المقالات الإسلامية المتنوعة

صناعة الطفل الإيجابي في الزمن المعاصر

الإيجابية هي ترياق النجاح وهي الوصفة الأولى للحركة والنشاط والمبادرة. الإيجابية هي السر الذي لا يخفيه الناجحون لكن لا يراه الفاشلون وهي الطاقة الداخلية التي تدفع الإنسان نحو العمل والتميز عمن حوله وهي المحرك الرئيسي للإنجاز والشعلة الملهبة للحماس والبوصلة الموجهة نحو إحداثيات الجودة والارتقاء.دائما ما نسمع عبارة كن إيجابيا وافعل كذا ولا تكن سلبيا أو اتكاليا في حين لا يدري الكثيرون معنى أو مفهوم أن يكون الشخص إيجابيا وكيف يمكن أن يكتسب هذه المهارة أو يكسبها لأبنائه لاسيما في مرحلة الطفولة..الإيجابية تحمل في طياتها عدة مفاهيم فتعريفها الشائع هو القيام من كل عثرة ومواصلة السير بعد كل فشل وعدم السماح لليأس بمساس أرواحنا أو للإحباط بالسيطرة على نفوسنا. وهذا معنى جميل ولا شك إلا أنه لا يروي الظمأ تشعر أنه تعريف بلاستيكي بلا روح إلا أن الإيجابية تتجلى في أكبر صورها في استشعار مسؤولية الحركة والتحرك تجاهها كأنه لا يوجد غيرك لينفذ المهمة.. أن تستشعر أنك أنت الذي سينقذ العالم عبر فعلك البسيط الذي قد يراه الآخرون تافها.. هدهد وخباز يغيران العالمهدهد سيدنا سليمان عليه السلام أرسله نبي الله في مهمة لكنه لاحظ أثناء مهمته أن هناك أمة من الأمم تعبد الشمس من دون الله تعالى فلفت ذلك نظره فاستهجن فعلهم وخرج من تلقاء نفسه في مهمة جديدة لجمع المعلومات وإعداد تقرير تفصيلي عن هذه الأمة حمل نفسه المسؤولية مدفوعا بكونه جنديا إيجابيا لا يطيق رؤية خطأ يرتكب أمامه ويسكت ليعطي تقريرا مفصلا فيما بعد للنبي سليمان عن هذه الجريمة فتتحرك الجيوش وتتصاعد الأحداث وتدخل أمة بالكامل في دين الله عز وجل بناء على إيجابية هذا الهدهد الضعيف فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم النمل 2226.هذا هو معنى الإيجابية الذي نتحدث عنه أن تستشعر المسؤولية وكأنك الفرد الوحيد في العالم القادر على تنفيذ المهمة وهذا المعنى هو ما نسعى لترسيخه لدى أبنائنا وشبابنا في البيت في المدرسة في الجامعة في العمل في الحياة..  كلما كان سن الطفل أصغر سهل زرع هذه القيم بداخله فأبناء الطفولة المبكرة والمتأخرة أيسر ممن يكبرهم من المراهقين في زرع هذه القيمة على وجه التحديدتعجبت حينما قرأت يوما كلاما لأحد الخبازين المتميزين يقول أسعى لتغيير العالم من خلال صنعي للبسكويت!!. تأمل كيف آمن هذا الرجل الإيجابي بمسوؤليته تجاه العالم!! رغم أنك لو سألت وماذا سيغير صنع البسكويت في العالم؟! ما قيمة هذا العمل بجوار ما يحدث في العالم من حروب وصراعات وأزمات؟! لو قارنا فلن نجد قيمة على الإطلاق في الظاهر ولكن الشخص الإيجابي يرى تغيير العالم يبدأ بتغيير عالمه الشخصي أولا نفسه ثم بيته ثم شارعه ثم مدينته ثم مجتمعه هكذا على الترتيب فإذا كانت هذه الإيجابية متمكنة من كل شخص في العالم وكل فرد أدى ما عليه بهذه الروح فسيتغير العالم تلقائيا بالتأكيد نحو الأفضل.أهمية الإيجابية في حياتنافي هذا الزمان لسنا مطالبين فحسب بأن نكون إيجابيين بل إننا مجبرون على ذلك في هذا العالم حيث نعيش الآن؛ لقد أصبحت المنافسة شرسة جدا والجميع يتسلح في ظل هذه المنافسة الشرسة بكل ما يستطيع من أسلحة وإنه من أهم أسلحة هذا العصر الإيجابية وروح المبادرة على كافة المستويات وفي كل المجالات سواء في العمل أم الدراسة أم حتى حياتنا الاجتماعية والعائلية فالسلبية قاتلة لكل شيء قاتلة للتميز والتفوق وحتى للاجتماع الإنساني فمهما بلغت كفاءة الفرد وإمكاناته إلا أن سلبيته ستقضي عليه. حتى سوق العمل نفسه صار يحتاج لأشخاص إيجابيين يؤمنون بما يفعلون ولديهم روح المبادرة والحماس لتطوير الأعمال والمهارات حتى إن إدارات الموارد البشرية () لم تعد تقتصر في النظر للسير الذاتية على الإمكانات العلمية أو الوظيفية فقط بل تعدت ذلك في البحث عن شخصيات تتمتع بمهارات أعلى من ذلك بكثير وعلى رأسها الإيجابية وروح المبادرة في العمل. كيف نزرع قيم الإيجابية والمبادرة في الأطفال منذ الصغر؟