المقالات الإسلامية المتنوعة

في التظنُّن (SCEPTICISME) بول ريكور مُنَازعا لفلاسفة الشُّبهة - إسلام أون لاين

في التظنُّن (SCEPTICISME) بول ريكور مُنَازعا لفلاسفة الشُّبهة - إسلام أون لاين

فاتحة الإشكال : لم يكن الوعي الفلسفي المعاصر يصحو ويفكّر في إمكان شقّ دروب أخرى من التفكير في حقبة هيمنة إرادة التظنُّن، التي أمسكت بروح الفكر وأضحت بمفردة ميشال فوكو نظامًا معرفيًّا وبنية لا شعورية ترسم خطوط الفكر ونواتج التَّفلسف.

إذ هيمنت التظنّنية ليس على الخطاب الفلسفي فقط، وإنّما امتدّت لكي تتمظهر في عناصر الثقافة برمتها: في الفن وفي الأخلاق وفي السياسة وراهنًا في الصَّحافة، هذا الامتداد يجد مبرّره في جذرية النّقد وإقامته في المناطق الخضراء للفكر الفلسفي، والمقصود بالمنطقة الخضراء: قيم الفكر الفلسفي وأدواته الرَّاسخة كالقول بإمكانية بلوغ الحقيقية، وقدرة العقل على استكناه جوهر الحقيقية القُصوى، وقيمة المعرفة، وسمو نظام القيم الأخلاقي.

إن الخيط النّاظم الذي يحكم ويوجّه قلق التَّظنن أو ممارسة الشُّبهة هو الأحكام المسبقة لعصرهم، هذه الأحكام هي التي وجّهت تفكيرهم وفرضت نمط الحقيقة التي بها يواجهون.

من هنا فإن لحمة الأسئلة التي نفكّر من خلالها هي: كيف قرأ ريكور فلسفة التظنّن أو الشُّبهة؟ ما هي دلالات فلسفة الشُّبهة؟ هل ثمّة فواصل ومسافات ممكنة وفعلية بين الارتياب كأفق في التّفكير وبين الاعتقاد كنسق يوصف بالانغلاق؟ ما هي حقيقية الصّلة التي عقدها ريكور مع نيتشه باعتباره الأب المفصلي للتّظنُّن؟ ما هي الدّروب التي يسلكها ريكور في استشكال الحقيقية والمعرفة والارتياب؟

أولًا: فلسفة التظنُّن وتهديم الوعي

ثمَّة لفتة منهجية مهمة من الأجدى الإشارة لها، هي أن فلسفة التظنُّن أو الارتياب أو أيّة فلسفة تسلك مسلكها لا تستأهل هذه التّسمية إلَّا بعد أن تلامس «المنطقة الخضراء في الفكر الفلسفي»، وهي منطقة تتحصّنُ داخلها ثوابت الفكر الفلسفي وأسسه المنهجية التي بها يجري الفهم والتأويل.

ومقصدنا من هذه اللّفتة هو الإبانة كيف أن التظنُّن لا يتسمَّى بهذا الاسم، إلَّا بعد أن يقوم بنقد هذه اليَقينيات المُؤسِّسة لإرادة الفعل الفلسفي، والتَّشريع لأفق النّسيان والجحود وشطب أيّة إحالة نحو الحقيقة كقيمة ومعيار.

وبالنّسبة إلى ريكور، فإنَّ فلاسفة الشّبهة والتظنُّن الذي نازعهم هم تواليًا: (نيتشه، فرويد، ماركس)، فهؤلاء الثلاثة هم فلاسفة الشبهة أو التظنّن، وريكور يقابل بين نمط التَّأويل لدى هؤلاء الذي يسمي تفكيرهم بمدرسة الشُّبهة وبين الأفق الذي ينخرط فيه هو: أي التّأويل باعتباره جنيُ للمعنى وإحياءُ، إنهم فضلًا عن معارضتهم لفينومينولوجيا المقدّس، يُبْصرُ فيهم ريكور صيغة سلبية أي «النّظر إلى الحقيقة باعتبارها كذبًا»[2].

والقول بأن أصل الحقيقة هو الكذب والوهم، يَسْتتبع منهما القول أيضًا بزيف الوعي وإنكار التطابق بين هذا الوعي وموضوعه، إنهم يمضون إلى القلب نفسه من الحصن الدّيكارتي، أي لحظة الشك في الوعي الدّيكارتي.اقرأ أيضا:

مقالات عشوائية