المقالات الإسلامية المتنوعة

الرّدة الأسباب والعقوبات وتهافت الشبهات

إن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليدل الناس على الإسلام الذي هو أكمل الشرائع وأمره أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله. ولم يؤمر أن ينقب عن قلوبهم ولا أن يشق عن بطونهم بل تجرى عليهم أحكام الله في الدنيا إذا دخلوا في دينه وتجرى أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونياتهم فأحكام الدنيا على الإسلام وأحكام الآخرة على الإيمان. ولهذا قبل إسلام الأعراب ونفى عنهم أن يكونوا مؤمنين وقبل إسلام المنافقين ظاهرا وأخبر أنه لا ينفعهم يوم القيامة شيئا وأنهم في الدرك الأسفل من النار. فأحكام الله تعالى جارية على ما يظهر للعباد ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه 1. فانقسم الناس تجاه دعوته إلى المؤمنين الصادقين والكفار الظاهرين والمنافقين المستترين فعامل كلا بما أظهر . ثم إن أهل الإيمان انقسموا بحسب تفاوت درجاتهم في الإيمان والعمل الصالح إلى درجات كما قال تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير فاطر 32. حكم من كفر بعد الإيمان وحكم على من أظهر كفره من المنافقين أو كفر من المسلمين بالقتل كفا لشرهم وردعا لغيرهم؛ فإن محاربتهم للإسلام بألسنتهم أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان وفتنة هذا في القلوب والإيمان وهذا بخلاف الكافر الأصلي؛ فإن أمره كان معلوما وكان مظهرا لكفره غير كاتم له والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه وجاهروه بالعداوة والمحاربة ولو ترك ذلك الزنديق لكان تسليطا له على المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبة الله ورسوله. وأيضا فإن من سب الله ورسوله وكفر بهما فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا؛ فجزاؤه القتل حدا. ولا ريب أن محاربة الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفسادا ؛ فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم ولا تأتي بقتل من صال على كتاب الله وسنة نبيه بين أظهر المسلمين وهي من أعظم المفاسد؟ 2. وبين يديك أخي القارئ الكريم ورقات قليلة في جريمة الردة تعرض جانبا من نظرة الإسلام إليها وإلى عقوبتها سائلا الله تعالى أن ينفع بها. تعريف الردة الردة في اللغة الرجوع عن الشيء والتحول عنه سواء تحول عنه إلى ما كان عليه قبل أو لأمر جديد. ويقال ارتد عنه ارتدادا أي تحول. ويقال ارتد فلان عن دينه إذا كفر بعد إسلامه 3. وتدل في الاصطلاح الشرعي على كفر المسلم بقول أو فعل أو اعتقاد 4. وقوع الردة وحصولها الردة عن الإسلام والتحول عنه أعاذنا الله منها وثبتنا على دينه أمر ممكن الحصول؛ فقد ذكرها الله تعالى في كتابه محذرا منها ومبينا عاقبتها. قال تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة سورة البقرة 217. وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهسورةالمائدة 54. وقال تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم سورة النحل 106. إضافة إلى آيات كثيرة تبين هذا المعنى. كما أخبر تعالى عن وقوع الكفر من طائفة من الناس بعد إيمانهم قال تعالى إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم سورة محمد 25. وقال الله تعالى ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم سورة التوبة 6566. وقال تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم سورة التوبة 74. وقال تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا سورةالنساء 137. كما وقعت الردة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف نذكر منها قصة عبيد الله بن جحش فإنه كان قد أسلم وهاجر مع زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة فرارا بدينه قالت أم حبيبة رأيت في النوم عبيد الله زوجي بأسوأ صورة وأشوهها ففزعت وقلت تغيرت والله حاله! فإذا هو يقول حين أصبح إني نظرت في الدين فلم أر دينا خيرا من النصرانية وكنت قد دنت بها ثم دخلت في دين محمد وقد رجعت فأخبرته بالرؤيا فلم يحفل بها وأكب على الخمر.. حتى مات. 5 ومنها