المقالات الإسلامية المتنوعة

تفسير قوله تعالى: { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم... }

قوله تعالى ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون البقرة 101. قوله ولما جاءهم رسول من عند الله الواو عاطفة و(لما) ظرف بمعنى حين متضمن معنى الشرط جاءهم فعل الشرط والضمير يعود إلى أهل الكتاب وبخاصة اليهود الذين فيهم سياق الآيات أي ولما أتاهم رسول مرسل من عند الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم. ونكر رسول للتعظيم فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل وسيد ولد آدم كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع1. وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر2. وفي قوله من عند الله إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم وتشريفه وتكريمه مصدق صفة لـرسول أي مصدق بما جاء به من عند الله عز وجل. لما معهم ما موصولة أي للذي معهم من التوراة والإنجيل وغيرهما من كتبه عز وجل فهو مصدق وشاهد أنها من عند الله عز وجل قبل تحريفها وهو مصدق لما جاء فيها من البشارة به صلى الله عليه وسلم ومصدق لما جاء فيها من الأخبار بمطابقة أخباره لأخبارها كل هذه براهين دالة على صدقه وصدق ما جاء به مع ما اقترن به من الأدلة والبراهين غير ذلك الدالة على صدقه والتي هي أقوى مما اقترن بجميع الكتب قبله. نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم النبذ الطرح والإلقاء للشيء بشدة وعدم الاكتراث والاهتمام به ومنه سمي اللقيط منبوذا. قال الشاعرنظرت إلى عنوانه فنبذته      كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا3 فريق الفريق الجماعة والطائفة ومفهوم هذا أن فريقا منهم آمن كالنجاشي من النصارى وعبدالله بن سلام من اليهود. من الذين أوتوا الكتاب أي من الذين أعطوا الكتاب أي أنزل عليهم الكتاب وال في الكتاب للعهد الذهني فاليهود أعطوا التوراة والنصارى أعطوا الإنجيل وأظهر في مقام الإضمار فقال من الذين أوتوا الكتاب ولم يقل (فريق منهم) زيادة في التشنيع عليهم وتنبيها على قيام الحجة عليهم حيث أوتوا الكتاب وعرفوه ومع ذلك نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. والمراد بـكتاب الله القرآن الكريم وأضافه الله عز وجل إليه؛ لأنه كلامه بلفظه ومعناه وفي إضافته إليه عز وجل تعظيم له وتهويل لأمر نبذه والكفر به. وسمي القرآن كتابا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ كما قال تعالى بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ البروج 21 22 ولأنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة كما قال تعالى في صحف مكرمة  مرفوعة مطهرة  بأيدي سفرة  كرام بررة عبس 13 16 كما أنه مكتوب في المصاحف التي بأيدي المؤمنين. وراء ظهورهم أي خلف ظهورهم وهذا كناية عن شدة نبذهم ورفضهم واطراحهم لكتاب الله تعالى وعدم مبالاتهم بما جاء فيه وشدة إعراضهم وتوليهم وانصرافهم عنه بلا رجعة. وقيل المراد بـ كتاب الله التوراة. كأنهم لا يعلمون كأن للتشبيه أي أن حالهم في ذلك تشبه حال من لا علم عنده أي كأنهم لا يعلمون صدقه صلى الله عليه وسلم وأن ما جاء به من القرآن حق وصدق يجب عليهم اتباعه وهم في الحقيقة يعلمون ذلك؛ لما في كتبهم من البشارة به والأمر بتصديقه واتباعه. وهذا من أخص صفات اليهود ترك الحق وكتمانه وتكذيبه وجحده بعد معرفته كما قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون آل عمران 187. ولهذا وصفهم الله عز وجل بالمغضوب عليهم؛ لأنهم عرفوا الحق وتركوه ومثلهم من سلك طريقهم في ترك الحق بعد معرفته كما قال سفيان بن عيينة من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى4. ولما لم ينتفعوا بعلمهم صاروا كمن لا يعلم بل أقل وأسوأ حالا منه كما قال تعالى فيهم مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين الجمعة 5 وقال تعالى عنهم وعن أشباههم من أهل الكفر لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون الأعراف 179. 1 أخرجه مسلم في الفضائل (2278).2 أخرجه الترمذي في التفسير (3615) وابن ماجه في الزهد (4308) وقال الترمذي حديث حسن صحيح.3 البيت لأبي الأسود الدؤلي. انظر ديوانه ص (21).4 ذكره ابن كثير في تفسيره (480).

مقالات عشوائية