المقالات الإسلامية المتنوعة

قصة الأكراد - (3) جذور المشكلة الكردية في العصر الحديث

بدأت المشكلة الكردية بصورة واضحة في العصر الحديث عند اصطدام الدولتين الصفوية الشيعية والعثمانية السنية عام 1514م في معركة جالديران التي كانت كبيرة وغير حاسمة كان من نتائجها تقسيم كردستان عمليا بين الدولتين الصفوية والعثمانية.فقد كانت كردستان قبل سنة 1514م تسود فيها إمارات مستقلة مشغولة بتنظيم شئونها الداخلية لكن سوء معاملة الشاه إسماعيل الصفوي إضافة إلى الاختلاف المذهبي جعل سكان إمارات الأكراد وبلاد الجزيرة في انتظار من يخلصهم من الحكم الصفوي بالإضافة إلى جهود الشيخ إدريس البدليسي الذي ندبه السلطان العثماني لإقناع أمراء الأكراد ورؤساء العشائر وحكام المقاطعات بالانقلاب على حكم الشاه؛ لكل هذا بدأت المدن الكردية تثور على الحكم الصفوي مثل ديار بكر وبدليس وأرزن وميافارقين وكركوك وأردبيل. تقسيم كردستان في عام 1515م قام العلامة إدريس بعد تفويضه من قبل السلطان العثماني بعقد اتفاقية مع الأمراء الأكراد يتضمن اعتراف الدولة العثمانية بسيادة تلك الإمارات على كردستان وبقاء الحكم الوراثي فيها ومساندة الأستانة لها عند تعرضها للغزو أو الاعتداء مقابل أن تدفع الإمارات الكردية رسوم سنوية كرمز لتبعيتها للدولة العثمانية وأن تشارك إلى جانب الجيش العثماني في أية معارك تخوضها الإمبراطورية إضافة إلى ذكر اسم السلطان والدعاء له من على المنابر في خطبة الجمعة.وقد تضمن هذا الاتفاق اعترافا من الدولة العثمانية بالسلطات الكردية ولم يكن ذلك شيئا يسيرا في مسيرة الأكراد؛ إذ قدم لهم اعترافا بوجود المشكلة الكردية يقتضي حلها حتى لو كان الحل وقتيا!ومنذ ذلك الحين تغيرت مخططات الأكراد لمستقبلهم وصاروا يتطلعون إلى الانفصال عن كل الدول التي يعيشون فيها وإقامة دولة كردية تقوم على وحدة العرق الكردي وليس على أية رابطة أخرى ومن ثم الانفصال عن الخلافة الإسلامية الكبرى القائمة في عصرهم وهي الخلافة العثمانية. ولكن في عام 1555م عقدت الدولتان العثمانية والصفوية اتفاقية ثنائية بين السلطان العثماني سليمان القانوني والشاه طهماسب عرفت باتفاقية (أماسيا) وذلك بعد ثلاث حملات عسكرية قام بها السلطان سليمان واستولى فيها على مدينة تبريز عاصمة الصفويين وعديد من المدن؛ ولكن في كل مرة كان الصفويون يستغلون عودته لبلاده وينقضون على هذه المدن مرة أخرى وفي آخر حملة وصلته رسل طهماسب وهو في مدينة أماسيا التركية؛ فقبل أن يوقع المعاهدة هناك رغبة في التفرغ للميادين الأخرى التي كان يواجه فيها صعوبات شتى وتعد هذه المعاهدة أول معاهدة رسمية بين الدولتين. وتم بموجبها تكريس تقسيم كردستان رسميا وفق وثيقة رسمية نصت على تعيين الحدود بين الدولتين وخاصة في مناطق شهرزور وقارص وبايزيد (وهي مناطق كردية صرفة)؛ مما شكل صفعة لآمال الأكراد في الحصول على استقلالهم. وقد تم توقيع عدة معاهدات تالية لتلك الاتفاقية؛ منها معاهدة (زهاو) أو تنظيم الحدود عام 1639م وتم التأكيد على معاهدة أماسيا بالنسبة لتعيين الحدود؛ مما زاد من تعميق المشكلة الكردية ثم عقدت بعد ذلك معاهدات أخرى مثل (رضروم الأولى) 1823م و(أرضروم الثانية) 1847م واتفاقية طهران 1911م واتفاقية تخطيط الحدود بين الدولتين الإيرانية والعثمانية عام 1913م في الأستانة وكذلك بروتوكول الأستانة في العام نفسه.