ما حصل عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسير أنه كان رجال قد آمنوا ثم نافقوا وكان يجري ذلك لأسباب منها أمر القبلة لما حولت ارتد عن الإيمان لأجل ذلك طائفة وكانت محنة امتحن الله بها الناس. قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله سورة البقرة 143 6. ومنها ما حصل في غزوة تبوك إذ قال رجل في هذه الغزوة ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم سورة التوبة 6566 وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم 7. وقريب من هذا ما حصل لهشام بن العاص رضي الله عنه فإنه أسلم وتواعد على الهجرة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم إنه حبس عنه وفتن فافتتن. قال ابن إسحاق وحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر في حديثه قال فكنا نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم! قال وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم سورة الزمر 53. فقدم المدينة بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم 8. والردة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم ترتبط بعداوة الإسلام وحربه ولكنها كانت مع ذلك ردة موجبة للخروج عن الإسلام وموجبة لتجريم فاعلها ولو لزم داره بل إن المنافقين في الصدر الأول كان منهم من آمن ثم نافق بعد إيمانه وهذه ردة أيضا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك لما انهزم المسلمون يوم أحد وشج وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته ارتد طائفة نافقوا... قال تعالى وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا سورة آل عمران 166167. فإن ابن أبي لما انخزل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد انخزل معه ثلث الناس قيل كانوا ثلاثمائة وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن؛ إذ لم يكن لهم داع إلى النفاق. وفي الجملة ففي الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره 9. عظم جريمة الردة إن أهم مقصد جاء الإسلام بتحقيقه في الناس هو تحقيق توحيد الله والإيمان به ونفي الشرك والكفر والتحذير منهما وقد جاء أيضا بحفظه في نفوس من اعتنقه؛ وذلك أن العالم لا يستقيم بدونها فضياعها مهلك للبشر وإذا تأمل الإنسان حال البشرية عند بعثة المصطفى عليه الصلاة والسلام فسيجد أنه بعث على فترة من الرسل في زمن تخبطت فيه البشرية كما وصفوا في الحديث القدسي إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم 10 عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب.. 11. وهؤلاء البقايا مات أكثرهم قبل مبعثه 12 فصار الناس في جاهلية جهلاء من مقالات مبدلة أو منسوخة أو فاسدة قد اشتبهت عليهم الأمور مع كثرة الاختلاف والاضطراب. فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى هداية جلت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين حتى حصل لأمته المؤمنين عموما ولأولي العلم منهم خصوصا من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علما وعملا إلى الحكمة التي بعث بها لتفاوتا تفاوتا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما؛ فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى 13. ولذا صار الشرك بالله تعالى أعظم الذنوب عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي؟ قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قلت ثم أي؟ قال أن تزاني حليلة جارك 14. وعند تأمل حال أمة ليس فيها سلطان للدين ولا رقيب منه وكيف يتسلط بعضهم على بعض عند ذلك؛ لأن أهواء الناس تتفاوت وتختلف وكل شخص سيفعل ما يراه مصلحة له بحسب هواه وإن منعه وازع من السلطان في العلن فلن يتحفظ في السر وعند ضعف الوازع السلطاني عن الاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض فترى النفوس تغتال والأموال تختلس والأعراض تنتهك والشاهد الجلي لهذا حال الدول غير المسلمة إذا ضعفت فيها السلطة فتحصل الاغتيالات وانتهاب الأموال وانتهاك الأعراض 15. ولذا كانت البيعة التي يأخذها النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء تتضمن أن لا يشركوا ولا يزنوا ولا يقتلوا كما جاء في سورة الممتحنة وكتب الحديث 16. بل ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعة الشرك والزنا وقتل النفس؛ ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة! الجريمة الأولى قتل للفطرة والثانية جريمة قتل للجماعة والثالثة جريمة قتل للنفس الموءودة. إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة... ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات ؛ لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار... 17. والتساهل في هذه العقوبة يؤدي إلى زعزعة النظام الاجتماعي القائم على الدين فكان لا بد من تشديد العقوبة لاستئصال المجرم من المجتمع منعا للجريمة وزجرا عنها. وشدة العقوبة تولد في نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة ما يكبت العوامل الدافعة إليها ويمنع من ارتكاب الجريمة في أغلب الأحوال 18. ومن المعلوم أن العقوبات تتناسب مع الجرائم؛ فكلما ازدادت بشاعة الجريمة استلزمت عقابا موازيا لها في الشدة 19. ومن المبادئ المتفق عليها لدى التشريعات الجنائية مبدأ مقارنة جسامة الجريمة بجسامة العقوبة وكلما زادت العقوبة في جسامتها دل ذلك على ارتفاع جسامة الوصف القانوني للجريمة ويطلق على هذا المبدأ مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. أسباب الردة عند تأمل التاريخ والواقع نجد جملة أسباب ودوافع أدت إلى حصول حوادث الردة وهي وإن كانت على مر التأريخ حوادث جزئية وقليلة إلا أننا يمكن من خلال تأملها استلهام جملة من الأسباب الدافعة أو المساعدة على حصول الردة. ومن هذه الأسباب 1 كيد الكفار بالمسلمين فمن مكر الكفار وكيدهم القديم أن يدخل طائفة منهم في الإسلام ظاهرا حتى إذا سكن إليهم المسلمون عادوا فارتدوا معلنين السخط على الدين وعدم الرضى به ليفتنوا المسلمين عن دينهم ويصدوهم عن سبيله. وقد ذكر الله تعالى هذه المكيدة منهم في كتابه قال تعالى وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون سورة آل عمران 72. قال قتادة قال بعضهم لبعض أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار واكفروا آخره؛ فإنه أجدر أن يصدقوكم ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم 20. قال السدي كان أحبار قرى عربية اثني عشر حبرا فقالوا لبعضهم ادخلوا في دين محمد أول النهار وقولوا نشهد أن محمدا حق صادق فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم فحدثونا أن محمدا كاذب وأنكم لستم على شيء وقد رجعنا إلى ديننا؛ فهو أعجب إلينا من دينكم لعلهم يشكون يقولون هؤلاء كانوا معنا أول النهار؛ فما بالهم ؟ فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك 21. 2 ضعف الإيمان فلا يثبت عند المحن من خالط الإيمان قلبه فإنه لا يتزحزح عنه لأي طارئ. وقد سأل هرقل أبا سفيان ابن حرب قبل أن يسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة يستكشف بها حقيقة حاله فكان مما سأله هل يرتد أحد منهم أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان لا فقال هرقل وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب 22. وفي رواية زاد لا يسخطه أحد وفي رواية وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه 23. ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من انخذل من المسلمين يوم أحد مع عبد الله بن أبي قال أولئك كانوا مسلمين وكان معهم إيمان... فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه ولم يكونوا من المؤمنين حقا الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان ولا من المنافقين حقا الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيرا وينافق أكثرهم أو كثير منهم. ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبا ؛ وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة وإذا كانت العافية أو كان المسلمون ظاهرين على عددهم كانوا مسلمين... 