الحج.. وتوحيد الله تعالى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد
قال الله تعالى في كتابه الكريم وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود . وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق . ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق الحج2629.
أذن الله لخليله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في بناء البيت العتيق وعرفه إياه وهيأه له وأرشده وهداه إليه وأنزله فيه وسلمه له وأمره أن يقيمه على أساس أن لا تشرك بي شيئا الحج26؛ فللتوحيد أقيم المسجد الحرام وأسس لتقوى الله من أول لحظة وبني من أجل طاعته سبحانه والإخلاص له ولنبذ الشرك عنه.
وقوله تعالى وطهر بيتي الحج26؛ أي من الشرك والكبائر وسائر المعاصي ومن الأرجاس والأدناس ومن ثم أضافه سبحانه لنفسه؛ تشريفا له.
وحينما يتقاطر حجاج بيت الله الحرام من فجاج الأرض البعيدة بالملايين؛ تلبية لدعوة التوحيد التي أذن بها الخليل إبراهيم عليه السلام منذ آلاف السنين يتأملون مشاهد التوحيد التي ترف عليهم في تلك البقاع المقدسة
منها مشهد ترك إبراهيم الخليل عليه السلام فلذة كبده إسماعيل وأمه هاجر عند البيت العتيق وتوجهه بالدعاء لربه الرحيم؛ كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا؛ لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهى ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له آلله الذي أمرك بهذا؟ قال نعم قالت إذا؛ لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون إبراهيم37.
ومنها مشهد صبر هاجر في ذات الله وهرولتها بين الصفا والمروة وهي تستروح الماء لطفلها الرضيع في تلك الحرة المتلهبة وقد نهكها العطش وأضناها الإشفاق على رضيعها.
ومنها مشهد التضحية العظيم التضحية لله بفلذة الكبد بعدما رأى الخليل الرؤيا فلم يترددا؛ بل مضيا في طاعة الله؛ كما قال تعالى حاكيا عنهما عليهما السلام فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين الصافات102.
قال الأستاذ سيد قطب في (الظلال) يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب ثم هو الأدب مع الله ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ومساعدته على الطاعة؛ ستجدني إن شاء الله من الصابرين الصافات102 ولم يأخذها بطولة ولم يأخذها شجاعة ولم يأخذها اندفاعا إلى الخطر دون مبالاة ولم يظهر لشخصه ظلا ولا حجما ولا وزنا؛ إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه وأصبره على ما يراد به؛ ستجدني إن شاء الله من الصابرين الصافات102 يا للأدب مع الله! ويا لروعة الإيمان! ويا لنبل الطاعة! ويا لعظمة التسليم!
ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة وعظمة الإيمان وطمأنينة الرضا وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان؛ إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعدادا وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعا وقد وصل الأمر إلى أن يكون عيانا لقد أسلما؛ فهذا هو الإسلام هذا هو الإسلام في حقيقته ثقة وطاعة وطمأنينة ورضا وتسليم وتنفيذ وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم إنها ليست الشجاعة والجراءة وليس الاندفاع والحماسة لقد يندفع المجاهد في الميدان يقتل ويقتل ولقد يندفع الفدائي وهو يعلم أنه قد لا يعود ولكن هذا كله شيء والذي يصنعه إبراهيم وإسماعيل هنا شيء آخر ليس هنا دم فائر ولا حماسة دافعة ولا اندفاع في عجلة تخفي وراءها الخوف من الضعف والنكوص؛ إنما هو الاستسلام الواعي المتعقل القاصد المريد العارف بما يفعل المطمئن لما يكون؛ لا بل هنا الرضا الهادئ المستبشر المتذوق للطاعة وطعمها الجميل وهنا كان إبراهيم وإسماعيل قد أديا كانا قد أسلما كانا قد حققا الأمر والتكليف ولم يكن باقيا إلا أن يذبح إسماعيل ويسيل دمه وتزهق روحه.
