شرح وأسرار الأسماء الحسنى - (14) المحسن سبحانه
المحسن سبحانه هو الذي له كمال الحسن في أسمائه وصفاته وأفعاله كما قال تعالى في كتابه الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى طه8 فلا شيء أكمل ولا أجمل من الله فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعته وهو الذي لا يحد كماله ولا يوصف جلاله ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه.ليس في أفعاله عبث ولا في أوامره سفه بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة إن أعطى فبفضله ورحمته وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته وهو الذي أحسن كل شيء خلقه فأتقن صنعه وأبدع كونه وهداه لغايته وأحسن إلى خلقه بعموم نعمه وشمول كرمه وسعة رزقه على الرغم من مخالفة أكثرهم لأمره ونهيه وأحسن إلى المؤمنين فوعدهم الحسني وعاملهم بفضله وأحسن إلى من أساء فأمهله ثم حاسبه بعدله.الدليل على ثبوت الاسم في السنة النبويـةاسم الله المحسن لم يرد في القرآن الكريم ولكنه ورد في السنة النبوية مطلقا يفيد المدح والثناء على الله بنفسه فقد ورد عند الطبراني وصححه الألباني من حديث أنس أن رسول الله قال إذا حكمتم فاعدلوا وإذا قتلتم فأحسنوا؛ فإن الله محسن يحب المحسنين (السلسلة الصحيحة469).وكذلك ورد من حديث شداد بن أوس أنه قال حفظت من رسول الله اثنتين قال إن الله محسن يحب الإحسان فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته ثم ليرح ذبيحته (رواه الطبراني وصححه الألباني صحيح الجامع1824).معنى الإحســان في اللغة والاصطلاحالحسن نقيض القبح وحسنت الشيء تحسينا أي زينته وأحسنت إليه وبه.والإحسان يدورحول ثلاثة معاني 1 التزيين. 2 الإنعام على الغيــر كما يقال أحسن إلى فلان. 3 الإحســان في الفعل وذلك إذا علم علما حسنا أو عمل عملا حسنا.وعلى هذا قول أمير المؤمنين علي الناس أبناء ما يحسنون أي منسوبون إلى ما يعلمون ويعملون من الأفعال الحسنة.والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه ويأخذ أقل مما له.قال المناوي الإحسان إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي (التوقيف على مهمات التعاريف140) فمنزلة الإحسان أعلى من منزلة الإسلام والإيمان وتتحقق بأن يستشعر المرء وجود الله سبحانه وتعالى وقربه منه في جميع أعماله أو أن يستشعر رؤية الله له وهي منزلة المراقبة.قال أبو البقاء الكفوي في كتابه (الكليات) الإحسان هو فعل (الإنسان) ما ينفع غيره بحيث يصير الغير حسنا به كإطعام الجائع أو يصير الفاعل به حسنا بنفسه (الكليات160)ويقول الفيروزآبادي الإحسان من أفضل منازل العبودية؛ لأنه لب الإيمان وروحه وكماله وجميع المنازل منطوية فيها قال تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان الرحمن60 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه (رواه مسلم) (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز2465).درجـــات الإحســانوقد لخص الإمام ابن القيم الإحسان في ثلاث درجات 1 الإحسان في القصد. 2 والإحسان في الأحوال. 3 والإحسان في الوقت.. الدرجة الأولى الإحسان في القصد بتهذيبه علما وإبرامه عزما وتصفيته حالا أي الإحسان في النية بتنقيتها من الشوائب بألا يكون هناك للنفس أي حظ من عمله ويجعل قصده رضــا ربه فقط ولن تتمكن من إصلاح نيتك إلا بالعلم الذي يكون من خلال 1 علم بالله سبحانه وتعالى. 2 علم بصحة الطريـــق. 3 علم بالجزاء عند رب العالمين.وبعد أن تتعلم تلك الأمور التي تمثل الدافع لك للسير على الدرب والإحسان فيه يصدق في العزم على القيـــام بالأعمال الصالحة لينال ثوابها ويهدد نفسه لأن لم تفعل المطلوب ليكونن لها بالمرصــاد.وعلامة العزيمة الصادقة النشاط في العمل أما الفتور فهو دليل على عدم الصدق.وتصفيــة الحــال بتنقية القلب من شوائبه وآفـاته عن طريــق الإكثــار من الاستغفار.