المقالات الإسلامية المتنوعة

من جوامع الدعاء النبوي

بسم الله الرحمن الرحيم عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال جاء حصين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم فقال يا محمد كان عبد المطلب خيرا لقومه منك كان يطعمهم الكبد والسنام وأنت تنحرهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول ثم إن حصينا قال يا محمد ماذا تأمرني أن أقول؟ فقال تقول اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وأسألك أن تعزم لي على رشد أمري قال ثم إن حصينا أسلم بعد ذلك ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني كنت سألتك المرة الأولى وإني الآن أقول فماذا تأمرني أقول؟ قال قل اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما جهلت وما علمت . (1) (اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي)قال تعالى إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي يوسف53 ومكايد الشيطان تتفق مع حظوظ النفوس وطبائعها كما أشار إلى ذلك ابن الجوزي بقوله فتن الشيطان ومكايده كثيرة .. ولكثرة فتنه وتشبثها بالقلوب عزت السلامة فإن من يدع إلى ما يحث عليه الطبع كمداد سفينة منحدرة فيا سرعة انحدارها. وقمة ذرى إيمان الموحدين حين ينسبون التقصير إلى نفوسهم إقرارا منهم بضعف الإنسان وشدة افتقاره إلى مولاه وخالقه في إصلاح شؤونه واستقامة أموره وأنه لا غنى له عن ربه وسيده؛ لذا يجأر كل واحد منهم إلى ربه ( اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي ). ( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) رواه النسائي10405.وورد في حديث آخر ( فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك )رواه أحمد.وورد في حديث آخر وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك رواه أحمد.(وأسألك أن تعزم لي على رشد أمري)العزيمة عقد القلب على إمضاء الأمر؛ فإن أصل العزم هو الجد والصبر قال الله تعالىفاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل الأحقاف35 والرشد ضد الغي وهو الطاعة والصلاح والصواب. وفي رواية (وأسألك أن تعزم لي على أرشد أمري). سأل العزيمة على الرشد؛ لأنها مبدأ الخير؛ فإن الإنسان قد يعلم الرشد وليس له عزم؛ فإذا عزم على فعله أفلح والعزيمة عقد القلب على إمضاء الأمر الذي يستلزم القصد الجازم المتصل بالفعل وقيل استجماع قوى الإرادة على الفعل ولا قدرة للعبد على ذلك إلا بالله تبارك وتعالى؛ فلهذا سأل الله تعالى أن يمضي قلبه وقصده إلى أحسن الصلاح والطاعة له تعالى في كل أحواله وأموره؛ لأنه طريق النجاة في الدار الآخرة فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه في  تحصيل العزم وفي العمل بمقتضى العزم بعد حصول العزم قال الله تعالى  فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين آل عمران153 والعزم نوعانعزم في الدخول إلى الهدى والرشاد. وعزم على الدوام والثبات على هذا الهدى بعد الدخول فيه والانتقال من حال إلى حال أكمل منها؛ ولهذا سمى الله تعالى خواص الرسل أولي العزم.فإن عون الله تعالى للعبد على قدر قوة عزيمته وضعفها فمن صمم على إرادة الخير أعانه ربه تعالى وثبته عليه فيض القدير ومجموعة رسائل ابن رجبوفي رواية (اللهم إني أستهديك لأرشد أمري) السين سين الطلب أي أطلب الهداية. ففيه سؤال الله تعالى طلب الهداية. والهداية نوعانهداية دلالة وإرشاد قال تعالى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا الإنسان3 أي دللناه طريق الحق وطريق الباطل, وهذه الهداية هي التي دعا إليها الرسل وأولو العلم والصالحون في كل زمان ومكان.هداية توفيق وهي لا يقدر عليها إلا الله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدينالقصص56.والعبد يسأل الله تعالى الهدايتين أن يدله على طريق الخير, وأن يوفقه ويثبته عليه, وقوله (لأرشد أمري) أي أن توفقني إلى أفضل السبل الموصلة إلى صلاح أموري, وشؤوني, في ديني, ودنياي, فأفوز برضاك وأنال جنتك.روى مسلم وغيره عن علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  قل اللهم اهدني وسددني واذكر بالهدى هدايتك الطريق وبالسداد سداد السهم .قال الرازي والذي جربته من أول عمري إلى آخره؛ أن الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله صار ذلك سببا إلى البلاء والمحنة والشدة والرزية وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه؛ فهذه التجربة قد استمرت لي من أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين؛ فعند هذا استقر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه .. ومن كان له ذوق في مقام العبودية وشرب من مشرب التوحيد عرف أن الأمر كما ذكرناه(اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)وهذا مطلب الأكابر ومطمح السادة الذين لهم في الإيمان القدم الراسخ ومن محبة الرحمن الحظ الوافر .. في غزوة تبوك جهز عثمان بن عفان رضي الله عنه جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا وأتم الألف بخمسين فرسا وألقى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ألف دينار وجاء بسبعمائة أوقية ذهب صبها بين يدي رسول الله حتى جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلب يديه ظهرا لبطن ويدعو له ويقول (غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا ). كنز العمال 36189(وما أخطأت وما عمدت) المراد بالخطأ هو الذي يخطئ به المرء جهة الصواب من قوله تعالى مما خطيئاتهم أغرقوا ليس المراد ضد العمد فإنه لا يؤاخذ به قال تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به الأحزاب5 وكذا المراد بقوله تعالى أو أخطأنا البقرة286 فإنه المكسوب بقصدهم إليها وتعمدهم إياها.مشكل الآثار للطحاوي(وما جهلت وما علمت)وما جهلت أي ما عملته جاهلا بقصدي إليه مع معرفتي به وجنايتي على نفسي بدخولي فيه وعملي إياه في استعمال ما فيمن يعقل. مشكل الآثار للطحاويولا يخفى ما في هذه الأدعية من معاني الشمول والإحاطة وتلك ميزة نبوية اختص الله بها حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم فأعطاه من جوامع الكلم الباهرات ومن فصيح العبارات وجميل الإشارات مما هو من دلائل نبوته وعلو درجته فصلى الله عليه في الأولين والآخرين صلاة دائمة إلى يوم الدين. وسؤال الله تعالى المغفرة يقصد بها الستر والتجاوز عن كل الذنوب بكل مراتبها وأنواعها التي يقترفها العبد في كل أحواله وأوقاته فما من ذنب إلا وقد دخل فيه هذا الاستغفار العظيم؛ فإن الفائدة في سؤال الله تعالى غفران الذنوب بهذا التفصيل والتعميم تكثيرا لمقام العبودية والذل لله تعالى وحتى يستحضر العبد ما يدعو به؛ فإن استحضار هذه الذنوب بأنواعها وإفرادها له وقع عظيم في النفس في تقوية إرادتها في عدم الوقوع بها في العاجل والآجل.والله أسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل وأن يبصرنا بأرشد أمرنا إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه.الهوامش(1) أخرجه النسائي في الكبرى 6 246 برقم 10830 والحاكم 1510 وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه أحمد 33 197 برقم 19992 وصحيح ابن حبان 3 181 وقال الحافظ في الإصابة ((إسناده صحيح)) وصححه الألباني في تخريج رياض الصالحين في تعليقه على الحديث رقم 1495 والتعليقات الحسان برقم 896  والأرناؤوط في تعليقه على المسند 33 197. جمع وترتيبد خالد سعد النجار  

مقالات عشوائية