من درر العلامة ابن القيم عن المحبة -2
كتاب الداء والدواء كل محبة لغير الله فهي عذاب على صاحبهاكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها...بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه الله بمحبة غيره, فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة, فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو المردان أو النسوان أو الأثمان.أنواع المحبةههنا أربعة أنواع من المحبة, يجب التفريق بينها, وإنما ضل من ضل بعدم التميز بينها أحدها محبة الله, ولا تكفى وحدها في النجاة من عذابه والفوز بثوابه فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.الثاني محبة ما يحبه الله, وهذه هي التي تدخله في الإسلام, وتخرجه من الكفر, وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.الثالث الحب لله وفيه, وهي من لوازم محبة ما يحب, ولا يستقيم محبة ما يحب إلا بالحب فيه وله.الرابع المحبة مع الله, وهي المحبة الشركية, وكل من أحب شيئا مع الله, لا لله ولا من أجله ولا فيه, فقد اتخذه ندا من دون الله, وهذه محبة المشركين.وبقي قسم خامس ليس مما نحن فيه, وهو المحبة الطبيعية, وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه, كمحبة العطشان للماء, والجائع للطعام, ومحبة النوم والزوجة والولد, فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله وشغلت محبته, كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الل ه المنافقون9 لا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله, وتنعمه بحبهلا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله, واشتغاله بذكره, وتنعمه بحبه, وإيثاره لمرضاته, بل لا حياة ولا نعيم ولا سرور لا بهجة إلا بذلك, فعدمه آلم شيء له, وأشده عذابا عليه, وإنما يغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب اشتغالها بغيره, واستغرقها في ذلك الغير, فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوت بفراق أحب شيء إليها وأنفعها لها. أنفع المحبة وأجلها وأعلاها محبة الله جل جلالهاعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جلبت القلوب على محبته وفطرت الخليقة على تألهه, وبها قامت الأرض والسماوات, وعليها فطرت المخلوقات, وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله, فإن الإله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع, وتعبده, والعبادة لا تصح إلا له وحده, والعبادة هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل, والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله, والله تعالى يحب لذاته من جميع الوجوه, وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته.محبة كلام الله من علامة محبتهمحبة كلام الله..من علامة محبة الله, وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله, فانظر إلى محبة القرآن من قلبك, والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم, فإنه من المعلوم من أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه. قال عثمان بن عفان رضي الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله. وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه, وهو غاية مطلوبه.محبة سماع الألحان دون سماع القرآن دليل على فراغ القلب من محبة اللهإذا رأيت الرجل ذوقه ووجده وطربه ونشوته في سماع الأبيات دون سماع الآيات, وفي سماع الألحان دون سماع القرآن...فهذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه, وتعلقه بسماع الشيطان, والمغرور يعتقد أنه على شيء.تفاوت الناس في محبة اللهكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله لا يدخل الإسلام إلا بها, والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوتا لا يحصيه إلا الله, فبين محبة الخليلين ومحبة غيرهما ما بينهما.من منافع وثمار المحبةفهذه المحبة التي تلطف الروح, وتخفف أثقال التكاليف, وتسخي البخيل, وتشجع الجبان, وتصفى الذهن, وتروض النفس, وتطيب الحياة على الحقيقة, لا محبة الصور المحرمة.وهذه المحبة التي تنور الوجه, وتشرح الصدر, وتحيي القلب.محبة الله دليلها الكتب المنزلة والعقول والفطر والنعموقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة, ودعوة جميع رسله, وفطرته التي فطر عباده عليها, وما ركب فيهم من العقول, وما أسبغ عليهم من النعم, فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها, فكيف بمن كل الإحسان منه, وما بخلقه جميعهم من نعمه فمنه وحده لا شريك له, كما قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون النحل53 وما تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلا, وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله وعظمته. دواعي المحبة الجمال والإجمال والله له الكمال المطلق من ذلكالمحبة لها داعيان الجمال والإجمال, والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك, فإنه جميل يحب الجمال, بل الجمال كله له, والإجمال كله منه, فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه. وكل ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته, مما يحب العبد أو يكره, فعطاؤه ومنعه, ومعافاته وابتلاؤه, وقبضه وبسطه, وعدله وفضله, وإماتته وإحياؤه, ولطفه وبره, ورحمته وإحسانه, وستره وعفوه, وحلمه وصبره على عبده, وإجابته لدعائه, وكشف كربه, وإغاثة لهفته, وتفريج كربته من غير حاجة منه إليه, بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه كل ذلك داع للقلوب إلى تألهه ومحبته.فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته, فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس, مع إساءته؟ فخيره إليه نازل, وشره إليه صاعد, يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه, والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه, فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته, ولا معصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه.