رحل الأستاذ الدكتور حلمي محمد القاعود عن عالمنا يوم الثلاثاء 13 مايو 2025، عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء في ميادين الأدب والنقد والفكر، كان رحمه الله أحد أعلام الأدب والنقد الإسلامي؛ أستاذًا جامعّيًا ومفكرًا ملتزمًا كرّس قلمه وفكره لخدمة الفكرة التي آمن بها، حتى عُدَّ من أهم الأقلام الأدبية والنقدية والفكرية في العصر الحديث.
امتزج في شخصه الأديب الروائي والناقد الأكاديمي، والصحافي ذو الرؤية الفكرية، فجمع بين السرد الصحفي الحيوي والنَّفَس الأكاديمي الرصين في كتاباته. في رحيله تُطوى صفحة نابضة من صفحات الأدب الإسلامي الحديث، لكن يبقى إرثه الفكري والإنساني منارةً للأجيال القادمة تعكس رسالته في الدفاع عن الهوية واللغة والقيم.
نتعرف من خلال هذه المادة على أهم المحطات الأكاديمية والإبداعية للأستاذ الدكتور حلمي محمد القاعود رحمه الله تعالى.
المولد والنشأةولد حلمي محمد القاعود في قرية المجد التابعة لمركز الرحمانية بمحافظة البحيرة في مصر، بتاريخ 5 أبريل عام 1946م. نشأ في أسرة ريفية متوسطة الحال محبّة للعلم؛ حفظ القرآن الكريم صغيرًا وتتلمذ في المعهد الديني بدسوق، مما رسّخ في نفسه حب اللغة العربية وقيم الثقافة الإسلامية منذ نعومة أظفاره. برز نبوغه اللغوي مبكرًا فراح يقرأ بنهم ويجرّب كتابة القصة في طفولته وبعد إتمام التعليم الثانوي التحق بجامعة القاهرة، قسم اللغة العربية بكلية الآداب، في العام الجامعي 1973/1974م وتخرّج عام 1977م.
واصل تحصيله العالي فنال درجة الدكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة سنة 1986 م بمرتبة الشرف الأولى، وقد اختار لرسالته موضوعًا لافتًا عن صورة النبي محمد ﷺ في الشعر العربي الحديث، في إشارة مبكرة إلى ولائه الفكري لدينه وتراثه.
المسيرة الأكاديميةبعد حصوله على الدكتوراه، انطلق القاعود رحمه الله في مسيرته الأكاديمية عضوًا بهيئة التدريس في قسم اللغة العربية بكلية الآداب – جامعة طنطا. تدرّج في المناصب العلمية حتى حصل على درجة الأستاذية عام 1999م. تخصّص في تدريس البلاغة والنقد الأدبي، حتى عُرف بين طلابه وزملائه بلقب أستاذ البلاغة والنقد الأدبي في جامعة طنطا. شغل عدة مواقع أكاديمية بارزة، منها رئاسة قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة طنطا بين عامي 1999 و2002 م.
عمل أيضا كأستاذًا مشارك في كلية المعلّمين بالرياض في المملكة العربية السعودية بين 1989 و 1994م. عرف عنه تفانيه في عمله الأكاديمي وحرصه على طلابه، فكان أستاذًا جامعيًا على قدر عالٍ من المهنية والتواضع، يدمج بين الصرامة العلمية والأبوّة التربوية في آن واحد.
إرث حلمي القاعود الثقافيإلى جانب عمله الجامعي، كانت للقاعود حياة ثقافية نشطة وزاخرة بالمشاركات الأدبية والصحفية. لم يكن مجرد أكاديمي منعزل في برجه العاجي؛ بل انخرط بقلمه في ميادين الصحافة الثقافية والفكرية منذ سبعينيات القرن الماضي. نشر عشرات المقالات والدراسات في صحف ومجلات مصرية وعربية مرموقة، بدءًا من الأهرام والمساء والوفد وصولًا إلى المجلات المتخصصة كمجلة الهلال ووجهات نظر وفصول وغيرها.
هذا التنوع في المنابر الإعلامية التي كتب فيها القاعود – على اختلاف توجهاتها الظاهرية – يعكس قدرته الفذة على مخاطبة شرائح واسعة من القراء، والتأثير في الرأي العام الثقافي بأسلوب يجمع بين الأصالة والموضوعية. كذلك أثرى الصفحات الثقافية بمقالات رصينة تتناول قضايا اللغة والهوية والإعلام والأدب المعاصر.
ولم تقتصر نشاطاته على الكتابة، بل شارك في ندوات ومؤتمرات أدبية داخل مصر وخارجها، مدافعًا بصوته الهادئ ونقاشه العلمي عن قناعاته. وعندما بلغ السبعين من عمره (عام 2016) بادر زملاؤه وطلابه إلى إقامة احتفالية تكريمية لمسيرته، وأُصدر كتاب تذكاري بعنوان “على شاطئ المجد” ضم شهادات ودراسات لكبار الكتاب والمفكرين عن أدبه وفكره وحياته.
الإنتاج الأدبي والإبداعيترك حلمي القاعود إرثًا أدبيًا ثريًا امتد عبر العقود، تضمن نحو عشرين رواية أدبية ومجموعتين من القصص القصيرة، بالإضافة إلى مشروع سيرة ذاتية سردية في أربعة أجزاء. تميّز إنتاجه الإبداعي بأسلوب يجمع بين البساطة والعمق، والتشويق السردي المقرون بأهداف إنسانية وقيمية واضحة.
