التحذير من داء الغفلة
هناك قوانين تنظم حركة السير على الطريق وعلامات ترشد إلى السلامة وإشارات تنذرك من الندامة وأثناء السير معوقات كحفر ومطبات وعلى جانبي الطريق مغريات كالشهوات وعلى السائق أن ينتبه للطريق؛ فلو غفل للحظة قد يحدث ما لا يحمد عقباه تخيل لو أن سائق المركبة وقد عصب عيناه وصم أذناه هل له من نجاة؟ الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته فقال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات 56 وامرهم بأشياء ونهاهم عن أشياء وزودهم بالبصيرة وأرسل لهم الرسل وأنزل لهم الكتب ليذكرهم بما هم مقبلون عليه من موت وبعث وحساب وجنة أو نار عن عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا مستقيما فقال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله وقال هذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا هذه الآية وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله1.والعبد في طريقه إلى الله حري به أن ينتبه من غفلته ولينزع الغشاوة عن عينيه والوقر من أذنيه يقول بن فارس الغفلة غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره له وقد استعمل فيمن تركه إهمالا وإعراضا2 وقال الكفوي الغفلة عدم إدراك الشيء مع وجود ما يقتضيه3.نهارك يا مغرور سهو وغفـلة وليلك نوم والردى لك لازموشغلك فيما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائموقد تناول القرآن الكريم لفظ الغفلة ومشتقاتها في خمس وثلاثين آية تنوعت فيها أنواع الغفلة وتنقسم الغفلة من حيث النية إلىغفلة مقصودة وهي الإصرار على الكفر والشرك والمعصية من الفساق قال تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون التوبة 67.غفلة غير مقصودة وهي اقتراف ذنب على غير قصد وسرعان ما يتوب العبد منه ويقلع عنه قال تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما طه 115 وحذر الله تعالى أهل الايمان من الوقوع في الغفلة والاعتبار بمن سبقهم فقال تعالى ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون الحشر 19.عندما يخطئ المخالف قد يتعلل بالغفلة أو الجهل لدفع الجرم عن نفسه أملا في النجاة من العقوبة فتبين لهم الآيات بطلان الدوافع ودليل الجرم يأخذ بتلابيب رقابهم يسوقهم إلى عاقبة غفلتهم قال تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين الأعراف 172 وقال تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين الأنعام 156 وقال تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير المائدة 19.داء الغفلة داء عضال قال تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون . ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون الأنبياء1 2 قال الحسن البصري عجبت لأقوام أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل وهم يلعبون4 إن تمكن الداء من القلب عطل العين بالغشاوة والأذن بالوقر فمنع القلب العلم.وقد بين الله تعالى أعراض ذلك الداء قال تعالى ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين . أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون النحل 108 فرطوا في الواجبات وأقبلوا على الشهوات ألفوا المعصية وكرهوا الطاعة لا يذكرون الموت إلا قليلا سهوا عن تدبر قوله تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ص 29 وغفلوا عن الإنصات قال تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون الأعراف 204 فمنعوا الرحمة بعدم الانصات يقول ابن القيم إن حجاب الهيبة لله عز وجل رقيق في قلب الغافل5 فإذا ذكرته بالله لم يرتدع فقد جعل الله سبحانه أهون الناظرين إليه انظر إلى حال البعض في تشيع الجنائز يتسامرون وفي سرادق العزاء يضحكون وكأنهم قد ضمنوا الجنة وأمنوا النار قال تعالى حكاية عن أهل الكتاب وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون البقرة 80 وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين البقرة 111 وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق المائدة 18 فالإيمان ليس بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل قال تعالى ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا النساء 123.إن الغفلة مهلكة للفرد وللمجتمع وقد توعد الله أهل الغفلة بوعيد شديد في الدنيا والآخرة قال تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين الأعراف 146 وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون الأعراف 179 في الدنيا ضنك وفي الآخرة عمى فكان الجزاء من جنس العمل قال تعالى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى . قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا . قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى . وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى طه 124 127 ويقول بن القيم على قدر غفلة العبد عن الذكر يكون بعده عن الله ويقول الإمام ابن القيم في ذلك لا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت6 فهو يقعده عن الترقي في مراتب الإيمان ويؤدي إلى الهلكة فهذا فرعون أهلكه الله تعالى بغفلته فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين هذا عقاب الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقىطه 127 فالنار موعدهم قال تعالى إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون . أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبونيونس 7 8. فالغفلة مانعة لقبول الدعاءعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس فسلوه وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل 7 وبالغفلة اسكنت الشيطان بيتك واطعمته طعامك عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطانلا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء 8.