المقالات الإسلامية المتنوعة

تأثير الغرب على مدرسة العقل في العصر الحديث - إسلام أون لاين

تأثير الغرب على مدرسة العقل في العصر الحديث - إسلام أون لاين

لا يمكن اعتبار أنصار مدرسة العقل في العصر الحديث ــ ونقصد بهم من يقدمون العقل على النص ـ فصيلاً واحدًا، لكن الذي يمكن أن نؤكد عليه أن بعض أصحاب الدعوة إلى ترجيح العقل أو تقديم العقل على النص في العصر الحديث وخاصة القرن العشرين منه، بل يمكن القول أكثرهم، ينتمون إلى ثقافات غربية وينطلقون من مناهج علمية صنعها الغرب وكانت ردًّا على التأثير اللاهوتي على الحياة في الغرب ومع ذلك يمكن القول إن أنصار العقل ليسوا على مستوى واحد وليسوا من أصل واحد أو نتاج بيئة ثقافية واحدة فمنذ ظهور الإمام محمد عبده، وربما من قبله بقليل عند ظهور رفاعة الطهطاوي، والعالم الإسلامي بدأ يموج بأصحاب العقل أو أنصار العقل بعضهم ينتمي إلى الفكر المعتزلي وجذور المدرسة العقلية في الإسلام وهؤلاء إما ينادون بإطلاقية العقل ولكن باستحياء أو يحاولون التوفيق شيئًا فشيئًا بين العقل والنقل.

أما أصحاب وأبناء الفكر الغربي بمناهجة غير المطروقة والمستحدثة فإنهم دائمًا ما يُغلِّبون العقل بصورة مطلقة ولو على حساب النقل (النص) وإنْ تضمن ثبوتًا قطعيًّا ودلالة لا يمكن تحريفها أو تجاوزها وليس أدل على ذلك من أن بعض أنصار هذا الاتجاه يطورون أفكارهم لدرجة تدعو للمساواة المطلقة بين المرأة والرجل حتى ولو كان ذلك في الميراث وهو علم يسمى في أبواب الفقه الإسلامي «علم الفرائض».

تنوع أنصار مدرسة العقل ومصادر التأثر

لا يمكن اعتبار هذا التقسيم قائمًا على أساس زمني والحقيقة أنه يقوم على أساس موضوعي يستند إلى الأفكار وما يعتقده كل اتجاه، ويمكن على هذا الأساس تقسيمهم إلى ثلاثة اتجاهات.

 التيار المعتزلي المحدث وسعيه للتوفيق والتجديد

البعض يحاول أن يرجع إلى أساس الفكر المعتزلي ليتخذ منه تكئة لبناء فكر معاصر، إما ليساعد في تحرير العقول من سيطرة الاستبداد السياسي وتسلط الحكام وكان ذلك ظاهرًا وبشدة في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وكتابات رفاعة الطهطاوي والأفغاني والكواكبي ومحمد عبده والشيخ أمين الخولي وحتى مصطفى عبدالرازق، ومنهم في وقت متأخر يتخذ منهج المعتزلة كأساس لتحرير العقول من الجمود والدعوة إلى اجتهاد متطور ينسجم مع العصر ويؤكد قابلية الإسلام لاستيعاب المتغير والمستحدث، ومن هؤلاء وعلى رأسهم يمكن اعتبار محمد عمارة نموذجًا، وإن كنا نرى أن الأخير امتداد لمدرسة الشيخ محمد عبده، وبعضهم بدأ من الفكر الغربي لكن ينتهي إلى أحضان الفكر الإسلامي في صورة إحياء الفكر المعتزلي مثل الدكتور زكي نجيب محمود، وإن كان الكثيرون لا يسلمون بذلك بالنسبة الى الاخير .