أسهمت هذه المعاهدات في تكريس تقسيم إقليم كردستان وقد زاد من حدة مشاعر الغضب الكردية بدء الأفكار القومية في الانتشار في الشرق مع بدايات القرن التاسع عشر؛ حيث بدأت الدول الأوروبية تحتك بكردستان عن طريق الرحالة الأجانب والإرساليات التبشيرية وكذلك عن طريق بعض القنصليات وأهمها البريطانية والروسية والفرنسية ثم الأميركية.وقد مارست كل هذه الجهات أدوارا مهمة في تحريض العشائر الكردية ضد الدولة العثمانية خاصة ثم الإيرانية لكي يحصلوا على مزيد من الامتيازات أو يزداد نفوذهم في الدولة العثمانية خاصة؛ وذلك بغية تحقيق هذه الدول الأوروبية مآربها في إثارة القلاقل داخل الدولة العثمانية؛ لتتمكن من إضعافها عن طريق إثارة المشاكل الداخلية. دخلت القضية الكردية منعطفا جديدا مع اشتداد الصراع الدولي في المنطقة وخاصة بين بريطانيا وروسيا؛ إذ أخرج هذا الصراع القضية الكردية من الحيز الإقليمي إلى النطاق الدولي فقد بدأت روسيا ثم بريطانيا في وقت مبكر اتصالاتهما بالأكراد كما حاولت فرنسا الأمر ذاته.كما كانت أمريكا موجودة في المنطقة على عكس ما كان شائعا من تطبيقها لمبدأ (مونرو) الذي يؤكد على عدم التورط في المشاكل السياسية خارج أمريكا.في ذات الوقت التقت رغبات الدول العظمى بمحاولات بعض الأكراد التقرب من الأجانب من أجل البحث عن حل للقضية الكردية؛ حيث كانت جهود الدبلوماسي الكردي شريف باشا واضحة ضربت الجهود الكردية للاستقلال في مقتل إثر اتفاقية سايكس بيكو 1916م في هذا المجال إذ حاول الاتصال بالإنجليز عام 1914م لكي يعرض خدماته لكن الحكومة البريطانية لم تستجب له. عندما نشبت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م لم يكن للأكراد مصلحة فيها وبرغم ذلك وجد الأكراد أنفسهم وقد جرفتهم أحداث الحرب للاشتراك في القتال على الجبهتين القوقازية والعراقية؛ فقد انضم الأكراد إلى جانب تركيا في الحرب حيث تمكن الأتراك من توجيههم لقتال الأرمن والأثوريين (الأشوريين) الذين خانوا تركيا وتمردوا عليها وانضموا إلى جبهة الحلفاء المعادية. وقد أصيب الأكراد بخسائر فادحة شأنهم في ذلك شأن الشعوب الأخرى التي تورطت في الحرب ولكنهم قد أثبتوا أنهم مفيدون للأتراك في أداء المهمات التي أنيطت بهم.ضربت الجهود الكردية للاستقلال في مقتل إثر اتفاقية سايكس بيكو عام 1916م؛ حيث اجتمع وزراء الخارجية الروسية والبريطانية والفرنسية ودارت بينهم مباحثات سرية حول الترتيبات المقبلة للشرق الأوسط بعد أن أصبحت هزيمة ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية وشيكة وتضمنت الاتفاقية تقسيم تركة الدولة العثمانية وبما أن القسم الأكبر من كردستان كان تحت السيطرة العثمانية فقد شملها التقسيم وهذا الوضع الجديد عمق بشكل فعال من تعقيد المشكلة الكردية؛ حيث تعد معاهدة سايكس بيكو أول معاهدة دولية اشتركت فيها ثلاث دول كبرى وحطمت الآمال الكردية في تحقيق حلمهم في تقرير المصير. ما بعد الحرب تحرك الأكراد لاستثمار الظروف الدولية وهزيمة الدولة العثمانية بالحرب العالمية الأولى لنيل مطالبهم والاستفادة من مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون بحق الشعوب في تقرير المصير وقد