المقالات الإسلامية المتنوعة

الأمور الموصلة إلى محبة الله تعالى

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد محبة الله سبحانه هي أصل دين الإسلام وبكمالها يكمل الإيمان وبنقصها ينقص توحيد الإنسان. قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله البقرة 165. وهذه المحبة واجبة بإجماع المسلمين والعبد مكلف بأن يأتي بما يوصله إلى محبة الله سبحانه؛ ليستكمل لوازم الإيمان وشروطه. ومحبة العباد لله تعالى هي ميل القلوب إليه؛ بالحب والتعظيم والإجلال والرجاء؛ فهي محبة التعظيم والإجلال والعبادة وليست كغيرها من أنواع المحبة. ويتفاوت العباد في هذه المحبة وسيقتصر الحديث على الأمور الموصلة إلى محبة الله تعالى ومن أهمها1 قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه قال تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ص 29؛ فهذا هو المقصود الأعظم والمطلوب الأهم من إنزال القرآن أن يشغل قلبه بالتفكير في معنى ما يقرأ ويتجاوب مع كل آية بمشاعره وحسه؛ دعاء واستغفارا وتسبيحا ورغبا ورهبا؛ كما قال حذيفة رضي الله عنه صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة... يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ (رواه مسلم). فلا شيء أنفع للقلب وأجلب لمحبة الله؛ من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر. 2 فعل الطاعات وترك المخالفات قال يحيى بن معاذ رحمه الله (ليس بصادق من ادعى محبة الله؛ ولم يحفظ حدوده). وقال ابن حجر رحمه الله (محبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته). وقال أيضا (الصلاة قدرها عظيم؛ فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذي يتقرب بها؛ لأنها محل المناجاة والقربة ولا واسطة فيها بين العبد وربه ولا شيء أقر لعين العبد منها).  3 التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض وجاء في الحديث القدسي ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه (رواه البخاري). فمن استكثر من النوافل؛ صار محبوبا لله تعالى وهذه المحبة تشغله عن أي أفكار وخواطر رديئة وإذا جاءت فإنها تطرد بسرعة.  4 كثرة ذكر الله باللسان والقلب والعمل فنصيب العبد من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر؛ ولذا أمر الله تعالى بالإكثار من ذكره وبين أنه سبب للفلاح؛ فقال سبحانه واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الأنفال 45. وشرع الله هذا الذكر حتى بعد العبادات العظيمة فبعد الصيام ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون البقرة 185؛ وبعد الحج فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله البقرة 200؛ وبعد الصلاة فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم النساء 103. 5 إيثار محاب الله على محاب العبد عند غلبة الهوى وعلامة هذه الإيثار شيئان فعل ما يحبه الله؛ ولو كانت النفس تكرهه وترك ما يكرهه الله؛ ولو كانت النفس تحبه. قال ابن القيم رحمه الله (ما ابتلى الله سبحانه عبده المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي وميل نفسه إليها؛ إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو أفضل منها وخير له وأنفع وأدوم وليجاهد نفسه على تركها له سبحانه فتورثه تلك المجاهدة الوصول إلى المحبوب الأعلى). فيتعين على العبد أن يقدم محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على محبة كل شيء ويجعل جميع الأشياء تابعة لهما؛ كما قال سبحانه قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره التوبة 24. 6 مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الظاهرة والباطنة فإنها داعية إلى محبته والقلوب جبلت على محبة من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ولا أحد أعظم إحسانا على العباد من الله تعالى؛ فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله النحل 53؛ وقال تعالى وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار إبراهيم 34. ومن أعظم النعم نعمة الهداية إلى الدين قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا المائدة 3. 7 مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته لا أحد أعظم إحسانا من الله تعالى ولا شيء أكمل من الله ولا شيء أجمل من الله فلا يوصف جلاله وجماله ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله؛ بل هو كما أثنى على نفسه. وكل اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته العلى؛ تستدعي محبة خاصة فلو نظرت إلى اسمه الكريم؛ فإنك تحبه لكرمه وإذا نظرت إلى اسمه الجليل؛ فإنك تحبه لجلاله وإذا نظرت إلى اسمه الرحيم؛ فإنك تحبه لرحمته. والله تعالى له من الأسماء والأوصاف ما لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ لذلك يوم القيامة يثني عليه النبي صلى الله عليه وسلم بمحامد ما علمها لأحد قبله. ولو شهد العبد بقلبه صفة واحدة لله من أوصاف كماله؛ لاستدعت منه المحبة التامة فكيف إذا شهد بقية الصفات والأسماء والأفعال؟ 8 الخلوة بالله تعالى في وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف معه بأدب العبودية؛ استغفارا وتوبة قال تعالى كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون الذاريات 17 18. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟ (رواه البخاري). 9 انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى والعبد يسير إلى الله بين مشاهدة منة الله عليه ومطالعة عيوب نفسه وعمله. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي (رواه البخاري). قال ابن القيم رحمه الله (مشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت وأن لا يرى نفسه إلا مفلسا وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالا ولا مقاما ولا سببا يتعلق به ولا وسيلة منه يمن بها بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف والإفلاس المحض وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تجبر إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته). 10 مجالسة الصالحين الصادقين والتقاط أطيب ثمرات كلامهم كما تنتقى أطايب الثمر. قال أبو الدرداء رضي الله عنه (لولا ثلاث ما أحببت أن أعيش يوما واحدا الظمأ لله بالهواجر والسجود في جوف الليل ومجالسة قوم ينتقون من خيار الكلام؛ كما ينتقى أطائب التمر). 11 مباعدة كل سبب يحول بين هذه المحبة قال سبحانه قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم آل عمران 31. والآية دليل على أن كل عمل لم يعمله النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو مبعد عن محبة الله تعالى وهذه الآية شرط المحبة الصريح.  قال ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى يحببكم الله (فيه إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها. فدليلها وعلامتها اتباع الرسول. وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم. فما لم تحصل المتابعة؛ فليست محبتكم له حاصلة ومحبته لكم منتفية).

مقالات عشوائية