24. ولهذا كانت فائدة المحنة والابتلاء أن يظهر الصادق من الكاذب. قال تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين سورة العنكبوت 23. وقال تعالى ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم سورة محمد 31. 3 الافتتان بما لدى الكفار وهذا الافتتان يتخذ صورا عديدة يجمعها ويربط بينها ضعف الشخصية الإيمانية والاقتناع التام بصدق المبدأ. ومن ذلك الفتنة بما قد يمكن للشخص من شهوات فلما حاصر النصارى عكا سنة ست وثمانين وخمسمائة استمرت أمداد الفرنج تقدم عليهم من البحر كل وقت حتى إن النساء ليخرجن بنية راحة الغرباء في الغربة فقدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة حسناء بهذه النية حتى إن كثيرا من فسقة المسلمين تحيزوا إليهم لأجل هذه النسوة 25. وذكر ابن كثير 26 أيضا قصة مجاهد يدعى عبده بن عبد الرحيم وأنه في بعض الغزوات نظر إلى امرأة من نساء الروم فهويها وتنصر من أجلها فاغتم المسلمون بسبب ذلك؛ فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو معها فقالوا يا فلان! ما فعل قرآنك؟ فقال اعلموا أني نسيت القرآن كله إلا قوله ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون سورة الحجر 23. ومنها الافتتان بما لديهم من إتقان لأعمال الحياة الدنيا ومهارتهم فيها مع عجز المسلمين عن ذلك فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنه على الحق وأن من عجز عنها متخلف وليس على الحق وهذا جهل فاحش ... فقد أوضح جل وعلا في قوله تعالى يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون سورة الروم 7 أن أكثر الناس لا يعلمون ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولا أوليا؛ لأنهم لا يعلمون شيئا عمن خلقهم... ورزقهم ولم يعلموا شيئا عن مصيرهم الأخير ومن غفل عن جميع هذا فليس معدودا من جنس من يعلم... بل علمهم في غاية الحقارة بالنسبة لما فاتهم 27 لأنه لا يجاوز ظاهر الحياة الدنيا. 4 سعي اليهود والنصارى وهذا السبب أوضح من أن أستشهد عليه أو أقرره ؛ فقد بينه الله تعالى أتم بيان بقوله ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم سورة البقرة 120. وقال عن الكفار ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا سورة البقرة 217. وقال يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين سورة آل عمران 100. وقال ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا سورة البقرة 109. ويظهر هذا بجلاء في المساعي التنصيرية التي لا تزال تمارس نشاطاتها في العالم الإسلامي بصورة مباشرة حينا وبدعم التوجيهات غير الدينية من داخل بلاد الإسلام أحيانا أخرى وهي مساع عظيمة جدا ينفق عليها بسخاء كبير 28 واستعملوا لتحقيقها عدة طرق من التطبيب والتعليم ونشر الفتن والحروب والأعمال الاجتماعية وغيرها. ويتأكد هذا الأمر عندما نعلم مدى تأثير الدين في الحياة الأمريكية حتى يمتزج بجميع نواحي الحياة وحتى يصبح من أقوى العوامل في نجاح المرشح في الانتخابات وفي فشله أيضا 29. عقوبة المرتد الإنسان باعتناقه للإسلام يعصم دمه وماله في الدنيا وأما قبل إسلامه فإن الأصل أنه مباح الدم إلا إذا طرأ له عهد أو ذمة أو أمان أو مانع يمنع من قتله. فكل شخص لم يعتنق الإسلام فالأصل أنه مباح الدم إلا لعارض. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى 30. وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها 31. فقوله عصموا مني دماءهم وقوله حرمت علينا دماؤهم يدل على أنه كان مأمورا بقتل من أبى الإسلام... فإذا نطق بالشهادتين عصم دمه وصار مسلما؛ فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم 32. ويدل على ذلك قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله سورة البقرة 193. وقوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم سورة التوبة 5. فالإسلام هو العاصم عن إباحة دم الإنسان في الأصل وأما غيره من الأسباب التي تمنع من قتل غير المسلم فهي أسباب طارئة تنتهي بانتهاء غايتها. والمسلم نفسه متى ترك الإسلام عاد للحال التي كان عليها من حل الدم والمال بل هو أشد؛ لأن ضرره أعظم ولأنه قد قامت عليه من الحجة ما هو أبلغ من غيره. وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر بعض أسباب القتل وكان منها الكفر وبين أن من الفقهاء من جعل نفس الكفر مبيحا للدم ومنهم من جعله وجود الضرر منه أو عدم النفع فيه قال بعد ذلك أما المرتد فالمبيح عنده هو الكفر بعد الإيمان وهو نوع خاص من الكفر؛ فإنه لو لم يقتل لكان الداخل في الدين يخرج منه؛ فقتله حفظ لأهل الدين والدين؛ فإن ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه بخلاف من لم يدخل فيه؛ فإنه إن كان كتابيا فقد وجد إحدى غايتي القتل في حقه وإن كان وثنيا... ولم يمكن استرقاقه ولا أخذ الجزية منه بقي كافرا لا منفعة في حياته لنفسه؛ لأنه يزداد إثما ولا للمؤمنين؛ فيكون قتله خيرا من إبقائه 33. إذا تقررت هذه القاعدة من أن أكبر عاصم لمال الإنسان ودمه هو الإسلام ؛ فإننا نعلم أن خروج الإنسان عن الإسلام بعده رافع لهذه العصمة ولذا جاء الشرع في نصوص كثيرة جدا تبين حد المرتد وأنه القتل. فمنها قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير سورة التوبة 74 فبين تعالى أن من كفر بعد إسلامه إن تاب كان خيرا له وإلا يعذب عذابا أليما في الدنيا والآخرة وعذابه في الدنيا هو الحد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية .. ولكونهم أظهروا الكفر والردة لهذا دعاهم إلى التوبة فقال فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا سورة التوبة 74 عن التوبة يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة سورة التوبة 74 وهذا لمن أظهر الكفر فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة 34. وقال ابن الجوزي قوله تعالى وإن يتولوا سورة التوبة 74 أي يعرضوا عن الإيمان يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة سورة التوبة 74 بالقتل وفي الآخرة بالنار 35. وقد أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في نصوص نبوية كثيرة... فمنها عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من بدل دينه فاقتلوه 36. و عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا إذ دخل رجلان وافدين من عند مسيلمة فقال لهما رسول الله أتشهدان أني رسول الله؟ فقالا له أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ فقال آمنت بالله ورسله؛ لو كنت قاتلا وافدا لقتلتكما 37. وجاء من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما 38. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال ارتدت امرأة عن الإسلام فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام وإلا قتلت فعرضوا عليها الإسلام فأبت إلا أن تقتل فقتلت 39. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وقد كان مسلما ثم ارتد مشركا 40. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة 41. وروت عائشة رضي الله عنها مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم 42. وعن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس 43. وفي رواية أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل 44. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقلت إلى أين؟ فقال أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله أو أضرب عنقه 45 وزاد في رواية وآخذ ماله أو أصفي ماله أو أخمس ماله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن تخميس ماله دل على أنه كان كافرا لا فاسقا وكفره بأنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله 46 لأنه كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن ربه وجحود لآية من القرآن. وفي السنة من النصوص الواردة في قتل الساحر ما ينضم إلى ما تقدم أيضا. وثبت القتل للمرتد من فعل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم فقد أتي علي بن أبي طالب رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم بالنار 47. وورد ذلك عن ابن عمر و عثمان و أبي بكر رضي الله عنهم 48. ولما قدم معاذ بن جبل على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما إذا رجل عنده موثق قال ما هذا؟ قال كان يهوديا فأسلم ثم تهود قال اجلس قال لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله فأمر به فقتل 49. والحكم بقتل المرتد محل إجماع من المسلمين 50 فلم يقع في أصله خلاف وإن حصل اختلاف في فروعه كالاستتابة ومدتها وأنواع المكفرات. ولكن هذا القتل لا يكون إلا بأمر حاكم؛ لأن مرجع تنفيذ الأحكام إليه عند جمهور أهل العلم كما لا يقتل حتى يستتاب ويصر على ردته ولا بد من تحقق الردة بثبوت موجبها وتحقق شروطها وانتفاء موانعها من الخطأ والإكراه ونحو ذلك 51. ومعنى ما سبق أن إثبات الحد الشرعي شيء وتطبيقه في الواقع شيء آخر؛ فإن تنزيل الأحكام على الوقائع مختص بأهله. شبهات حول حد الردة يظهر مما سبق أن الحكم بقتل المرتد حدا حد شرعي ثابت بالنص النبوي قولا وفعلا وبإجماع المسلمين ودل عليه كتاب الله تعالى تفقها وعمل الصدر الأول من الأمة وهو متسق مع قاعدة كلية وهي إباحة دم الكافر إلا بطروء ما يعصمه. وكل ما سبق مثبت بلا شك أن القتل للمرتد واجب من واجبات الدين. إلا أن هذا العصر لما شهد إعراض بعض الأمم عن تطبيق هذا الحد أخذ بعضهم يبحث عن وسائل يجعل هذا الحد محل تردد وأورد لذلك شبهات وتوصل بعد ذلك إلى تحريم الردة ولكن جعل عقوبتها تعزيرية عائدة لرأي الإمام إما بالقتل أو بالسجن أو بغيرهما 52. وآخر بحث مثله عن شبهات وتوصل بعد عرضها والكلام حولها إلى أنه لا عقوبة على الردة! 53. ومجمل الشبهات التي أوردها هؤلاء هي أن عقوبة الردة وردت في أحاديث آحاد والحدود لا تثبت بحديث آحاد وقد تبين مما سبق أن حد الردة محل إجماع والإجماع يرفع الحكم إلى القطعيات كما أن الحديث ورد بعدة طرق وأخرجه صاحب الصحيح مما يجعله محفوفا بالقرائن التي ترفعه إلى إفادة العلم كما قرره الحافظ ابن حجر في نزهة النظر 54. وقد نقل أيضا في نفس الموضع الإجماع على وجوب العمل بما في الصحيح ثم إن أحاديث الآحاد لم يتوقف علماء الصدر الأول من الإسلام عن الأخذ بها سواء في العلميات أو العمليات. ولذا قال ابن حبان رحمه الله فأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار كلها أخبار آحاد وأن من تنكب عن قبول خبر الآحاد فقد الإضافة 55. كما أن حد الزاني المحصن وشارب الخمر وتفصيلات حدود السرقة وزنا البكر كلها إنما ثبتت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآحادية. ومع كل ذلك فإن لدينا على هذا الحد دليلا من القرآن تقدم وإجماع مر معنا. ونظير هذه الشبهة أن هذا الحكم لم يذكر في القرآن. وهو مع الإشارة إليه في القرآن ومع اعتقادنا أن السنة مصدر للتشريع فإني ذاكر حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذ لعن الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. فقالت امرأة قرأت القرآن يقال لها أم يعقوب ما هذا ؟ فقال عبد الله وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله قالت لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته قال والله لو قرأتيه لقد وجدتي وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب سورة الحشر 7 56. ولا شك عند كل مسلم سليم الاعتقاد أن الحديث حجة بنفسه؛ فهو عليه الصلاة والسلام وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى سورة النجم 34. ومن الشبهات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقب أحدا من المرتدين بقتله وقد تبين مما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من ارتد وعاقب بذلك 57 بل عاقب به من لم يحارب المسلمين ولم يقاتلهم. الردة وحرية الاعتقاد لا شك أن كل مسلم يعلم أن الإسلام هو الدين الحق وأن ما عداه باطل ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين سورة آل عمران 85. لذا فإن على كل عاقل أن يسلم لله رب العالمين؛ فإن لم يسلم فقد تنكب الصراط المستقيم وخالف مقتضى العقل وداعي الفطرة. ولا يعني هذا منع الإنسان من التفكير بل هو بتفكيره السليم منقاد للإيمان بالله تعالى. وعلى هذا؛ فليس للإنسان حرية في الاعتقاد بل مطلوب منه الإيمان ولكن لا يكره عليه فإن أكره فإن إيمانه لا ينفعه؛ لأنه لم يكن عن قناعة واطمئنان قلب. قال تعالى فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون سورة غافر 8485. أي أنهم لما عاينوا