المقالات الإسلامية المتنوعة

حياة الأنبياء والصديقين والشهداء

 الحمد لله.أولا الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون كما أخبر الله تعالى والنبيون من باب أولى .وتلك حياة برزخية لا تقاس بالحياة الدنيا ولا يعلم حقيقتها إلا الله .قال الله عز وجل في كتابه العزيز ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون البقرة 154وقال سبحانه   ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقونآل عمران 169وروى مسلم في صحيحه (1887) عن مسروق قال سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال ( أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا ؟ قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى . فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ) .وروى الإمام أحمد (15351) حدثنا محمد بن إدريس يعني الشافعي عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تبارك وتعالى إلى جسده يوم يبعثه  .قال ابن كثير رحمه الله هو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة انتهى . تفسير ابن كثير (2 164)قال ابن كثير رحمه الله وأما أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها انتهى . تفسير ابن كثير (2 164)وروى الإمام أحمد (2386) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا قال ابن كثير رحمه الله إسناد جيد فكان الشهداء أقسام منهم من تسرح أرواحهم في الجنة ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح انتهى .تفسير ابن كثير (2 164)فقوله في الحديث   يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى وكذا قوله في الحديث الآخر   حتى يرجعه الله تبارك وتعالى إلى جسده يوم يبعثه  يدل على أن هذا النعيم نعيم الأرواح وهذه الحياة هي حياة الأرواح أيضا وهي حياة برزخية لا تشبه الحياة الدنيا بوجه وأن الأرواح ليست في أجسادها التي كانت لها في الدنيا ولذا سألت الله أن ترد إلى أجساها حتى تقتل .قال ابن القيم رحمه الله منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعد الله لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعا فهم يرون منازلهم ومقاعدهم من الجنة ويكون مستقرهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش فإن الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك انتهى .الروح (ص 97)وقال علماء اللجنة حياة الأنبياء والشهداء وسائر الأولياء حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله وليست كالحياة التي كانت لهم في الدنيا انتهى .فتاوى اللجنة الدائمة (1 173174) .ومن الدليل على أن حياة هؤلاء ليست من جنس الحياة الدنيوية أن الشهداء يورثون وتزوج نساؤهم من بعدهم وهكذا تجري عليهم سائر الأحكام التي تجري على الموتى الآخرين .ثم إن الأنبياء يخلفهم من بعدهم الأئمة والخلفاء فيسوسون الناس ويصلون بهم ويفتونهم ويقضون فيهم وهكذا .ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم طلبت ابنته فاطمة ميراثها ولو كان حيا كالحياة المعهودة ما كانت طلبت ميراثها بل ما كان له ميراث .ورد عليها أبو بكر رضي الله عنه بما علمه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم من أن الأنبياء لا يورثون وأن ما تركوه هو صدقة من بعدهم ولو كانوا أحياء كالذي يريد هذا القائل لقال لها كيف ترثينه وهو حي لم يمت ؟!!وقال ابن باز رحمه الله النصوص الدالة على موته صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة معلومة وهو أمر متفق عليه بين أهل العلم ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية كما أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم البرزخية المذكورة في قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون .انتهى منمجموع فتاوى ابن باز (16 107) وينظر دروس وفتاوى الحرم المدني للشيخ ابن عثيمين (1 5253) .ثانيا أما كون رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا من أثر الأكلة التي أكلها من تلك الشاة المسمومة يوم خيبر فيقال نعم أكرمه الله بالنبوة والشهادة .فروى الإمام أحمد (3606) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ( لأن أحلف بالله تسعا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة ؛ وذلك بأن الله عز وجل اتخذه نبيا وجعله شهيدا ) قال الشيخ أحمد شاكر إسناده صحيح .وعن عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم  . رواه البخاري معلقا ووصله الحاكم (4393) وغيره وصححه الألباني في صحيح الجامع (7929) .وينظر سيرة ابن هشام (2 337) زاد المعاد (3 337) (4122) .على أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره ليست لأجل ما قدر الله له من الشهادة بأكلة خيبر ؛ بل هكذا عامة الأنبياء أحياء في قبورهم .روى البزار في مسنده (6888) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون  صححه الألباني في الصحيحة (621) .