فإذا أردت أن تصل إلى هذه المنزلة العظمى عند الله تعالى وتصير من المحسنين عليك أن تراعي تصفيـــة حالك ونيتك وإذا وجدت الأمور تتعثر فاتهم نيتك فإنما يتعثر من لم يخلص.الدرجة الثانية الإحسان في الأحوال وهو أن تراعيها غيرة وتسترها تظرفا وتصححها تحقيقا يريد بمراعاتها حفظها وصونها غيرة عليها أن تحول فإنها تمر مر السحاب فإن لم يرع حقوقها حالت فتغار على قلبك أن يتلف أو يفسد بعد أن وصل إليه الإيمان؛ لأنه لو تقلب بعد ما ذاق ربما ينتكس إنتكاسة لا يعود بعدها أبدا وتستر أحوالك الإيمانية عن الناس ولا تريد أن يطلع عليها أحدا سوى الله سبحانه وتعالى.ويصحح أحواله بحيث يتحقق بأنه على الدرب الصحيح؛ لأن الأحوال مواهب وقد تكون من تلبيس إبليس على النفس في بعض الأحيان كالذي يبكي في الصلاة ويظن أن بكاءه كان من خشية الله ثم فور إنتهاءه من الصلاة يعود لمعاصيه ولا يراعي نظر الله تعالى إليه فحينها يعلم أنه كان حال مغرور أما الحــال الصادق فسيورث صاحبه الخشية.الدرجة الثالثة الإحسان في الوقت وهو أن لا تزايل المشاهدة أبدا ولا تخلط بهمتك أحدا وتجعل هجرتك إلى الحق سرمدا.المعنى أن تعلق همتك بالحق وحده ولا تعلق همتك بأحد غيره أي تحافظ على وقتك؛ لأن وقتك هو رأس مالك وستسأل عنه فتغير أن يضيع هذا الوقت دون الوصول.معنى الاسم في حق الله تعالىقال القرطبي عن اسم الله المحسن أن معناه راجع إلى معنى المفضل وذي الفضل والمنان والوهاب (الكتاب الأسنى2414).وقال المناوي في قوله إن الله محسن أي الإحسان له وصف لازم لا يخلو موجود عن إحسانه طرفة عين فلا بد لكل مكون من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد (فيض القدير2264) فالله سبحانه وتعالى أحسن إلى جميع الخلق بنعمة الإيجـاد والإمداد وأنعم على المؤمنين بنعمة أخرى وهي نعمة الهدايـــة.والمؤمن يستشعر إحسان الله سبحانه وتعالى به عند ما يخرجه من سجن الشهوات إلى عز الطاعة ومن سجن الخطايا إلى فرج التوبة مصداقا لقوله على لسان نبيه يوسف وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن يوسف100.أنـواع فضل الله تعالى وإحسانه على الخلقوللأقليشي توسع جميل في بيان الجود والفضل والإحسان وأنواعه على الخلق إذ يقول وذلك ينحصر في ثلاثة أقسام 1 قاعدة. 2 وواسطة. 3 ومتممة.أما القاعدة فتشتمل من الإحسان والمن على ثلاث شعب1 إخراجه من عدم إلى وجود بمقتضى صفة الكرم والجــود قال تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا الإنسان1.2 بعد خلقه تصويره في صورة آدم عليه السلام وهي أحسن الصور قال تعالى وصوركم فأحسن صوركم غافر64.3 جعله إيـاه عاقلا لا معتوها ولا سفيها حتى يمتاز عن سائر الحيوانات قال تعالى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا الإنسان3.أما الواسطة فهي للقسمين رابطة ويشتمل من الإحسان والإنعام والمن على ست شعب1 هدايته إيـــاه للإسلام وهذا أعظم الإحسان والإنعام وهو المراد بما ذكر في القرآن من الهدى والنور والشرح للصدور وغير ذلك من هذا النوع.2 جعله من أمة محمد خير الأنبياء وخير الأمم قال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس آل عمران من الآية110 أي كنتم في الغيب حتى خرجتم إلى الوجود على وفاق العلم.3 إحسانه إليه بأن حفظ كتابه العظيم حتى يكون معبرا عن كلام ربه بلسانه وراغبا إليه بجنابه وهذا من أعظم إحسانه كما قال ابن عباس في تفسير قول الله قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون يونس58 إنه القرآن.4 علمه بعد حفظه من معانيه ومن شريعة نبيه ومن حقائق علمه أثرا ونظرا وقد قال تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات المجادلة11 وأعظم العلم؛ العلم بالقرآن فكل ما شغلك عن القرآن فهو مشغلة.5 ما أحسن به إليه وأنعم عليه من العمل بما علم وهذا هو ثمرة العلم وقد قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر28.6 إحسانه إليه وتوفيقه حتى ينشر ما علم في عباده ويكون نور بلاده يستضاء بسراجه ويقتفى واضح منهاجه.