بكاء الصحابة رضي الله عنهم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين....أما بعدسبحان من أضحك الإنسان وأبكاه! قال الله عز وجل وأنه هو أضحك وأبكى النجم 43 قال الإمام القرطبي رحمه الله قيل إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان وقد قيل إن القرد وحده يضحك ولا يبكي وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك.الإنسان يضحك في هذه الدنيا ويبكي لأسباب متعددة وأغراض متنوعة؛ فالمنافقون يضحكون في الدنيا لخداعهم المؤمنين لكنهم سيبكون كثيرا في الآخرة؛ قال الله جل جلاله فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون التوبة 82 قال ابن عباس رضي الله عنهما الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عز وجل استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا وقال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله فليتمتعوا في هذه الدنيا المنقضية ويفرحوا بلذاتها ويلهوا بلعبها فسيبكون كثيرا في عذاب أليم.والكفار والسفهاء الذين يضحكون في الدنيا من المؤمنين لاستقامتهم على طاعة الله سيبكون في الآخرة البكاء الطويل والأليم؛ قال الله جل جلاله إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون المطففين 29 34؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه اللهوذلك يوم القيامة وهذا والله الضحك الذي لا بكاء بعده أما ضحك المجرمين بالمؤمنين بالدنيا فإن بعده البكاء الطويل وهناك من الناس من يبكي لأسباب متعددة فمن بكى من خشية الله وعظمته فله الثواب العظيم والأجر الكبير؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر منهم ((ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) ؛ متفق عليه .قال أهل العلم أي خاليا عن الناس وفي خلوة وحده أو خاليا قلبه من الشواغل فجمع بين الخوف من الله وإخفاء العمل؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله أي خاليا من ذكر الدنيا وما يتعلق بها ما في قلبه تلك الساعة إلا الله سبحانه وتعالى وخاليا من الناس ليس عنده أحد؛ لأن من كان عنده أحد فربما تفيض عيناه لنوع من الرياء نسأل الله العافية والسلامة.وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم)) ؛ أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. لقد بكى الصحابة رضوان الله عليهم في مواقف متعددة؛ منهاالبكاء في الصلاة بكاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الصلاةعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه ((مروا أبا بكر يصلي بالناس)) قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس قال الشيخ محمد أشرف الصديقي العظيم آبادي رحمه الله وفي الحديث دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة وقد قيل إن كان البكاء من خشية الله لم يبطل وهذا الحديث يدل عليه.قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله البكاء نوعانالنوع الأول متكلف وهذا منهي عنه كما يفعل بعض الأئمة ولا سيما في قيام رمضان تجده يتباكى وإذا بكى صوت صوتا عظيما؛ من أجل أن يبكي الناس وهذا غلط.النوع الثاني بكاء يأتي بطبيعة الحال بدون تكلف وهذا لا شك أنه دليل على رقة القلب والإنسان يجد ذلك من نفسه فـأحيانا يقرأ القرآن فيجد رقة في قلبه وبكاء وأحيانا يقرأ نفس الآيات التي قرأها فيما سبق ولا يتحرك قلبه؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن ولا يكون على وتيرة واحدة حتى قال بعضهموما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلبالبكاء عند قراءة القرآن الكريميقول عبدالله بن مسعود رضي الله ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف ببكائه إذا الناس يضحكون وقال الإمام الآجري رحمه الله فأحب لمن قرأ القرآن أن يتحزن عند قراءته ويتباكى ويخشع قلبه.قال الإمام النووي رحمه الله البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين؛ قال الله عز وجل إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا مريم 58 قال العلامة السعدي رحمه الله أي خضعوا لآيات الله وخشعوا لها وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة ما أوجب لهم البكاء والإنابة والسجود لربهم.لقد كان خير البشر رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي عند سماعه لآيات الله تتلى, فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اقرأ علي القرآن)) فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا النساء 41 قال ((حسبك الآن)) فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان؛ متفق عليهبكاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند قراءته للقرآن الكريمعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت كان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن؛ متفق عليه.بكاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجرعن عبدالله بن شداد رضي الله عنه قال سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصف في صلاة الصبح وهو يقرأ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله يوسف 86؛ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف.البكاء عند سماع المواعظ ورؤية القبر وتذكر ما بعد الموتبكاء الصحابة إذا وعظوا وذكروا باللهعن العرباض بن سارية رضي الله قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب؛ أخرجه أبو داود؛ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله وقوله ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب هذا الوصفان بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر؛ كما قال جل جلاله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الأنفال 2 وقال وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الحج 34 35 وقال ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق الحديد 16 وقال الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله الزمر 23 وقال وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق المائدة 83 وعن أنس رضي الله عنه قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط قال ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)) فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين؛ متفق عليه.قال الحافظ ابن حجر رحمه الله والمراد بالعلم هنا ما يتعلق بعظمة الله وانتقامه ممن يعصيه والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة.وعن أنس رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر بين يديها أمورا عظاما ثم قال ((من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه فوالله ما تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به في مقامي هذا)) قال أنس فأكثر الناس البكاء؛ متفق عليه.بكاء عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على القبرعن هانئ مولى عثمان قال كان عثمان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا؟ قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه)) قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه))؛ أخرجه ابن ماجه.بكاء عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعد الموتلما حضرت عمرو بن العاص رضي الله عنه الوفاة بكى فقال له ابنه عبدالله لم تبكي؟ أجزعا على الموت؟ فقال لا والله ولكن مما بعد؛ أخرجه أحمد.البكاء لفراق الصالحين ووجعهمبكاء أبي بكر رضي الله عنه لفراق رسول الله عليه الصلاة والسلامعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده)) فبكى أبو بكر وقال يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال فعجبنا وقال الناس انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر هو أعلمنا به.وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت إن أبا بكر رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى؛ متفق عليه.بكاء عبدالله بن عباس رضي الله عنه لاشتداد وجع رسول الله صلى الله عليه وسلمقال ابن عباس رضي الله عنه يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثم بكى حتى بل دمعه الحصى...اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه؛ أخرجه البخاري.بكاء عبدالله بن مسعود عندما تذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنهماعن زيد بن وهب قال سأل عبدالله رجلان عن آية فقال لأحدهما من أقرأك؟ قال عمر فقال للآخر, من أقرأك؟ قال أبو حكيم, فقال اقرأ كما أقرأك عمر, ثم بكى حتى بل الحصى دموعه ثم قال إن عمر رضي الله عنه كان للإسلام حصنا حصينا يدخلون في الإسلام ولا يخرجون فلما أصيب عمر انثلم الحصن أخرجه الطبراني بكاء فاطمة رضي الله عنها عندما أخبرها الرسول عليه الصلاة والسلام بموتهعن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا فاطمة ابنته فسارها فبكت ثم سارها فضحكت فقالت عائشة ما هذا الذي سارك به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت ثم سارك فضحكت؟ قالت سارني فأخبرني بموته فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول من أتبعه من أهله فضحكت؛ متفق عليه.بكاء عمر رضي الله عنه لمقتل النعمان وآخرين في معركة نهاوندعندما قتل النعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه في معركة نهاوند بايع الناس حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وكان عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بالمدينة يدعو الله فكتب إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين فلما قدم عليه قال أبشر يا أمير المؤمنين بفتح أعز الله فيه الإسلام وأهله وأذل الشرك وأهله قال النعمان بعثك؟ قال احتسب النعمان يا أمير المؤمنين فبكى عمر واسترجع وقال ومن ويحك؟ قال فلان وفلان حتى عد أناسا ثم قال وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم فقال عمر رضوان الله عليه وهو يبكي لا يضرهم ألا يعرفهم عمر لكن الله يعرفهم؛ أخرجه ابن حبان.بكاء أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطابلما طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا عبدالله انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين؛ فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه فسلم وأستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي؛ أخرجه البخاري.البكاء سرورا بنعم الله وفضلهبكاء أبي بكر رضي الله عنه عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر))عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر)) فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؛ أخرجه أحمد.بكاء أبي هريرة رضي الله عنه فرحا بإسلام أمهقال رضي الله عنه جئت فقلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اللهم اهد أم أبي هريرة)) فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما جئت...قالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي من الفرح؛ أخرجه مسلم.بكاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه رأى له قصرا في الجنة.عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال ((بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب القصر فقلت لمن هذا القصر؟ فقالوا لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرا)) فبكى عمر أعليك أغار يا رسول الله؛ أخرجه البخاري.قال الحافظ ابن حجر رحمه الله قال ابن بطال وبكاء عمر يحتمل أن يكون سرورا ويحتمل أن يكون تشوقا أو خشوعا.بكاء أبي بن كعب رضي الله عنه؛ لأن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه القرآنعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب البينة 1 قال وسماني؟ قال صلى الله عليه وسلم ((نعم)) قال فبكى؛ متفق عليه, قال الإمام النووي رحمه الله أما بكاؤه فبكاء سرور واستصغار لنفسه عن تأهيله لهذه النعمة وإعطائه لهذه المنزلة وقيل إنما بكى خوفا من تقصيره في شكر هذه النعمة.بكاء أبي ذر رضي الله عنه لما حدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل السجودعن الأحنف بن قيس قال دخلت بيت المقدس فوجدت فيه رجلا يكثر السجود فوجدت في نفسي من ذلك فلما انصرف قلت أتدري على شفع انصرفت أم على وتر؟ قال إن لم أك لا أدري فإن الله عز وجل يدري ثم قال أخبرني حبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ثم بكى ثم قال أخبرني حبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ثم بكى ثم قال أخبرني حبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة)) قلت أخبرني من أنت يرحمك الله؟ قال أنا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقاصرت إلي نفسي؛ أخرجه أحمد.البكاء خوفا أن تكون النعم والطيبات استدراجا وسببا للعداوة والبغضاءبكاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أتي بكنوز كسرىعن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف قال لما أتي عمر رضي الله عنه بكنوز كسرى قال له عبدالله بن أرقم الزهري ألا تجعلها في بيت المال فقال عمر رضي الله عنه لا نجعلها في بيت المال حتى نقسمها وبكى عمر رضي الله عنه فقال له عبدالرحمن رضي الله عنه ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا ليوم شكر ويوم سرور ويوم فرح فقال عمر إن هذا لم يعطه الله قوما قط إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء؛ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى.بكاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم خوفا أن تكون طيباتهم عجلت لهم في الدنياأتي عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه يوما بطعامه فقال قتل مصعب بن عمير وكان خيرا مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة وقتل حمزة أو رجل آخر خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة لقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ثم جعل يبكي؛ أخرجه البخاري.البكاء إذا أذي رسول الله صلى الله عليه وسلمبكاء أبي هريرة رضي الله عنه؛ لأن أمه أسمعته في رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يكرهقال أبو هريرة رضي الله عنه كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي؛ أخرجه مسلم.البكاء تأثرا بأحوال المسلمينبكاء عمر عندما رأى الحصير قد أثر في جنب الرسول عليه الصلاة والسلامعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال عليه الصلاة والسلام ((وما يبكيك؟)) فقلت يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال ((أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة))؛ أخرجه البخاري, لقد بكى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما رأى ما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضيق العيش لكن الرسول عليه الصلاة والسلام هون عليه الأمر فالمؤمن يرضى بما يصيبه من قلة ذات اليد بما يؤمل ويرجو من ثواب الله وفضله في الآخرة.بكاء أبي قتادة رضي الله عنه لما علم أن غريمه معسرعن أبي قتادة رضي الله عنه قال أنه كان له على رجل دين وكان يأتيه يتقاضاه فيختبئ منه فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه فقال نعم هو في البيت فناداه يا فلان اخرج فقد أخبرت أنك ها هنا فخرج إليه فقال ما يغيبك عني؟ قال إني معسر وليس عندي قال آلله إنك معسر؟ قال نعم فبكى أبو قتادة ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة))؛ أخرجه أحمد.بكاء خباب بن الأرت عندما تذكر أن حمزة رضي الله عنهما لم يوجد له كفنعن حارثة بن مضرب قال دخلت على خباب فأتي بكفنه فلما رآه بكى وقال لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الإذخر؛ أخرجه أحمد.البكاء تأثرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلمبكاء ابن عمر رضي الله عنه عندما تذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلمعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنه كان واقفا في عرفات فنظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب فبكى واشتد بكاؤه فقال له رجل عنده يا أبا عبدالرحمن قد وقفت معي مرارا لم تصنع هذا؟ فقال ذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بمكاني هذا فقال ((أيها الناس؛ إنه لم يبق من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه))؛ أخرجه أحمد.وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال التقى عبدالله بن عمرو وابن عمر ثم مضى عبدالله بن عمرو وبقي ابن عمر يبكي فقال له رجل ما يبكيك يا أبا عبدالرحمن؟ قال هذا يعني عبدالله بن عمرو زعم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر أكبه الله على وجهه في النار))؛ أخرجه أحمد.