وصية الأسبوع الوصية الثانية : وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس
د. بدر عبد الحميد هميسه عن الحسن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذ من أمتي خمس خصال فيعمل بهن أو يعلمهن من يعمل بهن ؟ قال قلت أنا يا رسول الله قال فأخذ بيدي فعدهن فيها ثم قال اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب .أخرجه أحمد (2310 رقم 8081) والترمذي (4551 رقم 2305) وقال غريب والبيهقى في شعب الإيمان (778 رقم 9543) .قال الألباني في السلسلة الصحيحة 2 637 أخرجه الترمذي ( 2 50 ) و أحمد ( 2 310 ) و الخرائطي في مكارم الأخلاق قال الشيخ الألباني ( حسن ) انظر حديث رقم 100 في صحيح الجامع .أولا نعمة الرضاالسعيد الحق هو من رضي بما قسم الله له , وصبر لمواقع القضاء خيره وشره , وأحس وذاق طعم الإيمان بربه , كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا . أخرجه أحمد 1208(1778) ومسلم 146(60) والترمذي 2623 .وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالمن قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وجبت له الجنة. زاد في رواية أحمد بن سليمان قال ففرحت بذلك وسررت به . أخرجه أبو داود 1529 والنسائي في عمل اليوم والليلة 5 .إن للرضا حلاوة تفوق حلاوة وعذوبة دونها كل عذوبة وله من المذاق النفسي والروحي والقلبي ما يفوق مذاق اللسان .إن الاضطراب والتفرق والذل والخوف والفوضى كل ذلك مرهون سلبا وإيجابا بالرضا بالدين وجودا وعدما قال تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) سورة (آل عمران) .والرضا هو السياج الذي يحمي المسلم من تقلبات الزمن , وهو البستان الوارف الظلال الذي يأوي إليه المؤمن من هجير الحياة .والإنسان بدون الرضا يقع فريسة لليأس , وتتناوشه الهموم والغموم من كل حدب وصوب .قال تعالى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) سورة طـه .وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) سورة الضحى .ولقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج والمثل الأعلى في الرضا بما قسم الله تعالى . فعن عبد الله بن مسعود قال اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه فقلت يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لي وللدنيا ما أنا والدنيا إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها . أخرجه أحمد 1391(3709) وابن ماجة( 4109) والترمذي 2377 .ولقد اقتدى الصحابة رضوان الله عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في القناعة والرضا , فعن مالك الدار أن عمر بن الخطاب أخذ أربع مائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلاماذهب بهم إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تله ساعة في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع فذهب بها الغلام إليه فقال يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك فقال وصله الله ورحمه ثم قال تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها فرجع الغلام وأخبره فوجده قد أعد مثلها إلى معاذ بن جبل فقالاذهب بهذا إلى معاذ بن جبل وتله في البيت حتى تنظر ما يصنع فذهب بها إليه فقال يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذا في بعض حاجتك فقال رحمه الله ووصله تعال ي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا واذهبي إلى بيت فلان بكذا فاطلعت امرأة معاذ فقالت نحن والله مساكين فأعطنا ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا بهما إليها ورجع الغلام إلى عمر فأخبره وسر بذلك وقالإنهم إخوة بعضهم من بعض . الطبراني المعجم الكبير 14 424 , الزهد لابن المبارك 179 , وأبو نعيم في الحلية 1 237.وجاء في صفة الصفوة أن عمر بعث عميرا عاملا على حمص فمكث حولا لا يأتيه خبره ولم يبعث له شيئا لبيت مال المسلمين فقال عمر لكاتبه اكتب إلى عمير فوالله ما أراه إلا قد خاننا إذا جاءك كتابي هذا فأقبل وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا . فأخذ عمير لما وصله كتاب عمر جرابه فوضع فيه زاده وقصعته وعلق أداوته وأخذ عنزته ثم أقبل يمشي من حمص حتى قدم المدينة فقدم وقد شحب لونه واغبر وجهه فدخل على عمر فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله قال عمر ما شأنك ؟ قال ما تراني صحيح البدن ظاهر الدم معي الدنيا أجرها بقرونها ؟ قال عمر وما معك ؟ وظن عمر أنه جاءه بمال . قال معي جرابي أجعل فيه زادي وقصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي وأدواتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ومعي عنزتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوا إن عرض لي فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي . وسأله عمر عن سيرته في قومه وعن الفيء فأخبره فحمد فعله فيهم ثم قال جددوا لعمير عهدا .ابن الجوزي صفة الصفوة 1698.وها هو الصحابي الجليل عمران بن حصين الذي شارك مع النبي في الغزوات وإذ به بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يصاب بشلل يقعده تماما عن الحركة ويستمر معه المرض مدة ثلاثين سنة حتى أنهم نقبوا له في سريره حتى يقضى حاجته فدخل عليه بعض الصحابة.. فلما رأوه بكوا فنظر إليهم وقال أنتم تبكون أما أنا فراض.. أحب ما أحبه الله وأرضى بما ارتضاه الله وأسعد بما اختاره الله وأشهدكم أني راض , ويقول إن أحب الأشياء إلى نفسي أحبها إلى الله..!!.وهذه السيدة صفية بنت عبد المطلب؛ والتي قتل أخوها سيدنا حمزة بن عبد المطلب ومثل به ومضغت هند بنت عتبة كبده وجاء أبو سفيان ووضع الحربة في فمه وأخذ يدقها حتى تشوه وجهه رضي الله عنه.. استمع إلى ما رواه ابن إسحاق عن هذا المشهد يقول وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليهوكان أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها فقال لها يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي قالت ولم؟ وقد بلغني أنه مثل بأخي وذلك في اللهفما أرضانا ما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله؛ فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك قال خل سبيلها فأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت .وهذا هو التابعي الجليل عروة بن الزبير رضي الله عنه قد توفى ابنه وفاة غاية في الصعوبة إذ دهسته الخيل بأقدامها وقطعت قدم عروة في نفس يوم الوفاة فاحتار الناس على أي شيء يعزونه.. على فقد ابنه أم على قطع رجله؟فدخلوا عليه فقال اللهم لك الحمد أعطيتني أربعة أعضاء.. أخذت واحدا وتركت ثلاثة.. فلك الحمد؛ وكان لي سبعة أبناء.. أخذت واحدا وأبقيت ستة.. فلك الحمد؛ لك الحمد على ما أعطيت ولك الحمد على ما أخذتأشهدكم أنى راض عن ربي ..قال الشاعرفليتك تحلو والحيــاة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابوليت الذي بيني وبينك عامرا وبيني وبين العالمين خرابإذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوقالتراب ترابفالمؤمن يدرك تماما أن الله جعل له هذه الدنيا دار اختبار وامتحان من اجتازه بنجاح عبر إلى دار أخرى الخير فيها من الله عميم ينادى مناد فيها إن لكم تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا فذلك قوله عز وجل (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) . أخرجه أحمد 2319(8241) و الدارمي 2824 ومسلم 8148(7259) والترمذي 3246 .يقول الشاعر محمد مصطفى حمام الـرضـا يـخفف أثقا لي ويلقي على المآسي سدولاوالـذي ألـهـم الـرضا لا تراه أبـد الـدهـر حـاسدا أو عذولاأنـا راض بـكـل مـا كتب الله ومـزج إلـيـه حـمـدا جزيلاأنـا راض بـكل صنف من النا س لـئـيـمـا ألـفيته أو نبيلالـسـت أخـشـى من اللئيم أذاه لا ولـن أسـأل الـنـبيل فتيلاضل من يحسب الرضا عن هوان أو يـراه عـلـى الـنفاق دليلافـالـرضا نعمة من الله لم يسعـد بـهـا في العباد إلا القليلاوالـرضـا آيـة البراءة والإيــ ـمان بالله نـاصـرا ووكـيلاعـلـمـتني الحياة أن لها طعـ ـمين مـرا وسائغا معسولافـتـعـودت حـالـتـيها قريرا وألـفـت الـتـغـيير والتبديلافـذلـيـل بالأمس صار عزيزا وعـزيـز بـالأمس صار ذليلاولـقـد يـنـهض العليل سليما ولـقـد يـسـقـط السليم عليلاعـلـمـتني الحياة أني إن عشـ ـت لـنفسي أعش حقيرا هزيلاعـلـمـتـنـي الحياة أني مهما أتـعـلـم فـلا أزال جهولافتذكر أيها الحبيب قول النبي صلى الله عليه وسلم عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط . أخرجه ابن ماجة (4031) والترمذي 2396 .ثانيا الغنى الحقيقي بعض الناس يعتقد أن الغنى الحقيقي هو غنى الأموال والمناصب والوجاهات , وينسى أن كثيرا من الناس يملكون من الدنيا كثيرا لكنهم فقراء النفس ومساكين القلب , فقد أعمى الطمع قلوبهم قبل أعينهم عن مصدر السعادة والغنى الحقيقي , ألا وهو غنى القلب والرضا وسكينة النفس . قال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم . سورة الشعراء الآيتان ( 88 89 ) .