التيار المتأثر بالاشتراكية الماركسية وتجاوز المنقول

وإذا كان هذا هو حال الطائفة الأولى فإن هناك الطائفة الثانية التي يمكن اعتبارها تولدت تحت تأثير المد الاشتراكي الماركسي مثل محمد أحمد خلف وفؤاد زكريا ثم حسن حنفي، وإن كان الأخير أكثر توغلاً في الدراسات الإسلامية وغيرهم، وهؤلاء تشعر أنهم ينظرون للمنقول والغيبي، خاصة السنة النبوية، على أنها اختلاق وأنه من الأفضل تجاوزها كليًّا ولا بأس من تجاوز بعض النصوص القرآنية التي تبدو من ظاهرها معارضة مع أفكارهم الشيوعية والماركسية.

تيار “أنسنة النص” وإخضاعه للمناهج الغربية

أما الطائفة الثالثة فإن التغيير ليس تغييرًا كميًّا في الفكر وإنّما هو تحول تام وتغيير كيفي في محاولة لإخضاع القرآن كنص إلهي مقدس للعقل من خلال اتباع مناهج غربية لتحليله ترتكز على كونه نصًّا تاريخيًّا أو مجرد نص لُغوي كغيره من النصوص الأدبية وأنه أصبح ذا طابع إنساني، أو بحسب ما يطلقون على ذلك «أنسنة النص»، وهؤلاء على رأسهم نصر أبوزيد ومحمد أركون وغيرهما، فالأمر لا يتعلق بتقديم العقل كدليل على النص بقدر ما يتعلق بإهدار حجية النص وقدسيته وإنهاء ديمومة صلاحيته الذاتية وجعل مرجعية النص في كل ذلك إلى فهم العقل البشري من خلال مناهج غربية لقراءة النص.

فروقات جوهرية: بين أصالة التكوين والتأثر المنهجي

والحقيقة الأساسية التي يجب أن نركز عليها أو نلفت النظر إليها أن جيل المعتزلة الحديث، أو مَن ينادون بإحياء فكر المعتزلة، هم أصل من رجال الدين وثقافتهم الدينية هي الغالبة باستثناء البعض مثل زكي نجيب محمود الذي بدأ من الوضعية المنهجية التي تعتبر أقرب أو بنت الفلسفات الغربية منتهيًا إلى ضرورة إحياء الفكر المعتزلي كأساس لنهضة فكرية عربية. أما الآخرون فهم من الأساس أصحاب ثقافات غربية ومناهج فلسفية مثل أبوزيد وأدونيس وأركون وحنفي.. وغيرهم، وإن كان منهم من بدأ أزهريًّا أيضًا ولكنه تأثر بالمناهج الغربية كطه حسين الذي بدأ وتعلم في الأزهر ثم ابتُعث للخارج وعاد متأثرًا بالمنهج الديكارتي كما هو واضح في كتابة «الشعر العربي».

إحياء الفكر المعتزلي كسبيل للنهضة: رؤية نقدية

ونود أن نوضح أن البعض ربط بين تجديد الفكر العربي وفتح باب الاجتهاد وإحياء فكر المعتزلة محاولاً خلق ربط بين تقديم العقل على النص أو النقل، وبين النهضة المأمولة، كأن التخلف الذي نعيش فيه إنَّما يُعزى إلى سبب وحيد وهو الارتباط بالنص وتقديسه، وإهمال العقل أو جعل العقل في مرتبة متأخرة.. وهو ما لا نسلم به على إطلاقه، وهو يقول في ذلك: «إننا إذا كان لنا أن نحيي جزءًا من تراثنا الإسلامي فَلْيَكُنْ الفكر الاعتزالي»، مؤكدًا ذلك بقوله: «يبدو لكاتب هذه الصفحات أن أهم جماعة يمكن لعصرنا أن يرثها في وجهة نظرها.. أعني أن يرثها فيطريقتها ومنهاجها عند النظر إلى الأمور هي جماعة المعتزلة التيجعلت العقل مبدأها الأساسي كلما أشكل الأمر» [1]. ويؤكد هذاالرأي في صفحات أخرى قائلاً: «فما زلت أرى أنه لو أراد أبناء عصرنا أن يجدوا عند الأقدمين خيطًا فكريًّا ليتمسكوا بطرفه فيكونوا على صلة موصولة بشيء من تراثهم، فذلك هو الوقفة المعتزلية من المشكلات القائمة».اقرأ أيضا:

مقالات عشوائية