بكاء عبدالله بن عمرو عندما حدث بحديث الرسول عليه الصلاة والسلامعن عبدالله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره) فذرفت عينا عبدالله أحمدبكاء أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عندما حدث بحديث الرسول عليه الصلاة والسلامعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ((ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه)) فبكى أبو سعيد وقال قد والله رأينا أشياء فهبنا؛ أخرجه ابن ماجه.البكاء تأثرا ببكاء الآخرينبكاء عمر بن الخطاب لبكاء الرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر الصديقعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر وإذا هما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؛ أخرجه أحمد. بكاء أبي بكر وعمر لبكاء أم أيمن رضي الله عنهمعن أنس رضي الله عنه قال قال أبو بكر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها فلما انتهيا إليها بكت فقالا لها ما يبكيك؟ فما عند الله خير لرسوله قالت إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله ولكن أبكي؛ لأن الوحي انقطع من السماء؛ فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها؛ أخرجه مسلم. البكاء على ما فات من أمر الدينبكاء أنس بن مالك رضي الله عنه لتضييع الصلاة عن وقتهاقال الزهري دخلت على أنس بن مالك رضي الله عنه بدمشق وهو يبكي فقلت له ما يبكيك؟ فقال لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت؛ أخرجه البخاري في باب تضييع الصلاة عن وقتها.قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في هذا الحديث دليل على جواز البكاء على ما فات من أمر الدين وعلى ما انتهك من الحرمات أيضا فإن البكاء على ترك الواجب يوازيه البكاء على فعل المحرم ولا شك أن كل إنسان في قلبه حياة إذا رأى انتهاك المحرمات أو تضييع الواجبات لا شك أنه سيتألم وإذا كان سريع البكاء فإنه سوف يبكي.بكاء أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهمابكاؤها رضي الله عنها لما قذفت في عرضهاعنها رضي الله عنها قالت في حادثة الإفك قدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي...حتى خرجت مع أم مسطح فعثرت في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قلت وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك؛ فازددت مرضا على مرضي...فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي فبكيت يومي ذلك كله...وقد بكيت ليلتين ويوما لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي؛ متفق عليه.لقد بكت رضي الله عنها وحق لها أن تبكي؛ فقد قذفت في عرضها والعرض غال والمحافظة عليه لازمة والبعد عن كل ما يؤدي لانتهاكه واجب اللهم احفظ أعراضنا وجميع أعراض أخواتنا المسلمات.بكاؤها رضي الله عنها؛ لأنها حاضت قبل أن تتم عمرتهاعن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج...فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال ((ما يبكيك؟)) قلت سمعت كلامك مع أصحابك فسمعت بالعمرة فمنعت العمرة قال ((وما لك؟)) قلت لا أصلي؛ متفق عليه.تبكي رضي الله عنها وأرضاها؛ لأنها منعت من طاعة وعبادة بسبب أمر كتبه الله على جميع النساء فما حال من يترك الطاعة متعمدا؟! وما حال من لا يبكي إذا حرمها؟! وما حال من يفرح بتركها؟! بكاؤها رضي الله عنها في نذرهاقال عروة بن الزبير رضي الله عنه عن عائشة كانت لا تمسك شيئا مما جاءها من رزق الله إلا تصدقت فقال عبدالله بن الزبير ينبغي أن يؤخذ على يديها فقالت أيؤخذ على يدي؟ علي نذر إن كلمته فاستشفع إليها المسور بن مخرمة وعبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وطفقا يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه فلما أكثرا على عائشة من التذكرة طفقت تذكرهما وتبكي وتقول إني نذرت والنذر شديد فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة وكانت تذكر بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها؛ أخرجه البخاري.قال الحافظ ابن حجر رحمه الله كانت تذكر نذرها فتبكي حتى يبل دمعها خمارها فيه إشارة إلى أنها كانت تظن أنها ما وفت بما يجب عليها من الكفارة.وفي الختام أذكر مواقف كان سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله يبكي فيها تتشابه كثيرا مع المواقف التي بكى فيها صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام أنقلها من كتاب جوانب من سيرة الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله ؛ للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد ومن تلك المواقف كثيرا ما كان يبكي إذا صلى بالناس ولكنه يغالب نفسه. كان رحمه الله كثيرا ما يبكي عند سماع القرآن الكريم أيا كان صوت التالي أو حسن ترتيله من عدمه. كان يبكي إذا سمع شيئا من السنة النبوية. كان كثير البكاء إذا سمع شيئا يتعلق بتعظيم القرآن أو السنة. كان يبكي إذا سمع أخبار الاضطهاد والتعذيب التي تمر بالمسلمين في بعض البلاد. كان يبكي كثيرا إذا توفي أحد العلماء المشهورين أو من لهم بلاء في الإسلام. وكثيرا ما كان يبكي إذا سمع حادثة الإفك أو قصة الثلاثة الذين خلفوا.أما طريقة بكائه رحمه الله فكان يبكي بصوت خافت جدا ويرى التأثر على وجهه أو يرى الدمع يهراق من عينيه وكان لا يحب رفع الصوت بالبكاء.اللهم وفقنا للاقتداء بأولئك الأخيار الأبرار واجمعنا وإياهم في أعلى درجات الجنان برحمتك وجودك يا كريم يا رحمن. كتبه فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
مقالات عشوائية