قال الشيخ الألباني رحمه الله اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي حياة برزخية ليست من حياة الدنيا في شيء ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا .هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن حياته صلى الله عليه وسلم في قبره حياة حقيقية !قال يأكل ويشرب ويجامع نساءه ! ! . و إنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى انتهى كلامه .ثالثا أما رده صلى الله عليه وسلم سلام من يسلم عليه ففي نفس الحديث الدال على ذلك ما يدل على أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .روى أحمد (10434) وأبو داود (2041) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من أحد يسلم علي إلا رد الله عز وجل علي روحي حتى أرد عليه السلام  حسنه الألباني .قال الإمام ابن عبد الهادي رحمه الله رد الروح على الميت في البرزخ ورد السلام على من يسلم عليه لا يستلزم الحياة التي يظنها بعض الغالطين وإن كان نوع حياة برزخية وقول من زعم أها نظير الحياة المعهودة مخالف للمنقول والمعقول ويلزم منه مفارقة الروح للرفيق الأعلى وحصولها تحت التراب قرنا بعد قرن والبدن حي مدرك سميع بصير تحت أطبقا التراب والحجارة ولوازم هذا الباطلة مما لا يخفى على العقلاء . انتهى من الصارم المنكي (225) .وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فهذه النصوص التي ذكرناها تدل على أنه يسمع سلام القريب ويبلغ سلام البعيد وصلاته لا أنه يسمع ذلك من المصلي والمسلم وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة فإنه لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق الأولى والأحرى . والنص إنما يدل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام ولم يدل على أنه يبلغه غير ذلك والحديث الذي فيه ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام فهم العلماء منه السلام عند قبره خاصة فلا يدل على البعيد فإن السنة إذا زار الرجل القبور مطلقا أن يسلم عليهم ويدعو لهم وكان النبي صلى الله عليه و سلم يخرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم انتهى من الرد على البكري (1107) .وقال شيخ الإسلام أيضا فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء و الصالحين اللهم إني أسألك بفلان أو بجاه فلان أو بحرمة فلان ؛ فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز ... فكيف يقول القائل للميت أنا أستغيث بك وأستجير بك وأنا في حسبك أو سل لي الله ونحو ذلك ؟فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة ولو قدر أن له تأثيرا ؛ فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح بل مفسدته راجحة على مصلحته كأمثاله من دعاء غير الله تعالى ؟!! .ثم قال ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم بل ومن هو دونه حي يسمع كلام الناس كما قال صلى الله عليه وسلم ... ( ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه ) رواه ابن عبد البر و صححه .لكن في مسألتهم يعني في سؤال الأموات أنوا ع من المفاسد ؛ منها إيذاؤهم له بالسؤال ومنها إفضاء ذلك إلى الشرك وهذه المفسدة توجد معه بعد الموت دون الحياة ؛ فإن أحدا من الأنبياء الصالحين لم يعبد في حياته ؛ إذ هو ينهى عن ذلك وأما بعد الموت فهو لا ينهى فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنا يعبد ... انتهى من تلخيص الاستغاثة (1452454) .فتبين أن حياة الأنبياء لا تستلزم أنهم يسمعون كل شيء وأن سماعهم للقريب لا يستلزم سماعهم للبعيد وأن سماعهم في القبور لا يعني أن هذا أمر خاص بهم إذ قد ورد أن غيرهم يسمعون أيضا كما يسمع الميت سلام قريبه من أهل الدنيا ؛ بل روى البخاري (3976) ومسلم (2875) عن قتادة قال ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؛ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ؛ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟! قال فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ؛ غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا !!وروى البخاري (1374) ومسلم (2870) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه .. ) .فثبت بهذه النصوص أن سماع الموتى في القبور ليس خاصا بالأنبياء أو الشهداء ؛ ثم هو ليس من جنس السماع المعهود في الدنيا بل هو سماع خاص له حقيقته الخاصة وكيفيته الله أعلم بها وهكذا حياة الأنبياء والشهداء ليست من جنس الحياة التي في الدنيا بل هي حياة خاصة لا تستلزم دعاءهم ولا الاستغاثة بهم ولا التوسل بهم في شيء بل كل ذلك غير مشروع في حقهم . قال الله تعالى ( ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ) فاطر1314 .وينظر جواب السؤال رقم (21524) .والله تعالى أعلم . المصدر الإسلام سؤال وجواب

مقالات عشوائية