فالقلب السليم هو القلب المطمئن الذي رضي بما قسم الله تعالى له واطمئن بذكر الله تعالى ,قال تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) سورة الرعد .عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس . أخرجه أحمد 2389(9050) والبخاري 8118(6446) والترمذي 2373 .وعن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار ذات يومحينما سمعت الأنصار أن أبا عبيدة قدم بمال من قبل البحرين وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على البحرين فوافوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرضوا فلما رآهم تبسم وقال لعلكم سمعتم أن أبا عبيدة بن الجراح قدم وقدم بمال؟ قالوا أجل يا رسول الله قال قال أبشروا وأملوا خيرا فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن إذا صبت عليكم الدنيا فتنافستموها كما تنافسها من كان قبلكم.( متفق عليه ). وعن ابن مسعود وخير ما ألقي في القلب اليقين وخير الغنى غنى النفس وخير العلم ما نفع وخير الهدي ما اتبع وما قل وكفى خير مما كثر وألهى . شعب الإيمان للبيهقي 6440 .قال الشاعروما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاءوبعض خلائق الأعداء داء ... كداء البطن ليس له دواءيريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاءوكل شديدة نزلت بحي ... سيأتي بعد شدتها رخاءولا يعطى الحريص غنى بحرص ... وقد يمسي لذي الجود الثراءغنى النفس ما عمدت غناها ... وفقر النفس ما عمدت شقاءوليس بنافع ذا البخل مال ... وذا النول ليس له دواءوعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى قلت نعم يا رسول الله قال فترى قلة المال هو الفقر قلت نعم يا رسول الله قال إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب ثم سألني عن رجل من قريش فقال هل تعرف فلانا قلت نعم يا رسول الله قال فكيف تراه وتراه؟ قلت إذا سأل أعطي وإذا حضر أدخل ثم سألني عن رجل من أهل الصفة فقال هل تعرف فلانا قلت لا والله ما أعرفه يا رسول الله قال فما زال يحليه وينعته حتى عرفته فقلت قد عرفته يا رسول الله قال فكيف تراه أو تراه قلت رجل مسكين من أهل الصفة فقال هو خير من طلاع الأرض من الآخر قلت يا رسول الله أفلا يعطى من بعض ما يعطى الآخر فقال إذا أعطي خيرا فهو أهله وإن صرف عنه فقد أعطي حسنةرواه ابن حبان في صحيحه 2460 وإسناده صحيح على شرط مسلم , صحيح الترغيب والترهيب 1201. عن يحيى بن عروة بن أذينة قال أضاق أبي إضاقة شديدة وتعذرت عليه الأمور فعمل شعرا امتدح به هشام بن عبد الملك.ودخل عليه في جملة الشعراء فلما دخلوا عليه نسبهم فعرفهم جميعا وقال لأبي أنشدني قولك لقد علمت .... فأنشدهلقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتينيأسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو جلست أتاني لا يعنينيوأي حظ امرئ لا بد يبلغه ... يوما ولا بد أن يحتازه دونيلا خير في طمع يهدي إلى طبع ... وعلقة من قليل العيش تكفينيلا أركب الأمر تزري بي عواقبه ... ولا يعاب به عرضي ولا دينيأقوم بالأمر إما كان من أربي ... وأكثر الصمت فيما ليس يعنينيكم من فقير غني النفس تعرفه ... ومن غني فقير النفس مسكينوكم عدو رماني لو قصدت له ... لم يأخذ البعض مني حين يرمينيوكم أخ لي طوى كشحا فقلت له ... إن انطواءك عني سوف يطوينيلا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي لينيفقال هشام ألا جلست في بيتك حتى يأتيك رزقك ؟.قال وغفل عنه هشام فخرج من وقته وركب راحلته ومضى منصرفا.فافتقده هشام فسأل عنه فعرف خبره فأتبعه بجائزة.فمضى الرسول فلحقه على ثلاثة فراسخ وقد نزل على ماء يتغدى عليه.فقال له يقول لك أمير المؤمنين أردت أن تكذبنا وتصدق نفسك ؟ هذه جائزتك.فقال قل له قد صدقني الله وأتاني برزقي بحمده.قال يحيى وفرض له فريضتين كنت في إحداهما. التنوخي الفرج بعد الشدة 198 .كما قال علي كرم الله وجههيعز غني النفس إن قل ماله ويغنى غني المال وهو ذليلوقال أبو فراسإن الغني هو الغني بنفسه ولو انه عاري المناكب حافما كل ما فوق البسيطة كافيا وإذا قنعت فبعض شيء كافقال ابن القيم رحمه الله وغنى النفس هو استقامتها على المرغوب وسلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة, يريد استقامتها على الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه وتجنبها لمناهيه التي يسخطها ويبغضها وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيما لله سبحانه وأمره وإيمانا به واحتسابا لثوابه وخشية من عقابه.