والغفلة عن أداء الفريضة في وقتها بغير عذر دليل نفاق عن العلاء بن عبد الرحمن؛ أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة. حين انصرف من الظهر. وداره بجنب المسجد. فلما دخلنا عليه قالأصليتم العصر؟ فقلنا له إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال فصلوا العصر. فقمنا فصلينا. فلما انصرفنا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس. حتى إذا كانت بين قرني الشيطان. قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا 9 وكذلك التهاون في الجمعة عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين 10.الوقاية خير من العلاج فمن وجد في نفسه شيأ من الأعراض فليسارع بالدواء ومن لم يجد فليحمد الله ويحذر عدوي الداءمن الوقاية مجالسة الذاكرين والبعد عن الغافلين قال تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا الكهف 28 قال ابن القيم إن مجالس الذكر مجالس الملائكة ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين فليتخير العبد أعجبهما إليه وأولاهما به فهو مع أهله في الدنيا والآخرة11 قال الشاعرواحذر مصاحبة اللئيم فإنه يعدي كما يعدي الصحيح الأجربومن الوقاية التحصن بالذكر قال تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين الأعراف 205 وعن يسيرة وكانت من المهاجرات قالت قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات ولا تغفلن فتنسين الرحمة 12.ومن الوقاية مطالعة القرآن الكريم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين 13.ومن الوقاية الحذر من غفلة ذوي المكانة في الدنيا وإن حملو أكبر الشهادات العلمية قال تعالى يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلونالروم 7.ومن الوقاية الا تهم بأمر إلا بذكر وطلب المعونة من الله قال تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا . إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداالكهف 23 24 وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة وما من رجل مشى طريقا فلم يذكر الله عز وجل إلا كان عليه ترة وما من رجل أوى إلى فراشه فلم يذكر الله إلا كان عليه ترة 14 وفي رواية أخرى عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع قوم في مجلس فتفرقوا ولم يذكروا الله عز وجل ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان مجلسهم ترة عليهم يوم القيامةوالترة 15 أي الحسرة والندامة.لذا حرصت آي الذكر على ايقاظ العباد من الغفلة وعابت عليهم تأخير التوبة قال تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون الحديد 16وجد مكتوب غلى قبريا أيها الناس كان لي أمل قصر بي عن بلوغه الأجلفليتق الله ربه رجل أمكنه في حياته العملما أنا وحدي نقلت حيث ترى كل إلى مثقله سينتقليترقب الغدو دوما لحظات الضعف والغفلة ليحرز النصر وينال منك فيأمرك الله بالحذر وأخذ الحيطة والترقب لتحركاته قال تعالى ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدةالنساء 102 وقال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلونيوسف 13 غفلة الحقد والحسد تجاه أخيهم كانت مدخل المكر بيوسف عيه السلام قال تعالى ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبينالقصص 15 الاحساس بالظلم والاستضعاف تجاه شيعته جعل موسى يوجز الرجل بغير قصد.الغفلة المحموده هي التي يتغافل فيها الانسان العاقل عن زلات وهفوات الآخرين وعن القبائح يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميدالبقرة 267 قال القرطبي اي تتساهلوا في ذلك وتتركوا من حقوقكم16قال تعالىوإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبيرالتحريم 3 اعرض عن بعض الحديث على وجه التكرم.قال الشيخ العز بن عبد السلام الغفلة عن القبائح مانعة من فعلها إذ لا يتأتى فعلها إلا بالعزم عليها ولا عزم عليها مع عدم الشعور بها وتحصل هذه الغفلة بالأسباب الشاغلة وقد جعلها من المأمورات الباطنة أما الغفلة عن ذكر الله فهي من المنهيات الباطنة17 والأولى محمودة والثانية مذمومة.قال عمرو بن عثمان المكي المروءة التغافل عن زلل الأخوان18.قال سفيان الثوري مازال التغافل من فعل الكرام19.قال جعفربن محمد الصادق عظموا أقداركم بالتغافل20.وقال الأوزعي السلامة عشرة أجزاء تسع منها في التغافل21.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1 (مجموع فتاوى ابن باز 2814).2 (لسان العرب 11 497 499 والنهاية في غريب الحديث 3 375 ومقاييس اللغة 4 386).3 (الكليات 506).4 (كتاب الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح حاسب نفسك المكتبة الشاملة الحديثة 15).5 (الوابل الصيب 62).6 (الوابل الصيب 62).7 (أحمد 2 177).8 (مسلم 2018).9 (مسلم (622).10 (مسلم 865).11 (الوابل الصيب 62).12 (الترمذي 3507).13 (الدارمي 2 555 والحاكم في المستدرك 1 556 واللفظ له).14 (المسند 9213).15 (المسند 9213).16 (القرطبي (الجامع لأحكام القرآن 3 326).17 (شجرة المعارف والأصول95).18 (البيهقي شعب الإيمان 8147).19 (تفسير البقاعي (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور9 73).20 (أبو حبان التوحيدي (البصائر الزخائر 405).21 (التقي الغزي الطبقات السنية في تراجم الحنفية 269).
مقالات عشوائية