الستير جل جلاله، وتقدست أسماؤه
الدلالات اللغوية لاسم (الستير)1الستير في اللغة على وزن فعيل من صيغ المبالغة فعله ستر الشيء يستره سترا أخفاه والستير هو الذي من شأنه حب الستر والصون والحياء. والسترة ما يستر به كائنا ما كان وكذا الستارة والجمع الستائر. وستر الشيء غطاه. وتستر أي تغطى وجارية مسترة يعني مستورة في خدرها. قال تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا الإسراء 45؛ أي حجابا على حجاب فالأول مستور بالثاني أراد بذلك كثافة الحجاب لأنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا2. والستر يأتي أيضا بمعنى المنع والابتعاد عن الشيء روى البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها؛ أنها قالت جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال من بلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار3. وعند البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان4. والستير سبحانه هو الذي يحب الستر ويبغض القبائح ويأمر بستر العورات ويبغض الفضائح يستر العيوب على عباده وإن كانوا بها مجاهرين ويغفر الذنوب مهما عظمت طالما أن العبد من الموحدين وإذا ستر عبده في الدنيا ستره يوم القيامة روى مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة5. وروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ك ل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه6. وعند البخاري من حديث ابن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين7. وروده في الحديث الشريف8ورد في حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يغتسل بالبراز بلا إزار فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر9. وللستير روايتانإحداهما كسر السين وتشديد التاء مكسورة. والثانية فتح السين وكسر التاء مخففة10. معنى الاسم في حق الله تعالىقال البيهقي وقوله (ستير) يعني أنه ساتر يستر على عباده كثيرا ولا يفضحهم في المشاهد. كذلك يحب من عباده الستر على أنفسهم واجتناب ما يشينهم والله أعلم11. وقال ابن الأثير إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر ستير فعيل بمعنى فاعل أي من شأنه وإرادته حب الستر والصون12. وقال ابن القيم13وهو الحيي فليس يفضح عبده عند التجاهر منه بالعصيـــان لكنه يلقي عليه ستـــــــــــــــره فهو الستير وصاحب الغفران وقال المناوي (ستير) بالكسر والتشديد أي تارك لحب القبائح ساتر للعيوب والفضائح فعيل بمعنى فاعل. وجعله بمعنى مفعول أي مستور عن العيون في الدنيا بعيد من السوق كما لا يخفى على أهل الذوق14. ثمرات الإيمان بهذا الاسم1 إن الله تعالى ستير يحب الستر والصون فيستر على عباده الكثير من الذنوب والعيوب ويكره القبائح والفضائح والمجاهرة بها. 2 وقد أمر تبارك وتعالى بالستر وكره المفاخرة بالمعصية أو مجرد محبة ذكرها وشياعها بين المؤمنين. قال سبحانه إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون النور 19. أي الذين يريدون ويقصدون أن تنتشر الفاحشة في أهل الإيمان وتفشو فيهم والفاحشة هي الفعلة القبيحة قيل هي الزنى وقيل الرمي بالزنى لهم عذاب أليم في الدنيا مما يصيبهم من البلاء كالشلل والعمى والآخرة من عذاب النار ونحوه. وفي الآية دليل على أن أعمال القلب السيئة كالحقد والحسد ومحبة شيوع الفاحشة يؤاخذ بها العبد إذا وطن نفسه عليها15. وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن المجاهر بالمعاصي لا يعافي منها فقال كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه16. قال الكرماني ومحصل الكلام كل واحد من الأمة يعفى عن ذنبه ولا يؤاخذ به إلا الفاسق المعلن17. وقال ابن بطال في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين وفيه ضرب من العناد لهم وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تذل أهلها من إقامة الحد عليه إن كان فيه حد ومن التعزير إن لم يوجب حدا وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة والذي يجاهر يفوته جميع ذلك18. 3 وأما المؤمن فإنه لو وقع في معصية أو تقصير في واجب بالغ في الستر على نفسه كما ورد عن بعض السلف أنه خرج إلى الصلاة فاستقبله الناس خارجين من المسجد فغطى وجهه ورجع. وجاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن رجلا سأله كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول عملت كذا وكذا؟ فيقول نعم ويقول عملت كذا وكذا؟ فيقول نعم فيقرره ثم يقول إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم 19. وفي رواية فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله20. وقد جاءت البشارة بذلك للمؤمنين أن من ستر الله عيبه في الدنيا فإنه سيستره في الآخرة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة21. 4 كما حث صلى الله عليه وسلم على الستر على عباد الله ورغب في ذلك؛ لموافقته رضا مولاه وصفة خالقه فقال ... ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة22. ولما جاء رجل إليه صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقض في ما شئت فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت على نفسك قال فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا دعاه وتلا عليه هذه الآية وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين هود 114 فقال رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال بل للناس كافة23. وسكوته صلى الله عليه وسلم على مقولة عمر دليل رضاه ومحبته لها إذ هو لا يقر أحدا على باطل كما هو معلوم. ونهى عليه الصلاة والسلام عن تتبع عورات المسلمين والبحث عنها وكشفها فقال يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع عورته يفضحه في بيته24. 5 وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ما حفظه ابن عمر رضي الله عنهما قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وشمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي25. تنبيهجرى على ألسنة كثير من الناس اسم ساتر فيقولون يا ساتر ولم يرد هذا الاسم في سنة صحيحة فيما أعلم فينبغي أن يقال يا ستير فتنبه! 1 أسماء الله الحسنى للرضواني (2 43 44).2 لسان العرب (4 344) وتفسير الطبري (15 94).3 رواه البخاري (1418) ومسلم (2629).4 أخرجه البخاري (487).5 أخرجه مسلم (2590).6 أخرجه البخاري (6069) ومسلم (2990).7 أخرجه البخاري (2441) ومسلم (2768).8 النهج الأسمى (3 115 120).9 صحيح أخرجه أبو داود (4012) والنسائي (406) وأحمد (17999) وصححه الألباني.10 انظر حاشية سنن أبي داود (4 302) ومختصر السنن (6 15) للحافظ المنذري بتحقيق أحمد شاكر ومحمد الفقي رحمهما الله تعالى.11 الأسماء والصفات (ص 91).12 النهاية (2 341).13 النونية (2 227) بشرح أحمد بن عيسى.14 فيض القدير (2 228).15 انظر روح المعاني (18 122) وغيره.16 سبق تخريجه.17 الفتح (10 486).18 المصدر السابق (10 487).19 رواه البخاري في الأدب (10 486) وفي التوحيد (10 475).20 رواها البخاري في المظالم (5 96) وفي التفسير (8 353) ومسلم في التوبة (4 2120).21 رواه مسلم في البر والصلة والأدب (4 2002).22 رواه البخاري في المظالم (5 97) ومسلم في البر والصلة (4 1996) من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا؛ وأوله المسلم أخو المسلم لا يظلمه....23 رواه مسلم في التوبة (4 2116) من حديث عبد الله رضي الله عنه.24 صحيح أخرجه أحمد (4 420 421) وأبو داود (5 4880) عن الأسود بن عامر حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة الأسلمي مرفوعا به وسنده حسن سعيد بن عبد الله صدوق ربما وهم قاله الحافظ وللحديث طرق أخرى يتقوى بها لبسطها موضع آخر.25 حسن رواه أبو داود (4880) وأحمد (19277) وحسنه الألباني.
مقالات عشوائية