه فجاهد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخل الجنة أو رفصته دابته كان حقا على الله أن يدخل الجنة . صحيح النسائىو لقد كان حال المضحين دوما مثار استعجاب و دهشة لمن لم يدرك هذه القيمة قيمة التعظيم فما أقدم إبراهيم على تضحيته بولده إلا لأن مقام الله كان فى قلبه أعظمو ما ضحى يوسف بحريته و مكانته و أعلن أن السجن أحب إليه إلا لأن خشية الله فى قلبه أكبرو ما جاد صهيب الرومى بماله كله أثناء هجرته إلا لأنه حبه لله و رغبته فى رضاه كانت أظهرو ما كان خبيب يبالى حين يقتل مسلما على أى جنب كان فى الله مصرعه إلا لأنه معظم لربهو ما قال سعد لأمه حين حاولت فتنته عن دين ربه بقتل نفسها لو أن لك مائة نفس خرجت كلها نفسا نفسا ما تركت دينى فكلى إن شئت أو لا تأكلى . إلا لأن حبه لله أكبرو ما أقدم عبد الله بن عبد الله بن سلول على قتل أبيه حين سب نبيه صلى الله عليه و سلم إلا لأن إرضاء الله كان فى نفسه أهمو ما قام حنظلة غسيل الملائكة ملبيا نداء المنادى يا خيل الله اركبى و مضحيا بليلة عرسه ثم بعد قليل مضحيا بنفسه إلا لأنه أحب الله أكثر و عظمه أكثرو كذلك كان حال كل شهيد صادق و كل منفق مخلص و كل مضح محتسب التعظيمو لذلك اتصل الثناء على أولئك المضحين المعظمين فى الكتاب و السنةفهم الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلاوهم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللهو هم أولئك الذين يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله و الله رؤوف بالعبادخلد الله ذكرهم و أثنى على أمجادهم و بطولاتهمو هل ينسى أحد مؤمن آل فرعون و تضحيته؟!و هل يغفل أحد عن مؤمن سورة ياسين و شهادته؟!و هل يطيب ذكر الشهداء دون الثناء على شهداء الأخدود وعلى رأسهم الغلام الذي دل الملك الكافر على طريقة قتله ليؤمن الناس بمن يعظم ويكبركل أولئك ضحوا و جادوا بأنفسهم فاستحقوا أن يعظم الله ذكرهم لما عظموه بفعالهمو أكرم بالغامدية فى السنة النبوية حين أثنى عليها خير البرية قائلا لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له و لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم . وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى ؟ تأمل مرة أخرى قول حبيبك جادت بنفسهاأى ضحتو ما ضحت إلا لأنها عظمتعظمت حرمات الله ذلك و من يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربهو هل استعر الندم فى قلبها طوال أشهر الحمل و الرضاع دون أن تخفت إلا لهذا التعظيم ؟!و اليوم يوم التضحية و هو يوم التعظيم لذلك استحق أن يكون الأعظمتذكر ذلك و أنت تضحى و اعلم أنه لن ينال الله لحومها و لا دماؤها و لكن يناله التقوىفإن لم تكن مضحيا لضيق ذات يد ونقص قدرة فتذكر هذا المعنى و أنت تكبرفاليوم يوم التكبير و ما التكبير إلا تعظيموحذار أن نكون ممن يكبره كذباللأسف هناك من لا يجاوز التكبير لسانه و لا يلامس التعظيم قلبهو هل صدق من زعم أنه يكبر الله ثم آثر ألا يضحى و لو ببعض راحة لإجابة ندائه للصلاة ؟هل صدق من زعم أنه يكبر الله و هو يأبى أن يضحى بمال حرام أو بنظر حرام ؟هل صدقت من زعمت أنها تكبر الله و قد أبت أن تضحى ببعض المساحيق و الزينة طمعا فى رضاه ؟إن لتعظيم الله دلائل كما سبق و بينت و ليست مجرد ادعاءات و على المعظم حقا أن يعى أن تعظيمه لربه لابد أن يكون مقترنا بتعظيمه لشرعه و أمره و نهيه ذلك و من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ليس شرطا لتظهر تعظيمك أن تهاجر أو أن تقتل أو تضحى بولدك أو منصبك أو بمالك كله فإن لذلك إرهاصات لابد أن تظهر عليك أولا و أفضل الهجرة أن تهجر ما حرم الله و أفضل الجهاد جهاد النفس فى ذات الله كما صح رسول الله صلى الله عليه و سلملابد أن يظهر عليك تعظيمك لله و لشرعه و لحرماته و شعائره من الآن حتى إذا حدث التعارض بين محبوب أو مرجو و بين رضوان الله قدمت رضوان الله بلا ترددفلنجعل اليوم العظيم الذى نحن مقبلون عليه إيذانا ببدء رحلة تعظيم نسأل الله أن تستغرق أعمارنا كلهافلنعلنها اليوم للهالله أعظم و أكبرأعظم من كل محبوباتنا و أكبر من كل مرجواتنالن يقف بيننا و بين إرضائه شىءولن نقدم بين يديه قولا أو اختيارسنكبر الله صدقا و نعظمه حقا فى أعظم أيامهيوم الأضحية و التضحية يوم الحج الأكبر يوم النحر .. اليوم الأعظم
مقالات عشوائية