التوازن والاعتدال هي إحدى المبادىء الأساسية للاقتصاد الإسلامي؛ فالحياة الاقتصادية في ظل النظام الاقتصادي الإسلامي حياة متوازنة ومعتدلة؛ ومتناسقة مع جوانب الحياة المادية والروحية الأخرى، فهو اقتصاد وسط؛ لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا يعرف التنكيس ولا الغلو؛ ولا الضرر ولا الإضرار؛ فلا مكان للتعدِّ على حقوق الآخرين, والوسطية هذه مكملة لعنصر اليسر والسهولة، ولازم من لوازمه، فإن المكلف الذي يخرج عن حد الوسطية والاعتدال، يدخل لا محالة الى دائرة العسر والحرج.
الإسلام دين وسط لا إفراط فيه ولا تفريطجاءت الشريعة الإسلامية بمنهجٍ رباني شامل اتسم بخصائص عدة، كان منها خاصية التوازن والاعتدال، فلا يوجد في الإسلام إفراط ولا تفريط، ولا يوجد إهمالٌ أو تشدد، بل هو منهاج وسطي تميزت به الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم يحقق التوازن بين متطلبات الروح والجسد، قال الله تعالى: [ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ][سورة البقرة-الآية:143].
الإسلام دين وسط لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا يعرف التطرف ولا الغلو، هو دين السلام والسماحة واليسر، وبالوسطية بُعث رسول الله ﷺ, والشريعة الإسلامية جاءت كاملة لا تحتمل زيادة ولا نقصانًا، [قال الإمام مالك: « من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )(سورة المائدة-الآية:3], فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً »][1]. كما أنه خروج عن طبيعة البشر العادية، وخرق لفطرة الله التي فطر الناس عليها، فالغلو لا تحتمله طبيعة البشر، ولا يصبر عليه المكلفون، فلا يتحمله الكافة.
وبالتالي لا يصلح الغلو دينًا؛ والإسلام خطاب للكافة، والغلو لكونه خروجًا عن الفطرة فتنة وفساد كبير، وهذا ما عبر عنه النبي (ﷺ) موجهًا معاذ بن جبل لما بلغه أنه أطال بالناس في الصلاة: [ يا مُعاذُ، أفتَّانٌ أنت؟! أفتَّانٌ أنت؟! اقرأ ْبكذا اقرَأْ بكذا، قال أبو الزُّبَيرِ بـ ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ), وفي روايةٍ: يا مُعاذُ، لا تكُنْ فتَّانًا؛ فإنَّه يصَلِّي وراءك الكبيرُ والضَّعيفُ وذو الحاجةِ والمسافِرُ ][ أخرجه البخاري (701)، ومسلم (465)]
فكان عليه الصلاة والسلام يصلي صلاة وسطاً ليس فيها إطالة تشق على الناس[2], وكان غضب النبي ﷺ لعدم مراعاته لظروف الناس، وفيه شدة كراهة النبي ﷺ لكل ما يؤدي من قريب أو بعيد إلى التعسير والتنفير.
فالمتشدد الغالي هو كالمنبت (المنقطع) الذى أخبر عنه نبينا ﷺ، وبين أن سعيه بلا جدوى فلا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، ومن هنا كانت سماحة الدعوة تقتضى أن نبتعد عن الغلو، وأن نكلف من الأمر ما نطيق استجابة للتوجيه النبوي, قال رسول الله ﷺ: [علَيْكُم بما تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حتَّى تَمَلُّوا وكانَ أحَبَّ الدِّينِ إلَيْهِ مَادَامَ عليه صَاحِبُهُ][صحيح مسلم-رقم الحديث:782]، ولا يغيب عن الأذهان الحقيقة التي أسداها النبي ﷺ ، وهي أن أمر الدين شديد، فمن أوغل فيه فليوغل برفق.