تحرك الأكراد وبذلوا جهودا مضنية لإيصال صوتهم إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م ولا سيما بعد أن صرح رئيس الولايات المتحدة الأميركية ويدرو ويلسون بحق الشعوب في تقرير مصيرها في بنوده الأربعة عشر المشهورة ولم يكن للأكراد كيان سياسي مستقل حتى يشارك وفدهم رسميا في ذلك المؤتمر شأنهم شأن القوميات والشعوب المضطهدة الأخرى ولذلك خول الشعب الكردي من خلال العشائر والجمعيات السياسية شريف باشا لتمثيلهم والمطالبة بالمطالب الكردية المشروعة. بدأ الأكراد يركزون جهدهم لمطالبة الهيئات الدولية التي احتلت الأستانة بتوحيد المناطق الكردية ومنحها حكما ذاتيا؛ فراجعوا اللجان الأوروبية والأمريكية التي تكونت لاستفتاء الشعوب التي انفصلت عن الإمبراطورية العثمانية لهذا الغرض كما رأى مفكرو الأكراد وجوب الاتجاه بمساعيهم الوطنية إلى خارج الدولة العثمانية بعد أن رفضت وزارة فريد باشا منح الاستقلال الذاتي للأكراد. وقد ركز الأكراد اهتمامهم نحو مؤتمر الصلح الذي انعقد في باريس في مارس 1919م خاصة وأن هذا العام قد حفل بالآمال بالنسبة للأكراد والعرب والأرمن فقد أقبلت هذه السنة ومعها وعود ويلسون بتقرير مصير الشعوب.وقد أصدر الحلفاء بعد استكمال تحضيراتهم للمؤتمر قرارا في شهر يناير1919م نص على ما يأتي إن الحلفاء والدول التابعة لهم قد اتفقوا على أن أرمينيا وبلاد الرافدين وكردستان وفلسطين والبلاد العربية يجب انتزاعها بكاملها من الإمبراطورية العثمانية.وانطلاقا من هذا القرار قدم الممثل الكردي شريف باشا مذكرتين مع خريطتين لكردستان إلى المؤتمر إحداهما بتاريخ (2131919م) والأخرى يوم (131920م). كما طلب من القائمين على شئون المؤتمر تشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات لتصبح كردستان المناطق التي تسكن فيها الغالبية الكردية وإضافة إلى ذلك فقد جاء في المذكرة الأولى إن تجزئة كردستان لا يخدم السلم في الشرق. كما جاء في المذكرة الثانية إن الترك يتظاهرون علنا بأنهم مع المطالب الكردية وأنهم متسامحون معهم لكن الواقع لا يدل على ذلك مطلقا. كما طلب شريف باشا رسميا من رئيس المؤتمر جورج كليمنصو أن يمارس نفوذه مع حكومة الأستانة لمنع اضطهاد الشعب الكردي وجاء في رسالته إلى رئيس المؤتمر إنه منذ أن تسلمت جماعة الاتحاد والترقي (العلمانيون) السلطة فإن جميع الذين يحملون آمال الحرية القومية قد تعرضوا للاضطهاد المستمر وإنه من الواجب الإنساني في المجلس الأعلى أن يمنع إراقة الدماء مجددا وإن السبيل لضمان السلم في كردستان هو التخلي عن مشروع تقسيم هذه البلاد (أي كردستان).ودل كل ذلك على أن المشكلة الكردية تقدمت خطوة كبيرة إلى الأمام في أعقاب الحرب. وعندما رأى شريف باشا أن تعاطف الدول الأوروبية كبير نحو القضية الأرمنية ربما بسبب الانتماء الديني للأرمن استطاع عقد معاهدة ائتلافية بينه وبين نوبار باشا رئيس الوفد الأرمني في ديسمبر سنة 1918م بباريس لحل المسائل المتنازع عليها بين الأكراد والأرمن حلا سلميا بدون ترك فرصة للتدخل فيها من القوى الأخرى وعلى أساس أن تكون كردستان دولة مستقلة عن الدولة الأرمنية المزمع تأليفها.في المقال القادم ماذا حدث في مؤتمر باريس؟! موقف دول أوربا من القضية الكردية!! موقف الأتراك!!

مقالات عشوائية