المقالات الإسلامية المتنوعة

الهمة العالية - (14) مقومات الهمة العالية (علو الهمة 1)

فضل علو الهمة والثناء عليه والحث على اكتسابهعلو الهمة خلق رفيع وغاية نبيلة تتعشقه النفوس الكريمة وتهفو إليه الفطر القويمة وعلو الهم من الأسس الأخلاقية الفاضلة وإليه يرجع مجموعة من الظواهر الخلقية كالجد في الأمور والترفع عن الصغائر والدنايا وكالطموح إلى المعالي.وإنما تعلو قيمة المرء وتسمو مكانته بقدر نصيبه من علو الهمة؛ ذلك أن علو الهمة يستلزم الجد والإباء ونشدان المعالي وتطلاب الكمال والترفع عن الدنايا والصغائر ومحقرات الأمور1.والهمة العالية لا تزال بصاحبها تضربه بسياط اللوم والتأنيب وتزجره عن مواقف الذل واكتساب الرذائل وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد.فهذا الخلق يسمو بصاحبه فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور؛ فهو الذي ينهض بالضعيف يضطهد أو يزدري فإذا هو عزيز كريم. وهو الذي يرفع القوم من سقوط ويبدلهم بالخمول نباهة وبالاضطهاد حرية وبالطباعة العمياء شجاعة أدبية. هذا الخلق هو الذي يحمي الجماعة من أن تتملق خصمها وتسل يدها من أسباب نجاتها ومنعتها. أما صغير الهمة فإنه يبصر بخصومه في قوة وسطوة فيذوب أمامهم رهبة ويطرق إليهم رأسه حطة ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم2.نعم يورد هذا الخلق صاحبه موارد التعب والعناء ولكن التعب في سبيل الوصول إلى النهاية من معالي الأمور يشبه الدواء المر فيسيغه المريض كما يسيغ الشراب عذبا باردا.تلذ له المروءة وهي تؤذي ومن يعشق يلذ له الغرام3فالمكارم منوطة بالمكاره والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد4.فعظيم الهمة قد يشتد حرصه على الشرف حتى لا يكاد يشعر بما يلاقيه في سبيله من أنكاد وأكدار.بل ربما كان الشرف الذي يركب له الأخطار والشدائد أعز وقعا وأدل على عظم همته من الشرف الذي يناله بيسر وسهولة.ومن تكن العلياء همة نفسه فكل الذي يلقاه فيها محبب5ولذلك فعظيم الهمة يستخف بالمرتبة السفلى أو المرتبة الوسطى من معالي الأمور؛ فلا يهدأ له بال و لا يقر له قرار إلا حين يضع نفسه في أسمى منزلة وأقصى غاية6.وإلى هذا المعنى يشير إليه نابغة بني جعدةبلغنا السما مجدا وجودا وسؤددا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا7وكما قال الآخروما أنا راض أنني واطئ الثرى ولي همة لا ترتضي الأفق مقعداقال ابن الجوزي رحمه الله فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه؛ فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقص رضاه بالأرض ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن. والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل8.ثم إن عظيم الهمة لا يشغل باله أمر صغير ولا يقلق فكره عمل يسير بل يقوم بجلائل الأعمال التي تتعصى على أولي القوة من الرجال ومع ذلك فلا يتبرم ولا يقلق ولا يشكو كثرة الأعباء. له قلب لا يتعب فيبلغ منزلة إلا ابتدأ التعب؛ ليبلغ منزلة أعلى منها وله فكر كلما جهد فأدرك حقيقة كانت الحقيقة أن يجهد فيدرك غيرها9.على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارموتكبر في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم10ولقد جرت سنة الله في خلقه ألا ينهض بأصر المقاصد الجليلة ويرمي إلا الغاية البعيدة غير النفوس التي عظم حجمها وكبرت هممها فلم تتعلق إرادتها بسفاسف الآمال ولا محقرات الأعمال11.