عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان - (19) صلة الرحم
الوسيلة السادسة صلة الرحموهي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول فتارة تكون بالمال وتارة تكون بالخدمة وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك وصلة الرحم من أسمى المطالب التي يعنى بها الإسلام ويرغب فيها وهي قرابة الرجل من جهة أبيه ومن جهة أمه وهذه من الحقوق التي دعت إليها الفطرة السليمة وقررتها الشريعة السمحة. فاحرص أخي يا ابن الإسلام على أن تصل رحمك واحذر أن تقطعهم حتى ولو قطعوك قال تعالى فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم محمد 22 23 وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وفيهما قال صلى الله عليه وسلم الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله وعند البخاري عن أنس قال صلى الله عليه وسلم من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه وبسط الرزق كما قال النووي توسيعه وكثرته وقيل البركة فيه وأما التأخير في الأجل ففيه سؤال مشهور وهو أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص؛ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون الأعراف 34 وقد أجاب العلماء بأجوبة والصحيح منها أن هذه الزيادة بالبركة في عمره والتوفيق للطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانتها عن الضياع في غير ذلك. والثاني أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفى اللوح المحفوظ ونحو ذلك فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون وقد علم الله تعالى ما سيقع له من ذلك وهو من معنى قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب الرعد 39 فيه النسبة إلى علم الله تعالى وما سبق به قدره ولا زيادة بل هي مستحيلة وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تتصور الزيادة وهو مراد الحديث. والثالث أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت حكاه القاضي... وهو ضعيف أو باطل والله أعلم. والأحاديث كثيرة في الحث على صلة الأرحام والتحذير من قطعها فأين نحن من صلة الأرحام؟! وأين صلة الأرحام في هذا الزمان الذي انتشرت فيه قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين ولا حول ولا قوة إلا بالله. إن حق القرابة قد ضيع في هذا الزمان من قبل كثير من الناس إلا من رحم ربك فتجد الواحد منهم لا يصل قرابته لا بالجاه ولا بالمال ولا بالخلق.. تمضي الأيام والشهور والسنون ما رآهم ولا زارهم ولا تحبب إليهم بهدية ولا جلب لهم منفعة أو دفع عنهم مضرة بل ربما إلى جانب ذلك أساء إليهم بالقول أو بالفعل أو بهما معا! يصل البعيد ويقطع القريب! ومن الناس من يعامل قرابته بالمثل؛ إن وصلوه وصلهم وإن قطعوه قطعهم وهذا ليس بواصل في الحقيقة بل هو مكافئ للمعروف بمثله والمكافأة على المعروف يشترك فيها القريب وغيره والواصل حقيقة هو من يصل قرابته ابتغاء وجه الله ولا يبالي سواء وصلوه أم لا؛ ففي صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم ليس الواصل بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها. ولقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أداء حق الرحم وإن عاملونا بالجفوة والغلظة والشر في حين أنه يطمئننا على مستقبلنا ويزيح عن قلوبنا اليأس؛ ففي صحيح مسلم أن رجلا قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي! فقال لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم تطعمهم وتلقمهم المل ولا يزال معك من الله ظهير معين ناصر عليهم ما دمت على ذلك قال الأزهري أصل الملة التربة المحماة تدفن فيها الخبزة وقال القتيبي المل الجمر ويقال للرماد الحار أيضا المل فالملة كوضع الخبزة يقول إذا لم يشكروك فإن عطاءك إياهم حرام عليهم ونار في بطونهم ففيه تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم. حكم صلة الرحم ودرجاتهاقال القاضي عياض لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة والأحاديث تشهد لهذا ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة؛ فمنها واجب ومنها مستحب ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعا ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لا يسمى واصلا. اهـ. وصلة الرحم لها فضائل وثمرات كثيرة وعظيمة أذكر بعضا منها منبها على أنه قد ورد في كل ما سأذكر أحاديث صحيحة ولكني لم أذكرها اختصارا فارجع إليها إن شئت في كتاب حق الرحم للشيخ المصري 1 أنها عبودية لله تعالى لأمره بها؛ فإن وصلتها أطعت ربك وكنت عبدا لله حقا. 2 صلة الرحم شعار الإيمان بالله؛ فعند البخاري من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه. 3 الله تعالى يصل الواصل في الدنيا والآخرة فيمده بالرحمة وييسر له الأمور ويفرج عنه الكربات. 