لا طلبا لتعظيم المخلوقين له ومدحهم وهربا من ذمهم وازدرائهم, وطلبا للجاه والمنزلة عندهم فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله والبعد عنه وأنه أفقر شيء إلى المخلوق.فسلامة النفس من ذلك واتصافها بضده دليل غناها .لأنها إذا أذعنت منقادة لأمر الله طوعا واختيارا ومحبة وإيمانا واحتسابا بحيث تصير لذتها وراحتها ونعيمها وسرورها في القيام بعبوديته كما كان النبي يقول يا بلال أرحنا بالصلاة وقال حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة فقرة العين فوق المحبة فجعل النساء والطيب مما يحبه وأخبر أن قرة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها ومحض لذته وفرحه وسروره وبهجته إنما هو في الصلاة التي هي صلة الله وحضور بين يديه ومناجاة له واقتراب منه .فكيف لا تكون قرة العين وكيف تقر عين المحب بسواها فإذا حصل للنفس هذا الحظ الجليل فأي فقر يخشى معه. وأي غنى فاتها حتى تلتفت إليه ولا يحصل لها هذا حتى ينقلب طبعها ويصير مجانسا لطبيعة القلب. فتصير بذلك مطمئنة بعد أن كانت لوامة وإنما تصير مطمئنة بعد تبدل صفاتها وانقلاب طبعها لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحق سبحانه فجرى أثر ذلك النور في سمعه ونث ره وشعره وبشره وعظمه ولحمه ودمه وسائر مفاصله وأحاط بجهاته من فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلفه وأمامه وصارت ذاته نورا وصار عمله نورا وقوله نورا ومدخله نورا ومخرجه نورا وكان في مبعثه ممن انبهر له نوره فقطع به الجسر .وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة.فإن فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب وأيضا فتقاعدها عن المطلوب بينهما موجب لفقرها إلى الشهوات فكل منهما موجب للآخر وترك الأوامر أقوى لها من افتقارها إلى الشهوات فإنه بحسب قيام العبد بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة كما قال تعالى إن الصلواة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقال تعالى( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) الحج وفي القراءة الأخرى يدفع فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان وضعفه وإذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما إغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغنى على الأمر الموهوب وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنا وظاهرا ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى( فاستقم كما أمرت ) وقال سبحانه (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .كتاب طريق الهجرتين الجزء 1 صفحة 71,72,73..قال الشاعر النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنا يطغيهاوغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيهاوقال آخرهي القناعة فالزمها تكن ملكا لو لم تكن لك إلا راحة البدنوانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفنوقال آخراقنع بأيسر رزق أنت نائله واحذر ولا تتعرض للإراداتفما صفا البحر إلا وهو منتقص ولا تعكر إلا في الزياداتفقد عبد الله بن عباس رضي الله عنه بصره فقال معزيا لنفسه راضيا بقضاء الله تعالى وقدره إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نورقلبي ذكي وعقلي غير ذي عوج وفي فمي صارم كاليسف مشهوروقال الشاعر محمد مصطفى حمام واصفا نعمة الرضا الـرضـا يـخفف أثقا لـي ويـلقي على المآسي سدولاوالـذي ألـهـم الـرضا لا تراه أبـد الـدهـر حـاسدا أو عذولاأنـا راض بـكـل مـا كتب الله ومـزج إلـيـه حـمـدا جزيلاأنـا راض بـكل صنف من النـا س لـئـيـمـا ألـفيته أو نبيلالـسـت أخـشـى من اللئيم أذاه لا ولـن أسـأل الـنـبيل فتيلافـسـح الله فـي فـؤادي فلا أرضـى مـن الحب والوداد بديلافـي فـؤادي لـكل ضيف مكان فـكـن الـضيف مؤنسا أوثقيلاضل من يحسب الرضا عن هوان أو يـراه عـلـى الـنفاق دليلافـالـرضا نعمة من الله لم يسعـد بـهـا في العباد إلا القليلاوالـرضـا آيـة البراءة والإي ـمـان بالله نـاصـرا ووكـيلاعـلـمتني الحياة أن الهوى سيـل فـمـن ذا الذي يرد السيولاثـم قالت والخير في الكون باق بـل أرى الخير فيه أصلا أصيلاقال صحبي نراك تشكو جروحا أيـن لـحن الرضا رخيما جميلاقـلـت أما جروح نفسي فقد عودتـهـا بـلـسـم الرضا لتزولاكان من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إني أسألك نفسا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك .
مقالات عشوائية