فإذا كان هذا الخلق الرفيع لا يقع إلا على معالي الأمور فلا عظمة لهمم قوم يبتغون النهاية في زينة هذه الحياة ويغرقون في التمتع بملذاتها المادية كهؤلاء الذين يسرفون في الملابس المنمقة والمطعومات الفاخرة والمباني الشاهقة؛ فإن ذلك لا يعد فيما تتسابق فيه الهمم من معالي الأمور12.وإن كان في لبس الفتى شرف له فما السيف إلا غمده والحمائل13فإذا كان علو الهمة بتلك المكانة السامقة والمنزلة العالية فما أجدر العاقل اللبيب أن يعلي من همته وأن يرفع من قدره وأن يتطلب المعالي ويسعى لها سعيها وألا يقصر عنها ولا يقعد دون نيلها؛ فإن علو الهمة مما يفتخر به وسفول الهمة مما يذم ويعاب به..قال الشوكاني14كن ناسكا تبتلا أو رائسا تبجلاوعد عن محمق قصر  عن أن ينبلايصده قعوده وعجزه عن العلاوهذا أبو فراس الحمداني يمدح نفسه ويفتخر بعلو همته فيقول15إني أبيت قليل النوم أرقني قلب تصارع فيه الهم والهمموهذا أبو الطيب المتنبي يفخر بعلو همته واشتغاله بالجد والتشمير فيقول16لولا العلا لم تجب بي ما أجوب بها وجناء حرف ولا جرداء قيدودوكان أطيب من سيفي مضاجعة أشباه رونقة الغيد الأماليدلم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي شيئا تتيمه عين ولا جيدوهذا علي بن مقرن العيوني يقول17يشيعني قلب إلى العز تائق ونفس إلى العيا شديد نزوعهاأشرفها من أن يكون إباؤها لواجب حق أو لضيم خنوعهاوما أنا في السراء يوما فروحها ولا أنا في الضراء يوما جزوعهاسأنزلها الملحود أو رأس هضبة من العز يعي كل راق طلوعهوما طلبي العلياء إرث كلالة فيقصر خطوي دونها فأسوعها18وهذا البارودي يقول19سواي بتحنان الأغاريد يطرب وغيري باللذات يلهو ويعجبوما أنا ممن تأسر الخمر لبه ويملك سمعيه اليراع المثقبولكن أخوهم إذا ماترجحت به سورة نحو العلا راح يدأبنفى النوم عن عينيه نفس أبية لها بين أطراف الأسنة مطلبقال الشوكاني رحمه الله حاثا على علو الهمة وينبغي لمن كان صادق الرغبة قوي الفهم ثاقب النظر عزيز النفس شهم الطبع عالي الهمة سامي الغريزة ألا يرضى لنفسه بالدون ولا يقنع بما دون الغاية ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغين له إلى أعلى ما يراد وأرفع ما يستفاد؛ فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى بما دون الغاية في المطالب الدنيوية من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة حتى قال قائلهمإذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجومفطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيموقال آخر مشيرا إلى هذا المعنىإذا ما لم تكن ملكا مطاعا فكن عبدا لخالقه مطيعاوإن لم تملك الدنيا جميعا كما تهواه فاتركها جميعاهما شيئان من ملك ونسك ينيلان الفتى شرفا منيعاوقال آخرفإما مكان يضرب النجم دونه سرادقه أو باكيا لحماموقد ورد هذا المعنى كثيرا في النظم والنثر وهو المطلب الذي تنشط إليه الهمم الشريفة وتقبله النفوس العلية20.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1 (انظر الأخلاق الإسلامية 2473).2 (رسائل الإصلاح 288).3 (ديوان المتنبي 475).4 (مفتاح دار السعادة لابن القيم 1109).5 (ديوان البارودي ص 43).6 (انظر رسائل الإصلاح 2 6288).7 (جمهرة أشعار العرب؛ لأبي زيد القرشي ص 364).8 (صيد الخاطر 2224).9 (انظر وحي القلم ص 283).10 (ديوان المتنبي 3 378379).11 (انظر حياة الأمة ص 529 والسعادة العظمى ص 209).12 (انظر رسائل الإصلاح ص 286).13 (شرح ديوان سقط الزند؛ للمعري ص 57).14 (ديوان الشوكاني أسلاك الجوهر ص 302).15 (ديوان أبي فراس الحمداني ص 156).16 (ديوان المتنبي 3940).17 (علي بن المقرب العيوني حياته شعره ص 227).18 (أسوعها أهملها).19 (ديوان البارودي ص 42).20 (أدب الطلب ومنتهى الأدب ص 127). 

مقالات عشوائية