وأما المتممة فهو ما أنعم به عليه وأحسن إليه من إظهار عوارف وإدرار لطائف شرف بها نوعه وأكمل بها وصفه ويشتمل على أربع شعب1 ما أنعم به عليه من كمال الصورة واعتدال الخلقة وفصاحة اللسان وسلامة الهيئة من تشوه أو نقص عضو وهذه نعمة من الله عليه ومن لطفه به.2 ما أنعم به عليه من انتظام الحال واتساع المال حتى لا يحتاج إلى أحد من الخلق في اكتساب الرزق ويحتاج إليه غيره فيعمهم خيره وهذه نعمة يجب شكرها إذ ليس كل أحد يعطاها.3 ما أنعم به عليه من عصبة وعشيرة وهي الرفقة الصالحة التي تأخذ بيده وتحوطه من وراءه وهي مرآة لنفسه؛ فتبصره بعيوبه وتكن عونا له على الطريق.4 ما ينعم به عليه من المرأة الصالحة الموافقة فتسكن إليها نفسه وقد قال رسول الله إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة (رواه ابن ماجه وصححه الألباني1855).5 ما أنعم عليه من صحة الجسم وفراغ البـال عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال النبي نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ (صحيح البخاري).حظ المؤمن من اسم الله تعالى المحسنالمنزلة الأولى الإحســان مع الله تعالى.يقول الله تعالى وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك القصص77 راقب ربك الوهاب المنان المنعم عليك في كل وقتك ولا تنس ذلك والطريق لأن تكون محسنا مع ربك يبدأ بـــ 1 الإخلاص وذلك بأن تضع الآخرة نصب عينيك تذكر دائما أبدا أن هناك جنة ونــار وأن الموت آتيـــك لا محالة.2 التوازن بين متطلبات الحيــاة والسير إلى الآخرة فاعط كل ذي حق حقه فعليك أن تحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الإحلال وعليك أن تعمل في الدنيا للآخرة؛ حتى تبلغ هذا المقام.3 إتقــان العبـــادة عن أبي ذر قال أوصاني خليلي أن أخشى الله كأني أراه فإن لم أكن أراه فإنه يراني (جامع العلوم والحكم449) فتحتاج أن تتعلم الفقه؛ لكي تكون عبادتك على هدي النبي وغيرها من العلوم التي تعينك على الإحسان في عبادتك لله تعالى.4 المراقبـــة لذلك حينما سئل النبي عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (رواه مسلم).5 الشكر لله تعالى فهل جزاء كل تلك النعم التي أحسن الله تعالى عليك بها إلا الشكر له سبحانه؟6 مواجهة الملمات بالصبـــر عليها قال تعالى واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين هود115.7 مجـــاهدة النفس بكظم الغيظ ومحاربة الشح وكبح شهوة الانتقـــام يقول الله تعالى الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين آل عمران134 فمجاهدة النفس لتحقيق تلك الأمور من علامات إحســان العبــد.8 الجهــاد في سبيل الله كما في قول الله والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين العنكبوت69.المنزلة الثانيـــة الإحســان إلى الخلق 1 بتعليمهم ما ينفعهم في دينهم ويكون سببا في نجاتهم في الدنيــا والآخرة من علوم الكتاب والسنة وفقه السلف وإرشادهم إلى طرق الخيرات والقربات وتحذيرهم مسالك الشر والهلكات يقول الله سبحانه وتعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين آل عمران164.2 حسن معاملة الضعفاء منهم كالإحسان إلى اليتيم يقول الله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن الأنعام152.3 دفع الخصومـة والخلافـــات يقول الله ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فصلت34.فأحسن تعاملك مع الخلق بداية من رد السلام إلى آخر ما جاء به الإسلام ولا تعامل الناس بمعاملاتهم وإنما عاملهم بما تحب أن يعاملوك به وبما تحب أن يراك الله عليه وإذا وصلت إلى منزلة الإحسان مع الله ومع الخلق فأبشر بخيري الدنيــا والآخرة فــإن الله يحب المحسنين البقرة من الآية195 وأبشر بالفردوس الأعلى؛ فإنها مثوى المحسنين لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين الزمر من الآية34.نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المحسنين.
مقالات عشوائية