الأدب في الكلام ولين الحديث
تعريفاتالأدب لغةيعرف الجرجاني الأدب بأنه عبارة عن معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ1. قال ابن منظور سمي أدبا؛ لأنه يأدب يدعو الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح وأصل الأدب الدعاء ومنه قيل للصنيع يدعى إليه الناس مدعاة ومأدبة2. الأدب اصطلاحايعرف الأدب بشكله العام اصطلاحا بأنه استعمال ما يحمد قولا وفعلا أو الأخذ أو الوقوف مع المستحسنات أو تعظيم من فوقك والرفق بمن هو دونك3. قال ابن القيم رحمه الله وحقيقة الأدب استعمال الخلق الجميل؛ ولهذا كان الأدب استخراجا لما في الطبيعة من الكمال من القول إلى الفعل4. وفي تعريف علم الأدب قال رحمه الله وعلم الأدب هو علم إصلاح اللسان والخطاب وإصابة مواقعه وتحسين ألفاظه وصيانته عن الخطأ والخلل وهو شعبة من الأدب العام5.أنواع الأدبيتضح لنا من التعريفات السابقة أن الأدب اسم عام للمستحسن من الأقوال والأفعال وأنه يندرج تحت هذا المسمى كثير من الشعب ونتناول هنا شعبة من هذا الأدب العام؛ وهي شعبة التأدب في الكلام والخطاب وقد قسم ابن القيم الأدب لثلاثة أنواع؛ أدب مع الله عز وجل وأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدب مع خلقه. تتفاوت مراتب الأدب بحسب المتأدب معه؛ إذ ليست تلك المراتب على درجة واحدة مع جميع الناس وليس الأدب مع الله كالأدب مع أنبيائه وليس الأدب مع الأنبياء كالأدب مع سائر الناس وليس للتعامل مع الناس أدب واحد بل لعلمائهم وكبارهم أدب خاص يختلف عن الأدب مع سائرهم وهكذا6. وبهذا نقسم أدب الكلام إلى ثلاثة أقسامأولا الأدب مع الله عز وجلالأدب مع الله عز وجل من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه وأوجبها وله جوانب عدة؛ منها الأدب في الكلام عنه ومعه سبحانه وتعالى في الدعاء وغيره والأدب في الكلام عن الله سبحانه وتعالى هو دأب الأنبياء والصالحين وقد ضرب الأنبياء أعظم الأمثلة في الأدب مع الله سبحانه وتعالى؛ فهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام عند حديثه عن ربه وفضله عليه؛ قال الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين الشعراء 78 81 فقد نسب خلقه وهدايته وطعامه وسقايته لله سبحانه وتعالى أما المرض فلم ينسبه؛ تأدبا مع الله سبحانه وتعالى فلم يقل (وإذا أمرضني) مع أن المرض من عنده سبحانه. وهذا عيسى صلى الله عليه وسلم يجيب على ربه بأبلغ عبارات الأدب وأسماها حين قال إن كنت قلته فقد علمته المائدة 116 ولم يقل (لم أقله) وفي الآية جملة من الآداب بلغت الغاية في كمال الأدب مع الله صلى الله عليه وسلم من رام الاستزادة منها فلينظر في التفاسير. وانظر لقول الخضر عليه السلام عندما فسر لنبي الله موسى عليه السلام أسباب أفعاله الثلاثة كيف نسب الخير إلى الله سبحانه ونسب الشر إلى نفسه؛ فقال في شأن الأبوين فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما الكهف 81 وقال في شأن الغلامين فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك الكهف 82 ولم يقل في شأن خرق السفينة (فأراد ربك أن أعيبها) وإنما قال فأردت أن أعيبها الكهف 79. وتأمل قول مؤمني الجن وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا الجن 10 وانظر إلى أدبهم في الكلام عن رب العزة؛ حيث نسبوا الشر إلى غير فاعل أما الرشد والخير أضافوه إلى الله عز وجل. والأمثلة في القرآن الكريم كثيرة يصعب حصرها في مقال واحد نتعلم منها جميعا أدب الدعاء وأدب الكلام عن ربنا وخالقنا سبحانه وتعالى؛ فالأدب معه سبحانه وتعالى هو رأس الإيمان وعماده وما ارتقى أدب المرء مع ربه إلا وارتقى إيمانه معه وهذا الأدب يحتاج إلى تعلم ونظر في هذه الآيات وغيرها فلا يستقيم لأحد تمام الأدب مع ربه إلا بتعلم هذا الأدب من أنبيائه ومن تبعهم فإذا ذكرناه سبحانه نذكره بما سمى به نفسه وإذا أثنينا عليه أثنينا بما هو أهله وما أثنى به على نفسه مما جاء في كتابه أو علمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم وإذا ناجيناه تأدبنا في كلامنا بما أدبنا به نبيه وإذا بلينا ببلاء لا نتجاوز حدود الأدب فلا نقول إلا ما يرضيه سبحانه وتعالى وقد بلينا في هذا الزمان بأقوام لا يستخدمون إلا أسوأ العبارات التي لا تليق بالذات الإلهية عند كل بلية كقولهم لماذا يا رب هذا؟ ألم تجد غيري؟ وغيرها من العبارات التي تعصف بالإيمان فضلا عما تحمله من سوء الأدب عافانا الله جميعا منها ورزقنا حسن الأدب معه. ثانيا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلمشدد الله سبحانه وتعالى على المؤمنين وأوجب عليهم تبجيل النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه؛ فقال عز من قائل لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا النور 63؛ قال مقاتل أي لا تسموه إذا دعوتموه يا محمد ولا تقولوا يا ابن عبدالله ولكن شرفوه فقولوا يا نبي الله يا رسول الله. وأمر الله سبحانه بجملة من الآدب العامة والخاصة مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن أهمها طريقة الكلام معه؛ بأن يتخير من الألفاظ ما يليق بمكانته وألا يرفع صوت فوق صوته ولا أن يجهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض؛ فقال عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون الحجرات 2 وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه جهوري الصوت فلما نزلت هذه الآية كان لا يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصوت خفيض؛ حتى يستفهمه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا سيد الأنصار سعد بن معاذ رضي الله عنه عندما حكمه النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة بعدما طلبوا ذلك قال سعد وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا نعم قال وعلى المسلمين؟ قالوا نعم قال وعلى من ها هنا؟ وأعرض بوجهه رضي الله عنه وأرضاه وأشار ناحية الرسول صلى الله عليه وسلم؛ تأدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم وإجلالا وتعظيما له؛ فلا يريد أن يقول وحكمي نافذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخفى علينا فرط الأدب في قوله وفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نعم وعلي ؛ أي إن حكمك ينفذ علي قال فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات 7. وهكذا كان أدب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معه في كل شأنهم أما وقت مات بأبي هو وأمي فإن الأدب معه يكون بتبجيله وتعظيمه وأن يعظم قوله فلا يعارض بقول لغيره فإن كان رفع الصوت فوق صوته يحبط العمل؛ فإن تعمد تقديم الآراء على ما جاء به يخرج من الملة. ثالثا الأدب مع الخلقللناس مراتب ومقامات متفاوتة؛ والكلام والأدب معهم يجب أن يتفاوت بتفاوت مراتبهم ويعامل كل صنف بما يليق به فلا يصلح خطاب الآباء بما يخاطب به غيرهم ولا يخاطب العالم بما يخاطب به الجاهل ولا يخاطب السلطان بما يخاطب به العامة وهكذا. وانظر إلى خطاب إبراهيم عليه السلام وكلامه مع أبيه في كل مرة؛ يخاطبه في كل مرة بلسان الأدب يا أبت مريم 42 ويكررها في كل مرة فلما أنذره بالعذاب؛ قال يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا مريم 45 يخاطبه بلسان البنوة والأدب ولم يقل له (سيمسك عذاب من الله) بل أظهر أنه شفيق عليه؛ تأدبا معه وليستميل قلبه للإيمان بالله سبحانه وتعالى. وانظر إلى أدب نبي الله موسى عليه السلام في خطابه مع الخضر عليه السلام رغم أنه أعلى مقاما منه؛ لكنه قال له هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا الكهف 66 فراعى أنواعا كثيرة من الأدب في هذه الكلمات؛ فقال أتبعك فجعل نفسه تبعا له واستأذن في هذه التبعية بقوله هل فلم يجعل الأمر على وجه الإلزام؛ مبالغة منه في التواضع ثم قال على أن تعلمن هكذا بلسان الأدب والتواضع ثم يقول مما علمت ولم يقل (تعلمني ما علمت) فطلب البعض وليس الكل لتواضعه كأنه يقول له أطلب منك بعض ما علمت لا أن تجعلني مساويا لك في العلم وهكذا ينبغي أن يكون الأدب في مخاطبة العلماء. وكذلك لطف يوسف عليه السلام وحسن خطابه في قوله لأبيه وإخوته ذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن يوسف 100 فقال أحسن بي ولم يقل (أحسن بكم) جعل الإحسان عائدا إليه ولم يقل (أخرجني من الجب)؛ حفظا للأدب مع إخوته؛ حتى لا يحرجهم ويخجلهم بما فعلوا معه ثم قال وجاء بكم من البدو يوسف 100 ولم يقل لهم (رفع عنكم