4 صلة الرحم تجلب للعبد رضا الله ومحبته. 5 صلة الرحم يكفر الله بها سيئات العبد. 6 صلة الرحم أعجل الطاعة ثوابا وقطيعة الرحم من أعجل المعاصي عقوبة. 7 الذين يصلون الأرحام هم الصادقون المتقون. 8 صلة الرحم تجعلك في أعلى المنازل. 9 صلة الرحم أحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان به. 10 أنها من أسباب البركة في العمر والرزق. 11 الصدقة على ذي الرحم أعظم أجرا من الصدقة على المسكين. 12 صلة الرحم تعمر الديار وتزيد في الأعمار. 13 صلة الرحم من أعظم أسباب دخول الجنة. أسباب قطيعة الرحمالأسباب كثيرة جدا لكن أبرزها ما يلي الجهل بحقوق الأقارب وضعف التقوى والكبر والانقطاع الطويل الذي يسبب الوحشة والنسيان والتطفل الزائد من قبل الموصول مما يجعل الواصل لا يحرص على زيارته؛ لئلا يقع في الحرج واللامبالاة وعدم الاكتراث بالزائرين من الأقارب والعتاب الشديد من بعض الأقارب مما يسبب النفرة منه. الشح والبخل ممن آتاه الله بسطة في الرزق فتراه لا يواصل قرابته؛ لئلا يخسر عليهم من ماله؛ كاستدانتهم منه وغير ذلك ونسيان بعض الأقارب في الولائم الأمر الذي يسبب سوء الظن فيما بينهم والوشاية والإصغاء إليها والمزاح الخارج عن حد الاعتدال والمن وتعداد الأيادي والمطالبة بالمثل والطلاق بين الأقارب وتأجيل قسمة المواريث بين الأقارب. فعلى الأقارب أن يحاولوا اجتناب هذه الأسباب وغيرها المؤدية للقطيعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. أضرار قطيعة الرحم احذر أخي يا ابن الإسلام من مغبة قطيعة الرحم؛ فإنها تقطع الصلة بين العبد وبين الرب تبارك وتعالى. تجلب للعبد سخط الرب وبغض الناس من حوله. تقطع الأواصر الاجتماعية في المجتمع الواحد. تجعل صاحبها بأخبث المنازل. يعجل الله لصاحبها العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له من العقوبة يوم القيامة. قاطع الرحم يعرض نفسه لعدم قبول عمله. الذي يبخل على أرحامه يعرض نفسه للعذاب. قطيعة الرحم تخرب الديار. قاطع الرحم يعرض نفسه لدخول النار. قاطع الرحم لا يدخل الجنة مع أول الداخلين. وهناك أضرار أخرى كثيرة غير ما ذكرت فلنحذرها جميعا والله المستعان. آداب صلة الرحم ينبغي تعلم بعض الآداب المتعلقة بصلة الرحم ومنها النية الصالحة والإخلاص؛ فإن الله تعالى لا يقبل إلا العمل الخالص فيجب أن نخلص النية لله تعالى. الاحتساب وانتظار الأجر من الله تعالى فلا تنتظر المقابل والمكافأة من الناس. تجنب قطيعة الرحم أو الانشغال عن وصلها بمتاع الدنيا. زيارتهم في بيوتهم وتفقد أحوالهم وإدخال السرور عليهم بتقديم الهدايا لهم. البدء بالأقرب؛ فكلما كان ذو الرحم أقرب كانت صلته أوجب ووجب على الواصل أن يبدأ به. صلة الرحم بنصحهم وإرشاد ضالهم وتذكير غافلهم وهذا أعظم حقوقهم إنجاؤهم من النار ودلالتهم على طريق الجنة وإعانتهم على الخير. أن يقدم في صلته أتقاهم لله؛ فهو أعظم حقا وأزيد أجرا هذا مع كون الصلة للقريب الكافر أيضا خصوصا إذا كان بغرض دعوته للإسلام كما تكون الصلة للقريب المسلم غير الصالح ولا سيما إذا كانت بغرض نصحه وإرشاده ودعوته إلى الخير وتحبيبه إليه. التصدق عليهم إن كانوا فقراء فمن تصدق على ذي رحم كان له ثوابان؛ ثواب على صدقته وثواب صلته رحمه كما في الحديث الصحيح في مسند الإمام أحمد. تعلم النسب وتفقد الأقارب الذين يمتون للمرء بقرابة بعيدة؛ فإنه إن أحسن النية في البحث عنهم وصلتهم كان ذلك من أفضل أعماله وهذا مما ينبغي أن يحرص عليه المؤمن الراغب في الخير. ألا تكون الصلة على وجه المكافأة. المداومة على وصل ذي الرحم القاطع وتحمل أذاه. تفقد أحوالهم والسؤال عنهم والدعاء لهم وإكرامهم دائما مع كف الأذى عنهم. العفو والصفح عنهم وهو تجنب السيئة بمثلها والقطيعة بمثلها. تجنب الخلوة بالأجنبية أو مصافحتها أثناء زيارة الأرحام فإياك أن تفعل حسنة بسيئة؛ أي إنه ليس معنى صلة الرحم أن تخالط النساء وتمازحهن؛ فإن هذا حرام تذهب سيئاته بحسناته ولتحذر أيضا من أي مشاركة في المعاصي والمخالفات ولو هانت. الكاتب محمود العشري.
مقالات عشوائية