إن خدعت غيرك فلا تخدعنَّك
جاء الإسلام ليصلح قلوب البشرية وإذا صلحت ظهر ذلك على كل جوارحها؛ فالأصل هو الجوهر والمظهر تابع له.لقد علم السلف أن بناء الإنسان قبل بناء البنيان وبناء الساجد قبل بناء المساجد ولكن هذا لم يشغلهم عن أن يهتموا بمظهر إسلامي يليق بذلك الإنسان والذي جعله الله خليفته في الأرض.فلا يمكن للمرء أن يكون صالحا وإيمانه قوي ثم لا يظهر أثر ذلك على جوارحه وما أجمل أن يكون حسن المظهر علامة على جمال الجوهر.ولكن يخطىء كثير من المسلمين اليوم حين اختلط عليهم الفارق بين مظهر الإسلام وجوهره فجعلوا المظهر هو المعيار الوحيد لقياس درجة التدين؛فصنفوا غيرهم على أساس المظهر إلى متدين وغير متدين وبنوا حكمهم على الناس من هذا المنطلق فكان لذلك آثار سلبية كبيرة على نفوس الناس وزرع النفور في قلوبهم ومانع لكثير منهم عن خدمة دينه وتقرر عند كثير من المسلمين بسبب هذا التقسيم أنه ليس من أهل الدين وأنه غير متدين وغير مسئول عن هذه المهمة؛ لأنها وظيفة المتدين ومسئوليته وما هو إلا من المقصرين المفرطين. وفي المقابل نظر بعض من تمسكوا بالمظاهر وصنفوا أنفسهم على أنهم من المتدينين إلى غيرهم نظرة دونية وجعلوا المسلمين أحزابا وهذا جريمة في حق الشريعة وحق المسلمين.مع العلم أن كثيرا من المظاهر التي بنوا عليها هذا التقسيم ليست مما يصدق على صاحبها في الشريعة وصف الصالح أو الفاسق.ويخطئ بعض الملتزمين حين يهتم بالمظهر ثم نرى أن فعله لا يطابق قوله فيجعل التدين لحية تعفى أو سوادا يلبس أو يجعله قولا دون عمل.كم من رجل تمسك بالمظاهر فأعفى لحيته وحرص على ألا يسبل إزاره تراه راكعا ساجدا في المساجد ثم يعامل زوجته بغلظة وشدة لا ينصر مظلوما ويلوي أدلة الشرع ليبرر أفعاله يجادل ويخاصم في هيئات العبادات والناس حوله غرقى في الفتن والمنكرات يرى مذهبه وحده هو الصحيح وكل من عارضه فهو بالباطل يصيح يحرص على طلب العلم بلا تطبيق.وكم من حليق مقصر في النوافل سعى على الأرامل واليتامى ونصر الدين وقال كلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم ليس عنده وقت للتعمق في طلب العلم لأنه مشغول بتطبيق ما وصل إليه من العلم.وفي المقابل نجد من حكم على من سمته التدين بأنه متشدد متنطع؛ لأنه حافظ على الفرائض والسنن وحرص على أن يرضي ربه متأثرين بإعلام فاسد حرص على تشويه كل ما له علاقة بالدين أو تجربة شخصية عممها على الجميع فحكموا على الشخص من مظهره دون أن ينظروا إلى جوهره. كما يخطئ من يظن أن كل من يظهر عليه علامات الإلتزام في المظهر متدينا حقا ويحكم على جميع الملتزمين بفعل أحدهم بل يربط الدين كله بأفعاله؛ فإذا وجدفي أفعال متدين خطأ نقم على كل متدين وكل صالح بل قد يلوم الدين ذاته رغم أن فعله لا يمثل سوى فهمه هو للإسلام وقد يزل يوما ويتوب ويعود إلى الله فلا يضر الإسلام فعله وليس من العدل أن يأخذ جميع الملتزمين بذنب أحدهم.بل يخطئون حين يظنون أن المتدين معصوم نسوا أنه بشر يمكن أن يخطيء ويذنب ويتوب ويتقبل الله توبته فخطؤه لا يعني خروجه عن زمرة المتدينين فالملتزم مسلم أعانه الله على فعل شيء من الدين لم تفعله أنت وقد تفعل أنت من الدين ما لا يستطيع هو.علينا أن نتعامل مع الناس بسلوكياتهم وأخلاقهم وليس بمظهرهم علينا أن نتوقف عن التصنيف ولنعطي لأنفسنا الفرصة لنتعرف على الشخصية أولا ثم نصدر الحكم بعدها علينا أن ننظر إلى أخطاء غيرنا باعتبارهم بشر وليسوا ملائكة معصومين.وعلى النقيض من ذلك فإن الاهتمام بالقلب وإصلاحه ليس معناه أن تترك الأمور الظاهرة وقد يكون بعضها واجبا؛ كإعفاء اللحية للرجال ولبس الحجاب للنساء.فما أجمل أن تجمع بين الجوهر والمظهر! وما أجمل أن يكون الحكم على الناس من خلال جوهرهم وليس مظهرهم! فلا تحتقرن شخصا ضعف أمام شهوته فقد تنام وأنت مغتر بطاعتك بينما ينام هو ودموعه على خده حسرة وندماعلى ما فرط في حق الله .. فيقبله الله ويردك !هبة حلمي الجابري
مقالات عشوائية