جهد الجوع والنصب)؛ أدبا مع والديه وإخوته ثم قال من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي يوسف 100 فنسب ما جرى إلى السبب ولم يضفه إلى المباشر كأن الذنب صدر من الطرفين مع أنه هو المظلوم كل هذا من كمال أدبه عليه السلام. فاستعمال الأدب والذوق في الكلام وانتقاء أطايب الكلمات هو نهج الأنبياء والمرسلين والصالحين. وعندما سئل العباس رضي الله عنه أنت أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال هو أكبر وأنا ولدت قبله8 فانظر إلى أدبه رضي الله عنه؛ إذ استحيا أن يقول هو أكبر من النبي؛ حتى لا يتوهم كبر المقام. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخير في كلامه أفضل الكلمات وألطفها؛ كما يقول ابن القيم رحمه الله كان يتخير في خطابه ويختار لأمته أحسن الألفاظ وأجملها وألطفها وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش9. ثمرات الأدب والكلمة الطيبة1 الكلمة الطيبة صدقةيقول النبي صلى الله عليه وسلم الكلمة الطيبة صدقة 10 وهل الكلمة الطيبة إلا نتاج الأدب وانتقاء الكلمات؟ يقول ربنا سبحانه وتعالى وقولوا للناس حسنا البقرة 83 ويقول سبحانه وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن الإسراء 53؛ أي قل أيها الرسول للناس وعلمهم أن ينطقوا بأحسن الكلمات الطيبة؛ فيختاروا من الكلام أحسنه ليقولوه. وحتى في التخاصم أمر سبحانه وتعالى عباده أن يقولوا في تخاطبهم وتحاورهم الكلام الحسن الطيب ونبههم أنهم إن لم يفعلوا ذلك ألقى الشيطان بينهم العداوة والبغضاء؛ فقال عز من قائل وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا الإسراء 53.2 حسن الكلام سبب لمغفرة الذنوبيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام 11. 3 الأدب في الكلام يوجب المحبةجاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من لانت كلمته وجبت محبته فمن راعى الأدب في الكلام واستخدم الذوق في عباراته امتلك قلوب العباد. 4 سبب لتآلف القلوبقال تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم فصلت 34 35. فالكلمات الطيبة من أعظم أسباب دفع العداوة والتقارب الاجتماعي بين العباد. 5 الأدب في الكلام دليل على استقامة القلبيقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه 12. فاللسان مغرفة القلب وبه تعرف طيات النفوس ودرجات العقول.6 سبب لدخول الجنةجاء في الحديث الشريف إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام 13. فجعل صلى الله عليه وسلم لين الكلام من أسباب دخول الجنة وبلوغ أعلى المقام فيها.خاتمةللكلام آداب عامة كثيرة؛ كالإقبال على المتحدث بالوجه وخفض الصوت وعدم مقاطعة المتحدث والمخاطبة على قدر الفهم وغيرها من الآداب الواجب مراعاتها ولكن ما عنيناه هنا هو فرع واحد من تلك الآداب؛ وهو الأدب في اختيار اللفظ المناسب نسأل الله أن يجملنا بالأدب في كل شيء. المراجع1 التعريفات للجرجاني (14).2 لسان العرب (1 206).3 تاج العروس من جواهر القاموس (2 12).4 تهذيب مدارج السالكين (448).5 مدارج السالكين (2 376).6 حصول الطلب بسلوك الأدب لمحمد موسى الشريف (44).7 صحيح صححه الألباني في فقه السيرة (319) وقال صحيح ولكن أخرجه الشيخان دون قوله ((من فوق سبع سماوات)) فهذا ضعيف.8 نزهة الفضلاء (1 109).9 زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (2 352).10 صحيح أخرجه البخاري (2989) ومسلم (1009) مطولا.11 صحيح السلسلة الصحيحة (1035).12 صحيح صحيح الترغيب والترهيب (2554).13 حسن صحيح الجامع (2123). 1 التعريفات للجرجاني (14).2 لسان العرب (1 206).3 تاج العروس من جواهر القاموس (2 12).4 تهذيب مدارج السالكين (448).5 مدارج السالكين (2 376).6 حصول الطلب بسلوك الأدب لمحمد موسى الشريف (44).7 صحيح صححه الألباني في فقه السيرة (319) وقال صحيح ولكن أخرجه الشيخان دون قوله ((من فوق سبع سماوات)) فهذا ضعيف.8 نزهة الفضلاء (1 109).9 زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (2 352).10 صحيح أخرجه البخاري (2989) ومسلم (1009) مطولا.11 صحيح السلسلة الصحيحة (1035).12 صحيح صحيح الترغيب والترهيب (2554).13 حسن صحيح الجامع (2123).الكاتب ياسر عبده
مقالات عشوائية