وقوع العذاب بهم وحدوا الله وكفروا بالطاغوت ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة. إن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب لبيان الحق ودلالة الخلق وإقامة البراهين والآيات والمعجزات التي تدل كل صاحب تفكير سليم إلى الإيمان قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد سورة سبأ 46. وهذا فيه حرية ظاهرة؛ إذ لا إكراه على اعتناق الإسلام مع أنه المخلص للبشرية من ضلالاتها وسائر مشكلاتها لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي سورة البقرة 256. وشاهد هذا حال أهل الذمة الذين أقرهم المسلمون على دينهم دون أن يعرض أحد لهم وإباحة الشرع للمسلم أن يتزوج كتابية ولو بقيت على دينها دون أن يجبرها على التخلي عنه. أما من دخل في الإسلام فإنه قد التزم أحكام الإسلام وعقيدته التي منها أن من ارتد عنه قتل؛ فهو بدخوله في الإسلام التزم بأحكامه التي منها عقوبته عند الإخلال به. وإذا كان الإنسان مخيرا في دخول أي بلد فإذا ما دخلها لزمه الانقياد لأنظمتها وإلا استحق العقوبة على إخلاله وليس له أن يحتج بأنه كان مخيرا قبل دخوله لها؛ بينما المرتد بردته ارتكب عدة جرائم جريمة في حق نفسه إذ أضلها وجريمة باستخفافه بعقيدة أمته ونظامها الذي يرتكز على الإسلام وجريمة بتشكيكه لضعاف العقيدة في عقيدتهم وهذا كله مؤد إلى اضطراب المجتمع واهتزازه؛ كما أنه أعلن وجاهر بجريمته ولم يسر بها؛ لأنه لو أسر ردته صار منافقا ولما أعلنها صار مرتدا مجاهرا 58. وكل هذه الجرائم جرائم متناهية في البشاعة فاستحق العقوبة الشرعية على جرائمه تلك. إن القوانين الوضعية تقتل الخائن لها والمحطم لنظمها دون أن تتذرع بأنه يمارس حريته الشخصية؛ فكيف بمن يجرم في حق نفسه ومجتمعه وعقيدة أمته؟! وبعد فقد كان من المناسب بيان أصول المكفرات وشروط الحكم بالكفر على من وقع فيه؛ فلعل أحدا من المختصين أن ينبري لبيانها أو بيان شيء من المهم منها والله الموفق والهادي لا إله إلا هو. مجلة البيان الإسلامية. () قاض شرعي في المحكمة الشرعية بمكة المكرمة. (1) تضمين من إعلام الموقعين لابن القيم (3126). (2) منقول بتصرف واختصار من إعلام الموقعين (3130). (3) معجم مقاييس اللغة (2386) لسان العرب (3172). (4) الروض المربع مع الحاشية (7399). (5) سير أعلام النبلاء (2221) طبقات ابن سعد (897). (6) مجموع الفتاوى (7278). (7) تفسير ابن كثير (7227) السيرة النبوية لابن هشام (2524) تفسير الطبري (14 333). (8) السيرة النبوية لابن هشام باختصار (1476). (9) مجموع الفتاوى (7279). (10) اجتالتهم أي استخفوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه شرح النووي (ص 1666). (11) صحيح مسلم (2865). (12) انظر اقتضاء الصراط المستقيم (ص 53). (13) المرجع السابق (ص 54). (14) صحيح البخاري (4477) صحيح مسلم (141). (15) انظر مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة لمحمد سعد اليوبي (ص 183 210) . (16) صحيح البخاري (3892) صحيح مسلم (1709). (17) في ظلال القرآن (31231). (18) انظر التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة (1662). (19) عقوبة الإعدام عقوبة مقررة في الشرائع السابقة وفي القوانين الوضعية المعاصرة وقد أيدها عدد من المفكرين منهم روسو وفولتير ومونتسيكو وغيرهم بل بعض الدول الغربية التي ألغت عقوبة الإعدام عادت فأقرتها مثل إيطاليا وروسيا بحجة أن من ارتكب جرما خطيرا أو شديد الضرر فعليه أن يدفع حياته ثمنا لإثمه الكبير وكونها عقوبة ضرورية لتخليص المجتمع من الأشخاص الخطرين وأنها تصرف عن الإقدام على الجريمة انظر علم الإجرام والعقاب للدكتور عبود السراج (ص 407 417) أساسيات علم الإجرام والعقاب للدكتور فتوح الشاذلي (ص 106 119) النظرية العامة لقانون العقوبات للدكتور سليمان عبد المنعم (ص 729). (20) تفسير الطبري (5496). (21) المرجع السابق. (22) صحيح البخاري 7. (23) انظر فتح الباري لابن حجر (149). (24) مجموع الفتاوى (7281) (الإيمان الكبير). (25) البداية والنهاية (16612). (26) البداية والنهاية (14640). (27) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (6478). (28) فالرسائل التي كتبها (المنصرون) من سوريا والشرق الأدنى بين عامي 1830م و 1842م بلغت ثمانية وثلاثين مجلدا ولما اجتمع مؤتمر التنصير العالمي عام 1910م أصدر تقريرا عن النواحي التي يجب أن يهتم لها المبشرون تم طبعه في عشرة مجلدات أما مؤتمر التبشير في القدس عام 1928م الذي اجتمع لمدة أسبوعين فقط فقد وضع تقريرا في ثمانية مجلدات ومؤتمر كولو عام 1978م قدمت فيه أربعون دراسة ورصد للتنصير فيه ألف مليون دولار أما المجلات التي صدرت في بلدان مختلفة وبلغات مختلفة لغرض التنصير فأكثر من أن تحصى وكذلك الإذاعات والقنوات وأحيل القارئ الكريم إلى كتاب الغارة على العالم الإسلامي الذي تولى نشره محب الدين الخطيب وكتاب التبشير في البلاد العربية لمصطفى خالدي و عمر فروخ وكتاب الغارة الجديدة على الإسلام لمحمد عمارة وهو يتضمن الترجمة الكاملة لتقرير مؤتمر كولورادو وكتاب أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها للشيخ الميداني. (29) البعد الديني في السياسة الأمريكية للدكتور يوسف الحسن (ص67 83 ). (30) صحيح البخاري 25 صحيح مسلم 22. (31) صحيح البخاري (391). (32) انظر جامع العلوم والحكم (1230). (33) مجموع الفتاوى (20102). (34) مجموع الفتاوى (7273). (35) زاد المسير (ص 596)؛ ومثله في الكشاف للزمخشري (ص 442) و الشوكاني في فتح القدير (2545). (36) صحيح البخاري (3017). (37) الدارمي (2545) وصححه ابن حبان (4879). (38) سنن أبي داود (2762) وصححه الألباني في صحيح الجامع (5328) . (39) سنن البيهقي (17337) والدارقطني (34118) وانظر تلخيص الحبير (449). (40) صحيح البخاري (1846) صحيح مسلم (1357). (41) صحيح البخاري (6878) صحيح مسلم (1676). (42) صحيح مسلم (1676). (43) سنن الترمذي (2158) وحسنه والنسائي (791) وابن ماجه (2533). (44) سنن النسائي (7103). (45) مسند أحمد (4295) سنن أبي داود (4457) الترمذي (1362) ابن ماجه (2607) وصححه ابن حبان (4112) والحاكم (2191) ووافقه الذهبي وصححه الألباني في إرواء الغليل (818) وفيه روايات الحديث. (46) مجموع الفتاوى (2092) ولا بد أن تعلم أن هذا ليس مجرد فاعل معصية بل فعل ذلك مستحلا للحرام فصار كافرا. (47) صحيح البخاري (3017). (48) سنن البيهقي (12400 فما بعدها). (49) صحيح البخاري (6923). (50) الإجماع لابن المنذر (ص 123). (51) انظر حاشية الروض المربع (7399 فما بعدها) مغني المحتاج (4142) حاشية ابن عابدين (4668) الموسوعة الفقهية الكويتية (22194) التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة (2706). (52) انظر موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر (3439) موقع إسلام أون لاين الإسلام وقضايا العصر مقال بعنوان عقوبة الردة تعزير لا حد لمحمد سليم العوا. (53) موقع إسلام أون لاين ملف قضية الردة هل تجاوزتها المتغيرات مقال لجمال البنا بعنوان العقوبة للردة كتاب حرية الفكر في الإسلام لعبد المتعال الصعيدي. (54) نزهة النظر (ص 288 ). (55) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (1156) وانظر كتاب الفقيه والمتفقه (1 286). (56) صحيح البخاري (5939). (57) وقد حاول هؤلاء جمع نصوص فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل بعض من كفر بعد إسلامه ومما ذكروه قصة الأعرابي الذي بايع النبي صلى الله عليه وسلم فلما استوخم المدينة قال يا محمد ! أقلني بيعتي فأبى فخرج الأعرابي وهذا بينه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4116) (13212) أنه استقال من الهجرة الواجبة وليس من الإسلام وإلا لكان قتله على الردة ولو كان مرتدا لما احتاج أن يستأذن النبي وذكروا قصة الرجل النصراني الذي كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد نصرانيا فلما مات ودفن لفظته الأرض وهذا خرج كما في صحيح مسلم فارا حتى لحق بأهل الكتاب فتح الباري (6723 . (58) انظر مجموعة بحوث فقهية لعبد الكريم زيدان (ص 416) تلبيس مردود في قضايا حية لصالح بن حميد (ص 33)؛ حقوق الإنسان في الإسلام لسليمان الحقيل (ص 155). هاني بن عبد الله الجبير

مقالات عشوائية