كلما كان سن الطفل أصغر سهل زرع هذه القيم بداخله فأبناء الطفولة المبكرة والمتأخرة أيسر ممن يكبرهم من المراهقين في زرع هذه القيمة على وجه التحديد فالمراهق الذي اعتاد الاتكالية والكسل منذ نعومة أظفاره وكان أبواه يقومان مقامه في كافة ميادين حياته بدءا من عقد رباط حذائه وانتهاء بتنظيف غرفته وكتابة فروضه الدراسية بدلا منه؛ فإن مهمة تغيير هذا الشاب ستكون من أعسر ما يمكن مستقبلا. لذا نؤكد على ضرورة زرع هذه القيمة مبكرا لدى الطفل؛ بحيث يعتادها وتكون سجية ذلك ولا تحتاج إلى عناء كبير في تقريرها.ومن أهم وسائل زرع الإيجابية والمبادرة لدى الأطفالأولا تكليف الطفل بالمهام التي تناسب سنه فليست هناك سن على الإطلاق لا يكلف فيها الطفل بمهمة بحجة أنه صغير إلا الرضع طبعا فبمجرد ما يبدأ الطفل يتحرك ويعي ويدرك ما حوله ينبغي على الوالدين أن يكلفوه بأداء مهام مهما كانت تافهة وبسيطة لكنها تطور أداءه وتزرع بداخله الاعتماد على نفسه وتطرد عنه الاتكالية والاعتماد على الآخرين. وهنا خطأ كبير يرتكبه الوالدان أحيانا والأمهات على وجه الخصوص بدافع العطف والرحمة وهو تسويف تدريب الطفل على الاعتماد على النفس بحجة سنه الصغيرة وعدم الرغبة في تحميله أعباء مرهقة رحمة وشفقة به ويظل يكبر الولد ويكبر حتى تضيع فرصة تدريبه بينما تترسخ لديه السلبية والاتكالية ويصل لمرحلة يتعسر عليه فيها تقديم يد المعونة أيا كانت للآخرين أو حتى لنفسه بل ينتظر فيها أن يخدمه الجميع بحجة أن ذلك حق من حقوقه التي اكتسبها بمجرد وجوده في الحياة.ثانيا توجيه الطفل نحو الفعل والتصرف المبادر الإيجابي دائما وألا يكون سلبيا تجاه الخطأ الذي يراه وهذه فكرة إسلامية أصيلة في ذاتها ففي الحديث من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه... وهكذا.. فهذه هي قمة الإيجابية والمبادرة وحتى في حالة العجز التام عن إصلاح الأخطاء المحيطة فتطالبه الشريعة بأن يحزن في داخله لوجود خطأ لم يقدر على إصلاحه وتغييره. وذلك أضعف الإيمان.وهذا من شأنه أن يمنح الطفل حصانة ذاتية تجاه الاختراق الخارجي سواء في الأفكار أم السلوكيات فكونه مبادرا بإصلاح الخطأ الخارجي يبعده درجة أو خطوة عن الخطأ ذاته ويمنحه درعا واقيا شديد الصلابة تجاه سهام الشر التي تهاجمه ويجعله قوة دافعه ومهاجمة بدلا من كونه مدافعا عن نفسه ليس إلا.ثالثا تدريب الطفل على حل المشكلات التي تواجهه حتى لو صنعنا له موقفا تدريبيا وخلقنا له مشكلة ما مناسبة لعمره وإمكاناته وندربه على تحليلها ووضع فرضيات لحلها والتعامل معها. فهذا من شانه أن يزيل عنه مخاوف الفشل في المواجهة.رابعا زرع الطفل في بيئة إيجابية فمجرد وجود الولد بين أصدقاء وزملاء مبادرين سيجعله تلقائيا يتصرف بإيجابية فهم كالقدوات له والنماذج التي يحتذي بها وهذا من أعمق الوسائل. ولو كانت القدوة ممن يفوقه سنا ومقاما سيكون لها أثر جيد أيضا كالأبوين والمعلمين والأقارب. وهذا ما يطلق عليه التعلم بالنمذجة.خامسا تدريب الطفل على تقديم المساعدة والعون للآخرين كأن يساعد إخوته أو أصدقاءه في فهم بعض دروسهم أو أداء بعض مهام المنزل فهذا من شأنه أن يفتت الاتكالية بداخله ويجعله باذلا لا مجرد آخذ فقط.سادسا تعاون كل المؤسسات التي تتعامل مع الطفل وتحتك به في إنجاح هذه الفكرة بدءا من مؤسسة الأسرة مرورا بالمدرسة وانتهاء بالمراكز التربوية والأقارب وجماعة الرفاق وغيرهم. فهذا مما يسهل هذه المهمة ويعمق أداءها لدى الأطفال فهذه البيئات يعضد بعضها بعضا وتتكامل أدوارها مع الطفل بالتكرار والتأكيد على القيمة ولا تزال القطرة تسقط تلو القطرة على الصخرة حتى تحفر في وسطها المجرى.وفي الختام علينا أن نتذكر أنه لولا روح الإيجابية والمبادرة التي سرت في المجتمع المسلم لما فتح المسلمون الدنيا فكثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا داعين للدين ومعلمين للناس الإسلام في دول لم يسمعوا عنها أبدا حتى وصل بعضهم للهند في أقصى الأرض ومات ودفن فيها. وكثير من الاختراعات التي نفعت العالم أجمع كانت بدايتها مجرد مبادرات إيجابية من مخترعين مستقلين لكن كان لديهم شغف ورغبة حقيقية في النفع العام وروح مبادرة شجعتهم على البذل والعطاء بهذه الصورة. الكاتب محمد الغباشي

مقالات عشوائية