فمن أشهر رواياته التي ذاع صيتها: شجرة الجميز (2021) التي تناول فيها تحوّلات المجتمع المصري، ومكر الليل والنهار التي حملت رؤية ناقدة للصراع بين الخير والشر، ورواية شغفها حبًا (2019) التي قدّم فيها صورة رومانسية ممتزجة بقيم الوفاء، ورواية الرجل الأناني (2020) التي تعرّي نزعات الطمع الفردي، كما اشتهرت روايته الأولى الحب يأتي مصادفة (1976) لكونها رواية مبكرة عن حرب أكتوبر (حرب رمضان) بأسلوب أدبي واقعي.
لم تخلُ أعمال القاعود الروائية من مفاهيم الأخلاق ؛ إذ حرص على تضمين منظومته القيمية في ثنايا السرد دون مباشرة أو إسفاف، فالنص عنده يحمل رسالة أخلاقية أو اجتماعية بصورة جمالية واضحة، دون أن يفقد عنصر التشويق أو رونق اللغة.
أما سيرته الذاتية فكتبها بأسلوب روائي شائق تحت عنوان ثلاثية “زمن…” بأجزائها: زمن البراءة: النيل بطعم الجوافة، زمن الهزيمة: النيل لم يعد يجري، وزمن الغربة: النيل لا طعم له (جميعها عام 2015)، في هذه السرديات الذاتية دوّن القاعود سيرته ومسيرة جيله، جامعًا بين توثيق الوقائع والتأمل الوجداني في تحولات المجتمع على امتداد عقود ما بعد ثورة يوليو وحرب أكتوبر.
المتأمل في أدب القاعود الروائي يلمس حرصه على الوضوح اللغوي والسمو البلاغي دون تعقيد شخصياته غالبًا ما تنطق بالفصحى السلسة التي تتخللها أحيانًا لهجات دارجة بقدر ما يتطلبه السياق، محافظًا بذلك على مستوى لغوي راقٍ يقرب القرّاء من جماليات العربية دون نفور. ولعل هذا النهج انعكاس لطبيعته كأستاذ لغة وبلاغة أحب أن ينقل عشقه للفصحى إلى جمهوره العريض.
لقد وازن القاعود بين جماليات السرد وصرامة المضمون القيمي، فكانت رواياته وقصصه مرآة صادقة لهموم المجتمع وانتصارًا للفضيلة والأخلاق الإسلامية في قوالب فنية جذابة.
المؤلفات الفكرية والنقدية والإسلاميةإلى جانب إبداعه الأدبي، أغنى الدكتور حلمي القاعود المكتبة العربية بعدد وافر من المؤلفات النقدية والفكرية التي تعكس مشروعه الفكري الإسلامي المتكامل. لقد تعددت مجالات كتاباته الفكرية بين الدراسات النقدية الأدبية والكتابات الإسلامية الفكرية وحتّى التحليلات السياسية، لكنها جميعًا اتسقت تحت مظلة رؤيته الحضارية ذات المرجعية الإسلامية.
من أبرز أعماله في حقل النقد الأدبي، كتابه “الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني” (1996) ، وهو دراسة نقدية تطبيقية أثارت الانتباه لتجربة الكيلاني الرائدة في الرواية الإسلامية. في مقدمة هذا الكتاب عبّر القاعود عن إيمانه العميق بضرورة تأصيل مفهوم “الأدب الإسلامي” ودراسته بصورة منهجية، قائلاً إن هذا الأدب بوصفه حركة تجديد لأدبنا يحتاج مزيدًا من البحوث التطبيقية التي تبرز خصائصه، بعد أن أسرف كثير من المهتمين به في التنظير المتشابه بهذا كان القاعود يدعو النقاد إلى الانتقال من التنظير المجرد إلى دراسات نقدية عملية تكشف ملامح الأدب الإسلامي وتميزه.
كما ألف كتاب “الأدب الإسلامي: الفكرة والتطبيق”، واضعًا بذلك إطارًا نظريًا وتطبيقيًا متكاملًا لمفهوم الأدب الإسلامي المعاصر وجمع بين دفتي كتاب “قصائد إسلامية طوال في الشعر الحديث” نماذج من الشعر العربي المعاصر التي تستلهم روح الإسلام في مضامينها، تأكيدًا لولائه لأمته وهويتها الحضارية.
وللقاعود رحمه الله كتاب بعنوان “التنوير: رؤية إسلامية”، قدم فيه قراءة نقدية لمفهوم التنوير الغربي ومحاولات استنباته في تربتنا الثقافية بمعزل عن جذورنا.
شملت كتابات القاعود كذلك مجالات أخرى متنوعة، منها الدراسات الإعلامية والتاريخية. وقد قام أيضًا بتحقيق بعض النصوص التراثية المهمة في البلاغة والأدب، فحقق كتاب “تاريخ علوم البلاغة” لأحمد المراغي (2010) وكتاب “أحسن ما كتبت” الذي يضم مختارات من كتابات أعلام الشرق العربي مطلع القرن العشرين. هذا التنوّع يدل على أننا أمام كاتب موسوعي بحق، يكتب في الرواية والنقد والشعر والفكر والإعلام بنفس القدر من الكفاءة العالية.
نماذج من مؤلفات حلمي القاعودهذه مجموعة من أعمال الدكتور حلمي محمد القاعود المنشورة تعكس تنوّع إسهاماته بين النقد الأدبي والفكر الإسلامي والدراسات التاريخية :
الحداثة العربية: المصطلح والمفهوم (1998) : دراسة نقدية حول مفهوم الحداثة في السياق العربي يناقش فيها القاعود جذور المصطلح وإشكالياته في الفكر العربي الحديث من منظور ثقافي إسلامي، مع تحليل التيّارات الحداثية وتأثيرها على الأدب والقيم الاجتماعية.