كان الابتلاء قد تم والامتحان قد وقع ونتائجه قد ظهرت وغاياته قد تحققت ولم يعد إلا الألم البدني وإلا الدم المسفوح والجسد الذبيح ومتى خلصوا له واستعدوا للأداء بكلياتهم فقد أدوا وقد حققوا التكليف وقد جازوا الامتحان بنجاح فالله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام بحيث لا يبقى في النفس ما تكنه عن الله أو تعزه عن أمره أو تحتفظ به دونه ولو كان هو الابن فلذة الكبد ولو كانت هي النفس والحياة. اهـ. مختصرا.
ومنها تجلي رحمة الله البر الرحيم في الفداء بالذبح العظيم؛ قال تعالى فلما أسلما وتله للجبين . وناديناه أن يا إبراهيم . قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين . إن هذا لهو البلاء المبين . وفديناه بذبح عظيم الصافات103107.
قال أبو عبدالله بن القيم في (الزاد) فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه بمحبته والله تعالى قد اتخذه خليلا والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل فأمره بذبح المحبوب فلما أقدم على ذبحه وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة فلم يبق في الذبح مصلحة؛ إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه فقد حصل المقصود فنسخ الأمر وفدي الذبيح وصدق الخليل الرؤيا وحصل مراد الرب. اهـ.
ومنها مشهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يرفعان القواعد من البيت؛ إنابة وخشوعا لله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم البقرة127128.
ومنها مشهد القبلة الواحدة التي يتوجه إليها الجميع ويلتقون عليها حيث العقيدة الواحدة التي تذوب في ظلها فوارق الجنس واللون والوطن فيجد المسلمون قوتهم قوة التجمع والتوحد والترابط والتي لا يقوم لها شيء لو فاءت لرايتها الواحدة راية التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)؛ ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا الحج78.
ومنها مشهد شرف البيت وتعظيمه وما وصف به شرعا وقدرا من كونه
مثابة للناس أي محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه الأفئدة فلا تقضي منه وطرا ولو ترددت إليه كل عام؛ استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم إبراهيم37.
وأمنا من العدو فقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يسبون وفي العصر الحديث صرف الله قلوب قوى الشر من كفار الغرب عن قصده بسوء وأذى؛ قال تعالى وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود . وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير البقرة125126 وقال سبحانه جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس المائدة97؛ أي يرفع عنهم بسبب تعظيمها السوء؛ كما قال ابن عباس لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض؛ وذلك لشرف البيت وشرف بانيه وهو خليل الرحمن.
ومنها مشهد الحكمة البالغة في تشريع الحج وما فيها من الخير العظيم والمنافع الكبيرة والعواقب الحميدة للمسلمين ومن تلك الحكم إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك به سبحانه وتعالى مع التطهر من كل ما يخالف الشرع؛ باجتناب المعاصي كلها سواء المطلقة كالسرقة والظلم والمحرمة من أجل الحج؛ كلبس المخيط وغيرها مما حرم على المحرم فمن حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ومن ثم لم يكن له جزاء إلا الجنة؛ كما صح عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
ومنها التلبية التي هي شعار التوحيد (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) فأول ما يأتي به الحاج إعلان توحيده لله وإخلاصه له سبحانه وأن الله لا شريك له؛ قال الله تعالى مخاطبا رسوله المجتبى محمدا صلى الله عليه وسلم وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون الأنبياء25 وقال تعالى أيضا ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين الزمر65.
ومنها إقامة ذكر الله تعالى عند جميع المناسك من طواف وسعي ورمي جمار وذبح وغيرها؛ كما روى أبو داود وغيره عن عائشة مرفوعا قالت إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله فكل مناسك الحج ذكر لله تعالى قولا وعملا أو بعبارة أخرى الحج بأعماله وأقواله كله ذكر لله عز وجل وكله دعوة إلى توحيد الله والاستقامة والثبات على دينه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بعثه الله به من الحق والهدى.
ومنها تذكر الموت والنشور؛ فلباس الإحرام يشبه كفن الموتى وعندما يغتسل المحرم يتذكر غسل الميت الوقوف على عرفة في صعيد واحد الذي يشبه بوم البعث.
هذا؛ وأسأل الله أن يرزقنا حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا وعملا صالحا مقبولا وتجارة لن تبور وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
مقالات عشوائية