كل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك, ولا بد له من نوع من أنواع الربح, والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح وأعلاه, فالدرهم بعشر أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة, والسيئة بواحدة, وهي أسرع شيئا محوا. وأيضا فمطالبك بل مطالب الخلق كلهم جميعا لديه, وهو أجود الأجودين, وأكرم الأكرمين, وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله. وأيضا فكل من تحبه من الخلق ويحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك, والله سبحانه وتعالى يريدك لك...فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة, وهو معرض عنه, مشغول بحب غيره, قد استغرق قلبه محبة سواه ؟يشكر القليل من العمل وينميه ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه, يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن الرحمن29 لا يشغله سمع عن سمع, ولا يغلطه كثرة المسائل, ولا يتبرم بإلحاح الملحين, بل يحب الملحين في الدعاء, ويحب أن يسأل, ويغضب إذا لم يسأل, ويستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه, ويستره حيث لا يستر نفسه, ويرحمه حيث لا يرحم نفسه, دعاه بنعمه وإحسانه وأياديه إلى كرامته ورضوانه فأبى.وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو, ولا يذهب بالسيئات إلا هو, ولا يجيب الدعوات إلا هو, ولا يقيل العثرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات وينيل الطلبات سواه ؟ فهو أحق من ذكر, وأحق من شكر, وأحق من عبد, وأحق من حمد, وأنصر من ابتغي, وأرأف من ملك, وأجود من سئل, وأوسع من أعطى, وأرحم من استرحم, وأكرم من قصد, وأعز من التجئ إليه, وأكفى من توكل عليه, أرحم بعبده من الوالدة بولدها, وأشد فرحا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة, إذا يئس من الحياة ثم وجدها. وهو الملك لا شريك له والفرد فلا ند له كل شيء هالك إلا وجهه لن يطاع إلا بإذنه ولن يعصى إلا بعلمه, يطاع فيشكر, وبتوفيقه ونعمته أطيع, ويعصى فيغفر ويعفو, وحقه أضيع.فهو أقرب شهيد وأجل حفيظ, وأوفي وفي بالعهد, وأعدل قائم بالقسط, حال دون النفوس, وأخذ بالنواصي, وكتب الآثار, ونسخ الآجال, فالقلوب له مفضية, والسر عند علانية, والغيب لديه مكشوف, وكل أحد إليه ملهوف. عنت الوجوه لنور وجهه, وعجزت القلوب عن إدراك كنهه, ودلت الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه, أشرقت لنور وجهه الظلمات, واستنارت له الأرض والسماوات, وصلحت عليه جميع المخلوقات, لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يحفظ القسط, ويرفعه, يرفع إليه عمل الليل قبل النهار, وعمل النهار قبل الليل, حجابه النور, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. أنواع المحبة المذمومة والمحبة المحمودةأعظم أنواع المحبة المذمومة المحبة مع الله, التي يسوى المحب فيها بين محبته لله ومحبته للند الذي اتخذه من دونه.وأعظم أنواعها المحمودة محبة الله وحده, ومحبة ما أحب, وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها...التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها.والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها, التي لا يبقى في العذاب إلا أهلها.فأهل المحبة الذين أحبوا الله, وعبدوه وحده لا شريك له.لا شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحدهوالشيء قد يحب من وجه دون وجه, وقد يحب لغيره, وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده, ولا تصلح الألوهية إلا له, و لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا الأنبياء22 والتأله هو المحبة, والطاعة, والخضوع. توابع كل نوع من أنواع المحبة له حكم متبوعةتوابع كل نوع من أنواع المحبة له حكم متبوعة, فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد, توابعها كلها نافعة له, حكمها حكم متبوعها. فإن بكى نفعه, وإن حزن نفعه, وإن فرح نفعه, وإن انقبض نفعه, وإن انبسط نفعه, فهو يتقلب في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة.والمحبة الضارة المذمومة, توابعها وآثارها كلها ضارة لصاحبها, مبعدة له من ربه, كيفما تقلب في آثارها ونزل في منازلها فهو في خسارة وبعد. لوازم وآثار المحبةالمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام, سواء كانت محمودة أو مذمومة, نافعة أو ضارة, من الذوق, والوجد, والحلاوة, والشوق, والأنس, والاتصال بالمحبوب بالقرب منه, والانفصال عنه والبعد منه, والصد والهجران, والفرح والسرور, والبكاء والحزن, وغير ذلك من أحكامها ولوازمها.المحبة المحمودة النافعةوالمحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته, وهذه المحبة هي عنوان سعادته, والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره ما يضره في دنياه وآخرته, وهي عنوان شقاوته. كتاب بدائع الفوائد محبة الله جل جلاله لعبدهوأما محبة الرب عبده فإنها تستلزم إعزازه لعبده, وإكرامه إياه, والتنويه بذكره, وإلقاء التعظيم والمهابة له في قلوب أوليائه. كتاب الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب قال في فوائد الذكر التاسعة أنه يورث المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ومدار السعادة والنجاة, وقد جعل الله لكل شيء سببا, وجعل سبب المحبة دوام الذكر, فمن أراد محبة الله عز وجل فليلهج بذكره,...فالذكر باب المحبة, وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم. كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين أنواع المحبة المشركةالمحبة المشتركة ثلاثة أنوعأحدها محبة طبيعية, كمحبة الجائع للطعام, والظمآن للماء, وغير ذلك, وهذه لا تستلزم التعظيم.والنوع الثاني محبة رحمة وإشفاق, كمحبة الوالد لولده الطفل, ونحوها, وهذا أيضا لا تستلزم التعظيم.والنوع الثالث محبة أنس وإلف, وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضا, وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا.فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض, ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة اللهمحبة العبودية لا تكون إلا لله وحدهوأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده, ومتى أحب العبد بها غيره كان شركا لا يغفره الله, فهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع, والتعظيم وكمال الطاعة, وإيثاره على غيره كتبه فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
مقالات عشوائية